المثقفون والرأسمالية: حبٌّ أم كراهية؟

بعد أن أصبحت عرضة لهجمات التقنية الرقمية

المثقفون والرأسمالية: حبٌّ أم كراهية؟
TT

المثقفون والرأسمالية: حبٌّ أم كراهية؟

المثقفون والرأسمالية: حبٌّ أم كراهية؟

سمعنا وسنسمع كثيراً عن موت الرأسمالية مثلما ماتت الاشتراكية السوفياتية قبلها. المسوّغات متعدّدة والخلفيات الفكرية متباينة: هناك مَنْ يبشّرُ بهذا الموت القريب تناغماً مع رؤية رغبوية انتقامية لما حصل مع التجربة الاشتراكية العالمية، وهناك من يعتمد رؤية الحتمية التاريخية (Historical Inevitability) التي جوهرُها أنّ أي نسق فكري لا بد من أن ينتهي إلى زوال لتبدأ من نقطة الزوال انطلاقة جديدة لنسق جديد. إنها نسخة آيديولوجية محدّثة من الديالكتيك الهيغلي الممتد من القرن التاسع عشر.

لنبتعدْ عن الحروب الآيديولوجية الساخنة ولنقصرْ حديثنا على الفضاء الثقافي والمثقفين (Intellectuals). لم يكن المثقفون بعيدين عن الحفر العميق في جوهر الرأسمالية ومتبنياتها الفكرية وإسقاطاتها الحادة على طبيعة المعيش اليومي للبشر، وهم متباينون في رؤاهم تبايناً كبيراً ينعكس في القطبية المتنافرة لما يكتبونه بين أقصى اليمين وأقصى اليسار، وهذا أمرٌ متوقّعٌ من المثقفين. الناسُ في العادة تحاكم الأنساق الفكرية بمقدار انعكاسها المباشر في تحسّن حياتها اليومية؛ لكنّ المثقفين يُظهِرون عنتاً في القبول الميسّر بالأفكار؛ بل يميلون في العادة لمساءلة الأنساق والحفر العميق فيها بعيداً عن السطوح التي تكمن فيها المنافع الميسّرة سريعة المنال.

واجهة لعرض الموقف

الكتبُ هي البضاعة الأهم للمثقفين. هناك المنشورات والأفلام السينمائية والبحوث والدراسات والفن والتشكيل؛ لكن تبقى الكتب المستودعات الأهم والأكثر تداولاً للأنساق الفكرية. تعكس المنشورات الحديثة من الكتب رؤى متباينة نحو الرأسمالية من جانب مثقفين من شتى الألوان الفكرية والفضاءات المعرفية. سأذكر عيّنات فحسب من الكتب التي اطلعتُ على بعض تفاصيلها.

هناك أولاً كتاب «قوة الرأسمالية» (The Power of Capitalism) للمؤرخ والسوسيولوجي الألماني راينر زيتلمان (Rainer Zitelmann). من المثير معاينة العنوان الثانوي في الكتاب: «الرأسمالية هي الحل وليست المشكلة!» ربما سيقودنا العنوان الثانوي إلى توقّع نمط من القناعة المدفوعة بضغط آيديولوجي للرأسمالية في فكر المؤلف ورؤيته، وسيتعزّز هذا الرأي لو علمنا أنّ الكتاب المذكور أعلاه نُشر عام 2024 بعد سنة واحدة فحسب من نشر كتاب سابق له بعنوان «دفاعاً عن الرأسمالية» (In Defense of Capitalism).

