كيف أصبح انتقاد رموز ثقافية عربية عملاً محفوفاً بالمخاطر؟

بعضهم تحول إلى «عُقد تاريخية» في مجال الإبداع

طه حسين (أرشيفية)
طه حسين (أرشيفية)
TT

كيف أصبح انتقاد رموز ثقافية عربية عملاً محفوفاً بالمخاطر؟

طه حسين (أرشيفية)
طه حسين (أرشيفية)

من وقت لآخر تنفجر معارك أدبية وثقافية تطول شظاياها رموزاً في الماضي والحاضر، هذه المعارك تعكس مواقف متباينة ودرجات متفاوتة من تقديس هذه الرموز أو تعرضها للنقد والمراجعة.

تتباين الآراء وتنقسم بين من يبجّل هذه الرموز ويقدّسها، وبين آخرين يرون أنها أسماء؛ لها ما لها، وعليها ما عليها، ويمكن إخضاعها للنقد، وأن بعض المُحدّثين تجاوزوا الرموز في إنجازاتهم الأدبية أو الثقافية.

يوسف زيدان في إحدى جلسات مركز «تكوين» (حسابه على فيسبوك)

وقبل أيام، تفجّرت معركة حول طه حسين، إذ اتُّهم كل من الأديب المصري يوسف زيدان، والباحث السوري فراس السواح، بـ«الإساءة» إلى عميد «الأدب العربي»، خلال إحدى جلسات منتدى «تكوين الفكر العربي»، حين طرح زيدان سؤالاً على السواح قائلاً: «فراس السواح أهم أم طه حسين؟» ليردّ الأخير: «أنا وأنت أهم من طه حسين». ورغم نفي الاثنين «تعمد الإساءة» وتأكيد «نية المزاح»، فإنهما تعرّضا لهجوم واسع من مثقفين ومتابعين عرب عبر مواقع السوشيال ميديا المختلفة.

معركة مركز «تكوين الفكر العربي» ليست الأولى من نوعها في المنطقة العربية، فقد سبقتها أزمات عدّة؛ من بينها أزمة الشاعر العراقي حميد قاسم الذي تعرّض لموجة هجوم واسعة حين انتقد، على صفحته بموقع «فيسبوك»، شاعر العراق الكبير ورمزها الأشهر محمد مهدي الجواهري، قائلاً: «لا أحبه ولا أكرهه، هو شاعر متوسط القيمة، ولستُ في وارد التنافس معه».

وأضاف قاسم، في عام 2019: «واجهت، بسبب رأيي هذا، كثيراً من العداء والكراهية والعنت والازدراء، وحتى الإقصاء»، مضيفاً: «لا الجواهري ولا غيره يستحق هذا التقديس الوثني الساذَج المتعصب».

وفي 2018، تعرّض الباحث المصري إسلام بحيري لموجة من الانتقادات حين وصف عباس العقاد بأنه «مفكر رجعي»، وأن «كتبه في الإسلاميات كانت أول مِعولٍ يُضرَب به التيار الإصلاحي في الثقافة العربية».

إسلام بحيري ويوسف زيدان (حساب زيدان على فيسبوك)

وثارت ضجة مماثلة، في عام 2019، بشأن نجيب محفوظ، بعدما نُسبت تصريحات للروائي المصري أحمد مراد وصف فيها روايات الأديب المصري، الحائز على جائزة نوبل، نجيب محفوظ، بأنها «لا تُناسب العصر».

وفي شهر يونيو (حزيران) من عام 2022، تفجرت أزمة حول أم كلثوم والشاعر أحمد رامي، حين اتُّهم الشاعر ناصر دويدار بـ«الإساءة إليهما»، بعد وصفه أم كلثوم بعبارات وُصفت بأنها «صادمة» و«مسيئة»، خلال ندوة أقيمت في «اتحاد كتاب مصر»، وأصدرت جمعية المؤلفين والملحّنين والناشرين المصريين بياناً وقتها ترفض فيه إهانة أم كلثوم ورامي، وأعلنت تقدمها ببلاغ للنائب العام ضد دويدار.

وينقسم المثقفون بشأن التعاطي مع الرموز الثقافية والأدبية على اتجاهات عدة، لكن الأبرز بينها اثنان؛ أولهما يرى أن المُنجز الثقافي لبعض الرموز والشخصيات قد يعصمها من النقد أو الإساءة. ومثلما يرفض الناقد والأكاديمي اليمني د. فارس البيل تقديس منجزات الرموز الثقافية وتبجيلها بشكل مُبالغ فيه، يرفض أيضاً تحقيرها أو التعامل معها باستخفاف، مشيراً، في تصريحات، لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنه ينبغي استبدال الاحترام والتقدير بالتقديس، مؤكداً أن «كل رمز ثقافي له مُنجزه الضخم الذي يحتوي على كثير من الإيجابيات، وقليل من السلبيات أو (الإخفاقات)».

