«هاجس روسيا» يحسم معركة خلافة أمين عام الناتو لصالح مارك روته

دول «الكواد» دعمت ترشيحه... والمعارضون رضخوا لرغبتهم

ستولتنبرغ لدى استقباله روته في مقرّ «الناتو» ببروكسل يونيو 2021 (أ.ب)
ستولتنبرغ لدى استقباله روته في مقرّ «الناتو» ببروكسل يونيو 2021 (أ.ب)
TT

«هاجس روسيا» يحسم معركة خلافة أمين عام الناتو لصالح مارك روته

ستولتنبرغ لدى استقباله روته في مقرّ «الناتو» ببروكسل يونيو 2021 (أ.ب)
ستولتنبرغ لدى استقباله روته في مقرّ «الناتو» ببروكسل يونيو 2021 (أ.ب)

من بين جميع المرشحين، الذين كانوا يحلمون بخلافة أمين عام الحلف الأطلسي النرويجي، ينس ستولتنبرغ، الذي يدير النادي الأطلسي منذ 10 أعوام، رسا الخيار على رئيس وزراء هولندا المستقيل، مارك روته، منذ خريف العام الماضي، لكنه ما زال يصرف الشؤون الحكومية بانتظار فوز الحكومة الجديدة بثقة البرلمان.

المنافسون كانوا كثيرين، وهم جميعاً من شخصيات الصف الأول. وآخر من سحب ترشيحه هو الرئيس الروماني، كلاوس يوهانيس، الذي تنتهي ولايته الثانية على رأس الجمهورية الرومانية قريباً. ولإبراز الارتياح الذي أوجده قرار الانسحاب، فإن وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، سلّم نظيرته الرومانية لومينيتا أودوبيسكو، في واشنطن، رسالة شكر لرئيسها الذي قبل التضحية بترشيحه لإزالة آخر عائق أمام وصول روته إلى أعلى منصب داخل الحلف الأطلسي. وقال بلينكن إنه «ممتن» لما قام به يوهانيس من أجل الحلف، على الرغم من أنه لم يذكر على وجه التحديد المنافسة على منصب الأمين العام المقبل لـ«الناتو». ولم يبخل في كيل المديح لبوخارست بقوله: «لقد لعبت رومانيا دوراً حاسماً في التأكد من أن الحلف يركز (انتباهه) على كل مكان يحتاج إلى التركيز عليه، بما في ذلك على الجناح الشرقي» للأطلسي. وكانت رومانيا، العضو السابق في حلف وارسو، قد انضمّت إلى «الناتو» منذ العام 2004، ولعبت دوراً بارزاً بشكل متزايد في الحلف منذ انطلاق الحرب الروسية على أوكرانيا. وتشعر بوخارست بالتهديد في حال تمددت الحرب إلى أبعد من أوكرانيا.

موقف «الكواد»

برز روته، في المنافسة الأطلسية، بصورة المرشح الأقوى، بعد أن اختاره قادة مجموعة «كواد»؛ التي تشمل الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، أي الأعضاء الأكثر أهمية في الحلف، ونجحوا في إقناع غالبية القادة الآخرين بتأييد ترشيحه.

روته يلتقط صورة مع الشباب الهولندي في لاهاي الجمعة (إ.ب.أ)

وبرزت الصعوبة الأولى في إقناع الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، الذي لم ترقَ له فكرة اختيار روته، وهو الهولندي الرابع الذي يشغل هذا المنصب في السنوات الـ75 الماضية. أما الصعوبة الأخرى، فكان عنوانها رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، الذي تربطه علاقة عاصفة بأمين عام الحلف المقبل، بسبب انتقادات الأخير الحادة لخط بودابست إزاء الحرب الأوكرانية. ويُمثّل روته الخط الأطلسي داخل الاتحاد الأوروبي، إلى جانب دول البلطيق وبولندا. وجاءت موافقة أوربان لتشجع سلوفاكيا، ثم رومانيا، على الاحتذاء بالمجر، ومن ثم تعبيد طريقه الأطلسية.