هذا في الجانب المناصر للرأسمالية؛ أما في الجانب المناهض لها (والراغب في موتها ربما) فهناك كتاب مثير منشور حديثاً عام 2024 عنوانه «رأسمالية النسور» (Vulture Capitalism) لمؤلفته غريس بلاكلي (Grace Blakeley). تصمُ المؤلفةُ الرأسماليةَ -كما ينبئنا عنوان الكتاب- بسلسلة لا تنتهي من الشرور والجرائم؛ بل حتى نهاية الحرية الحقيقية للإنسان، وهذا ما يلمحه القارئ من العنوان الثانوي للكتاب أيضاً. لعلّ القارئ سيخمّن أنّ الكاتبة ذات توجهات يسارية أصولية عنيفة؛ حدّ أنها تنتمي لسلالة أحد مؤسسي الشيوعية السوفياتية. أبداً؛ ليس الأمر على هذا النحو. بلاكلي خريجة جامعة أكسفورد البريطانية العريقة، وكانت الأولى على دفعتها في التخصص الثلاثي الشهير بجامعة أكسفورد المسمّى «PPE» (الفلسفة، السياسة، الاقتصاد). القضية ليست آيديولوجيا خالصة، أو تصفية حسابات تأخرت وحان أوان تسديد فواتيرها المتراكمة. المثقفون لهم مواقف متباينة تجاه الرأسمالية؛ فهم يحبونها أو يكرهونها وليس ثمة من موقف موحّد لهم إزاءها.

علاقة طويلة ملتبسة

قبل تناول موضوعة علاقة المثقفين بالرأسمالية، من المهم تشخيص أيّ مثقف هو المعني بهذه العلاقة، وما الرأسمالية المقصودة في هذه العلاقة؟

المثقف هو المشتغل في حقل إنتاج الأفكار ومساءلتها ومداولتها والتعليق على مآلاتها ومفاعيلها المجتمعية والفردية. المثيرُ أنّ كثرة من كبار المثقفين أبدوا ميلاً فكرياً تجاه نوعٍ من الرأسمالية المهذّبة (أو الاشتراكية المطعّمة بحس إنساني، لا فرق!). فلاسفة من طراز برتراند راسل مثلاً صرّحوا عن ميولهم المتناغمة مع جهود الجمعية الفابية (Fabian Society) التي سعت لاعتماد حركية هادئة مسالمة نحو نمط من الاقتصاد التشاركي، المدعم بمظلة دولة الرعاية الاجتماعية (Welfare State). هؤلاء الفلاسفة والمثقفون لم يكونوا يساريين مكرّسين، ولا معنى أصلاً في توصيفهم آيديولوجياً بأنهم يساريون؛ لأنهم كتبوا بقسوة وبالضد من التجربة الشيوعية التي رأوا فيها تكريساً للسلطة الشمولية. هم أرادوا موازنة معقلنة -مقبولة من الوجهة الأخلاقية وممكنة من الوجهة العملية- بين الرغائب الفردانية وسلطة الدولة في منع الاستغلال وحماية مصالح الفرد.

الفكرة الجوهرية لدى هؤلاء المثقفين، هي أنّ الرأسمالية ليست آيديولوجيا أنيقة بقدر ما هي منهج عملي، حتى وإن اتسم أحياناً بشيء من القسوة والحزم، ومنع مظاهر التبطّل والتكاسل، والاتكاء على المعونات من جانب الدولة أو المؤسسات غير الحكومية. من جانب آخر، رأى هؤلاء في الماركسية -وهي الضد النوعي للرأسمالية- نسقاً فكرياً أنيقاً؛ لكنه لا يعمل بكفاءة بما يقود لنتائج فاعلة. ربما أرادوا نوعاً من المزاوجة والتعشيق بين الماركسية والرأسمالية، وهذا ما نجد له صدى داخل القلاع الرأسمالية ذاتها (وأهمها أميركا) بدأ يتعاظم بخاصة بعد الأزمة المالية المدمّرة عام 2008.

هذا عن المثقفين؛ أما بشأن الرأسمالية فثمة تباينات كثيرة أيضاً. ما هي الرأسمالية المقصودة بأن تكون هدفاً لحُبّ المثقفين أو كراهيتهم؟ الرأسماليات أنواع شتى. وجدت الرأسمالية الأولى في البروتستانتية جذراً فكرياً وأخلاقياً لأطروحتها الاقتصادية: على الفرد أن يعمل بكلّ قواه العقلية والجسدية لينال مكانته المرغوبة في المجتمع. حصلت الانتقالة الكبرى في الرأسمالية مع مقدم السياسات النيوليبرالية في حقبة الثاتشرية البريطانية والريغانية الأميركية، عندما ارتدّت الرأسمالية عن أساسها الأخلاقي لكي تصبح تغولاً اقتصادياً صارت بموجبه الحكومات مجرّد لاعب مسلوب القوى في تنظيم آليات السوق. السوق صارت هي اللاعب الأعظم، والأصول المالية الحقيقية صارت مشتقات مالية تعبّر عنها مجموعة أرقام فحسب.

