يحيى جابر: لبنان مصدر إلهام ولحظة درامية مستمرة

حجز لنفسه مكانة مسرحية خاصة

يحيى جابر على المسرح
يحيى جابر على المسرح
TT

يحيى جابر: لبنان مصدر إلهام ولحظة درامية مستمرة

يحيى جابر على المسرح
يحيى جابر على المسرح

ثمة كثافة عروض مسرحية لافتة في بيروت، والخشبات كلها محجوزة إلى ستة أشهر مقبلة، لكن غالبية الأعمال عابرة، وقليل منها يمكن اعتباره محطة تبقى في الذاكرة. وسط هذا الكم الكبير من المسرحيات، حجز الكاتب والمخرج يحيى جابر لنفسه مكانة خاصة، وجمهوراً وفياً، يتابعه أينما حلّ. تحول الرجل ظاهرة في المسرح اللبناني لا يمكن تجاهلها. بات له ريبرتوار مسرحي مكرّس، وأعمال معروفة لدى الجمهور، ينتظر إعادتها، ليتابع ما فاته منها. في الوقت الحالي يعرض جابر خمس مسرحيات في وقت واحد تقريباً. في الأشهر الثلاثة الأخيرة، أطلق ثلاث مسرحيات جديدة، وحظيت جميعها بالاهتمام: «مورفين»، و«من كفرشيما للمدفون» و«شو منلبس». هذه الأخيرة التي تؤديها الممثلة الموهوبة أنجو ريحان محلّ إقبال كبير، براعتها في الأداء والتنقل بين الشخصيات، مع طرافة النص، جعلاها لا تقاوم. وهو ما شجع جابر، على إعادة مسرحية أخرى إلى خشبات العرض، بدأت تقديمها ريحان منذ خمس سنوات هي «مجدرة حمرا».

«هو مسرح يومي تنقصه خشبة» يقول يحيى جابر لـ«الشرق الأوسط». يبحث باستمرار عن مكان للعرض. وأينما وجد مكاناً حجزه على الفور. «دوّارين في المسارح، بسبب ندرة الأماكن». لهذا تتوقف مسرحية ثم تعود لتتوقف غيرها، وكأنها تتناوب على الخشبات.

الإقبال على المسرح في لبنان، بحد ذاته غريب «عادت الحياة الطبيعية رغم أنها غير طبيعية. نصف الوطن تحت القصف في الجنوب، والنصف الآخر يحتفل. نصف الوطن في أزمة اقتصادية والنصف الآخر يسهر».

70 % من الجمهور نساء

يعزو جابر كثرة العروض إلى وفرة في عدد الخريجين الذين لا بد أن يخوضوا تجاربهم «إذا أحبهم الناس يرجعون بمزيد من الأعمال، وإن لم يجدوا إقبالاً ينصرفون إلى أمر آخر. ثم أن بعض المسرحيين يعودون من التلفزيون، بعد أن أنهكهم. هذا أيضاً موجود».

لكن ما يلفت جابر بالفعل هو أن 70 في المائة من الجمهور الذي يحضر مسرحياته، هو من النساء. «هذه ظاهرة لا أعرف سببها، لكنه أمر يستحق التوقف عنده. أين الرجال؟ هل هناك قضايا خاصة بهم، وانشغالات لا نعرفها؟»، لافتاً إلى أن الجمهور النسائي كان أيضاً الغالب في مظاهرات 17 أكتوبر (تشرين الأول)، ونجدهن الأكثر حضوراً في المقاهي، المطاعم، الحفلات، في الفضاء العام.

الشكوى من شح النصوص وعدم اهتمام الناس بالمسرح، تلاشت فجأة، ما الذي تغير؟ «لم أشعر يوماً بهذه الأزمة. لم أتوقف عن العمل. ربما لأنني أدوّر الزوايا باستمرار. لم أعش أزمة إنتاج. أنا مسرحي متقشف، وفقير». يستطرد ساخراً: «سميت نفسي صاحب مسرح الكنبة؛ لأنني استخدمت الكنبة نفسها في ثلاث مسرحيات، ولم ينتبه أحد. هذا دليل على أن الأساس هو النص والممثل. هما اللذان يحققان معادلة المسرح الناجح. مدة عرض كل مسرحية لجابر تدوم بين الساعة، والساعة ونصف بدون لعب بالإضاءة وتبديل كبير بالديكورات، دون إبهار في الفرجة، أو مؤثرات تخلب النظر، ومع ذلك يبقى الجمهور حاضر الذهن.

