أميركا بصدد فرض رسوم جديدة على صناعات صينية استراتيجية

واشنطن تضيف 37 كياناً إلى اللائحة التجارية السوداء

علما الصين والولايات المتحدة على منصة خلال أحد اللقاءات رفيعة المستوى بين البلدين العام الماضي (أ.ف.ب)
علما الصين والولايات المتحدة على منصة خلال أحد اللقاءات رفيعة المستوى بين البلدين العام الماضي (أ.ف.ب)
TT

أميركا بصدد فرض رسوم جديدة على صناعات صينية استراتيجية

علما الصين والولايات المتحدة على منصة خلال أحد اللقاءات رفيعة المستوى بين البلدين العام الماضي (أ.ف.ب)
علما الصين والولايات المتحدة على منصة خلال أحد اللقاءات رفيعة المستوى بين البلدين العام الماضي (أ.ف.ب)

ذكرت مصادر مطلعة أن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن بصدد الإعلان عن فرض رسوم جمركية جديدة على المنتجات الصينية بحلول الأسبوع المقبل، ومن المتوقَّع أن تستهدف هذه الرسوم قطاعات صناعية استراتيجية صينية.

ونقلت «وكالة بلومبرغ للأنباء» عن المصادر قولها إن القرار المتوقَّع نتاج مراجعة ما يُطلق عليه «رسوم المادة 301» التي كانت فُرِضت في بداية ولاية الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب عام 2018.

وسوف تتركز الرسوم الجديدة على صناعات رئيسية مثل السيارات الكهربائية والبطاريات والخلايا الشمسية، مع استمرار العمل إلى حد كبير بالرسوم الجمركية المطبقة بالفعل. وذكر مصدران أنه من المتوقَّع أن يتم إعلان القرار بحلول يوم الثلاثاء المقبل.

وأفادت «بلومبرغ» بأنه رغم احتمال تأجيل صدور القرار، فإنه يمثل واحداً من أهم الخطوات التي قام بها بايدن في إطار السباق الاقتصادي مع الصين، ويأتي بعد دعوة الرئيس، الشهر الماضي، إلى زيادة الرسوم الجمركية على منتجات الصلب والألومنيوم الصينية، والبدء رسمياً في تحقيق جديد بشأن صناعة السفن الصينية.

ومن المرجَّح أن تؤدي الرسوم الجمركية الجديدة إلى تداعيات فورية على الشركات الصينية.

وجدير بالذكر أن كبرى شركات تصنيع السيارات الكهربائية الصينية لا تستطيع دخول الأسواق الأميركية بسبب الرسوم الجمركية المفروضة على السيارات، كما أن شركات الخلايا الشمسية الصينية تصدِّر منتجاتها للولايات المتحدة عبر دول ثالثة لتفادي القيود الجمركية، في الوقت الذي تسعى فيه الشركات الأميركية العاملة في هذا المجال إلى زيادة الرسوم الجمركية على المنتجات الصينية.

ومن جهة أخرى، أضافت الولايات المتحدة الخميس 37 كياناً صينياً إلى لائحتها السوداء التجارية، بينها شركات مرتبطة وفقاً لواشنطن بمنطاد صيني يُشتبه في أنه لأغراض التجسس حلَّق فوق الأراضي الأميركية، مطلع عام 2023.

وقالت وزارة التجارة إنها تستهدف أيضاً مَن يسعون إلى الحصول على منتجات أميركية لتعزيز قدرات الصين في مجال التكنولوجيا. وأشارت في بيان إلى أن «هذه النشاطات لها تطبيقات عسكرية كبيرة وتشكل تهديداً كبيراً للأمن القومي الأميركي».

ولا يمكن للشركات المضافة إلى «لائحة الكيانات» الحصول على العناصر والتكنولوجيا الأميركية دون إذن حكومي.

وأضافت وزارة التجارة أن بعض الكيانات المستهدفة مرتبطة أيضاً بتقدم البرامج النووية الصينية، أو «متورطة في شحن مواد خاضعة للرقابة إلى روسيا» بعد غزو موسكو لأوكرانيا عام 2022.

