العيشُ في عوالم متعدِّدة

عالمة حاسوب تحكي عن رحلتها الملهمة

العيشُ في عوالم متعدِّدة
TT

العيشُ في عوالم متعدِّدة

العيشُ في عوالم متعدِّدة

 

كلٌّ منا له عالمه النوعي الخاص. العالم ليس كينونة سكونية نتعاملُ معها برؤية نسقية موحَّدة؛ بل هو نتاج تفاعل معقَّد بين أدمغتنا والمادة التي يتشكَّل منها العالم. أدمغتنا هي الأخرى ليست كتلة مادية ساكنة. إنها حصيلة التطوُّر المستدام لخبراتنا المستجدة التي نصنعها بجهدنا الذاتي وشغفنا المدفوع برغبة لتغيير العالم، أو -على الأقل- المساهمة في تشكيله.

العالم الفقير تقنياً الذي عاشهُ أسلافنا يتمايز –بالتأكيد- عن العالم المعقَّد تقنياً الذي نعيشه، والعالم الذي يعيشه أحد الأشخاص ممن عاشوا في قلب الغابات الأمازونية المطيرة، أو قريباً من تخوم القطب الشمالي، سيختلف حتماً عن ذاك الذي يعيشه شاب نيويوركي في قلب مانهاتن. كلٌّ منا له عالمه الخاص الذي تؤثر عناصر كثيرة في تشكيله، مثلما أن لنا دورنا الخاص -عندما نرغب- في المساهمة بقدر ما في صناعة العالم.

عاش برتراند رسل، الفيلسوف الإنجليزي الأشهر في القرن العشرين، ما يقارب القرن (من عام 1872 حتى عام 1970). بدأ حياته مع مشهد العربات التي تجرها الخيول، ثم تُوفِّي بعد سنة شهد فيها كيف وطأ الإنسان القمر، عبر صورة منقولة لحظياً بواسطة اتصالات فضائية متقدِّمة. من يعشْ طويلاً في بيئة لا تلبث تتغيَّر تقنياً بكيفية مستدامة، سيكون كمن عاش في عوالم متعدِّدة بدلاً من عالم واحد. ربما أراد رسل من كتابه «صورٌ من الذاكرة» (Portraits from Memory) الذي نشره بداية خمسينات القرن الماضي، الإشارة إلى هذه العوالم المتعددة بطريقة استعارية، بعد أن عاش نحو قرن من الزمان على الأرض. كلُّ صورة من صور الذاكرة التي كتب عنها رسل هي عالم كاملٌ يتمايز عن سواه.

ألبرت آينشتاين، الفيزيائي النظري مبتدعُ النظرية النسبية الخاصة والعامة، كتب هو أيضاً كتاباً عام 1934، سمَّاه «العالم كما أراه» (The World as I See It)، ولعلَّه أراد العالم المادي الذي تتعامل معه الفيزياء بمعادلاتها المثيرة. لم يعش آينشتاين عالماً واحداً؛ بل شهد انتقالات كثيرة في حياته: من ألمانيا القيصرية إلى ألمانيا النازية، ثم الانتقالة المثيرة إلى معهد الدراسات المتقدمة في جامعة برنستون الأميركية.

يبدو أنَّ مثل هذه الأفكار -أو ربما قريباً منها- قد طافت بذهن فاي- فاي لي، Fei-Fei Li، عالمة الحواسيب الأميركية صينية المولد، عندما اختارت لمذكراتها هذا العنوان: «العوالم التي أرى» (The Worlds I See). المذكرات منشورة في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2023، وهي مزيج محبب ومتوازن من سيرة شخصية ومهنية يتداخل فيها الكفاح الشاق لعائلة لي مع شغفها وفضولها العلمي، ورغبتها في وضع بصمتها المميزة والمفيدة في هذا العالم.

السيرة العلمية والتقنية للبروفسورة لي مميزة: ولدت عام 1976 في بلدة صينية فقيرة، ثم استطاعت بجهودها وجهود عائلتها أن تتبوَّأ مواقع مرموقة على الصعيدين الأكاديمي والصناعي. شغلت موقع أستاذة علم الحاسوب في جامعة ستانفورد الأميركية، وأسَّست مع بدايات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين موقع البيانات المسمَّى «ImageNet» الذي ساهم في تحقيق تقدُّم سريع في حقل الرؤية الحاسوبية (Computer Vision). إلى جانب هذا عملت لي في مجلس مديري «تويتر»، وساهمت في تأسيس معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المتمركز على البشر، كما شاركت في إدارة مختبر جامعة ستانفورد للرؤية والتعلُّم الحاسوبي.