النجومية للمؤلف والمخرج

لا يريد جابر أن يكون في خدمة ما يطلبه الجمهور أو ما يطلبه الممول. «الـ إن جي اوز صارت بديلاً عن الجمعيات الخيرية التي كانت تمارس أرقى أنواع العمل المعارض. أما ما يحدث الآن فيحتاج إلى مراقبة. لست ضد الدورات التعليمية والأنشطة الأخرى التي ينظمونها، لكن الفنان يفترض أن يحافظ على مساحة لحريته ليحمي عمله الفني».

سعيد هو لأن النجومية، للمرة الأولى هي للمؤلف والمخرج. حين يعلن فإنما عن «مسرح يحيى جابر»، حيث يأتي اسمه قبل اسم الممثل؛ لأنه يعرف جيداً أن ثمة من ينتظره.

وحين نسأله، كيف يمكن لشخص واحد أن يكتب نصوصاً بهذه الكثافة، ويقدم مسرحيات مختلفة في وقت واحد؟ يجيب: «أنا شخص أعيش المسرح والشعر والرواية. بمعنى أن همي تعبيري طوال الوقت. وفي حالة كتابة مستمرة. بالنسبة لي الأصل هو الشعر. وهذا ساعدني كثيراً. جذوري نمت في اللغة، وهمي جمالي. في الوقت نفسه أتحرك بذهنية قلقة، وبحث عن التفاصيل».

أما الأفكار، فيبدو أن جابر يعثر عليها سخية في محيطه. «لبنان هو مسرحي، هو ساحتي، بطوائفه، أساطيره، خرافاته، انكساراته، وهمومه. هو حقل خصب للاستيحاء والتعبير. بلد متجدد يطرح عليك أسئلته باستمرار، يدغدغك، يخدعك. إنه لحظة درامية مستمرة. القتال والملهى تحت سقف واحد، ناس بالدمار والجوع وآخرون في الاحتفال. أنا لا أستنكر، وإنما أصف. هذه هي الدراما، هذه هي المأساة التي أتحدث عنها في أعمالي».

بعد أن تخرّج يحي جابر من معهد الفنون الجميلة، عُرف شاعراً، وصحافياً، وأدخلته مسرحيته «ابتسم أنت لبناني» عالم المسرح من أوسع أبوابه، وبقيت تعرض لسنتين مع إقبال هائل، بسبب روحها الاعتراضية، ضد المشروع الإعماري لوسط بيروت الذي كان يقوده الراحل رفيق الحريري. «لكنني بعد ذلك لم أعد معارضاً».

مسرح لكل الناس

كان هدفه منذ البداية التوفيق بين النخبوي والشعبي. أراد لأعماله أن تصل إلى كل الناس. «هذا كان هاجساً حقيقياً، عندي. ليس الهدف إضحاك الجمهور، ولكن أن نحترمه. ألا نتعالى عليه. الأعمال التجريبية التي لا يفهمها احد لا نعرف لمن تقدم. نعرض أعمالاً غامضة ونتهم الناس بأنهم لا يفهمون، أو لا يفكرون بالقدر الكافي. ربما عندي مشكلة في قراءة الفنون والجماليات الحديثة. لا أرى أزمة. الفنانون هم الذين يفتعلون الأزمة بتعاليهم».

التقشف الذي يتحدث عنه جابر، يعني أيضاً أنه يضطر إلى القيام بأعمال عديدة وشاقة، كي يستغني عن تمويل الـ«إن جي أوز» الذي بات وسيلة المسرحيين لتنفيذ أعمالهم. يدفع ثمن حريته حين يقوم بكل المهمات. يكتب، يختار الممثل، يخضعه للكاستينغ، يدرس معه الدور ويتناقشان في النص، يعملان الإضافات معاً. «أريد أن تكون قصص الممثل، وحياته، جزءاً من النص. أن يشعر وهو يقدم دوره أنه مندغم في العمل وليس مجرد مؤدٍ». إلى جانب الكتابة والإخراج، يقوم بنفسه بترتيب حفلات الافتتاح، ودعوة الصحافة، واستقبال الجمهور، والتأكد من وصول الجميع. «في أحد العروض اضطررت، إلى تأمين مواقف السيارات، بعد أن حصلت أزمة وأردت التأكد من وصول الحضور في الوقت المحدد كي لا يتأخر العرض». ومن بين مهماته الكثيرة، البحث باستمرار عن مسرح، «أذهب لاكتشاف مسارح مجهولة، أماكن جديدة، كي أحل مشكلة توفير خشبة».