وحضّ الدكتور شوكت المصري، الأستاذ بأكاديمية الفنون، على قراءة مُنجزات الرموز العربية، واستعراض مؤلفاتها بعين واعية فاحصة، وتطبيق ما يَصلح منها للحاضر والمستقبل، لافتاً إلى أن «تجاهل الإرث الثقافي لهؤلاء الرموز يُعدّ هو الإهانة الحقيقية لهم، حتى لو دبّجنا في محبتهم الخُطب العصماء والأغاني»، مشدداً على رفضه التام لإهانتهم.

في الجانب الآخر يرى كُتّاب ومثقفون أنه يحق لهم نقد مُنجزات هؤلاء الرموز بوصفهم شخصيات أدبية تخضع لحق النقد، من بينهم الشاعر والروائي البلجيكي من أصل سوري هوشنك أوسي، الذي يقول، لـ«الشرق الأوسط»، إن «تقديس القامات الثقافية وعدّها رموزاً فوق النقد سلوك وثني يُحوّل الثقافة إلى معبد، والقامات الثقافية إلى أوثان وأصنام»، مشيراً إلى أنه «في سنة 2019 خلال (ملتقى الرواية العربية) بالقاهرة، وجّه انتقادات عدة إلى ما سمّاه «الوثنيّة الثقافيّة»، و«السلفيّة النقديّة» التي تحصر الإبداع في أدباء العالم العربي الراحلين، وترمي بالجديد في سلّة القمامة»، على حد تعبيره.

هوشنك أوسي (الشرق الأوسط)

ويُبدي أوسي استغرابه من الهجوم على كل من حاول إعادة النظر في تجربة إبداعيّة أدبيّة أو موسيقيّة مهمة وكبيرة، ورفع القداسة عنها، حيث تجري مجابهته وتصغيره أو تحقيره أو تخوينه، وأنه يسعى إلى الشهرة عبر النّيل من رموز الأمّة والوطن، «رغم أن الإبداع والفنون عموماً بمثابة موقف نقدي من الحياة والموت، الحاضر والتّاريخ، وطبيعي أن يكون الجديد مواجهاً للقديم ومتجاوزاً له، وليس عبداً أسيراً، وخادماً ذليلاً عنده».

وفي حين يؤكد الباحث والكاتب إيهاب الملاح، مؤلف كتاب «طه حسين - تجديد ذكرى عميد الأدب العربي»، وجود عقدة تاريخية تُطارد الأجيال الجديدة، فإنه يرى أن «هذا الطرح يخفي وراءه فشل المبدعين الجدد في تجاوز تراث الرواد والرموز في جميع المجالات، ومن ثم يلجأون إلى الحجة الجاهزة؛ وهو أنه لا أحد يلتفت إلى ما يقدمونه، زاعمين أن التركيز على أعمال الرواد عالمياً أو عربياً يغمطهم حقهم».

الكاتب والباحث إيهاب الملاح (حسابه على فيسبوك)

ويعزو الأكاديمي والناقد التونسي د. محمد زروق سبب الجدل القديم الجديد المرتبط بـ«العُقد التاريخية» إلى طبيعة الفكر العربيّ الذي يرى أنّ النموذج الأوفى والأمثل حاصل دوماً في ماضي الزمان، وأنّ اللاحق هو ابتعاد عن أصلٍ أصيل، وكأننا نردّد مع الفيلسوف النمساوي لودفيغ فتغنشتاين (1889 - 1951) مقولته: «سحقاً لمن سبقونا فقد قالوا ما قُلنا».

ويخلص زروق إلى أن «التاريخ حوّل هؤلاء إلى آباء ورموز ومرجعيّات جديرة بالاحترام، لكن يجب ألا ندور في مدارهم، بل الواجب أن نبتعد عنهم، وأن نخرق ما أسّسوه، وننقد بشدّة ما شيّدوه، ونأتي بما لم يأتوه».