يشتمل طيف اهتمامات الدكتورة لي على حقول متعددة: الذكاء الاصطناعي، وتعلُّم الآلة، والتعلُّم العميق، والرؤية الحاسوبية، وعلم الأعصاب الإدراكي (المعرفي).

تشارك لي في مذكراتها القارئ بحكاية الرحلة الملهمة لها، من طفولتها المتواضعة في الصين حتى آخر إنجازاتها المتفوقة في الحقل الأكاديمي وصناعة الذكاء الاصطناعي. تفتتح لي كتاب مذكراتها بسرد عن الساعات المشحونة بالقلق التي سبقت الإدلاء بشهادتها عام 2018، أمام لجنة الكونغرس الأميركي المختصة بشؤون العلم والفضاء والتقنية. كانت لي واحدة من أوائل المختصين الذين دعاهم الكونغرس للإدلاء بشهادتهم حول الذكاء الاصطناعي، وقد جاءت شهادتها بياناً مُعَقلناً حول آفاق تطور الذكاء الاصطناعي، كما كانت هذه الشهادة انطلاقة معقولة شرعت منها لي في سرد مذكراتها المثيرة.

في الفصول اللاحقة للمقدمة التمهيدية، تشرع لي في حكاية رحلتها، ابتداء من سنوات الطفولة وبواكير المراهقة في الصين، عندما أحبَّت الفيزياء وأرادتها أن تكون محور حياتها. عندما بلغت لي الخامسة عشرة سافرت برفقة أمها لتلتحق بأبيها في الولايات المتحدة الأميركية، وكان قد غادر قبل 3 سنوات. استقرَّت العائلة في نيوجيرسي، وعانت كثيراً من مشقات الهجرة المعروفة إلى عالم مختلف عمَّا عهدته العائلة في الصين. وكان اعتلال قلب الأم سبباً إضافياً في تراكم المشقات على الأب والابنة.

التقت لي في دراستها الثانوية بالسيِّد سابيلا، مدرس الرياضيات الذي سيصبح مرشدها وراعيها، ثم ستنعقد بينهما صداقة تستمر حتى اليوم. جاهد سابيلا في تخليص لي من آثار الصدمة الثقافية، وعزَّز الثقة في نفسها، كما عمل على حصولها على مقعد دراسي في جامعة برنستون النخبوية التي كانت مستقراً لبطلها السابق الذي أحبته دوماً، ورأت فيه مثالها الأعلى: ألبرت آينشتاين. اقتنعت لي بأنَّ آينشتاين كان مهاجراً مثلها في أميركا؛ فلِمَ لا تكون مثله؟

بعد أن حصلت لي على شهادتها الجامعية في الفيزياء من جامعة برنستون، غادرتها إلى معهد كاليفورنيا التقني «كالتك» (Caltech)؛ حيث حازت شهادتَي الماجستير والدكتوراه في الهندسة الكهربائية. ركَّزت بحثها في الدكتوراه على العلاقة بين العلم العصبي (Neuroscience) والرؤية الحاسوبية، وكان هذا خياراً غريباً ونادراً حينذاك؛ لكنها تفوقت فيه حتى صارت أحد أعمدته على مستوى العالم. تحكي لي عقب هذا ذكرياتها عن كتابة ورقتها البحثية الأولى، والظروف التي عاشتها عندما قدَّمت هذه الورقة في مؤتمر عالمي للرؤية الحاسوبية.

بموازاة هذا الاستذكار الشخصي، لا تنسى لي تذكير القارئ ببدايات الذكاء الاصطناعي في خمسينات وستينات القرن العشرين، وتأشير مواضع الانتصارات والانكفاءات في هذا الحقل البحثي الذي صار عنوان عصرنا الحالي. نجحت لي -كما أحسب- نجاحاً مبهراً في عرض حكايتها الشخصية في سياق التطوُّر التاريخي للحقل البحثي الذي تحكي عنه؛ لذا لا انفصال بين العالمين، وربما هذه هي الخصيصة المهمة لكلِّ من يبتغي المساهمة في دفع عجلة التقدم العلمي والتقني: ثمة دوماً اشتباكٌ بين الشأن الخاص والعام.

قلت سابقاً إنَّ صحَّة والدة لي المعتلَّة جعلت من حياتها في أميركا سلسلة زيارات للمستشفى، وقد شجَّعها هذا للبدء في تطوير أنظمة حاسوبية خاصة بالعناية الصحية الجماعية. شكَّلت لي، بمعية زملاء لها من الكلية الطبية الخاصة بجامعة ستانفورد، نظاماً حاسوبياً سمُّوه «Ambient Intelligence» قصدوا منه مساعدة الأطباء ومزوِّدي العناية الطبية في مهامهم اليومية. تصف الدكتورة لي هذا المشروع بأنَّه أكثر المشروعات تطلباً بين المشروعات التي عمل مختبرها الحاسوبي في جامعة ستانفورد على جعله حقيقة عملية فعالة.

