«ماماو»... وراء جيمس ديفيد فانس جدّةٌ عظيمة

فيلمٌ على «نتفليكس» يروي سيرة نائب ترمب ويعود للصدارة بعد سنوات من النسيان

جيمس ديفيد فانس وجدّته «ماماو» في لقطة من فيلم Hillbilly Elegy (نتفليكس)
جيمس ديفيد فانس وجدّته «ماماو» في لقطة من فيلم Hillbilly Elegy (نتفليكس)
TT

«ماماو»... وراء جيمس ديفيد فانس جدّةٌ عظيمة

جيمس ديفيد فانس وجدّته «ماماو» في لقطة من فيلم Hillbilly Elegy (نتفليكس)
جيمس ديفيد فانس وجدّته «ماماو» في لقطة من فيلم Hillbilly Elegy (نتفليكس)

لم تأتِ نجوميّة جيمس ديفيد فانس على الطبق الفضّي الذي قدّمه له دونالد ترمب، عندما اختاره نائباً له في السباق الرئاسيّ الأميركيّ. فانس، المعروف بـ«جي دي»، نجمٌ على رفوف المكتبات والشاشات منذ عام 2016.

كان في الـ32 من عمره عندما نشر سيرته الذاتيّة، التي تصدّرت المبيعات وألهمت المخرج والمنتج الأميركي رون هاوارد فحوّل الكتاب إلى فيلم عُرض عام 2020. تحت عنوان «Hillbilly Elegy» (مرثيّة هيلبيلي)، أطلّ فانس على الأميركيين الذين تبنّوا قصته؛ فهي تحمل الكثير من عناصر «الحلم الأميركي» أو American Dream.

ساعِدان غسلا الصحون

إنه الشابّ المتحدّر من منطقة جبليّة منسيّة في ولاية كنتاكي والطالع من بلدة ميدلتاون المحرومة في ولاية أوهايو، ومن عائلةٍ فقيرة أضناها الإدمان على المخدّرات. حفر طريق مجده بساعدَيه اللذَين غسلا الصحون في المطاعم، وبطموحه الذي أخذه للخدمة العسكريّة في العراق في صفوف «المارينز»، وكذلك بالإلهام الذي بثّته فيه جدّته أو «ماماو».

تحبّ الشاشة هذا الصنف من الأبطال، الذي يصارع القدَر، ويُثبت أنّ طفلاً محروماً ومعنَّفاً وآتياً من بين الأقلّيّات، يمكن أن يصبح سيناتوراً وربّما نائباً لرئيس الولايات المتحدة الأميركية، وهو لم يبلغ الـ40 بعد.

«جي دي» فانس مستعداً لانضمامه إلى «المارينز» (نتفليكس)

مشاهَدات 1000 %

ما إن أعلن ترمب تسميته فانس نائباً له، حتى اشتعلت أرقام مُشاهدات الفيلم الذي تبثّه «نتفليكس» وتضاعفت بنسبة 1000 في المائة. فخلال ساعات، دخل «Hillbilly Elegy» قائمة الأفلام الأكثر مشاهدةً على المنصّة، بعد أن كان واحداً من الأعمال المَنسيّة في مكتبة «نتفليكس» الضخمة. مع العلم بأنّ عرضَه الأوّل قبل 4 سنوات، واجهَ انتقاداتٍ كثيرة ولم يحقّق نجاحاً في دور السينما. لكن يبدو أنّ موعد القطاف قد حان بالنسبة إلى «نتفليكس»، التي كانت قد خصّت الفيلم بميزانيّة إنتاجيّة قَدرُها 45 مليون دولار.

الكلّ راغبٌ بمعرفة المزيد عن «جي دي» فانس وعن حكايته غير التقليديّة، حتى وإن لم يقدّم الفيلم بنيةً متماسكة ولا حبكةً جذّابة. لا تضيء القصة على اهتماماته السياسية ولا على فترة خدمته العسكريّة، إلّا أنها تركّز على طفولته ومراهقته. يسير ذلك بالتوازي مع الحقبة التي كان في خلالها طالباً يتخصّص في الحقوق في جامعة «يال»، ويحاول اختراق المجتمع الرأسمالي بحثاً لنفسه عن مكانة مرموقة.