وليس سراً بأنّ كايا كالاس، رئيسة وزراء أستونيا، كانت تحلم، من جانبها، بأن تكون أول امرأة تحتل أعلى منصب في الحلف. وكانت تحوز دعم مجموعة من الأعضاء، خصوصاً جيرانها من دول البلطيق. وكذلك جرى تداول اسم رئيس وزراء الدنمارك، ميتي فردريكسين، ووزير الدفاع البريطاني السابق، بن والاس، فضلاً عن رئيسة المفوضية الأوروبية الألمانية، أورسولا فون دير لاين.

إلا أن إرادة القادة الأربعة كانت، في المحصلة، الغالبة. وبالتالي فإن سفراء الدول الأطلسية الـ32، سيعينون مارك روته، رسمياً، خلال اجتماعهم في مقر الحلف في بروكسل، الأسبوع المقبل، أميناً عاماً جديداً للحلف لولاية أولى من أربع سنوات. ورسمياً، سيتسلم روته منصبه الجديد في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

3 مؤهلات أساسية

تقول مصادر أوروبية في باريس إن ثمة مجموعة عناصر كانت تدفع القادة الأطلسيين للإسراع في قلب صفحة التعيين؛ أولها رغبتهم في إبراز وحدة الحلف في وقت تتواصل فيه الحرب الأوكرانية، ولا تلوح في الأفق أي مبادرة تشير إلى احتمال التوصل إلى تسوية سياسية. ولا سيّما أن «قمة السلام» التي استضافتها سويسرا، نهاية الأسبوع الماضي، لم تسفر عملياً عن أي تقدم في هذا الاتجاه.

رئيس الوزراء الهولندي مارك روته مرحباً بزيلينسكي وزوجته في احتفالات النورماندي 6 يونيو (رويترز)

وثاني العناصر، استشعار الحاجة لأمين عام معروف بدعمه اللامحدود لأوكرانيا. والحال أن روته تنطبق عليه هذه الصفة، وهو من أبرز القادة الأوروبيين الذين ينتهجون خطّاً بالغ التشدد إزاء روسيا، وخصوصاً إزاء الرئيس فلاديمير بوتين، حتى قبل انطلاق «العملية العسكرية الخاصة» ضد أوكرانيا.

وثالث العناصر شخصية رئيس الوزراء الهولندي، الذي بقي في منصبه طيلة 14 عاماً، واشتهر بقدراته التفاوضية، ونزوعه الدائم لإيجاد تسويات بين المواقف والآراء المتضاربة.

ويُعدّ روته أحد القلائل الذين أجادوا التعامل مع الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترمب، الذي قد يعود إلى البيت الأبيض بداية العام المقبل. ولذا، فإن وجود أمين عام مقتنع بالحاجة لدعم أوكرانيا، يمكن أن يكون عاملاً مفيداً للتعامل مع رئيس أميركي (ترمب) تبدو سياسته ضبابية بالنسبة لمستقبل الحلف، وبالنسبة لنظرته إلى مكونه الأوروبي الذي دأب على اتهامه، منذ سنوات، بأنه يعتمد في الدفاع عن نفسه على الولايات المتحدة الأميركية، في حين يغذي روسيا مالياً بمشترياته من الغاز والمواد الأولية.

ووقع الخيار على روته رغم أنه غير متخصص بالشؤون الدفاعية.

روته وبوتين

منذ أن انطلقت الحرب في أوكرانيا، كان روته من أبرز الداعمين لتوفير كل أنواع الدعم السياسي والمالي، وخصوصاً العسكري، لإنزال الهزيمة بالقوات الروسية. وموقفه ليس جديداً، بل عبّر عنه منذ العام 2022، وكرّره مراراً، مؤكداً أن «هزيمة روسيا تُعدّ أمراً حيوياً لضمان السلام في أوروبا». وكذلك، فإن روته دعا إلى «التخلي عن السذاجة» في التعاطي مع الرئيس بوتين.

