هولاند يشكر ملك المغرب على المساعدة «الفعالة» للقضاء على {أبو عمر البلجيكي}

اعتقال الرباط لشقيق العقل المدبر للهجمات ساعد على معرفة مكان وجوده

الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند مرحبا بالعاهل المغربي الملك محمد السادس في قصر الإليزيه بباريس أمس (رويترز)، صورة ضوئية لخبر نشرته {الشرق الأوسط} أول من أمس كشفت فيه عن مساعدة
 مغربية لفرنسا في الصفحة الأولى.
الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند مرحبا بالعاهل المغربي الملك محمد السادس في قصر الإليزيه بباريس أمس (رويترز)، صورة ضوئية لخبر نشرته {الشرق الأوسط} أول من أمس كشفت فيه عن مساعدة مغربية لفرنسا في الصفحة الأولى.
TT

هولاند يشكر ملك المغرب على المساعدة «الفعالة» للقضاء على {أبو عمر البلجيكي}

الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند مرحبا بالعاهل المغربي الملك محمد السادس في قصر الإليزيه بباريس أمس (رويترز)، صورة ضوئية لخبر نشرته {الشرق الأوسط} أول من أمس كشفت فيه عن مساعدة
 مغربية لفرنسا في الصفحة الأولى.
الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند مرحبا بالعاهل المغربي الملك محمد السادس في قصر الإليزيه بباريس أمس (رويترز)، صورة ضوئية لخبر نشرته {الشرق الأوسط} أول من أمس كشفت فيه عن مساعدة مغربية لفرنسا في الصفحة الأولى.