تحكي لي في أحد فصول الكتاب عن عملها في شركة «غوغل». عام 2016 طلبت لي سنة تفرغ جامعية (Sabbatical) من ستانفورد، لتعمل عالمة قائدة لمشروع «غوغل» في الحوسبة السحابية (Google Cloud). كان هذا أول عمل تشرع فيه لي خارج نطاق الأكاديميا، ورأت فيه وسيلتها وفرصتها المتاحة للمساعدة في «دمقرطة» استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإتاحتها لأوسع جمهور ممكن من المستخدمين. كان الذكاء الاصطناعي حتى تلك السنة احتكاراً بحثياً نظرياً في أقسام علم الحاسوب الجامعية؛ لكن حصل عقب عام 2016 ميل عظيم من جانب عمالقة التقنية الرقمية («غوغل» و«مايكروسوفت» بالتحديد) لاستثمار ملايين الدولارات في البحوث وتطوير المنتجات الرقمية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، وهو ما شهدنا بوادره في سنوات لاحقة، مثل تطوير محركات البحث التي يديرها الذكاء الاصطناعي. صار الذكاء الاصطناعي منذ ذلك الحين ميزة (Privilege) نوعية، تتسابق لتوظيفها الشركات الكبرى.

مذكّرات لي تستحقُّ أن تلقى مقروئية واسعة لأسباب كثيرة... منها أنها تحكي لنا قصة الكفاح لخلق عالم جديد في بيئة تنافسية شرسة كالبيئة الأميركية

عقب انتهاء عملها في شركة «غوغل» عادت لي إلى قسم علم الحاسوب في جامعة ستانفورد عام 2018، ومنذ ذلك الحين تركَّز عملها على تطوير فكرة الذكاء الاصطناعي المتمركز على البشر (Human-centered AI).

تحكي لي في الفصول الختامية من مذكراتها، التطورات التي حصلت في حقل الذكاء الاصطناعي منذ تأسيسها برنامج «ImageNet» وحتى أيّامنا هذه التي شهدنا فيها التعامل الحاسوبي المباشر مع نماذج اللغة الواسعة (LLM) والذكاء الاصطناعي التكويني (Generative AI).

تنهي لي مذكراتها بالحديث عن توقعاتها لما يمكن أن تثمر عنه جهودها المستقبلية المكتنفة بطموح لا يهدأ، في السعي للإنجاز وتحقيق انعطافات تقنية مهمة.

أظنُّ أنَّ مذكَّرات لي تستحقُّ أن تلقى مقروئية واسعة لأسباب كثيرة، منها أنها تحكي لنا قصة الكفاح لخلق عالم جديد في بيئة تنافسية شرسة كالبيئة الأميركية، ثم إنها تقدِّمُ لمن يسعى لتحقيق انتقالة جدية علمية ومهنية في حياته، خريطة طريق مقترحة لتحقيق النجاح، في واحد من أكثر الحقول التقنية تسارعاً في العالم، وهو حقل الذكاء الاصطناعي الذي سيجعلنا نرى العالم بعيون جديدة كلَّ بضع سنوات، وربما كل بضعة أشهر في زمن قريب من اليوم.

العوالم التي أراها: الفضول والاستكشاف والاكتشاف في فجر الذكاء الاصطناعي

The Worlds I See: Curiosity, Exploration, and Discovery at the Dawn of AI

مؤلفة الكتاب: Fei-Fei Li

الناشر: Flatiron Books

عدد الصفحات: 324

تاريخ النشر: 2023


مقالات ذات صلة

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ثقافة وفنون ليلى سليماني

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون «منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

تتمحور رواية «منام القيلولة»، للروائي والأكاديمي الجزائري أمين الزاوي، حول أسرة ريفية بسيطة، تنتمي لمناضل سابق ضد الاحتلال

عمر شهريار
ثقافة وفنون «شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

صدر عن دار «منشورات الربيع»، في القاهرة، الترجمة العربية لرواية «شجر الدر... امرأة متفردة»، للكاتبة والمناضلة النسوية المصرية درية شفيق.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة.

ندى حطيط
كتب وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء،

فيصل بن عبد الرحمن بن معمر

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية
TT

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة. إنها، في جوهرها، الفعل الإنساني الأقدم الذي رافق وجودنا على هذا الكوكب منذ اللحظة التي أدرك فيها أول كائنين من نوعنا أن البقاء يمكن تحققه بغير الصراع حتى الموت، عبر التفاوض على الموارد، والمساحات، والسلام.