بوتين لدى مشاركته السبت في فعاليات ذكرى الاجتياح النازي للاتحاد السوفياتي (رويترز)

وقال في كلمة له أمام الأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) من العام 2022: «لن يتوقف (بوتين) عند أوكرانيا إذا لم نوقفه الآن. هذه الحرب أكبر من أوكرانيا نفسها؛ إنها تتعلق بدعم سيادة القانون الدولي». كذلك، دعا إلى أن يكون الحلف قوياً في التعامل مع روسيا. وكانت هولندا من أكثر الدول استجابة لحاجات أوكرانيا، كما كانت من أولى الدول التي قبلت تزويدها بطائرات مقاتلة من طراز «إف 16» والصواريخ والمدفعية بعيدة المدى. وكذلك، عمدت إلى رفع إنفاقها الدفاعي إلى ما يزيد على 2 بالمائة من إنتاجها الداخلي الخام.

وباختصار، إذا كان قادة «الناتو» الـ32 يريدون أميناً عاماً لا يرتجف أمام بوتين، وصلباً في الدعوة إلى الوقوف الدائم الى جانب أوكرانيا ومن غير حدود، فإن مارك روته هو المرشح «المثالي». ويذكر المتابعون لمساره السياسي أن «عداوته» لروسيا تعود للعام 2014، حين أُسقطت طائرة ماليزية مدنية بصاروخ خلال رحلتها ما بين مطار أمستردام ومطار كوالالمبور شرق الأراضي الأوكرانية، وتحديداً في منطقة دونيتسك التابعة لإقليم دونباس.

وفي العام 2016، توصّل تحقيق أجراه مكتب الادعاء الهولندي إلى نتيجة مفادها أن الطائرة الماليزية التي كان على متنها العشرات من الهولنديين أسقطها صاروخ من نوع «بوك»، تنتجه الصناعة الحربية الروسية، ورجّح أن يكون الصاروخ قد أطلقه الانفصاليون الذين يحظون بدعم موسكو، والذين كانوا في حالة حرب مع الجيش الأوكراني.

جانب من محادثة بين روته وستولتنبرغ على هامش قمة «الناتو» في فلنيوس يوليو 2023 (أ.ب)

ومع الاتفاق على تعيين روته، وما سيتبعه على صعيد الاتحاد الأوروبي من تثبيت فون دير لاين في منصبها على رأس المفوضية الأوروبية، واختيار كايا كالاس لتكون ممثلة العليا لسياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية، يكون الغربيون (الناتو والاتحاد الأوروبي) قد خطوا خطوات كبيرة في ترتيب أوضاعهم لمواجهة المرحلة الحرجة المقدمين عليها، وعنوانها الرئيسي كيفية التعامل مع روسيا، والحفاظ على موقف موحد داخل الصفوف الغربية.



مصارف أميركية في باريس تشدّد تدابيرها الأمنية لمواجهة تهديدات إيرانية محتملة

حارس أمن خارج فرع لـ «بنك أوف أميركا» في باريس (رويترز)
حارس أمن خارج فرع لـ «بنك أوف أميركا» في باريس (رويترز)
TT

مصارف أميركية في باريس تشدّد تدابيرها الأمنية لمواجهة تهديدات إيرانية محتملة

حارس أمن خارج فرع لـ «بنك أوف أميركا» في باريس (رويترز)
حارس أمن خارج فرع لـ «بنك أوف أميركا» في باريس (رويترز)

طلبت مجموعتا «سيتي غروب» و«غولدمان ساكس» المصرفيتان من موظفيهما في باريس العمل من المنزل، وشدّدتا تدابيرهما الأمنية، الخميس، عقب إحباط اعتداء استهدف مؤسسة مالية أميركية أخرى خلال نهاية الأسبوع الماضي، وقال القضاء الفرنسي إنه مرتبط بمجموعة موالية لإيران.

وقال مصدر في الشرطة الفرنسية إن «غولدمان ساكس» في لندن تلقت رسالة إلكترونية من السلطات الأميركية تحذّر من أن مجموعة موالية لإيران هدّدت بمهاجمة مصارف أميركية بمتفجرات.