وقال آلان استيفيز، نائب وزارة التجارة المكلف الصناعة والأمن، في البيان: «يجب أن نبقى يقظين في جهودنا لمنع كيانات مماثلة من الوصول إلى تقنيات أميركية يمكن استخدامها بطرق تضر بأمننا القومي».

وفي فبراير (شباط) 2023، أضافت وزارة التجارة 6 كيانات صينية إلى لائحة القيود التجارية بعد حادثة المنطاد.

وفي تعليق على الخطوة الأميركية، أكدت الصين أنها «لطالما عارضت بشدة» اللائحة الأميركية السوداء واستخدامها لـ«كبح وقمع» الشركات الصينية.

وقال المتحدث باسم الخارجية الصينية، لين جيان، خلال مؤتمر صحافي، إنه يحق لموسكو وبكين إقامة علاقات اقتصادية وتبادلات تجارية طبيعية من دون تدخل أو قيود.

واعتبر أن الولايات المتحدة «قمعت الشركات الصينية مدة طويلة بناء على تهديدات مزعومة للأمن القومي، إلا أنه لم يكن في مقدورها على الإطلاق تقديم أدلة مزعومة» على ذلك.

وعبَرَ هذا المنطاد الولايات المتحدة من الغرب إلى الشرق، من ألاسكا إلى كارولاينا الجنوبية، من نهاية يناير (كانون الثاني) إلى بداية فبراير (شباط) 2023، وحلق فوق منشآت عسكرية استراتيجية.

وأُسقط المنطاد في الرابع من فبراير فوق المحيط الأطلسي وانتشل الجيش الأميركي حطامه وعمل على دراسة محتوياته. وأدت الواقعة إلى فتور في العلاقات بين بكين وواشنطن. وألغى وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن رحلة كان مخطَّطاً لها منذ فترة طويلة إلى الصين.

وأكدت واشنطن أن المنطاد كان لأغراض التجسس، وهو ما نفته بكين، مدعية أنه انحرف عن غير قصد في المجال الجوي الأميركي.


مقالات ذات صلة

صدمة النفط تدفع التضخم في الفلبين لأعلى مستوى في عامين

الاقتصاد عامل يستخدم شريطاً لاصقاً لتغيير أرقام أسعار الوقود في محطة وقود بمدينة كويزون، مترو مانيلا (إ.ب.أ)

صدمة النفط تدفع التضخم في الفلبين لأعلى مستوى في عامين

تسارعت معدلات التضخم السنوي في الفلبين خلال شهر مارس (آذار) بأكثر من التوقعات لتصل إلى أعلى مستوى في عامين.

«الشرق الأوسط» (مانيلا)
الاقتصاد شخص يسير أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر «نيكي» الياباني في طوكيو (أ.ب)

تباين في أداء الأسواق الآسيوية مع اشتعال أسعار النفط

شهدت الأسهم الآسيوية أداءً متبايناً في تداولات حذرة، يوم الثلاثاء، مع استمرار الارتفاع الحاد في أسعار النفط.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شخصان يلتقطان صورة سيلفي بساحة تروكاديرو أمام برج إيفل عند شروق الشمس في باريس (أ.ف.ب)

فرنسا تستعيد آخر احتياطياتها من الذهب في أميركا وتجني أرباحاً قياسية

أعلن مصرف فرنسا المركزي تحقيق مكاسب رأسمالية استثنائية بعد نجاحه في سحب آخر دفعة من احتياطياته من الذهب التي كانت مخزنة بأميركا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد عمال في خط إنتاج تابع لشركة «أجيليان» للتكنولوجيا في مدينة دونغقوان الصينية (رويترز)

مصانع الصين تتكيف مع ترمب والتعريفات الجمركية واضطرابات الأسواق

سعت التعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الإضرار بالصناعة الصينية، ولكن بعض الشركات أنهت العام بقوة.