حُبٌّ أم كراهية؟

قلت سابقاً إنّ الماركسية لها أناقتها الفكرية وجاذبيتها الأخلاقية؛ لذا من المتوقّع أن تستميل كثيراً من المثقفين؛ غير أنّ عقوداً من التطبيقات العملية أبانت أنّ الرأسمالية كانت أكثر كفاءة في الوفاء بحاجات الناس ورغائبهم. المرء لن يعتاش على الأفكار عندما تكون معدته خاوية وصحته معتلة، وحاجاته الأساسية منقوصة أو غائبة. الوقوف في طوابير من أجل بعض الزبدة أو اللحم ليس بالتجربة الطيبة التي تدعم أي نسق اقتصادي، مهما كانت خلفيته الفكرية أنيقة ومتّسمة بالرفعة الأخلاقية.

لكن في الوقت ذاته، أبدى بعض المثقفين امتعاضاً مبدئياً تجاه الرأسمالية. هم لم ينكروا بعض مزاياها؛ لكنهم رأوا أنّ هذه المزايا جاءت باهظة التكلفة من الناحية الإنسانية، وقد تعاظم هذا الامتعاض لديهم عقب تغوّل السياسات الثاتشرية والريغانية في المد النيوليبرالي الذي حصل في بداية ثمانينات القرن العشرين. لم يستأنس هؤلاء المثقفون أبداً بفكرة السوق الحرّة المحكومة بآليات العرض والطلب والمتفلتة من كلّ تنظيم قانوني، وقبل هذا لم يستأنس هؤلاء أن تكون الرأسمالية سبباً ووسيلة لتركيز الثروة في يد ثلّة من الرأسماليين الذين لم تُعْرَفْ عنهم مناقب ثقافية مشخّصة. صارت مسألة ثنائية «العقل– المال» تحتلُّ في زمننا المعاصر مكانة مركزية شبيهة بمعضلة «العقل- الجسد» في القرون السابقة، وراحت الكتب تترى في كيفية ترويض العقل والنفس لكي يتحوّلا إلى آلة تعرف كيف تقتنص المال من غير أي معوّقات نفسية أو ذهنية.

لنتأملْ مثلاً كم يكسب أستاذ فلسفة أو أدب أو سوسيولوجيا أو علم نفس في جامعة هارفارد سنوياً؟ ولنقارنْ هذا مع ما يكسبه مارك زوكربرغ مثلاً سنوياً؟ لا مجال للمقارنة. هذا المثال يكفي لبيان أحد أسباب كراهية المثقفين للرأسمالية، رغم أنهم يعترفون بأنها وفّرت لهم عيشاً طيباً. يمكن أن نقرأ بكيفية مسهبة عن تفاصيل مثل هذه في كتب كثيرة، منها: «العقل في مقابل المال» (Mind vs. Money) لمؤلفه آلان إس. كاهان (Alan S. Kahan). العنوان الثانوي للكتاب كاشف عن الطبيعة المباشرة لموضوعه: «الحرب بين المثقفين والرأسمالية».

مراوغات جديدة

اختلفت الحال النوعية في علاقة المثقفين بالرأسمالية في القرن الحادي والعشرين. الثقافة الكلاسيكية صارت أقلّ طهرانية، وأقرب لمفهوم خلق الثروة الحقيقية، ومغادرة مفهوم الاشتغال في نطاق العوالم الرمزية. صار معظم المثقفين يسعون لاقتطاع حصتهم التي يرونها مشروعة من الثروة العالمية. الرأسمالية كذلك صارت عُرْضة لهجمات التقنيات الرقمية التي جعلت من الرأسمالية الرقمية مفهوماً يختلف عن الرأسمالية الكلاسيكية، وليس محض امتداد له.