تشتق كلمة مفاوضات باللغة الإنجليزية (Negotiation) من الجذر اللاتيني «Negare Otium»، التي تعني حرفياً «نفي الراحة» أو «حرمان النفس من الفراغ». وهذا التعريف اللغوي يختصر حكاية تاريخنا البشري: المفاوضات هي ضريبة العيش المشترك: عملية ذهنية شاقة تتطلب التخلي عن «الراحة» (التي قد تعني التمسك بالرأي أو الغريزة) للوصول إلى أرضية مشتركة.

لكن لماذا نتفاوض أصلاً؟ يجادل عالم الاجتماع جوناثان غودمان Jonathan Goodman في كتابه «منافسون خفيون Invisible Rivals: How We Evolved to Compete in a Cooperative World» بأننا لسنا «ملائكة» متعاونين بالفطرة، ولا «أشراراً» أنانيين بطبعنا. نحن ببساطة كائنات «تنتظر الفرصة». هذه «الفرصة» لاقتناص مكسبٍ دون تكلفة هي المحرك الخفي لكل صراعاتنا وتوافقاتنا. ومن هنا، فإن تاريخ المفاوضات هو في الحقيقة تاريخ محاولتنا المستمرة للسيطرة على هذه النزعة الانتهازية، والمقايضة تكون بذلك أول اختبار لترويض الغريزة.

في العصور السحيقة، لم يكن ثمة «مفاوض» محترف، بل بشر يطمحون للنجاة. حين بادل الإنسان الأول قطعة لحمٍ بحفنة من الحبوب، لم يكن يقوم بعملية اقتصادية فحسب، بل يُجري أول تجربة في «نظرية الألعاب» لحساب احتمالات الربح والخسارة. يرى روبرت أكسلرود Robert Axelrod في كتابه «تطور التعاون» (The Evolution of Cooperation)، أن تلك المبادلات الأولى كانت ضروريةً لإنشاء ما نسميه «المعاملة بالمثل». لقد تحتمّ على البشر إدراك أن التعاون هو الاستراتيجية الأكثر نجاحاً في الأمد الطويل، ليس بوصفنا «خيّرين بالفطرة»، بل لأن «الدماغ الاجتماعي» لدينا تطور ليقدّر: هل الطرف الآخر شريك يمكن الوثوق به، أم هو منافس خفي يترقب الفرصة للغدر بنا؟

ومع تطور المجتمعات، تحولت هذه المقايضات من التلقائية إلى هياكل مؤسسية (قوانين، عقود، أعراف). في بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة، كانت العقود محاولة لتسييج «القيمة»؛ أي لمنع الأفراد من استغلال بعضهم البعض، ونقل المجتمع من منطق الغابة إلى قانون العقد.

تطور الأمر وصولاً إلى «صلح وستفاليا» في القرن السابع عشر، الذي وضع القواعد الأساسية للدبلوماسية الحديثة. منذئذ، أصبحت المفاوضات هي اللغة الوحيدة المعترف بها بين الدول، وغدا التنازل المتبادل هو الثمن الذي تدفعه الدول لتجنب الحروب الشاملة. إن تاريخ العالم هو فعلياً تاريخ للاتفاقات التي تم التوصل إليها، والحروب التي اندلعت حين فشلت هذه المفاوضات.

بيد أن هذه الهياكل ليست حصينة دائماً. فحين تنهار الثقة أو تتفاقم الطموحات بالربح، تنكشف هشاشة تلك القواعد، ويعلو صوت القوة فوق الحق. وعلى المسرح الجيوسياسي، تتخذ تمظهرات أكثر تعقيداً. خذ على سبيل المثال التوترات الأحدث بين الولايات المتحدة وإيران عندما لا تقتصر المفاوضات على الطاولة المستديرة في إسلام آباد؛ بل تتجاوزها لتشمل العقوبات الاقتصادية، والتحركات العسكرية، والرسائل المبطنة، والدبلوماسية الخلفية. وفي هذه البيئات، لا نلجأ فقط إلى العقلانية الاقتصادية، بل ندخل في متاهات علم النفس السياسي، حيث تُستخدم استراتيجيات قد تبدو غير منطقية لتحقيق مكاسب استراتيجية.

في خضم هذا الصراع الجيوسياسي، استعادت الصحف مصطلحاً تاريخياً مثيراً للجدل: «نظرية الرجل المجنون» (Madman Theory) في المفاوضات التي صاغها الحائز على جائزة نوبل توماس شيلينغ Thomas Schelling في كتابه «استراتيجية الصراع» (The Strategy of Conflict). وتقوم النظرية - التي اشتهرت في عهد الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ومستشاره هنري كيسنجر خلال الحرب الباردة - على فكرة أن يقوم المفاوض بتبني سلوك يبدو «غير عقلاني» تجاه الخصم، لإقناعه بأن لديه استعداداً للذهاب إلى أقصى الحدود، حتى لو أدى ذلك إلى كارثة.