«الشرق الأوسط» (بكين)
خاص العاصمة السعودية الرياض (واس)

خاص تمويل المنشآت الصغيرة ينتقل إلى «قلب» الاقتصاد غير النفطي في السعودية

في مؤشر يعكس تحولاً عميقاً في بنية التمويل داخل الاقتصاد السعودي سجَّلت التسهيلات الائتمانية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة مستوىً قياسياً غير مسبوق بنهاية 2025.

زينب علي (الرياض)

«اقتصاد اليورو» يسجل أول انخفاض في الطلب منذ 8 أشهر نتيجة أزمة الطاقة

حاويات مكدسة في ميناء الجزيرة الخضراء بمحافظة قادس جنوب إسبانيا (رويترز)
حاويات مكدسة في ميناء الجزيرة الخضراء بمحافظة قادس جنوب إسبانيا (رويترز)
TT

«اقتصاد اليورو» يسجل أول انخفاض في الطلب منذ 8 أشهر نتيجة أزمة الطاقة

حاويات مكدسة في ميناء الجزيرة الخضراء بمحافظة قادس جنوب إسبانيا (رويترز)
حاويات مكدسة في ميناء الجزيرة الخضراء بمحافظة قادس جنوب إسبانيا (رويترز)

تراجع نمو القطاع الخاص في منطقة اليورو بشكل حاد في مارس (آذار)؛ حيث أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع تكاليف الطاقة وتعطيل سلاسل التوريد، مع انخفاض الطلب الإجمالي لأول مرة منذ 8 أشهر، وهو مؤشر رئيسي على صحة الاقتصاد.

وانخفض مؤشر مديري المشتريات المركب لمنطقة اليورو الصادر عن «ستاندرد آند بورز» إلى 50.7 نقطة في مارس من 51.9 نقطة في فبراير (شباط)، مع تجاوز طفيف للتقدير الأولي البالغ 50.5 نقطة. وتشير القراءات فوق 50 نقطة إلى نمو النشاط الاقتصادي، وفق «رويترز».

وقال كريس ويليامسون، كبير الاقتصاديين في «ستاندرد آند بورز»: «يشير مؤشر مديري المشتريات لشهر مارس إلى أن اقتصاد منطقة اليورو قد تضرر بشدة بالفعل من الحرب في الشرق الأوسط».

وتراجعت الأعمال الجديدة بعد تحسن مطَّرد منذ يوليو (تموز)، متأثرة بضعف الطلب على الخدمات، كما انخفضت طلبات التصدير مجدداً؛ حيث سجل الطلب الدولي على الخدمات أكبر انخفاض له في 6 أشهر. وأوضح ويليامسون أن المؤشرات المشجعة للنمو التي ظهرت في وقت سابق من العام تلاشت بسبب ارتفاع أسعار الطاقة، واختناق سلاسل التوريد، وتقلبات الأسواق المالية، وتجدد تراجع الطلب.

ولم يشهد نشاط الخدمات سوى ارتفاع طفيف؛ حيث انخفض مؤشر النشاط التجاري إلى 50.2 من 51.9 في فبراير، وهو أضعف مستوى له في 10 أشهر، بينما ظل النمو الصناعي قوياً. وتصدرت إسبانيا النمو بين الاقتصادات الكبرى، في حين انكمش الاقتصادان الفرنسي والإيطالي، وتباطأ التوسع الاقتصادي في ألمانيا إلى أضعف وتيرة له هذا العام.

وانخفضت معدلات التوظيف وتراجعت ثقة قطاع الأعمال، ما أثار مخاوف بشأن التوظيف والاستثمار المستقبلي. وارتفع تضخم تكاليف المدخلات إلى أعلى مستوى له منذ أكثر من 3 سنوات، وسجل قطاع التصنيع قفزة قياسية في شهر واحد. ورفعت الشركات أسعارها على العملاء بأسرع وتيرة منذ فبراير 2024، رغم أن الزيادة كانت أقل حدة من ارتفاع التكاليف، وقفز معدل التضخم الرئيسي في الاتحاد الأوروبي فوق هدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2 في المائة ليصل إلى 2.5 في المائة، في ظل ارتفاع أسعار النفط والغاز، ما زاد من صعوبة الموازنة بين النمو وكبح التضخم.

