تحركات لتعزيز الوظيفة الإخبارية لـ«سناب تشات» بعد تراجع «فيسبوك»

تحركات لتعزيز الوظيفة الإخبارية لـ«سناب تشات» بعد تراجع «فيسبوك»
TT

تحركات لتعزيز الوظيفة الإخبارية لـ«سناب تشات» بعد تراجع «فيسبوك»

تحركات لتعزيز الوظيفة الإخبارية لـ«سناب تشات» بعد تراجع «فيسبوك»

يبدو أن منصة «سناب تشات» تسعى لتقديم نفسها للناشرين بديلاً لتعزيز وظيفتها الإخبارية، مستغلة تراجع «فيسبوك» في هذا الصدد، الأمر الذي أثار تساؤلات حول كيفية تقديم محتوى جاد عبر منصة اعتاد مستخدموها الذهاب إليها بهدف الترفيه، وعدّ بعضُ الخبراء الدفع بـ«سناب تشات» للأخبار «تحدياً للناشرين والصحافيين».

الواقع أنه انخفضت حركات المرور (الترافيك) للأخبار على «فيسبوك» بنسبة وصلت إلى 50 في المائة خلال السنة الأخيرة (الأشهر الـ12 الماضية)، وفق بيانات نشرتها شركة تحليل سوق الاقتصاد الرقمي «تشارت بيت» بالشراكة مع منصة «سايم ويب (SameWeb)»، خلال مارس (أذار) الماضي، وذلك على خلفية تحليل حركة مرور مجموعة مكوّنة من 792 موقعاً إخبارياً وإعلامياً منذ عام 2018 وحتى الرُّبع الأول من العام الحالي على «فيسبوك». وأشارت البيانات إلى أن دعم الأخبار انخفض على «فيسبوك» بنسبة 58 في المائة خلال السنوات الست الماضية، فبعدما كان 1.3 مليار زيارة في مارس 2018 انخفض إلى 561 مليوناً في مارس 2024.

لوسي لوك، مديرة الشركاء داخل «سناب تشات» في بريطانيا والمسؤولة عن إدارة محتوى الناشرين، تكلّمت إلى وسائل إعلام بريطانية الشهر الحالي، وتناولت الخطة التسويقية الأخيرة للشركة التي حملت شعار «وسائل تواصل اجتماعي أقل... سناب تشات أكثر»، ما يشير إلى مزيد من المنافسة مع المنصات الأخرى وتقديم خدمات أكثر تنوعاً للمستخدمين.

حسب كلام لوك، فإن خطة المنصة تهدف إلى مزيد من تنوّع المحتوى، على أن «تكون الأخبار جزءاً أصيلاً من الخطة». وذكرت أن «سناب تشات» منفتحة الآن أكثر من أي وقت مضى لاحتضان محتوى صحافي وإخباري جاد عبر المنصة الترفيهية. وعدّت أن «الفرصة سانحة لهذا المسار بعد تراجع موقع فيسبوك الذي أنهى دعمه للأخبار خلال العام الماضي». ويذكر أن لوك أمضت 8 سنوات في شركة «ميتا»، حيث أدارت علاقات الشركاء عبر «فيسبوك» و«إنستغرام».

لوك أعلنت أيضاً عقد شراكات بين «سناب تشات» وناشري الأخبار من شأنها تقديم محتوى وصفته بـ«الفريد» لمستخدمي التطبيق عبر صفحة «ديسكفري». وبرّرت خطتها التسويقية بأن «منصة سناب تشات تعزّز مكانتها لدى مستخدميها، كما تستهدف جذب جمهور جديد». وأضافت: «اتجه التطبيق بالفعل نحو التعليم والتدريب وتقديم المعلومات حول كيف يُمكن للصحافيين إنشاء محتوى سياسي جذاب، وكيف يمكن تطويع (سناب تشات) للتواصل مع الجمهور».