فانس (الممثل أوين أستالوز) ووالدته بيفرلي (إيمي آدامز) في مشهد من الفيلم (نتفليكس)

في ظلّ أمٍ مدمنة

يتقدّم الفيلم على وقع الرجعات الزمنيّة أو «الفلاش باك»، مشرّحاً الماضي القاسي الذي اختبره فانس. يتحصّن بأداءٍ مميّز لكلٍ من غلين كلوز بدور جدّته «بوني» التي يناديها «ماماو»، وإيمي آدامز بشخصية «بيفرلي» والدته. أما فانس، فقد أدّى دوره غابرييل باسو شاباً وأوين أستالوز في مرحلة المراهقة.

حملت بيفرلي فانس بجيمس وبشقيقته ليندسي في سنٍ صغيرة. لا يذكر الفيلم شيئاً عن الوالد الذي انفصل عن الوالدة حينما كان فانس في سنواته الأولى. أخذ اسمَه عن أمّه وكبر وسط عائلتها، أما هي فلم تتقبّل يوماً أنّ حملها المبكر حرمَها التقدّم والنجاح. عاش «جي دي» في ظلّ والدةٍ مصابة بالاضطرابات النفسيّة ومدمنة على المخدّرات. وممّا أغرقها أكثر في دوّامة الإدمان، عملها ممرّضة في مستشفى، حيث اعتادت سرقة الأدوية المهدّئة للاستعمال الشخصيّ.

قدّمت الممثلتان غلين كلوز وإيمي آدامز أداءً مميّزاً في دورَي الجدّة والأمّ (نتفليكس)

فانس المعنَّف

يعود الفيلم في الذاكرة إلى لحظاتٍ حرجة في سيرة فانس، كذلك اليوم الذي عرّضت فيه الأم حياتها وحياة ابنها للخطر خلال قيادتها الهستيريّة للسيارة، ثمّ أبرحته ضرباً فلجأ إلى منزل أشخاصٍ غرباء هرباً من عنفها. ولم تكن تلك المرة الوحيدة التي تتحطّم فيها صورة الأمّ في نظر فانس. فمن بين أقسى الصدمات التي تعرّض لها طفلاً، مشاهدتُه إيّاها مثيرةً جلبة في الشارع بعد أن قطعت شرايين يدها محاولةً الانتحار. عانى بصمت ونضج قبل الأوان، محاولاً تفهُّم والدته والتعاطف معها.

وإذا كان «جي دي» بطل الحكاية، فإنّ «ماماو» هي وَقودها. لطالما هرعت الجدّة لإنقاذه. رغم قسوتها، ولسانها السليط، وماضيها الذي لم يخلُ هو الآخر من العنف إلى جانب زوجها المدمن على الكحول، فهي كانت الحضن الأوحد الذي استقبل الحفيد جيمس. يمكن القول إنّ «ماماو» صنعت من جيمس ديفيد فانس ما هو عليه اليوم.

صورة حقيقية تجمع جيمس ديفيد فانس بجدّته بوني (إنستغرام)

دروس «ماماو»

عندما تزوّجت بيفرلي مرةً ثانية وأخذته معها للإقامة في منزل زوجها، دخل «جي دي» في دوّامة عادات المراهَقة السيّئة، متأثّراً بمجموعة من الأصدقاء ذوي السلوك المنحرف. انعكس ذلك تراجعاً في أدائه المدرسيّ ما اضطرّ «ماماو» للتدخّل. غادرت سرير المستشفى وهي بعدُ مريضة، لتتوجّه فوراً إلى منزل زوج ابنتها وتسحب حفيدها عنوةً من هناك.