وتُظهر توقعات المسح لنمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول 0.2 في المائة، مع خطر انكماش ما لم يتم حل النزاع في الشرق الأوسط سريعاً.

تباطؤ نمو قطاع الخدمات الألماني

فقد نمو النشاط التجاري في قطاع الخدمات الألماني زخمه فجأة في مارس، نتيجة تراجع الطلب تحت تأثير الحرب في الشرق الأوسط.

وانخفض مؤشر مديري المشتريات النهائي لقطاع الخدمات في ألمانيا إلى 50.9 نقطة في مارس من 53.5 نقطة في فبراير، مسجلاً أدنى مستوى له منذ سبتمبر (أيلول)، وأقل بقليل من القراءة الأولية البالغة 51.2 نقطة.

وأرجع فيل سميث، المدير المساعد للشؤون الاقتصادية في «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»، التباطؤ إلى ارتفاع أسعار البنزين وزيادة حالة عدم اليقين. وأضاف أن مقدمي الخدمات لم يتمكنوا من تمرير الزيادات الكبيرة في الأسعار للعملاء بسبب ضعف الطلب؛ مشيراً إلى انخفاض تدفقات الأعمال الجديدة للمرة الأولى منذ سبتمبر الماضي، ما يعكس التأثير المباشر للحرب على الطلب.

كما تراجعت توقعات الأعمال إلى أدنى مستوى لها في 3 أشهر لتصل إلى 53.4، منخفضة عن المتوسط طويل الأجل البالغ 56.7. وانخفض مؤشر مديري المشتريات المركب النهائي الذي يشمل قطاعي التصنيع والخدمات، إلى 51.9 في مارس من 53.2 في الشهر السابق، وهو أدنى مستوى له في 3 أشهر، مدفوعاً بالكامل بتراجع قطاع الخدمات.

انكماش قطاع الخدمات الفرنسي

أظهر مسح أجرته «ستاندرد آند بورز غلوبال» انكماشاً إضافياً في قطاع الخدمات الفرنسي خلال مارس، نتيجة تراجع إنفاق المستهلكين بسبب الحرب في الشرق الأوسط، وحذر الشركات قبيل الانتخابات المحلية الشهر الماضي.

وانخفض مؤشر مديري المشتريات النهائي لقطاع الخدمات الفرنسي إلى 48.8 نقطة في مارس من 49.6 نقطة في فبراير، مسجلاً تحسناً طفيفاً عن الرقم الأولي البالغ 48.3 نقطة.

كما بلغ المؤشر المركب النهائي الذي يشمل قطاعي الخدمات والتصنيع، 48.8 نقطة، بانخفاض عن 49.9 نقطة في فبراير، مسجلاً أسرع انخفاض في نشاط القطاع الخاص منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وأكد جو هايز، كبير الاقتصاديين في «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»: «يُخيِّم الغموض على المستقبل، وهو وضع اعتادت عليه الشركات الفرنسية في السنوات الأخيرة بسبب الوضع السياسي الداخلي. إن حالة عدم اليقين تُعيق النمو، في حين يزيد دافع التضخم الناتج عن الحرب من خطر الركود التضخمي».