وقالت متحدثة باسم شركة «سيتي غروب»، «سلامة موظفينا هي أولويتنا القصوى، ونتخذ الإجراءات اللازمة لضمان سلامتهم».

وأضافت، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن «الموظفين في باريس وفرانكفورت يعملون عن بُعد كإجراء احترازي».

ونشرت الشرطة الفرنسية دوريات أمام مكاتب بنك «غولدمان ساكس» الأميركي في الدائرة السادسة عشرة بباريس قرب شارع الشانزليزيه، وفقاً لمصدر في الشرطة.

حراس يقفون خارج فرع لـ «بنك أوف أميركا» في باريس (رويترز)

وتقدّر الحكومة والأجهزة الأمنية الفرنسية أن فرنسا نفسها غير مستهدفة، لكن المصالح الأميركية والإسرائيلية في فرنسا قد تكون مستهدفة، في إطار تداعيات الحرب في الشرق الأوسط المتواصلة منذ أكثر من شهر.

ووجّهت السلطات الفرنسية اتهامات لأربعة أشخاص، هم شاب وثلاثة قاصرين، وأودعتهم الحبس الاحتياطي للاشتباه لمشاركتهم في زرع عبوة ناسفة أمام فرع «بنك أوف أميركا» في باريس قبيل فجر السبت الماضي.

وتتواصل الحرب منذ الهجمات الأميركية-الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط)، والتي أشعلت حرباً إقليمية، وتسببت باضطرابات اقتصادية عالمية.

وأشار المدعون الفرنسيون المتخصصون في مكافحة الإرهاب إلى أن محاولة التفجير قد تكون مرتبطة بـ«حركة أصحاب اليمين الإسلامية» الموالية لإيران، لكنّها قالت إن هذه الصلة غير مؤكدة بعد «بشكل قاطع».

وسبق لهذه الحركة أن أعلنت في الأيام الماضية مسؤوليتها عن هجمات عدة على مجموعات ومواقع يهودية في بلجيكا، والمملكة المتحدة، وهولندا.


4 مسارات ضغط على إيران لإعادة فتح هرمز

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر تترأس اجتماعاً بالفيديو لبحث مستقبل مضيق هرمز يوم 2 أبريل (رويترز)
وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر تترأس اجتماعاً بالفيديو لبحث مستقبل مضيق هرمز يوم 2 أبريل (رويترز)
TT

4 مسارات ضغط على إيران لإعادة فتح هرمز

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر تترأس اجتماعاً بالفيديو لبحث مستقبل مضيق هرمز يوم 2 أبريل (رويترز)
وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر تترأس اجتماعاً بالفيديو لبحث مستقبل مضيق هرمز يوم 2 أبريل (رويترز)

شدّدت 40 دولة، إلى جانب منظمات دولية، من بينها المنظمة البحرية الدولية والاتحاد الأوروبي، على ضرورة «إعادة فتح مضيق هرمز فوراً ومن دون أي شروط»، مؤكدة أن إغلاقه من جانب إيران يُشكّل «تهديداً مباشراً للازدهار العالمي» وانتهاكاً لمبدأ حرية الملاحة وقانون البحار.

وأفاد بيان لرئاسة الاجتماع، الذي دعت إليه وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، الخميس، بأن المجتمع الدولي أظهر «تصميماً واضحاً» على ضمان حرية العبور في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي، إضافة إلى شحنات الغاز الطبيعي المسال والمنتجات النفطية. كما يكتسب المضيق أهمية خاصة لنقل مواد حيوية، مثل الأسمدة، ما يجعله عنصراً أساسياً في دعم سلاسل الغذاء، خصوصاً في أفريقيا.

وحذّر البيان من أن تعطيل الملاحة في المضيق له «تداعيات فورية وبعيدة المدى» على الإمدادات والأسعار والاستقرار الاقتصادي العالمي، مع آثار إنسانية واسعة النطاق، مشيراً إلى أن طهران تحاول استخدام المضيق لاحتجاز الاقتصاد العالمي «رهينة»، وهو ما «يجب ألا يُسمح له بالنجاح».