لم يكتف المثقفون في أيامنا هذه بإبداء مظاهر الامتعاض من الرأسمالية أو مناصرتها. أستاذ الفلسفة في «هارفارد» اليوم لم يعُد يكتفي بمرتبه السنوي؛ بل صار يسعى لنشر كتب ذات محتوى مرغوب عالمياً، تحت إشراف دور نشر عالمية تجيد صنعة الترويج والإشهار. لم يكتفِ الأستاذ في الثقافة الكلاسيكية بنشر كتب تلقى رواجاً؛ بل هو في الغالب صاحب «Podcast» ومدوّنة إلكترونية تدعم مسعاه الترويجي وجهده في كسب مزيد من المال. لم يقتصر الأمر على أعالي الثقافة الكلاسيكية (الفلسفة والأدب مثلاً)؛ بل إن كثرة من علماء الفيزياء والرياضيات والبيولوجيا والأدب انخرطوا في لعبة كسب المال عبر النشر المكثف. قلّما تمرّ سنة دون أن ينشر هؤلاء كتاباً لهم.

إنها لغة المال التي تفرض سطوتها في نهاية الأمر، وليس الحب أو الكراهية إلا تمثلات نفسية لمقدار حصة المثقف من المال. هذه بعض طبيعة البشر، وعلينا القبول بها وترويضها بقدر الممكن للصالح العام والفردي معاً. هذا أقصى ما يمكن فعله.


مقالات ذات صلة

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

ثقافة وفنون «أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

أصدرت «منشورات رامينا» في لندن الترجمة العربية لكتاب «أناهيتا وكَميفان» للمسرحي والكاتب الكردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون نبوءة جورج أورويل المخيفة

نبوءة جورج أورويل المخيفة

السيطرة على البشر وتوجيههم عن طريق التحكم في الخلايا العصبية والشرائح الذكية نبوءة رأيناها تتحقق في أفلام الخيال العلمي، بل قرأنا عنها في أدب وأفلام الديستوبيا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

كثيرة، منذ القرن التاسع عشر، هي الأعمال الأدبية العربية وكتب الرحلات والمذكرات التي تتمحور حول موسم الهجرة إلى الشمال، أوروبا أو القارة الأميركية الشمالية.

د. ماهر شفيق فريد
كتب رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

صدر حديثاً للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة كتاب جديد بعنوان «شي جينبينغ: 101 قصة من الطفولة إلى القيادة العالمية»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب مستقبل القرار الطبي في زمن الذكاء الاصطناعي

مستقبل القرار الطبي في زمن الذكاء الاصطناعي

يقدم الكتاب مفهوم «السلطة السريرية» بوصفه إطاراً يحافظ على الدور القيادي للطبيب في اتخاذ القرار

«الشرق الأوسط» (لندن)

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية
TT

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

كثيرة، منذ القرن التاسع عشر، هي الأعمال الأدبية العربية وكتب الرحلات والمذكرات التي تتمحور حول موسم الهجرة إلى الشمال، أوروبا أو القارة الأميركية الشمالية. والأمثلة ليست بحاجة إلى تذكرة: رفاعة الطهطاوي، توفيق الحكيم، يحيى حقي، الطيب صالح، سهيل إدريس.. إلخ. لكن ماذا عن موسم الهجرة من الجنوب إلى الجنوب، من بلد عربي أفريقي أو آسيوي إلى دول الخليج؟

سؤال يجيب عنه كتاب صادر باللغة الإنجليزية هذا الصيف هو كتاب «الهجرة إلى الخليج في الرواية العربية» (Migration to the Gulf in the Arabic Novel) (مطبعة جامعة إدنبرة 2026، 271 صفحة) من تأليف نادين دقاق (Nadeen Dakkak) المحاضرة في قسم اللغة الإنجليزية والكتابة الإبداعية في جامعة إكستر البريطانية. والكتاب هو أحدث إصدارات سلسلة «دراسات إدنبرة في الأدب العربي الحديث» التي يشرف عليها الدكتور رشيد العناني. وقد صدر منها حتى الآن - اعتباراً من عام 2013 - أكثر من 30 كتاباً.

كان انبثاق النفط من رمال الصحراء - وما تبعه من تحديث متسارع الخطى - إيذاناً بتغيرات جيو - سياسية واجتماعية واقتصادية مهمة طالت الحياة في دول الخليج وجعلتها محط أنظار ومعقد آمال آلاف يحلمون بـ«عقد عمل» يعودون بعده إلى بلادهم وقد غدوا أقدر على مواجهة تكاليف العيش والضغوط الاقتصادية الواقعة عليهم وعلى من يعيلون.