من كورونا إلى «هرمز»... «التيسير النقدي» يعود من نافذة الطوارئ الجيوسياسية

من اليمين: رئيس بنك إنجلترا أندرو بيلي ولاغارد ورئيس بنك اليابان كازو أويدا وباول في ندوة جاكسون هول (أرشيفية - رويترز)
من اليمين: رئيس بنك إنجلترا أندرو بيلي ولاغارد ورئيس بنك اليابان كازو أويدا وباول في ندوة جاكسون هول (أرشيفية - رويترز)
TT

من كورونا إلى «هرمز»... «التيسير النقدي» يعود من نافذة الطوارئ الجيوسياسية

من اليمين: رئيس بنك إنجلترا أندرو بيلي ولاغارد ورئيس بنك اليابان كازو أويدا وباول في ندوة جاكسون هول (أرشيفية - رويترز)
من اليمين: رئيس بنك إنجلترا أندرو بيلي ولاغارد ورئيس بنك اليابان كازو أويدا وباول في ندوة جاكسون هول (أرشيفية - رويترز)

بينما كان العالم يستعد لطي صفحة «الأموال السهلة» التي خلّفتها جائحة كورونا، جاءت شرارة النزاع في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز، لتعيد خلط الأوراق النقدية عالمياً. هذا المضيق، الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقطة 29 ميلاً بحرياً، يمر عبره يومياً نحو 20 مليون برميل من النفط والغاز، أي ما يعادل 20 في المائة من الاستهلاك العالمي. واليوم، مع تعطل هذا الشريان نتيجة التهديدات والهجمات، اضطرت الحكومات مجدداً لضخ مليارات الدولارات تحت غطاء «دعم الطوارئ».

هذا المشهد يكرر سيناريو التدخل الحكومي الواسع إبان الجائحة، ويضع المصارف المركزية أمام «كابوس مزدوج» يشل قدرتها على الحركة؛ بين التضخم والركود العميق.

خريطة توضح مضيق هرمز (رويترز)

يأتي هذا التحول بعد أشهر قليلة من إعلان «الاحتياطي الفيدرالي» في ديسمبر (كانون الأول) 2025، إنهاء برنامج التشديد الكمي وتثبيت ميزانيته عند 6.5 تريليون دولار، بوصفها خطوة أخيرة للعودة إلى «الطبيعة النقدية».

ورغم أن هذا الرقم لا يزال فوق مستويات ما قبل الجائحة بنحو 60 في المائة، حين كانت الميزانية تبلغ 2.44 تريليون دولار في ديسمبر 2019، فإن الاستهداف المباشر للبنية التحتية النفطية فرض واقعاً مغايراً؛ فبينما وُجهت سيولة الجائحة لدعم الأفراد، تُسخر الحكومات سيولتها اليوم لترميم «تصدعات الطاقة»، وتحصين سلاسل الإمداد الغذائي، لا سيما مع انقطاع 30 في المائة من صادرات الأسمدة العالمية (اليوريا) العالقة خلف مضيق هرمز.

وجاء إعلان «الاحتياطي الفيدرالي» عن ضخ 8.07 مليار دولار في صبيحة يوم الأربعاء، قبل افتتاح الأسواق بوصف ذلك إشارة واضحة إلى تدشين مرحلة جديدة من التيسير الكمي، تهدف إلى توفير وسادة سيولة للأسواق قبل افتتاح بورصة «وول ستريت»، وسط مخاوف من انهيار الثقة تحت ضغط التوترات في مضيق هرمز.

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)

سباق السيولة

لم يكن «الاحتياطي الفيدرالي» وحيداً في هذا المسار؛ فمع استمرار حصار مضيق هرمز، سارعت القوى الاقتصادية الكبرى لإطلاق حزم دعم مالي مباشرة لامتصاص صدمة الأسعار ومنع توقف سلاسل التوريد؛ إذ أعلنت المفوضية الأوروبية مثلاً عن تفعيل «صندوق استقرار الطاقة» بقيمة 45 مليار يورو، لتعويض الشركات الصناعية كثيفة استهلاك الغاز عن الارتفاع الجنوني في التكاليف، وتجنب موجة تسريح جماعي للعمال.

كما أقرت اليابان حزمة طوارئ بقيمة 3.2 تريليون ين (نحو 21 مليار دولار) لدعم تكاليف الشحن البديلة وتأمين مخزونات نفطية استراتيجية بعيداً عن منطقة الصراع، في محاولة للحفاظ على استقرار أسعار الوقود محلياً، في حين قررت بريطانيا تخصيص 12 مليار جنيه إسترليني، بوصف ذلك «قرض طاقة» للأسر والشركات الصغيرة، لمواجهة القفزة المتوقعة في فواتير التدفئة والكهرباء نتيجة انقطاع الغاز المسال.