الهدف من هذا الجنون الموجه إخافة الخصم ليدفعه إلى التنازل طواعية دون الحاجة لخوض مواجهة مباشرة. ولكن في عالمنا المعاصر، ومع التداخل الكبير في شبكات المصالح العالمية، أصبحت هذه الاستراتيجية سلاحاً ذا حدين. فالمفاوضات اليوم تتطلب «بناء الثقة» أكثر من «بناء الرعب»، إذ إن التمادي في تكتيكات «الرجل المجنون» قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فيفقد الأطراف القدرة على تقدير النوايا، ما يقود إلى سوء التقدير الذي لا تحمد عقباه. هل لا يزال هذا النهج صالحاً اليوم؟ ربما في التكتيكات قصيرة الأمد، لكنه بالتأكيد لا يبني استقراراً طويل الأمد.

وإذا كان أكسلرود يرى في المفاوضات أداة لتثبيت التعاون، فإن شيلينغ يرينا جانبها المظلم، حيث تُستخدم «الفرصة» (فرصة إخافة الآخر) لقلب الطاولة. هذا الانتقال من التعاون إلى الترهيب يعكس التحدي الدائم في عالمنا: كيف نحمي أنفسنا من «المنافس الخفي» الذي قد يستغل غياب القواعد لفرض إرادته؟

بسبب هذا التذبذب التاريخي بين التعاون والصدام، سعت مدارس الفكر الحديث لتقديم نهج بديل. الكتاب الأكثر تأثيراً في هذا المجال، «الوصول إلى نعم» (Getting to Yes) للباحثين في مشروع هارفارد للمفاوضات روجر فيشر وويليام أوري (Roger Fisher & William Ury)، أحدث قطيعة معرفية مع فكرة المفاوضات التنافسية. يدعو فيشر وزميله إلى «المفاوضات القائمة على المبادئ»، أي عزل المشاعر عن المشكلة، والبحث عن توسيع قالب الكعكة بدلاً من تناهش قطع منها. إن هذا النموذج هو في الحقيقة محاولة لتفكيك «المنافس الخفي» داخلنا، وتحويله من كائن يترصد الفرصة للغش، إلى شريك يدرك أن مصلحته الحقيقية تكمن في ازدهار شريكه.

اليوم، نقف أمام منعطف تاريخي يضع هذه المبادئ على المحك: الذكاء الاصطناعي. فهذا التطور الأحدث لا يغير أدواتنا التفاوضية فحسب، وإنما يعيد صياغة فضاء «الفرصة» نفسها. وإذا كان غودمان قد حذر من «المنافسين الخفيين» الذين يتربصون بفرص استغلال الآخر، فإن الخوارزميات اليوم توفر لهؤلاء المنافسين «غطاءً تقنياً» مثالياً.

ولذلك فإن التساؤل الآن ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيجعلنا أكثر عقلانية، إنما هل سيعزز من قدرتنا على «التلاعب الخفي»؟ إننا كنوع بشري نميل إلى تفويض المسؤولية الأخلاقية للآلة؛ فإذا «قرر» الذكاء الاصطناعي شروط العقد، من المسؤول حينها عن استغلال «الفرصة» لظلم الطرف الآخر؟ ولعل تحدي العقد القادم للمفاوضين سيتعلق بتصميم هياكل أخلاقية وقانونية تمنع الآلة من أن تصبح أداة مثالية للمنافس الخفي، وكيف نحافظ على «التعاطف الاستراتيجي» الذي هو جوهر المفاوضة البشرية، والذي لا تستطيع أي خوارزمية محاكاته.

من هذا المنطلق، لم يعد التفاوض التعاوني ترفاً أخلاقياً، بقدر ما هو استجابة تطورية لحقيقتنا ككائنات تعيش في بيئة مليئة بمنافسين يترقبون الفرصة. وعندما ننظر إلى الأزمات الكبرى اليوم من التغير المناخي إلى الانقسامات الجيوسياسية نجد أن الحلول الصفرية (أربحُ وتخسر) تعمق الأزمات وتطيل عمرها.