تاج الدين الراضي، المتخصّص في الإعلام الرقمي بدولة الإمارات العربية المتحدة، عدّ في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن اتجاه «سناب تشات» لتعزيز الوظيفة الإخبارية جاء في وقت مناسب. وأضاف: «أصلاً ثمة عدد لا بأس به من وسائل الإعلام والإعلاميين الموجودين والفعّالين على تطبيق سناب تشات، سواء في الوطن العربي أو عالمياً. غير أن تاريخ دخول مؤسسات الإعلام على خط الظهور والفاعلية على سناب تشات بشكل واضح ليس ببعيد نسبياً، إذ تقدره بعض المؤسسات المتخصصة بمراقبة ومتابعة النشر ووسائل الإعلام، بما لا يزيد على 7 سنوات من الآن، وبذا يُعدّ دخول مؤسسات الإعلام إلى سناب تشات حديثاً بالمقارنة مع بقية المنصات والتطبيقات». وعدّ الراضي أنه من «الضروري لمؤسسات الإعلام الحضور، ولو بشكل محدود أو محدد، على منصة سناب تشات نظراً لكون فئات الجمهور الفعال على المنصة ليست بسيطة أو قليلة». وهنا يُذكر أن منصة «سناب تشات» انطلقت عام 2011 بوصفها تطبيقاً لمشاركة الصور وحذفها بعد فترة زمنية قصيرة، غير أن خدماتها تطوّرت إلى منتج أكثر تنوعاً لاحقاً، ويبدو أن المنصة بخطواتها الأخيرة تريد إعادة تقديم نفسها من جديد.

وعن جدية الأخبار وصعوبة تطويعها لتصبح جزءاً من تطبيق عُرف بالترفيه، رأى الراضي أنه «نظرياً، جميع التطبيقات المشابهة بدأت بالفعل بهدف التواصل والترفيه، ولهذا السبب دخلت وسائل الإعلام والشخصيات والمؤسسات العامة والرسمية إليها. إذ إنها تجمع فئات مختلفة ومتفاوتة وكبيرة، وشرائح واسعة من المتلقين والجماهير؛ بسبب سهولة الوصول إلى الجمهور في أي مكان وزمان، حتى باتت بوابة العلاقة المباشرة بين المؤسسات والشخصيات العامة والجماهير». وتابع: «بخصوص سناب تشات، فإن دخول وسائل الإعلام ووكالات الأنباء والأخبار إلى المنصة نتيجة طبيعية بعد نجاح المنصة في جذب الجماهير، ولا مانع من أن تتحول إلى مصدر للأخبار، وتسلك المسار عينه الذي سلكه (فيسبوك) على مدار السنوات الأخيرة قبل التراجع». غير أن الراضي شدّد على «ضرورة تحديد شكل الأخبار ونوعية المحتوى الملائم لفئات الجمهور المستهدف من النشر على سناب تشات، الذي عدّه يختلف عن التطبيقات الأخرى».

وأيضاً عدّد مزايا منصة «سناب تشات» للناشرين، فقال: «إنها توفر عدداً من المزايا التي قد تحتاجها بالفعل صناعة المحتوى الخبري أو الإخباري، منها التصوير باستخدام الكاميرتين الأمامية والخلفية معاً، وإمكانية إضافة المؤثرات الصوتية والمرئية، والعرض لفترات محدودة، والنشر باستخدام خصائص تحديد الموقع، والتفاعل والمشاركة مع الجمهور بشكل مباشر، وغيرها كثير من المزايا التي أصبحت مهمة جداً لصُنّاع الأخبار والمحتوى حول العالم».

للعلم، أفادت «سناب إنك (Snap Inc)»، الشركة الأم المالكة لـ«سناب تشات»، في تقرير أرباح الرُّبع الثالث من العام الماضي، الذي نُشر في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بأن حجم جمهور الأخبار على المنصة يُقدر بنحو 70 مليون مستخدم. وعدّت الشركة النسبة «صغيرة نسبيّاً» مقارنة بإجمالي قاعدة مستخدمي المنصة، الذي يُقدَّر بـ422 مليون مستخدم نشط يومياً. ومن ضمن مساعي التطبيق لتعزيز محتوى الأخبار، ذهب «سناب تشات» إلى استراتيجية تقسيم عوائد الإعلانات «مناصفة» مع الناشرين لتشجيعهم على تقديم محتوى خاص يأخذ في الاعتبار خصوصية التطبيق الترفيهي. وفي هذا الصدد أشار تقرير نشرته «بريس غازيت»، في نوفمبر الماضي، إلى أن الصحف بدأت تضع خططاً خاصة للظهور عبر تطبيق «سناب تشات» ومنها صحيفة «الديلي ميل» البريطانية التي كشفت أن لديها فريقاً، مكوناً من 35 شخصاً، يعمل على إنتاج محتوى خاص بالمنصة.