في بيت «ماماو» وعلى يدها، تعلّم فانس الكفاح. «عندما أغادر هذه الدنيا، مَن سيعتني بالعائلة من بَعدي؟»، قالت له. لكن ليس ذلك فقط ما ألهمَه. ففي تلك الآونة، عاش الشابّ اليافع وجدّته وسط فقرٍ مدقع حرمَهما حتى الطعام. كانت تلك الظروف الصعبة كافية لإشعال الطموح في قلب جيمس، إذ دخل قاصراً مجال العمل من باب وظائف متواضعة كغسل الصحون، وترتيب الرفوف في متاجر صغيرة. كل ذلك بالتزامن مع مثابرته على الدراسة والحصول على درجات عالية.

فانس مع والدته وشقيقته في أحد مشاهد الفيلم (نتفليكس)

«مرّتَين احتجتُ إلى مَن ينتشلُني، وقد فعلت ماماو ذلك. في المرة الأولى، عندما أنقذتني. وفي الثانية، عندما علّمتني أنّ جذورنا هي ما نحن عليه، لكننا نختار يومياً مَن نريد أن نصبح». لقد اختار فانس فعلاً مَن يريد أن يكون، فقرّر الخروج من صدمات الطفولة بقوّة المثابرة. ثم تحرّرَ من القيود المعنويّة التي فرضتها عليه أمّه. حتى آخر لحظات الفيلم، ظهرت بيفرلي غارقةً في إدمانها. من جديد وقف ابنُها إلى جانبها وساندَها مادياً وعاطفياً، لكن هذه المرة لم يسمح لها بأن تحدّد مصيره. أوصد الباب على الماضي الأليم واتّجه صوب قصة نجاحه.


مقالات ذات صلة

«النواب الأميركي» يصوت لصالح إلغاء رسوم جمركية فرضها ترمب على كندا

الولايات المتحدة​ مجلس الشيوخ الأميركي (أ.ف.ب)

«النواب الأميركي» يصوت لصالح إلغاء رسوم جمركية فرضها ترمب على كندا

صوت مجلس النواب الأميركي، اليوم، لصالح إلغاء رسوم جمركية فرضها الرئيس دونالد ترمب على السلع الكندية، حيث تجاهل نواب جمهوريون تهديد الرئيس بمواجهة عواقب في…

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش»... (أرشيفية - رويترز) p-circle

البنتاغون يستعد لنشر حاملة طائرات ثانية في الشرق الأوسط

أصدرت وزارة الحرب الأميركية تعليمات لحاملة طائرات ثانية بالاستعداد للانتشار في الشرق الأوسط، في إطار استعدادات الجيش الأميركي لهجوم محتمل على إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري صورة نشرها سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة مايكل لايتر على منصة «إكس» من لقاء نتنياهو ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في «بلير هاوس» بواشنطن الأربعاء

تحليل إخباري «اليوم التالي» مع إيران… نتنياهو يطلب غطاءً أميركياً

يجمع مسؤولون إسرائيليون على أن فرص رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإقناع الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتغيير موقفه تبقى محدودة.

نظير مجلي (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ ترمب ووزير التجارة على متن الطائرة الرئاسية في 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

«شبح إبستين» يُؤرّق إدارة ترمب

هزّت ملفات إبستين الأخيرة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ودفعتها مرة جديدة إلى اتخاذ وضعية الدفاع لمواجهة تقارير من شأنها أن تورط وزير تجارته هاورد لوتنيك.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ حاكمة فيرجينيا أبيغيل سبانبرغر تتحدّث خلال فعالية في ريتشموند يوم 2 فبراير (أ.ب)

ديمقراطيو فيرجينيا يعيدون رسم الخريطة الانتخابية

أقر الديمقراطيون في فرجينيا مشروعاً يعيد ترسيم الخريطة الانتخابية في الولاية، بما يمنحهم غالبية ساحقة في العديد من الدوائر خلال الانتخابات النصفية للكونغرس.

علي بردى (واشنطن)

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.