إن المفاوضات مسار حتمي سيفرض حضوره في تاريخ البشر، كفعلٍ تأسيسي يعيد تشكيل العلاقة بالآخر وبالذات في آنٍ واحد، ويفتح أفقاً للعبور من ماضٍ مديد حكمته غريزة اقتناص «الفرصة» بأي تكلفة، ذلك الماضي الذي تشكّل على إيقاع الغلبة، وتكرّست فيه القوة بوصفها امتلاكاً وإخضاعاً. وفي هذا العبور، تتجلّى القوة في صورةٍ أخرى: القدرة على التقاط ذلك الخيط الرفيع الذي تتقاطع عنده المصالح، وعلى الإصغاء إلى ما يكمن خلف الضجيج من إمكانات التلاقي العميق كأفقٍ أعلى للوجود الإنساني.

ومن هذا الفضاء، ينبثق الغد كثمرة وعيٍ يتجاوز وهم الانفصال ومنطق الفرصة، لتتبدّى حكمة التفاوض صيغةً لإعادة ترتيب العالم على أساس إدراك تشابكه البنيوي.


وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام
TT

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء، تشكَّل مسار جديد للثقافة في المملكة بوصفه جزءاً أصيلاً من مشروع الدولة؛ ليعيد تعريف موقع الثقافة داخل الدولة. ودخل ضمن صميم مشروع وطني يرسخ بناء الاقتصاد والمجتمع والهوية معاً؛ إذ حدَّدت «رؤية 2030» هذا المسار بوضوح، حين ربطت الثقافة بجودة الحياة، وبالاقتصاد، وبصناعة الصورة الدولية للمملكة. ومن هنا بدأ الانتقال من رعاية النشاط إلى بناء القطاع.

ضمن هذا الإطار؛ عَملَت وزارة الثقافة بقيادة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، فنجحت في تحول هذا الملف من الطرح العام إلى التنفيذ المنهجي؛ وتأسَّست هيئات متخصصة لكل قطاع، من المكتبات والأدب إلى الموسيقى إلى الأفلام إلى التراث. هذا التقسيم لم يكن تنظيمياً فقط؛ بل مهنياً. كل هيئة تحمل مساراً واضحاً، وتمتلك أدواتها، وتعمل وفق مؤشرات أداء. بهذه الخطوة، انتقلت الثقافة من خطاب جامع عام إلى قطاعات إنتاجية محددة.

تغيَّر السؤال فعلياً، ولم يعد: ماذا سنعرض؟ بل: ماذا سنبني؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين حدثٍ ينتهي وأثرٍ يتراكم؛ لذلك ظهرت برامج التدريب، ومسارات الابتعاث الثقافي، وحاضنات الأعمال الإبداعية. دخلت الجامعات، وارتبطت بالسوق، وبدأت المهن الثقافية تتشكل كخيارات عمل مستقرة لا كهوايات مؤقتة.

لم تأتِ الإنجازات منفصلة؛ ولكن كسلسلة مترابطة: تأسيس البنية النظامية؛ إطلاق الاستراتيجيات القطاعية؛ تمكين المستثمرين؛ توسيع الشراكات الدولية؛ كل خطوة تبني على ما قبلها؛ ولعل هذا ما منح المشروع تماسكه.

في ملف الصناعات الثقافية؛ حدث التحول الأوضح: النشر، السينما، الأزياء، التصميم، والموسيقى تحولت إلى أنشطة اقتصادية لها سلاسل قيمة واضحة. صدرت تراخيص، ودخلت شركات، وبدأت السوق تتشكل. في قطاع الأفلام مثلاً، تضاعف الإنتاج المحلي خلال سنوات قليلة، وظهرت دور عرض، وارتفع حجم الإيرادات. هذه مؤشرات سوق، لا مظاهر احتفالية.

أما التراث؛ فخرج من دائرة الحفظ إلى دائرة التشغيل. مبادرات، مثل: ترميم البلدات التراثية أعادت توظيف المكان. في جدة التاريخية والعلا وقرى عسير، ومؤخراً وليس أخيراً إطلاق المشروع الواعد بمشيئة الله (قرية سدوس التاريخية) بهدف عودة النشاط الاقتصادي إلى الأحياء القديمة؛ حيث فُتحت وستُفتح مشاريع ضيافة، ونشطت حرف مهمة، وارتفعت حركة الزوار. التراث هنا أصبح أصلاً منتجاً. هذا التحول يحقق معادلة واضحة: حماية الهوية مع توليد دخل.

ومؤخراً كان لي شرف حضور ملتقى القطاع غير الربحي الثقافي الأخير، بوصفه محطة عمل. كانت النقاشات فيه مباشرة، وتركزت على النماذج التشغيلية، والاستدامة، وقياس الأثر. طُرحت تجارب واقعية من جمعيات ومؤسسات استطاعت الانتقال من الاعتماد على الدعم إلى بناء مواردها. وبرز توجه واضح نحو الحوكمة، ورفع كفاية الإدارة، وربط التمويل بالنتائج. ما ميَّز الملتقى هو وضوح اللغة. لم يكن هناك ميل للتجميل، ولكن التركيز على التحديات الفعلية، وكيفية معالجتها بأدوات عملية. هذا المستوى من الطرح يعكس نضجاً في القطاع، ويؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب كفاية تشغيل.