أفادت مصادر أمنية فرنسية أمس أن اجتماعا حصل صباح الاثنين الماضي بين مسؤولين أمنيين فرنسيين ومغاربة في باريس كان «حاسما» للعثور على المواطن البلجيكي - المغربي عبد الحميد أباعود (أبو عمر البلجيكي) الذي يعد العقل المدبر للمجزرة التي ارتكبها «داعش» في العاصمة الفرنسية.
وبحسب هذه المصادر، فإن المسؤولين الأمنيين المغاربة نصحوا نظرائهم الفرنسيين بـ«تعقب» حسناء آيت بولحسن، قريبة أبو عمر البلجيكي التي «ستقودهم إليه» وهذا ما حصل الفعل، إذ إن تشديد الرقابة الإلكترونية والبشرية على حسناء أوصل إلى الشقة التي لجأ إليها أبو عمر البلجيكي، وفيها قتل صبيحة أول من أمس خلال عملية الدهم التي قام بها 110 رجال من قوات النخبة في الشرطة والدرك، الأمر الذي حول وسط ضاحية سان دوني شمالي باريس إلى ساحة حرب حقيقية.
وأفيد أمس أن أحد شقيقي عبد الحمد أباعود, واسمه ياسين، معتقل في المغرب منذ بداية شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي وذلك لدى عودته من سوريا. ولا شك أن ثمة علاقة بين الكشف عن مخبأ العقل المدبر لعمليات باريس الإرهابية الأخيرة وبين وجود ياسين بأيدي أجهزة الأمن المغربية التي يعرف عنها التعاون الوثيق مع الأجهزة الفرنسية في الملفات الإرهابية.
وأمس، استقبل الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ملك المغرب محمد السادس في قصر الإليزيه. وجاء في البيان الصادر عن الرئاسة أن هولاند «شكر الملك محمد السادس على المساعدة الفعالة» التي قدمتها بلاده لباريس، كما أن الطرفين أعربا عن «عزمهما المشترك على محاربة الإرهاب والتشدد والعمل معا من أجل إيجاد حلول للأزمات الإقليمية والدولية». وفهم أن ملك المغرب كان موجودا في زيارة خاصة لفرنسا وأنه اغتنم المناسبة للقاء الرئيس الفرنسي للتعبير عن تضامن بلاده معها. والملك محمد السادس هو ثاني رئيس دولة عربية يأتي إلى باريس لهذا الغرض بعد الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي الذي جاء إلى العاصمة الفرنسية في اليوم التالي على مجزرة 13 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي.
وقال بيان للديوان الملكي المغربي إن الملك محمد السادس والرئيس هولاند أعربا خلال لقائهما عن العزم المشترك لكل من فرنسا والمغرب للقيام معا بمحاربة الإرهاب والتطرف، والعمل على تسوية النزاعات الإقليمية والدولية. وأضاف بيان الديوان الملكي أنه بعد مرور شهرين على نداء طنجة، الذي جرى التوقيع عليه خلال زيارة العمل والصداقة التي قام بها الرئيس هولاند للمغرب، جدد قائدا البلدين تعبئتهما الشاملة من أجل حماية الأرض والنجاح مؤتمر «الكوب 21» في باريس و«الكوب 22» الذي سيعقد في المغرب عام 2016. وأشار البيان أيضا إلى تنويه الرئيس الفرنسي والعاهل المغربي بحيوية الشراكة الاستثنائية الفرنسية - المغربية وقدرتها على التجدد من أجل رفع التحديات المشتركة.
وكانت «الشرق الأوسط» قد نشرت نقلا عن مصدر دبلوماسي موثوق أن المخابرات المغربية هي من أبلغت نظيرتها الفرنسية بأن عبد الحميد أباعود موجود في فرنسا وليس في سوريا.
وقال المصدر ذاته لـ«الشرق الأوسط» إن الانتحارية التي فجرت سترتها في ضاحية سان دوني عند بدء هجوم قوات الأمن هي ابنة خالة أباعود، واسمها حسناء آية بولحسن، وهي من مواليد فرنسا في 12 أغسطس (آب) 1989، مشيرا إلى أن المخابرات المغربية هي أيضا من دلت المصالح الأمنية الفرنسية على وجود ابنة خالة أباعود في فرنسا، وأنها متشبعة بالفكر المتطرف. وقدمت المخابرات المغربية معلومات ساعدت نظيرتها الفرنسية على القيام بمداهمة سان دوني، التي قتل فيها عبد الحميد أباعود.