ومن جهتها، خصصت الفلبين ما يعادل 850 مليون دولار دعماً مباشراً لقطاع النقل والزراعة، بعد أن تجاوز التضخم مستهدفات البنك المركزي، في خطوة تهدف لمنع حدوث اضطرابات اجتماعية ناتجة عن غلاء المعيشة.

العودة إلى الوراء

لا يمكن فهم خطورة المشهد الحالي دون العودة إلى حجم الضخ التاريخي الذي شهده العالم بين عامي 2020 و2022؛ فخلال ذروة كورونا، قفزت ميزانية «الاحتياطي الفيدرالي» لتصل إلى رقم قياسي بلغ 9 تريليونات دولار (نحو 35 في المائة من الناتج المحلي الأميركي).

ولم تكن المصارف المركزية الكبرى بمنأى عن هذا المسار، إذ ضخ البنك المركزي الأوروبي عبر برنامج الشراء الطارئ (PEPP) ما يزيد على 1.8 تريليون يورو، بينما بلغت مشتريات بنك إنجلترا من السندات نحو 895 مليار جنيه إسترليني.

ولم تقتصر حمى السيولة على الضفتين الأطلسيتين؛ ففي أقصى الشرق، سجلت ميزانية بنك اليابان رقماً قياسياً تجاوزت فيه حاجز الـ730 تريليون ين، وهو ما يمثل 135 في المائة من الناتج المحلي للبلاد (أضخم نسبة مئوية في العالم)، بينما ضخ بنك الشعب الصيني 1.2 تريليون يوان (نحو 174 مليار دولار) لضمان عدم توقف محركات التجارة العالمية.

هذه الأرقام هي المرجعية المخيفة اليوم؛ حيث يخشى المحللون من عودة هذه القوى لفتح صنابير الأموال لامتصاص صدمة برميل النفط الذي لامس 130 دولاراً.

شخص يملأ خزان سيارته بالوقود في محطة بتكساس (أ.ف.ب)

بين التضخم والركود

يتمثل «الكابوس المزدوج» في شلل فني تام لصناع السياسة النقدية؛ فمن جهة، يفرض انفجار الأسعار «تضخماً مستورداً» يتطلب رفعاً حاداً للفائدة، ومن جهة أخرى، يضغط الارتفاع الحاد في التكاليف على الأسر منخفضة الدخل التي تنفق 88 في المائة من دخلها على الغذاء والطاقة والسكن، مما يهدد بانفجار أزمة ديون استهلاكية. وفي الولايات المتحدة، قفز عجز الموازنة بـ3.7 مليار دولار في أول 100 ساعة فقط من النزاع، في حين ارتفعت عوائد السندات لعشر سنوات بـ31 نقطة أساس.

هذا التضاد القاتل يجعل رفع الفائدة أداة عاجزة؛ فهي لا تفتح مضيقاً مغلقاً، وخفضها قد يشعل نيران تضخم لا يمكن لجمه، مما يدفع المحللين لتوقع عودة التيسير الكمي التقني لدعم أسواق السندات المتذبذبة.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» يتحدث في جامعة هارفارد (أ.ف.ب)

حين ترسم «الجغرافيا» السياسة النقدية

تضع هذه العودة الاضطرارية لسياسات التيسير النقدي، استقلالية المصارف المركزية على المحك، وتهدد بتشويه أسواق السندات العالمية بشكل دائم؛ فبعد الجهود المضنية التي بُذلت حتى نهاية عام 2025 لتقليص الميزانيات العمومية وتجفيف السيولة الفائضة، أصبحت المصارف اليوم «رهينة» للضرورات الجيوسياسية. لقد بات قرار فتح أو إغلاق ممرات الملاحة الدولية في مضيق هرمز، يمتلك تأثيراً على استقرار العملات ومعدلات التضخم، أقوى بكثير من تقارير الوظائف الأميركية أو تصريحات جيروم باول وكريستين لاغارد.