وفي هذا السياق، وضعت كلمة الوزير الإطار الجامع لهذه النقاشات، لتحوِّلها من أطروحات إلى مسار عمل ملزم. وجاءت لتغلق مرحلة وتفتح أخرى. الرسالة الأساسية كانت حاسمة. لا مكان لكيان ثقافي بلا نموذج عمل ولا مؤشرات أداء. الدعم مشروط بالنتائج: النماء والأثر، ولن يكون مفتوحاً. هذا التوجه الرشيد يدفع الجمعيات إلى إعادة بناء نفسها. ويسهم في ظهور هياكل إدارية، وخطط تشغيل، وشراكات تمويل. من التزم استمر، ومن اكتفى بالحماس تراجع!

إعادة تعريف «الشرعية الثقافية» تمثل جوهر المرحلة. لم تعد الشرعية تُمنح بالاسم ولا التاريخ؛ بل بالأثر: كم مشروعاً استمر أكثر من 3 سنوات؟ كم فرصة عمل وُفِّرت؟ كم برنامجاً درَّب على مهارات قابلة للسوق؟ هذه المعايير أصبحت المرجع. هذا التحول -بلا شك- سينعكس على القوى الناعمة للمملكة.

الحضور الثقافي الخارجي لم يعد مناسبات، إنما مشاركة مستمرة في معارض الكتاب، ومهرجانات السينما، وبرامج التبادل الثقافي. المنتج السعودي بدأ يصل بوصفه محتوى منافساً، لا تمثيلاً رمزياً.

وقد تغيَّرت العلاقة بين الدولة والمجتمع أيضاً بعدما حدَّدت الدولة بوصلة الاتجاه، ووضعت الأنظمة، ووفرت الممكنات؛ تمهيداً لدخول المجتمع شريكاً في الإنتاج؛ يستثمر القطاع الخاص؛ ويوسِّع القطاع غير الربحي من الأثر الاجتماعي. هذا التوزيع للأدوار سيخلق توازناً تشغيلياً؛ بما يخفف العبء عن الدولة ويرفع كفاية التنفيذ؛ لتصبح اللغة السائدة اليوم داخل القطاع الثقافي واضحة: أرقام؛ مؤشرات؛ عوائد؛ استدامة.

هذه اللغة الجديدة ستفرض الانضباط، وتحول دون استمرار المشروع الذي لا يقيس أثره. بهذا المعنى، تصبح الثقافة أداة بناء ونماء لا عنصر تزيين. تخلق مزيداً من الوظائف، وتطور مزيداً من المهارات، وتجذب كثيراً من الاستثمارات. وفي الوقت نفسه، تعيد صياغة العلاقة مع الهوية مورداً حياً يدخل في الاقتصاد والحياة اليومية.

وفي يقيني أن المرحلة المقبلة ستدفع نحو تعميق هذا المسار، وزيادة مساهمة القطاع في الناتج المحلي، وتوسيع التصدير الثقافي، ورفع كفاية الكيانات غير الربحية، وتعزيز حضور المدن الصغيرة في المشهد الثقافي.

بهذا الاتساق؛ يمكن قراءة ما يحدث بوصفه انتقالاً مكتمل الأركان: فكرة تتحول إلى مؤسسة، مؤسسة تنتج أثراً، أثر يستقر في حياة الناس. هنا فقط تكتمل دورة الثقافة كجزء من مشروع الدولة.

*المشرف العام على مكتبة الملك عبد العزيز العامة


باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ
TT

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

أنجز باحث سعودي دراسة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثاً عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بين علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية المعرفية، ويُعد هذا الكتاب الأول من نوعه باللغة العربية الذي يتناول دراسة علمية منهجية لتقنية بصمة الدماغ.