وكل يوم يمر على التحقيق المعمق والشامل الذي تقوم به الأجهزة الأمنية يأتي بجديد. وأخر ما برز أمس أن أبو عمر البلجيكي الذي لم يفهم بعد كيف نجح بالانتقال من سوريا إلى بلجيكا ومن بلجيكا إلى فرنسا كان موجودا في باريس ليلة الجمعة – السبت، وأنه استخدم مترو الأنفاق وفق ما بين شرائط تسجيل فيديو لمحطة ضاحية مونتروي القائمة على مدخل باريس الجنوبي الشرقي أي ليس بعيدا عن مكان العثور على سيارة «سيات» التي استخدمها الإرهابيون أو عن مكان إحدى الشقق التي استأجروها. وبحسب التسجيل، فإن صورة أبو عمر تظهر بعد ساعة على بدء العمليات الإرهابية في باريس. لذا، فإن الغموض الذي تسعى السلطات الفرنسية لجلائه هو معرفة ما إذا هذا الأخير قد شارك شخصيا في عملية إطلاق النار على رواد ثلاثة مطاعم إلى جانب الأخوين إبراهيم وصلاح عبد السلام، المواطنين الفرنسيين اللذين كانا يعيشان في إحدى ضواحي بروكسيل. وبعد أن كانت باريس تعتقد أن أبو عمر الذي تعتبره، وفق وزير الداخلية، مسؤولا عن أربع محاولات إرهابية منذ الربيع الماضي وأنه كان مولجا «إدارة» المتشددين الفرنسيين أو الناطقين بالفرنسية في تنظيم داعش، فإذا به «يظهر» في باريس ويتنقل في المترو وربما يشارك في العمليات الإرهابية التي هو محركها الأول.
أما السر الثاني الذي يدل هو الآخر على اختراق المنظومة الأمنية الفرنسية والأوروبية معا فهو «اختفاء» صلاح عبد السلام الذي يظن بقوة أنه ذهب وشقيقه إلى سوريا وعادا منها إلى بلجيكا. ورغم حملات الدهم الكثيرة التي تقوم بها الأجهزة البلجيكية واعتقال الشخصين اللذين كانا برفقته لدى «إخراجه» من باريس عقب العمليات الإرهابية، فإن صلاح عبد السلام ما زال متواريا عن الأنظار. وأمس أعلن رئيس الحكومة مانويل فالس أنه «يمكن تصور مشاركة أشخاص آخرين» في هذه العمليات، ما يعني أن الاعتقاد الأول بأنهم سبعة فقط كان خاطئا. وأمس، توصل المحققون إلى قناعة أن هناك شخصا ثالثا قتل في الشقة التي داهمتها القوة الأمنية في وسط سان دوني «إلى جانب أبو عمر البلجيكي وقريبته حسناء آيت بولحسن». وتريد الأجهزة الفرنسية مجيء دور فرنسيين إضافيين معروفين في الأوساط المتشددة وهما شقيقان (فابيان وجان ميشال كلان) اعتنقا الإسلام ويظن أنهما انتقلا إلى سوريا. والأول هو، وفق استنتاجات الأجهزة الأمنية، من قرأ بيان تبني تنظيم داعش عمليات باريس فيما تم عزل صوت شقيقه أيضا في التسجيل نفسه. وبموازاة عمليات الدهم والتوقيف والإقامة الجبرية ومنع التجول التي تتم بأمر إداري بموجب حالة الطوارئ، ناقش مجلس الشيوخ الفرنسي أمس مشروع القانون الجديد الذي تقدمت به الحكومة لتمديد العمل بها ثلاثة أشهر إضافية وفق ما يفرضه القانون. وتريد الحكومة من القانون الجديد الذي يفترض أن يصبح نافذا سريعا جدا تشديد الإجراءات والتدابير العقابية وأهمها فرض الإقامة الجبرية وحل الجمعيات والمؤسسات التي تعتبرها الحكومة خطرة على الأمن وتمكين الشرطة والدرك من القيام بعمليات تفتيش ودهم من غير الحاجة لأمر قضائي فضلا عن إبعاد أو نزع الجنسية عمن من يعد خطرا هو الآخر على السلامة العامة.
أما على الصعيد الخارجي، وبالتوازي مع الجانبين التشريعي والأمني، فإن باريس مستمرة في حربها على الإرهاب في جبهتين: سياسية - دبلوماسية من جهة وعسكرية من جهة أخرى. وفي هذا السياق، فإن النتائج إلى أسفر عنها اجتماع وزراء الداخلية والعدل لبلدان الاتحاد الأوروبي أمس في بروكسل، عدها الوزير برنار كازنوف «مشجعة» بعد أن كان قد لام نظراءه الأوروبيين على «الوقت الضائع» الذي أهدروه في الاجتماعات العقيمة التي جرت منذ بداية هذا العام.



الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.


جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)

في المدن والقرى الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، يتشكل وعي جيل كامل على وقع انقلاب ممتد دخل عامه الثاني عشر، حتى باتت تفاصيل الصراع جزءاً من المشهد اليومي الذي نشأ فيه ملايين الأطفال والشباب، فبالنسبة إلى كثيرين منهم، لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً، بل أصبحت الإطار الذي تشكلت داخله طفولتهم ومراهقتهم وبدايات نضجهم.

هذا الجيل الذي وُلد بعض أفراده بعد اندلاع الحرب، أو كان في سنواته الأولى عندما انفجرت الأزمة، لم يعرف من اليمن سوى صور الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية. وبينما يتحدث الآباء عن سنوات أكثر استقراراً شهدت حياة طبيعية نسبياً، تبدو تلك الحكايات بالنسبة إلى كثير من الشباب أشبه بقصص تنتمي إلى زمن بعيد يصعب تخيله.

ويقول عدد من الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين لـ«الشرق الأوسط» إن أولى ذكرياتهم لا ترتبط بالمناسبات المدرسية أو الرحلات العائلية بقدر ما ترتبط بأصوات الانفجارات وأخبار الجبهات ومشاهد النزوح والقلق الدائم من المجهول.

ويؤكد هؤلاء أن سنوات مراهقتهم مرت بين أزمات معيشية متلاحقة، وانقطاعات متكررة للخدمات، ومخاوف مستمرة من تدهور الأوضاع، في وقت كان أقرانهم في بلدان أخرى يعيشون تجارب أكثر استقراراً وانفتاحاً على المستقبل.

آلاف المراهقين وصغار السن أخضعهم الحوثيون للتعبئة العقائدية والقتالية (إ.ب.أ)

ويصف مروان، وهو اسم مستعار لطالب جامعي من صنعاء يبلغ من العمر 22 عاماً، شعوره تجاه تلك الفجوة الزمنية بين جيله وجيل والده بقوله إن الأحاديث عن اليمن قبل الحرب تجعله يشعر وكأنها تدور حول بلد مختلف تماماً.

ويشير إلى أنه اضطر إلى تعليق مسيرته الدراسية مؤقتاً والعمل لمساعدة أسرته على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة، موضحاً أن سقف أحلام كثير من الشباب لم يعد يدور حول تحقيق إنجازات كبيرة أو مشاريع طموحة، بل حول الحصول على وظيفة مستقرة تضمن دخلاً يكفي للعيش بكرامة.

ويعكس هذا الحديث واقعاً أوسع يعيشه آلاف الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام ضغوط اقتصادية متزايدة أجبرتهم على إعادة ترتيب أولوياتهم. فبدلاً من التفكير في التطور المهني أو استكمال الدراسات العليا، أصبح التركيز منصباً على تأمين الاحتياجات الأساسية ومساندة الأسر التي استنزفتها سنوات الحرب الطويلة.

ورغم استمرار العملية التعليمية بدرجات متفاوتة، فإن التحديات التي واجهها قطاع التعليم خلال سنوات الصراع تركت آثاراً عميقة على جودة المخرجات التعليمية ومستوى التأهيل الأكاديمي. ويتحدث طلاب وخريجون عن نقص الإمكانات التعليمية، وضعف فرص التدريب والتأهيل، وغياب البيئة المناسبة لاكتساب المهارات التي تتطلبها سوق العمل الحديثة.

بطالة متصاعدة

مع تزايد أعداد خريجي الجامعات عاماً بعد آخر، تتقلص في المقابل فرص التوظيف في كثير من القطاعات، الأمر الذي يضع آلاف الشباب أمام واقع معقد يتسم بندرة الوظائف وغياب الاستثمارات القادرة على استيعاب الطاقات الجديدة.

ويقول خريج في كلية الهندسة بجامعة إب إنه يشعر بقلق متزايد من أن تتحول سنوات الدراسة الطويلة إلى مجرد شهادة لا تفتح له باباً حقيقياً نحو الاستقرار المهني أو الاجتماعي.

جانب من سوق شعبية في العاصمة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتتراوح الخيارات المتاحة أمام كثير من الشباب بين أعمال مؤقتة منخفضة الأجر، وانتظار فرص غير مضمونة، والتفكير في الهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل إذا توفرت الإمكانات. كما يواجه بعضهم مخاوف مرتبطة بمحاولات الاستقطاب والتجنيد في ظل استمرار الصراع.

ولا تقتصر الخسائر التي يتحدث عنها الشباب على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية ونفسية أكثر عمقاً. فالكثير منهم فقدوا أقارب أو أصدقاء خلال سنوات الحرب، كما تضررت شبكات العلاقات الاجتماعية نتيجة النزوح والهجرة والانقسامات التي أصابت المجتمع اليمني.