عالج موضوع الهجرة، خلال سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، كتاب مصريون وفلسطينيون، أو فلسطينيون أردنيون، ولبنانيون، وأريتري. من هذه الأعمال خماسية «مدن الملح» لعبد الرحمن منيف، «رسالة البصائر في المصائر» لجمال الغيطاني، «اهبطوا مصر» و«صمت الرمل» لمحمد عبد السلام العمري، ثلاثية «أطفال بلا دموع» لعلاء الديب، «مسك الغزال» وأقصوصتان من المجموعة القصصية «وردة الصحراء» لحنان الشيخ، «بيع نفس بشرية» لمحمد المنسي قنديل وغيرها.

من الأعمال التي يتوقف عندها كتاب نادين دقاق رواية «براري الحمى» (1985) لإبراهيم نصر الله وهي عن مدرس شاب يعمل في بلد عربي بعقد مؤقت. ونحن نراه ممدداً في فراشه في حالة هلاس متولد من الحمى عقب لدغة بعوضة. إنها رؤية كافكاوية ناجمة عن شعور بالعجز والاضطهاد.

وهناك رواية إبراهيم عبد المجيد «البلدة الأخرى» (1991) وبطلها خريج قسم فلسفة يعمل في وظيفة إدارية بإحدى الشركات في بلدة عربية. تروى الأحداث بضمير المتكلم على لسانه. وإذ يفدحه الشعور بركود حياته يحاول كتابة يوميات ويصبح مدمناً على برامج تافهة ومسلسلات أميركية على شاشات التلفزيون. ولكن عودته إلى مصر بعد عام من الاغتراب لا تنبئ بما هو أفضل. ويعدد الدكتور محمد بدوي تقنيات الروائي هنا، وهي التشويق ولغة السرد التي تركز على تفاصيل دون أخرى ومنظور المراقب للأحداث.

و«سمراوية» (2012) رواية للقاص الأريتري حاجي جابر تصور حيرة الجيل الثاني من المهاجرين. إن عمر يلتقي في مقهى بأسمرة فتاة تدعى سمراوية، ويقع في حبها من أول نظرة. وتتحرك الرواية في نقطة وسط بين الخيال والواقع مجسدة اقتلاع الأريتري من أرضه. فوالد عمر وأجداده يضطرون إلى الهجرة من بلدهم عقب الصراعات السياسية العنيفة في حرب استقلال أريتريا عن إثيوبيا. والحكي في الرواية لا يتخذ شكل خط مستقيم وإنما يمثل تنقلاً بين الطفولة والرشد وسفراً عبر عدة مدن.

وفي خلفية هذه الأعمال تتخايل رواية الأديب الفلسطيني غسان كنفاني «رجال في الشمس» (1962) التي تعزف نغمة مأسوية، إذ تصور محنة الاقتلاع من الوطن السليب والحلم الذي يتحول إلى كابوس وذلك من خلال ثلاثة فلسطينيين يحاولون الوصول إلى الكويت عبر صحراء العراق فيكون مآلهم الموت اختناقاً داخل صهريج الشاحنة التي تقلهم في وقدة القيظ.

وإذا كان من الممكن أن نعتبر روايات الهجرة إلى الخليج جنساً أدبياً قائماً بذاته - وإن يكن على نطاق محدود - فما هو المستقبل الذي ينتظر هذا الجنس الأدبي؟ تختم نادين دقاق كتابها بأن تقول: من الصعب أن نرجم بالظنون عن المستقبل المنظور، وهل سيشهد مزيداً من الإضافات إلى هذا الجنس، ولكن المؤشرات تومئ لأن الاتجاه نحو التعددية قد يكون الاتجاه الغالب على المدى الطويل، بما يعكس التعدد على أرض الواقع وتشابك خيوطه. تشهد بهذا كثير من الكتابات في المجلات الأدبية الصادرة في دول الخليج ومدونات الفضاء الإلكتروني.