يقول مؤلف الكتاب العميد الدكتور عادل عبد الرحمن العيد لـ«الشرق الأوسط»: «شهدت أنظمة السمات الحيوية تطوراً كبيراً خلال العقود الأخيرة، وأصبحت إحدى الركائز الأساسية في أنظمة التحقق من الهوية والأمن الرقمي في العالم، واعتمدت على خصائص فريدة أودعها الله في الإنسان مثل بصمات الأصابع، وبصمة قزحية العين، وملامح الوجه، وبصمة الصوت، وبصمة الحمض النووي. وقد أسهمت هذه الأنظمة في تعزيز الأمن في المطارات والمنافذ الحدودية والأنظمة المصرفية، وفي الجامعات ومراكز الأبحاث والمستشفيات والمنشآت الحساسة. غير أن التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي وظهور أساليب التزييف العميق وتقليد السمات البيولوجية، كشف عن تحديات جديدة تتعلق بموثوقية بعض هذه الأنظمة. وقد دفع ذلك العلماء إلى البحث عن جيل أكثر تقدماً من تقنيات التحقق يعتمد على خصائص أكثر عمقاً وأصالة، وهو ما أدى إلى ظهور مجالات السمات العصبية، التي تعتمد على النشاط العصبي للدماغ بوصفه أحد أعظم مظاهر التفرد الإنساني».

ويذكر المؤلف العيد أن «الكتاب يركز على تقنية بصمة الدماغ التي تعتمد على تسجيل النشاط الكهربائي للدماغ باستخدام تخطيط الدماغ الكهربائي وتحليل موجات الاستجابة المعرفية المرتبطة بالذاكرة، وعلى رأسها موجة التعرف P300 التي تظهر تلقائياً عندما يتعرف الدماغ على معلومات مخزنة مسبقاً في الذاكرة. وتكشف هذه الاستجابة العصبية عن حقيقة معرفية مهمة، وهي أن الدماغ يحمل توقيعاً معرفياً فريداً يعكس ما يعرفه الإنسان وما يختزنه في ذاكرته».

والكتاب يقدم، كما يضيف المؤلف، عرضاً علمياً لتطور أنظمة السمات الحيوية عبر التاريخ، بدءاً من الاستخدامات المبكرة للبصمات في الحضارات القديمة، مروراً بتطور علم بصمات الأصابع في القرن التاسع عشر، وصولاً إلى الأنظمة الرقمية الحديثة التي تعتمد على قواعد البيانات الضخمة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي.

ويبرز الكتاب الدور السعودي المتقدم في تبني وتطوير تقنيات السمات الحيوية، حيث كانت السعودية من الدول الرائدة في المنطقة في بناء منظومات تحقق بيومترية متقدمة ضمن البنية الأمنية والتحول الرقمي. فقد شهدت المملكة خلال العقود الماضية تطوراً كبيراً في تطبيق أنظمة الهوية والبصمة من خلال مركز المعلومات الوطني وقطاعات وزارة الداخلية، إضافة إلى إدماج التقنيات البيومترية في أنظمة الأحوال المدنية والجوازات والمنافذ الحدودية والخدمات الحكومية الرقمية الأخرى، بما يتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وأشار العيد إلى أن الكتاب يناقش الأسس العصبية والإدراكية لتقنية بصمة الدماغ، ويشرح البنية الوظيفية للدماغ وآليات الذاكرة والانتباه المرتبطة بتوليد الإشارات العصبية، إضافة إلى تحليل التطبيقات المحتملة لهذه التقنية في مجالات التحقيق الجنائي والأمن والتحقق من المعلومات. ويتناول كذلك الأبعاد القانونية والأخلاقية المرتبطة باستخدام التقنيات العصبية، مؤكداً ضرورة تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وحماية الخصوصية والكرامة الإنسانية.

ويخلص إلى أن تقنية بصمة الدماغ تمثل مرحلة متقدمة في تطور أنظمة التحقق من الهوية، إذ تنتقل عملية التحقق من السمات الجسدية الظاهرة إلى الخصائص المعرفية العصبية المرتبطة بذاكرة الإنسان. كما يشير إلى أن التكامل المستقبلي بين علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي قد يسهم في تطوير أنظمة تحقق أكثر دقة وموثوقية، مما يجعل السمات العصبية أحد أهم الاتجاهات العلمية في مستقبل الأمن والتحقق من الهوية.

وبذلك يسعى الكتاب إلى تقديم مرجع علمي عربي يجمع بين العلم الحديث والتأمل في الإعجاز الإلهي في خلق الإنسان، ويواكب التطورات العالمية في مجال السمات العصبية وتقنيات التحقق المتقدمة، مع إبراز الدور المتنامي للمملكة العربية السعودية في تطوير وتبني هذه التقنيات.

هذا الكتاب هو السادس للدكتور العيد، إذ سبق أن أنجز كتباً عن الحاسب في علم البصمات، والأنظمة الآلية في القياسات الحيوية للتحقق من الشخصية، وأنظمة القياسات الحيوية والطموحات من التطبيقات العملية، وتطور التعرف والتحقق من الشخصية بالبطاقة الشخصية، والتحقق من الشخصية في العصر الرقمي.