ويقول أحد الشباب من محافظة عمران (شمال صنعاء) إنه كان في العاشرة من عمره عندما بدأت الحرب، بينما أصبح اليوم على وشك إنهاء دراسته الجامعية، مشيراً إلى أن كامل مسيرته التعليمية جرت في ظل ظروف استثنائية. ويضيف أن أكثر ما يخشاه هو الوصول إلى لحظة التخرج دون أن يجد فرصة عمل تمنحه القدرة على بناء حياة مستقرة.

السلام... الحلم المشترك

في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، تقول أسماء، وهي طالبة في المرحلة الثانوية تبلغ من العمر 17 عاماً، إنها لا تتذكر يوماً لم تكن فيه الحرب أو الأزمة الاقتصادية جزءاً من الأحاديث اليومية. وتوضح أن التفكير في المستقبل بات يرتبط أولاً بالسؤال عما إذا كانت البلاد ستتمكن من استعادة الاستقرار الذي يسمح للأجيال الجديدة بالتخطيط لحياتها بصورة طبيعية.

ويرى باحثون اجتماعيون أن سنوات الحرب الطويلة أوجدت لدى قطاع واسع من الشباب قدرة ملحوظة على التكيف مع الظروف المتغيرة والتعامل مع الأزمات المتكررة، إلا أنها في الوقت نفسه تركت آثاراً نفسية عميقة مرتبطة بحالة القلق المستمر وعدم اليقين تجاه المستقبل.

عناصر أمن حوثية تجوب شوارع صنعاء (رويترز)

وعند سؤال الشباب عن أحلامهم المستقبلية، تتباين التفاصيل لكن تتشابه المضامين. فمعظمهم لا يتحدث عن الثراء أو الشهرة أو الطموحات الاستثنائية، بل عن أمور تبدو بديهية في المجتمعات المستقرة، مثل الحصول على وظيفة دائمة، وتوفر الكهرباء والمياه والخدمات العامة، والقدرة على التخطيط للمستقبل دون خوف.

ويقول حميد، وهو شاب عشريني من محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، إن حلمه لا يتجاوز العيش في بلد طبيعي يستطيع فيه الناس العمل والدراسة وبناء حياتهم بعيداً عن الحروب والمخاوف اليومية.

ويؤكد مختصون اجتماعيون أن الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين يمثلون اليوم شريحة واسعة تشكلت هويتها في ظل الحرب والانقسام والأزمات المتراكمة. ورغم اختلاف تجاربهم الفردية، فإنهم يتشاركون شعوراً عاماً بأن سنوات مهمة من أعمارهم مضت في ظروف لم يكن لهم دور في صنعها.

ومع ذلك، لا يزال كثير منهم يتمسكون بفكرة أن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً. فبالنسبة إلى جيل لم يعرف السلام إلا عبر روايات الآباء، يبدو السلام أكثر من مجرد مطلب سياسي؛ إنه الشرط الأساسي لاستعادة الحياة الطبيعية، والفرصة الأولى لبناء ما حرمته الحرب من فرص وأحلام ومسارات كان يمكن أن ترسم ملامح جيل كامل بصورة مختلفة.


«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)

قالت شركة (إم إس سي)، أكبر مجموعة شحن حاويات في العالم، اليوم الثلاثاء، إن قذيفتين أصابتا سفينتها (ساريسكا 5) أثناء وجودها في ميناء أم قصر بالعراق أمس الاثنين، مضيفة أن جميع أفراد الطاقم بخير ولم يصابوا بأذى.

وذكرت الشركة أن «الحرس الثوري» الإيراني أعلن مسؤوليته عن الواقعة التي وصفتها بأنها هجوم غير مبرر على ناقلة تجارية محايدة لا علاقة لها بالولايات المتحدة أو إسرائيل، وفقا لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت المجموعة في بيان «تشعر (إم إس سي) بقلق بالغ إزاء هذه الهجمات غير المبررة والمخاطر التي تشكلها على بحارتها الأبرياء والتجارة البحرية الحيوية في المنطقة».