4 مسارات

حدّد المشاركون 4 مسارات رئيسية للتحرك المشترك: أولاً، زيادة الضغط الدبلوماسي الدولي، بما في ذلك عبر الأمم المتحدة، لإيصال رسالة واضحة ومنسقة إلى إيران بضرورة السماح بالمرور الحرّ وغير المقيّد ورفض فرض أي رسوم على السفن. ثانياً، بحث إجراءات اقتصادية وسياسية منسقة، بما فيها العقوبات، في حال استمرار إغلاق المضيق. ثالثاً، العمل مع المنظمة البحرية الدولية للإفراج عن آلاف السفن والبحّارة العالقين وإعادة حركة الشحن. رابعاً، إقامة ترتيبات مشتركة لتعزيز الثقة في الأسواق والعمليات التشغيلية، عبر التنسيق مع شركات الشحن والهيئات المعنية لضمان تدفق المعلومات بشكل متماسك وفي الوقت المناسب.

جانب من الاجتماع الذي نظّمته الحكومة البريطانية حول مضيق هرمز يوم 2 أبريل (إ.ب.أ)

وأكد البيان أن المشاورات ستتواصل بين الخبراء والمسؤولين في الدول المشاركة، تمهيداً لاتخاذ خطوات عملية لضمان إعادة فتح المضيق واحترام القانون الدولي.

في السياق نفسه، قال مسؤولون أوروبيون إن الاجتماع الافتراضي ركّز أيضاً على تحديد الدول المستعدة للمشاركة في أي ائتلاف محتمل، وبحث الخيارات الدبلوماسية والاقتصادية للضغط على طهران. ومن المقرر أن تستضيف لندن الأسبوع المقبل اجتماعاً لـ«مخططين عسكريين» لبحث خيارات تشمل إزالة الألغام وتوفير قوة طمأنة للسفن التجارية، ضمن مقاربة متعددة المراحل لن تُفعّل قبل وقف إطلاق النار.

«إجماع واسع»

وفي تعليق على أبرز ما خلص إليه اجتماع الخميس، قال مسؤولون بريطانيون إن حركة الشحن عبر المضيق تراجعت إلى ما بين 10 و20 سفينة يومياً، محذّرين من «تداعيات خطيرة» تشمل نقص الوقود ووقود الطائرات والأسمدة، وتأثيرات على الزراعة، خصوصاً في دول الجنوب العالمي، فضلاً عن اضطرابات في سلاسل الإمداد.

وفي إحاطة مغلقة، شاركت فيها «الشرق الأوسط»، قال مسؤول بريطاني إن الاجتماع، الذي ضم دولاً من جميع القارات باستثناء القارة القطبية الجنوبية، عكس «إجماعاً واسعاً» على رفض التدخل الإيراني في الملاحة وفرض رسوم تتعارض مع قواعد حرية العبور. أما عن موقف بريطانيا من دعوة ممثلي إيطاليا وهولندا والإمارات إلى إنشاء «ممر إنساني» يضمن استمرار شحن الأسمدة وتفادي أزمة غذائية، قال المسؤول إن بلاده ترحّب بكل المبادرات التي تساهم في تخفيف تداعيات إغلاق المضيق، لكنها لا تنظر إليها كحلول للأزمة، مؤكداً أن حرية الملاحة يجب أن تكون «كاملة وغير انتقائية لجميع الدول».

ولفت إلى أن النقاش تناول أيضاً أوضاع نحو 20 ألف بحّار، من الهند والفلبين وبنما وغيرها، عالقين على متن أكثر من ألفي سفينة، في ظل مخاطر بيئية مرتبطة بحمولات، مثل النفط، مشدداً على الحاجة الملحّة لتأمين الإمدادات الأساسية لهم، وفق إرشادات المنظمة البحرية الدولية.

تمسّك صيني بوقف النار

في موازاة ذلك، كثّفت الصين تحركاتها الدبلوماسية، داعية إلى وقف إطلاق النار كمدخل لضمان سلامة الملاحة. وأجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي محادثات مع مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، ووزير الخارجية الألماني يوهان واديفول، شدّد خلالها على ضرورة «بناء توافق دولي» لإنهاء الحرب، مؤكداً أن وقف القتال هو «المفتاح» لإعادة تأمين المضيق.