ما من كتاب واحد يمكنه أن يغطي كل ما يمكن أن يقال في موضوعه. وليس من العدل أن نطالب نادين دقاق بأن تذكر كل ما كتب عن الخليج. ولكني افتقدت عملاً واحداً أحسب أنه لا يمكن إغفاله في هذا السياق، حيث إنه يقع من موضوع المؤلفة في الصميم. إنه رواية «الخليج» للروائي المصري محمد جبريل. بطل الرواية رؤوف العشري صحافي يعمل في منطقة الخليج إبان الغزو العراقي للكويت. وتنتقل بنا المشاهد بين الكويت ومسقط والإسكندرية، فللمكان حضور بارز في هذا العمل، حيث تتجاور نقائض الحداثة والتراث، وتنهض أحدث مخترعات الغرب التكنولوجية في مواجهة قيم تقليدية تراثية تحكم دوافع السلوك وأنماط العيش. وفيما عدا هذا النقص ليس لدى إلا الثناء على كتاب يجمع - مثل سائر كتب السلسلة التي تضمه - بين دقة البحث العلمي ونفاذ البصر النقدي وإتقان الإخراج الطباعي.


رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

شي جينبينغ
شي جينبينغ
TT

رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

شي جينبينغ
شي جينبينغ

صدر حديثاً للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة كتاب جديد بعنوان «شي جينبينغ: 101 قصة من الطفولة إلى القيادة العالمية»، يحمل عنواناً فرعياً هو «رحلة الإنسان والقائد وباني نهضة الصين نحو المستقبل»، ويقدّم سيرة فكرية وإنسانية للرئيس الصيني شي جينبينغ من خلال مائة قصة وقصة، تجمع بين السرد الأدبي والتوثيق التاريخي والتحليل السياسي.

لا يقدّم الكتاب سيرة تقليدية تكتفي بتسجيل المحطات الزمنية أو استعراض الإنجازات، بل يسعى إلى الاقتراب من التجربة الإنسانية التي أسهمت في تكوين شخصية شي جينبينغ، وتتبع العوامل المختلفة التي رافقت انتقاله من طفولة اتسمت بالتحديات، إلى تجربة قاسية في الريف الصيني، ثم إلى مواقع المسؤولية، وصولاً إلى قيادة الصين في مرحلة تشهد تحولات واسعة.

ينطلق قميحة من أن الكتابة عن القادة الكبار ليست أمراً يسيراً؛ لأنها تتطلب محاولة لفهم روح التجربة الإنسانية والظروف التي صنعتها. ويرى أن الكتابة عن شي جينبينغ تضع الكاتب أمام تحديين متلازمين: تحدي الفهم وتحدي الإنصاف، ولا سيما أن تجربته القيادية نشأت في سياق صيني خاص، يختلف في جذوره الفكرية والتاريخية والسياسية عن النماذج الغربية السائدة.

ومن هنا، يعود الكتاب إلى البدايات الأولى في حياة شي جينبينغ، وإلى البيئة العائلية التي نشأ فيها والقيم التي تلقاها، قبل أن يتوقف عند تجربة إبعاده في سنوات شبابه إلى قرية ليانغجياخه الريفية. وهناك واجه الفقر والعمل الشاق وقسوة الظروف الطبيعية والاجتماعية، واختبر بصورة مباشرة تفاصيل حياة المزارعين وتطلعات الفئات الأكثر احتياجاً.

وتكشف القصص كيف أسهمت سنوات الطفولة والشباب في بناء إرادة قوية مكّنت شي جينبينغ من مواجهة الصعوبات والاستمرار في مسيرته السياسية. كما تتناول انخراطه المبكر في العمل العام، وبدايات مسيرته داخل الحزب الشيوعي الصيني، والتجارب الإدارية التي خاضها في المناطق المحلية، حيث تعرّف عن قرب إلى تحديات التنمية والفقر والبنية التحتية والتعليم والإدارة العامة.

ويتابع الكتاب انتقال شي جينبينغ بين مواقع المسؤولية في عدد من المقاطعات الصينية، مستعرضاً كيف تطورت رؤيته للإدارة والإصلاح من خلال العمل الميداني والتواصل المباشر مع المزارعين والحرفيين وأصحاب المشاريع الصغيرة.