وبذلك، ينتقل العالم من مرحلة «مكافحة التضخم» الجراحية إلى مرحلة «إدارة الانهيار» الشاملة، في مشهد يعيد للأذهان حقبة الكساد التضخمي التي ميزت السبعينات، ولكن مع فوارق جوهرية تجعل الأزمة الراهنة أكثر تعقيداً؛ فالفاتورة اليوم أثقل بكثير، وهي لا تقتصر على براميل النفط فحسب؛ بل تمتد لتشمل شلل قطاعات الطيران العالمية وتضرر مراكز البيانات التكنولوجية الكبرى في المنطقة.

إنها أزمة «يقين مفقود» بامتياز، حيث سقطت النظريات الاقتصادية التقليدية أمام واقع الميدان؛ فبينما تحاول المصارف المركزية إطفاء حرائق الأسعار، تجد نفسها مضطرة لضخ سيولة جديدة في ميزانيات دول مثقلة أصلاً بديون حقبة كورونا. وفي نهاية المطاف، يبدو أن الجغرافيا السياسية هي التي باتت تمسك بزمام المبادرة وترسم المسار النقدي للعالم، تاركةً الاقتصاد وقواعده التقليدية في مقعد المتفرج.


تماسك الأسهم الخليجية مع اقتراب مهلة ترمب بشأن إيران

مستثمر يتابع تحركات الأسهم في سوق دبي (رويترز)
مستثمر يتابع تحركات الأسهم في سوق دبي (رويترز)
TT

تماسك الأسهم الخليجية مع اقتراب مهلة ترمب بشأن إيران

مستثمر يتابع تحركات الأسهم في سوق دبي (رويترز)
مستثمر يتابع تحركات الأسهم في سوق دبي (رويترز)

بدت أسواق الأسهم الرئيسة في الخليج هادئة في التعاملات المبكرة يوم الثلاثاء، مع سيطرة الحذر قبيل مهلة حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإيران لإعادة فتح مضيق هرمز أمام جميع حركة الشحن.

وظلت الأسواق في حالة ترقب منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في أواخر فبراير (شباط)، حيث عطّلت طهران فعلياً مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لإمدادات النفط العالمية، مما أثار مخاوف من ارتفاع التضخم.

وكان المستثمرون يأملون أن تسهم الجهود الدبلوماسية في إنهاء الصراع، لكن المحادثات لم تحرز تقدماً حتى الآن. وقد حدد ترمب مهلة حتى الساعة 8 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة يوم الثلاثاء (00:00 بتوقيت غرينتش الأربعاء) للتوصل إلى اتفاق.

وقالت إيران يوم الاثنين إنها تريد نهاية دائمة للحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لكنها رفضت الضغوط لإعادة فتح المضيق، في حين حذر ترمب من أن البلاد قد «تُزال» إذا لم تلتزم بالمهلة.

وأبقى هذا الغموض المستثمرين في حالة تجنب للمخاطر، مع استمرار قوة الدولار، وارتفاع أسعار النفط بشكل حاد يوم الثلاثاء.

وانخفض المؤشر الرئيس في السعودية بنسبة 0.5 في المائة، مع تراجع سهم «مصرف الراجحي» بنسبة 0.2 في المائة، وهبوط سهم الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) بنسبة 1.6 في المائة.

وفي دبي، تراجع المؤشر الرئيس بنسبة 0.3 في المائة، مع انخفاض سهم شركة «إعمار» العقارية القيادية بنسبة 2.3 في المائة.

وفي أبوظبي، تراجع المؤشر بنسبة 0.3 في المائة.

في المقابل، ارتفع المؤشر القطري بنسبة 0.1 في المائة، مدعوماً بصعود سهم «مصرف قطر الإسلامي» بنسبة 0.8 في المائة.