وتأتي هذه التحركات في وقت تتصاعد فيه أسعار الطاقة عالمياً، بينما تسعى الدول الأوروبية إلى صياغة إطار لما بعد النزاع، يضمن حماية الملاحة من دون الانخراط العسكري المباشر. وفي هذا السياق، وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خيار السيطرة العسكرية على المضيق بأنه «غير واقعي»، محذراً من مخاطر التصعيد وتعريض السفن لهجمات محتملة.


تفاوت الردود الأوروبية على تهديدات ترمب بالانسحاب من «الناتو»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في البيت الأبيض العام الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في البيت الأبيض العام الماضي (أ.ف.ب)
TT

تفاوت الردود الأوروبية على تهديدات ترمب بالانسحاب من «الناتو»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في البيت الأبيض العام الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في البيت الأبيض العام الماضي (أ.ف.ب)

لم يكن مفاجئاً أن يأتي الرد الأقسى على تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالانسحاب من الحلف الأطلسي، في خطابه إلى الأمة، الأربعاء، من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الموجود في جولة آسيوية تشمل اليابان وكوريا الجنوبية.

إمبراطور اليابان ناروهيتو وزوجته يستقبلان الخميس الرئيس إيمانويل ماكرون وزوجته بالقصر الإمبراطوري في طوكيو (إ.ب.أ)

ماكرون سعى، منذ وصوله إلى القصر الرئاسي في ربيع عام 2017، إلى بناء علاقات وثيقة مع ترمب، لا بل طمح إلى شيء يشبه علاقات صداقة. لكن تجربة السنوات التسع بينت له أن ترمب لا يُؤمن جانبه، وآخر دليل على ذلك استهزاؤه به، الأربعاء، إذ قال بمناسبة غداء خاص الأربعاء إن ماكرون «تعامله زوجته معاملة سيئة للغاية. لا يزال يتعافى من لكمة قوية على فكه»، في إشارة إلى مقطع فيديو نشر في مايو (أيار) الماضي تظهر فيه بريجيت زوجة الرئيس ماكرون وكأنها توجه لطمة على وجهه، الأمر الذي نفاه الأخير مراراً وبقوة، عاداً ذلك بمثابة مزاح بعد رحلة طويلة من فرنسا إلى فيتنام.

ولم يشأ الرئيس الفرنسي الدخول في جدل مع نظيره الأميركي، مكتفياً بالقول إن تعليقاته «ليست أنيقة ولا ترقى إلى المستوى» المفترض برئيس لدولة مثل الولايات المتحدة، مضيفاً: «لذا لن أرد عليها، إذ إنها لا تستحق الرد».

رد قوي من ماكرون

بيد أن ماكرون لم يمتنع عن التصويب على ترمب في موضوع الحلف الأطلسي الذي يريد الأخير الانسحاب منه بشكل «لا يقبل الجدل»، وفق ما قاله لصحافيين، الأربعاء. وحسب ماكرون الذي يدعو منذ تسعة أعوام إلى تمكين الاتحاد الأوروبي من بلوغ «الاستقلالية الاستراتيجية»، وتخفيف الاعتماد على الحلف الأطلسي، فإن «إثارة الشكوك بشأنه، كل يوم، حول الالتزام (الأميركي) به (يعني) أننا نفرغه من جوهره».

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

وذهب الرئيس الفرنسي إلى اتهام واشنطن بإضعاف الحلف المذكور «عندما تقول كل صباح سنفعل هذا ولن نفعل ذاك أو غيره». كما أخذ عليها الإفراط في الثرثرة، موجهاً كلامه بشكل غير مباشر إلى ترمب بقوله: «هناك كثير من الكلام، وكثير من التقلّب. نحن جميعاً بحاجة إلى الاستقرار والهدوء والعودة إلى السلام، هذا ليس استعراضاً (فنياً)».