ويقول المؤلف إن الكتاب، رغم تركيزه على سيرة قائد، لا ينظر إلى القيادة بوصفها فعلاً فردياً معزولاً، ولا إلى التاريخ بصفته صناعة شخص واحد. فالتجربة التي يتناولها نشأت داخل إطار جماعي واسع، كان فيه الحزب الشيوعي الصيني القوة التنظيمية والفكرية التي رافقت مسيرة التحديث، في حين كان الشعب الصيني شريكاً فاعلاً في البناء والتحول، لا مجرد متلقٍ للسياسات.

وعلى هذا الأساس، يقدّم المؤلف مسيرة الصين بوصفها نتيجة تفاعل مستمر بين القيادة والرؤية، وبين التنظيم الحزبي والإرادة الشعبية.

ولا تتوقف القصص عند سيرة شي جينبينغ، بل تنتقل إلى دراسة أبرز ملامح فكره في الحكم وإدارة الدولة، وفي مقدمتها مفهوم الحلم الصيني والنهضة الوطنية والازدهار المشترك والعدالة الاجتماعية. كما تتناول رؤيته لتحديث الحوكمة، وتعزيز الانضباط داخل الحزب، ومكافحة الفساد.

ويرصد الكتاب حرص شي جينبينغ على الجمع بين عناصر من الفكر الصيني التقليدي ومتطلبات الدولة الحديثة. ففي خطابه السياسي تبرز مفاهيم مستمدة من التراث الحضاري الصيني، مثل الانسجام والمسؤولية الأخلاقية واحترام المعرفة وأولوية المصلحة العامة، إلى جانب مقاربات حديثة في الإدارة والاقتصاد والتكنولوجيا والتخطيط الاستراتيجي.

ويضيء المؤلف على العلاقة بين حكمة التراث الصيني وروح الثورة ومقتضيات العصر، موضحاً كيف حافظت القيادة الصينية على عناصر الهوية الثقافية الوطنية، بالتوازي مع الانفتاح على الابتكار العلمي والتكنولوجي وتطوير أدوات الحوكمة.

ويخصص الكتاب مساحة واسعة للتحولات التي شهدتها الصين في العصر الجديد، وفي مقدمتها مكافحة الفقر وتحسين الأوضاع المعيشية، وتنمية المناطق الريفية، وتحديث البنية التحتية، ودعم التعليم والبحث العلمي، وتعزيز الابتكار والتحول الرقمي، وتطوير الصناعات والتكنولوجيا والطاقة النظيفة.

كما يتناول تجربة الصين في تحقيق قدر أكبر من التوازن بين المدن والأرياف، ودعم المشاريع المحلية، وتحديث الزراعة والصناعة، وتعزيز الأمن الغذائي، وإدارة الموارد الطبيعية، والمحافظة على البيئة. ويربط الكتاب هذه التحولات بفكرة أساسية مفادها أن التنمية لا ينبغي أن تُقاس بحجم الاقتصاد وحده، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس وتوسيع فرصهم وتعزيز شعورهم بالأمان والاستقرار.

ويتوقف قميحة عند التحول الذي قاد الصين من «ورشة عمل عملاقة» إلى قوة علمية وتكنولوجية ومختبر لتجربة تنموية وحضارية تسعى إلى تقديم رؤيتها الخاصة للعالم. ولا يتعامل الكتاب مع هذه التجربة بوصفها نموذجاً يجب استنساخه، بل بوصفها مساراً تشكل خارج النموذج الغربي التقليدي ويستحق أن يُقرأ ويُفهم ضمن سياقه التاريخي والثقافي.

ويتناول الكتاب كذلك المكانة المتنامية للصين، وكيف انتقلت في ظل قيادة شي جينبينغ إلى دور أكثر حضوراً في مناقشة مستقبل النظام العالمي. ويعرض في هذا السياق المبادرات الخمس الكبرى التي طرحها الرئيس الصيني، وهي مبادرة الحزام والطريق، ومبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، ومبادرة الحوكمة العالمية.

ومن خلال هذه المبادرات، يبرز الكتاب رؤية شي جينبينغ إلى مستقبل الصين ودورها الدولي، ليس بوصفها دولة تبحث عن تنميتها الخاصة فقط، بل قوة تدعو إلى التعاون والمنفعة المتبادلة وتقاسم فرص التنمية مع العالم، ولا سيما مع دول الجنوب العالمي.