هنا شدّد الراضي على «ضرورة تحديد الجمهور المستهدف على سناب تشات وخصائصه»، موضحاً: «منصة سناب تشات تحدد أن الفئة العمرية ما بين 13 و34 سنة تُمثل نحو 85 في المائة من المستخدمين، وهذا يمثل نسبة كبيرة وجمهوراً عريضاً للغاية ينبغي على مؤسسات الإعلام جذبه والاهتمام به من خلال عرض وتقديم ما يحبه هذا الجمهور وما يبحث عنه». وأردف أن «التصنيف العمري لمستخدمي سناب تشات يفرض على صُنّاع الأخبار ابتكار طرق حديثة لعرض المحتوى الجاد، لا سيما جيل الألفية، المعروف بأنه ماهر تقنياً وبعيد عن المشاعر والعواطف في تحديده وتقييمه الاستفادة من أي شيء تماماً... ومع ذلك فإنه وفق تقييم سناب تشات، فإن هذه الفئة العمرية هي واحدة من الأكثر استخداماً وتأثيراً على المنصة، وبذلك يكون كسبها وجذبها ضرورياً لجميع المؤسسات الإعلامية بشكل عام».

من جهة ثانية، وصف أحمد البرماوي، رئيس تحرير منصة «فولو آي سي تي (FollowICT)» للاقتصاد الرقمي، تجربة الأخبار على «سناب تشات» بـ«الضرورية حالياً». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الشكل النمطي للأخبار ما عاد مناسباً للأجيال التي اعتادت التعاطي مع المحتوى الرقمي دون غيره. وكذلك، يجب على الناشرين الأخذ في اعتبارهم أن ثمة مجالات غير معتادة باتت تحتل اهتمام جيل الألفية مثل الألعاب الإلكترونية وأخبار كل ما هو متعلق بعالم التكنولوجيا». وعليهم أيضاً «تطويع أدوات المنصات لخدمة نمط تقديم الأخبار». وأشار إلى شكل المنافسة الراهنة، واصفاً إياها بـ«المتغيرة... إذ لم يعد فيسبوك وإكس بين المواقع التي يستقي منها جيل الألفية معلوماته، ومن ثم بات سناب تشات وتيك توك الواجهة الجديدة للإعلام».

في المقابل، رهن البرماوي نجاح تجربة الناشرين على منصة «سناب تشات» بـ«نمط عرض المحتوى بما لا يخلّ بقيمة العمل الإعلامي من جانب، أو بتطور أدوات المنصات من جانب آخر». وقال: «على مدار العام الماضي تعرّضت المؤسسات الصحافية، تحديداً، لتجاوزات في حقها من قبل منصات التواصل الاجتماعي، عبر نشر المعلومات من دون رابط الخبر الأصلي، ما يُعد إجحافاً بحقها بوصفها مالكةً للمعلومة، وقد رمى ذلك بظلاله على مصادر الدخل، وبات الوصول إلى القراء معضلة تتحكم بها منصات التواصل الاجتماعي، وليس صاحب المحتوى الأصلي».

وشدد البرماوي على ضرورة ألا تتجرّع المنصات الإعلامية مرارة الظلم مرة أخرى. وأضاف: «على الناشرين أن يضعوا نموذجاً منصفاً هذه المرة للتعاطي مع المنصات الجديدة التي تقدم نفسها وسيطاً للأخبار مثل (سناب تشات)، وإلا تكررت الخسائر على النحو السابق الذي شاهدناه من (فيسبوك) و(غوغل)».



«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.


الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».