ودعا ماكرون إلى «التحلي بالجدية، وعندما نكون جديين لا نقول كل يوم عكس ما قلناه في اليوم السابق». وهجومه هنا على ترمب جاء مباشراً، إذ إن الأخير يكثر من الحديث للصحافة بمناسبة وغير مناسبة، خصوصاً بشأن الحرب على إيران ودوافعها، وكيفية الانتهاء منها، بما في ذلك مصير مضيق هرمز، وكيفية التمكن من ضمان حرية الإبحار فيه.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث إلى الصحافة خلال زيارة للنصب التذكاري للحرب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

تذكر مصادر دبلوماسية في باريس أنها ليست المرة الأولى التي يهدد فيها ترمب بالانسحاب من الحلف الذي رأى النور في عام 1949 لمواجهة طموحات الاتحاد السوفياتي في أوروبا. فإبان ولايته الأولى، اتهم الأوروبيين مراراً بأنهم لا يسهمون كفاية بالميزانيات الدفاعية الفردية والجماعية، وفي آخر اجتماع لقادته طالبهم بتخصيص 5 في المائة من دخلهم القومي للدفاع، وهي نسبة لا تبلغها اليوم سوى قلة قليلة من أعضاء الحلف الأوروبيين.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت (أ.ف.ب)

وتشدد هذه المصادر على أن تفعيل المادة الخامسة من معاهدة الحلف التي تعد أن أي اعتداء على أي دولة عضو يعد اعتداءً على الأعضاء كافة، لم تفعل سوى مرة واحدة في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2001 عندما هاجمت القوات الأميركية أفغانستان. وينظر الأوروبيون بكثير من القلق إلى قول ترمب: «لم أتأثر يوماً بحلف الناتو. كنت دائماً أعلم أنه نمر من ورق وفلاديمير بوتين يعلم ذلك أيضاً».

رئيس الوزراء الإسباني والرئيس الفرنسي (إ.ب.أ)

واشنطن مستفيدة أيضاً من «الناتو»

يعي الأوروبيون أنهم استفادوا من حماية المظلة الأميركية - الأطلسية، خصوصاً النووية، طيلة سبعة عقود. إلا أنهم، في الوقت عينه، يرون أن الطرف الأميركي يستفيد من وجود الحلف بعدة أوجه: مبيعات السلاح للجيوش الأوروبية التي تعد بمئات المليارات، واستخدام القواعد الأميركية على الأراضي الأوروبية التي توفر للجيش الأميركي ما يشبه حاملة طائرات تمتد على مساحة غالبية القارة الأوروبية، والقدرة على التأثير على سياسات أوروبا ودفعها لتكون تابعة للولايات المتحدة، وتمكينها من أن تكون الناطقة باسم 32 دولة، لا بل زعيمة العالم الغربي.

المستشار الألماني لدى عقده مؤتمراً صحافياً في قاعدة «باردوفوس» بالنرويج يوم 13 مارس (أ.ف.ب)

وإذا كانت المصادر المشار إليها تعد أن ترمب بصدد «ابتزاز» الأوروبيين بالتلويح بالانسحاب من «الناتو»، وقبل ذلك بتجميد مبيعات الأسلحة الأميركية لأوكرانيا عبر تمويل أوروبي وعن طريق الحلف، فإنها تؤكد في المقابل أن ترمب لا يملك العصا السحرية للخروج منه. ذلك أن قراراً بهذه الخطورة الذي سيغير صورة المنظومة الأمنية الغربية ومنها أمن الولايات المتحدة، لا يمكن اتخاذه بهذه السهولة، بل يجب أن يمر عبر الكونغرس والتصويت لصالحه بنسبة الثلثين بفضل التعديل الذي أقر في عام 2023.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (أ.ف.ب)

وليس من المؤكد، اليوم، أن نسبة كهذه يمكن أن توافق على رغبة ترمب رغم سيطرة الجمهوريين على مجلسي الشيوخ والنواب. وعد كميل غران، الأمين العام المساعد لـ«الناتو»، في تصريح لصحيفة «لو موند» أن ترمب يهاجم الحلف الأطلسي كل مرة يشعر فيها بالإحباط إزاء الأوروبيين؛ لأنه يعلم أن أمراً كهذا يولّد توتراً داخل المنظومة الأطلسية.