وفي موازاة صورة القائد وصانع السياسات، يقترب الكتاب من شي الإنسان، من خلال قصص تتناول علاقته بالشعب وأسرته، وزياراته الميدانية، وشغفه بالقراءة والتاريخ، وطريقته في التواصل مع المواطنين والمسؤولين.

وتعتمد القصص على وقائع موثقة وخطابات رسمية وشهادات. وقد أعاد المؤلف صياغة هذه المادة بأسلوب قصصي وتأملي، محافظاً على التوازن بين جاذبية السرد الأدبي ومتطلبات الدقة التوثيقية.


«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية
TT

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

صدر العدد السادس عشر- من مجلة «الأديب الثقافية»، وقد تضمّن موضوعات عدة، منها: محور «التحولات الرقمية ما بعد المعلوماتية »، ابتداءً من إنترنت الأشياء، وصولاً إلى «الروبوت المفكر»، ومروراً بالمعلوماتية الفائقة ما بعد الافتراضية، بما في ذلك التحديات الجديدة في طور المجتمع الخامس، ومجتمع السايبر، واتجاهات المستقبل في التحوّلات الرقمية، والبودكاست في الخطاب الرقمي المعاصر، ومن بحوث هذا المحور:

«العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية العربية المعاصرة» للدكتورة وسن عبد المنعم ياسين، و«ما بعد الافتراضية: رقمنة الأدب وتشكيل الوعي الجديد» للدكتورة إيمان عبد دخيل، و«الحداثة السائلة وسلطة التأويل في عصر الذكاء الاصطناعي» للدكتورة أوراد محمد كاظم، و«السرد البصري وتحولات المعنى الرقمي» للدكتور عمر رعد أسعد، و«أزمات البحث عن الذات في زمن الحب السائل» للدكتورة إنصاف سلمان، و«الروبوت المفكر - الرقمنة بوصفها بنية مفكرنة» للناقد عباس عبد جاسم.

وفي حقل «بحوث» قدّمت الدكتورة سنا صباح علي أستاذة الفلسفة المعاصرة في جامعة البصرة دراسة عن «جدل الفضاء والمعنى في العمارة المعاصرة عند جان بودريارد»، وكتب الباحث المغربي حمزة بومليك عن «ضفاف النظر، لغة بصرية مشتركة في البحر المتوسط»، وقدّم الناقد الدكتور سمير الخليل «رؤية في مصطلح - ما وراء التجنيس - الميتاتجنيس»، وبحث الدكتور علي محمد ياسين في «الحداثة الشعرية -والخروج على سلطة النموذج - بنية التعليق في الجملة الشعرية»، وقدّمت الباحثة الدكتورة تبارك عمار حسن العزاوي دراسة عن «أنطولوجيا النص وتحولات الوعي» واتخذت من «الوعي الشقي» محوراً لدراستها الأنطولوجية.

وفي حقل «حوار» حاور الدكتور أحمد ضياء - المُنَظِّرة النسوية والأستاذة الجامعية التونسية الدكتورة آمال قرامي.

وتضمن حقل «قراءات» قراءة للدكتورة إنصاف سلمان لكتاب «الذات والدواة» للمفكر والروائي المغربي سعيد بنسعيد العلوي.

وكتب الناقد الدكتور حاتم الصكر عن «عطايا الماضي المستقبلية» من خلال قراءة في ديوان «ألواح الطين وأسرار القصيدة» للشاعرة العراقية المغتربة دنيا ميخائيل.

وقدَّم الدكتور قيس عمر محمد قراءة في «المرجعيات الثقافية» لرواية «يوليانا» لنزار عبد الستار.

وقدَّمت الدكتورة رغد محمد جمال البياتي «قراءة في النسق المتعالي» لكتاب «اللامفكر فيه في الفكر النقدي».

وفي حقل «نقطة ابتداء» كتبت الشاعرة والكاتبة العراقية المغتربة أمل الجبوري عن «أبي البركات البغدادي وفوكو - هل أزمتنا أزمة معرفة أم أزمة ضمير؟».

تصدر «الأديب الثقافية» عن «مركز تنوير للبحوث والدراسات التنموية» بطبعتين ورقية وإلكترونية.