جهد مضاعف لفنان يفترض أن يتفرغ لإبداعه، فهل هي ضريبة إصراره على البقاء في لبنان؟ «لبنان هو حقل تجاربي. لا أنكر حق أحد في الهجرة. أما أنا ومع احترامي لكل الدول، أريد أن أعيش هنا، وأتفاعل هنا، مع هذا المجتمع الذي يعجّ بالاختلافات، مع كل هذا التنوع الجذّاب، هذه المواضيع المتفجرة.

أنجو ريحان في مسرحيتها الجديدة شو منلبس

جمهور يمنح الأمل

«عندنا جمهور حي، يمنحني الأمل، الرغبة في النقاش، في القهقهة، في البكاء، طرح الأسئلة». يصفه بأنه جمهور يفتح مداركه؛ لهذا يحب أن يصغي إليه بعناية. «هؤلاء أناس أتجسس عليهم، أتعلم منهم ويتعلمون مني. ليس هدفي المال ولا الربح، ولا الجوائز، ولست ضد أي مسرح. كل خشبة هي إضاءة على حياة الناس. ولا استطيع إلا أن أفرح بجمهور يحضرني 20 مرة، ويأتي من جديد». ثمة من يتابع فعلاً، ومن يتقصى كل جديد، وربما عاد ليشاهد المسرحية نفسها. لهذا يرى جابر أنه «بات عندنا جمهور مسرح، يأتي ليحضر دارما، لا يلحق مشروعاً سياسياً، ولا يريد كلاماً آيديولوجياً».

مسرحيات يحيى جابر، تعتمد الممثل الواحد، لزوم التقشف أيضاً، مع أنه كان يتمنى تقديم أعمال مع فريق كبير. «لكن لا بأس. المسرح هو ابن الشاعر، الراوي. الحكواتي هو الممثل الأول، من هنا بدأت الحكاية. في سوق عكاظ كان الشاعر يلقي ساعة وأكثر من المدح والهجاء والرثاء وغيرها، على منصة، ويتحلق حوله الناس. الأشكال المسرحية متنوعة. مباراة الزجل هي نوع من المسرح».

العرض لا ينتهي

كلمة السرّ وراء النجاح بالنسبة لهذا المسرحي الذي لا يكلّ هي «الشغل ثم الشغل. الموهبة جزء بسيط قد لا يتعدى واحد في المائة». يضرب مثلاً الممثلة الرائعة أنجو ريحان التي أتى بها من التلفزيون إلى مسرحه، كانت مترددة، لكن النتائج جاءت مبهرة، وها هي في مسرحيتها الثالثة معه تزاد تألقاً.

«هذا لم يحدث صدفة. اجتهدت وكدّت، وتعبت في العمل على الصوت والجسد والشخصيات، وشاركت في الشغل على النص. هي من أصدق الفنانين، عندها إمكانيات هائلة، وقدرة على الانتقال بين الشخصيات، بسبب كثافة التمارين التي تقوم بها. تفتش، تتعمق. النجاح لا يتحقق بكبسة زر. وليس كل الممثلين راغبين بالعمل. هناك من يقدمون العرض الأخير بنفس مستوى العرض الأول». تشارك أنجو في الإعداد وفي اقتراحات على النص والأداء «لكنني في النهاية المخرج وصاحب الرؤية. مع الاعتراف أن لكل رؤيته وطريقته في علاج المواضيع».

العودة إلى الشعر

يشرح أن أنجو ريحان تحلّق مع كل عرض إضافي لمسرحية تؤديها. فكل حفل يختلف عن سابقه. وهي لا تزال ترتجف قبل أن تصعد إلى الخشبة. «من ناحيتي أعطي ملاحظاتي حتى بعد العرض الأخير. فالعرض عندي لا ينتهي».

يحيى جابر الذي أتى المسرح من الشعر والأدب، له عدد من الدواوين والإصدارات المتنوعة، يعكف حالياً على نصوصه الروائية. يعود إلى مخطوطاته، ثلاث روايات غير منشورة، وثلاثة دواوين شعرية يريدها أن تبصر النور. يسمي ما يحدث «عودة الابن الضال الشعري». يبدأ العمل في الخامسة صباحاً، ولا ينتهي قبل العاشرة مساءً، مقتنعاً بأن الأساس هو الحب والشغف بما نعمل.

مشهد من مسرحية «مورفين» أداء سوسن شوربا



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.