البحث عن البديل

وفي أي حال، فإن كثيرين يرون أن ترمب أوجد أزمة وصفها إيفو دالدر، سفير واشنطن السابق لدى الحلف في بروكسيل، بـ«الأسوأ التي واجهها الحلف منذ نشأته». غير أن زميله تشارلز أدامز، السفير الأميركي السابق عد، في حديث ليل الأربعاء - الخميس للقناة الإخبارية الفرنسية «إل سي آي»، أنه يتعين على أوروبا بالأحرى أن تفكّر في جدوى الدور الأميركي داخل «الناتو». فالولايات المتحدة هي الحليف الذي يتبيّن في النهاية أنه لا يسهم إلا في خلق الارتباك والفوضى عبر العالم. وعلى أوروبا أن تطرح على نفسها هذا السؤال أيضاً، مضيفاً: «أنا لا آخذ على محمل الجد تهديدات دونالد ترمب ولا تصريحات ماركو روبيو حول هذا الموضوع، كما هي الحال في أي موضوع آخر».

وكان باستطاعة آدامز أن يضيف إلى اللائحة وزير الدفاع بيت هيغسيت الذي قال الثلاثاء إن «أي تحالفات لا تساوي الكثير إذا لم تكن بعض الدول مستعدة لدعمك عندما تحتاج إليها»، وهي المقولة التي ينطلق منها ترمب الذي يتهم الأوروبيين بـ«الجبن» و«التقاعس»؛ لأنهم لم يستجيبوا لطلب المساعدة الأميركية لفتح مضيق هرمز.

من اليمين المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتفقدون مسرح مناورات لقوات حلف شمال الأطلسي في باردوفوس بالنرويج (أ.ب)

حقيقة الأمر أن كل ردود الفعل الأوروبية لم تكن في اتجاه واحد. فثمة دول لا تريد مطلقاً الابتعاد عن «الناتو» لاستشعارها الخطر الروسي وعلى رأسها دول بحر البلطيق وبولندا التي دعا وزير دفاعها فلاديسواف كوسينياك - كاميش إلى التهدئة قائلاً: «لا يوجد (ناتو) من دون الولايات المتحدة، ومن مصلحتنا أن يسود هذا الهدوء. لكن لا توجد أيضاً قوة أميركية من دون (ناتو)».

كذلك، فإن ألمانيا التي توجد على أراضيها قوة أميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كما أنها تستضيف قاعدة عسكرية أميركية (رامشتاين) تخفف من وقع تصريحات ترمب، إذ قال متحدث باسمها الخميس إن برلين «لا تزال ملتزمة بـ(الناتو)»، وإنها «ليست المرة الأولى التي تصدر فيها عن ترمب تصريحات مماثلة، وبما أنها ظاهرة متكررة، فيمكنكم على الأرجح الحكم بأنفسكم على العواقب».

طائرة «يوروفايتر» تابعة لسلاح الجو الألماني تتجه نحو المدرج في قاعدة نورفينيش الجوية للقيام بدورية على حدود بولندا (د.ب.أ)

أما كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني، فقد أكد أنه سيتصرف بما يخدم مصلحة بلاده بغض النظر عن «الشائعات»، مضيفاً أن عدم الاستقرار الناجم عن الحرب في إيران يعني أن على بريطانيا إعادة التركيز لتعزيز علاقاتها الاقتصادية والدفاعية مع أوروبا.

بالنظر لما سبق، تبدو أوروبا أمام أزمة مستعصية، وسببها استحالة توقع ما سيقرره ترمب. ولذا سيتسارع البحث عن البدائل، حيث لا يمكن لأوروبا أن تخسر المظلة النووية الأوروبية دون أن تجد البديل. من هنا أهمية المحادثات الخاصة بكيفية إفادة أوروبا من القوتين النوويتين في القارة القديمة، وهما فرنسا وبريطانيا. ولكن هذه مسألة أخرى.