سمير درويش (الشرق الأوسط)

وهو ما يشدّد عليه سمير درويش، الشاعر والناقد المصري، قائلاً، لـ«الشرق الأوسط»: «لبّ العادات والتقاليد العربية يقوم على توقير الكبير، بسبب سنِّه فقط، فثمة اعتقاد لدينا بأن التقدّم في العمر يقترن بالحكمة، كما أننا مجتمعات أبوية تسلّطية لا يُسمح فيها بالنقاش»، وفق تعبيره.


مقالات ذات صلة

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

كتب «عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون هناء العمير

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة.

د. مبارك الخالدي
ثقافة وفنون محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون وجوه تشكيلية أموية من قصر الحير الغربي

وجوه تشكيلية أموية من قصر الحير الغربي

خرج فن التصوير الأموي من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، حين نشر العالم التشيكي ألويسس موزيل بحثاً تناول فيه جداريات بناء في بادية الأردن

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون أنطوان الدويهي

أنطوان الدويهي: «الشتاء الكبير» عهد بيني وبين نفسي

مع روايته الأخيرة «الشتاء الكبير» الصادرة في بيروت عن «الدار العربية» و«دار المراد»، يستمر أنطوان الدويهي على مدى ثلث قرن في صوغ عالمه الأدبي.

شوقي الريّس (بيروت)

دنيا سمير غانم تفتح صفحة غنائية جديدة عبر «الله يعيني»

الملصق الدعائي لأغنية «الله يعيني» (حسابها على فيسبوك)
الملصق الدعائي لأغنية «الله يعيني» (حسابها على فيسبوك)
TT

دنيا سمير غانم تفتح صفحة غنائية جديدة عبر «الله يعيني»

الملصق الدعائي لأغنية «الله يعيني» (حسابها على فيسبوك)
الملصق الدعائي لأغنية «الله يعيني» (حسابها على فيسبوك)

تفتح الفنانة المصرية دُنيا سمير غانم صفحة جديدة في مسيرتها باعتبارها مطربة عبر أحدث ألبوماتها «الدلال» الذي اختارت أن تطرحه في موسم الخريف لتغرد منفردة بعيداً عن الصيف الذي كان مزدحماً بألبومات النجوم.

وطرحت دُنيا أولى أغنيات الألبوم الثلاثاء بعنوان «الله يعيني» وكتبت عبر حسابها على «إنستغرام»: انتظروا أغنيتي الجديدة «الله يعيني» من ألبوم «الدلال»، التي طرحتها على «يوتيوب» وجميع منصات الديجيتال.

وتُعد «الله يعيني» أغنية عاطفية تجمع بين العتاب واللوم وإحساس الخذلان الذي تواجهه امرأة من حبيبها فتتمنى أن يعينها الله على نسيانه.

الأغنية من كلمات الشاعر مصطفى ناصر وألحان عمرو مصطفى وتوزيع النابلسي، وتعد الأغنية اللقاء الثاني بين مصطفى ناصر وصوت دنيا سمير غانم بعد أن جمعتهما أغنية «أسيب نفسي وأغني» قبل 3 سنوات، والتي عادت بها دنيا للغناء بعد رحيل والديها، وقد أهدتها لهما.

دنيا سمير غانم تراهن على ألبومها الجديد (حسابها على فيسبوك)

وكشف ناصر كواليس أغنية «الله يعيني»، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «الأغنية بدأت عبر ثيمة لحنية وضعها الملحن عمرو مصطفى وأنه كتب كلماتها بمجرد أن استمع إلى اللحن»، مؤكداً أنه انتهى منها خلال نصف ساعة فقط، لافتاً إلى أن «كيمياء خاصة تجمعه بعمرو مصطفى، حيث قدما معاً أكثر من 45 أغنية، من بينها (أكتر وأكتر) لعمرو دياب، و(مشيتي) لمحمد حماقي، و(سيبوه يفكر في زمان) التي غناها عمرو مصطفى، و(كداب) لسميرة سعيد».

ولفت إلى أن دنيا تحمست بمجرد أن استمعت إليها من المُلحن وقررت أن تغنيها، ويرى مصطفى ناصر أن الأغنية تعبر عن حالة شخص تلقى كثيراً من الوعود الحالمة وصدقها ثم استيقظ ليجد نفسه أمام وعود زائفة، مشيراً إلى أن التوزيع الموسيقي الذي قام به «النابلسي» على إيقاعات المقسوم والإيقاعات الشرقية حقق الحالة الكاملة للأغنية كما لو كانت «رقصة على الأحزان».

ووصف ناصر دنيا سمير غانم بأنها «فنانة متعددة المواهب»، وقال إنها نجحت كونها مطربة، مثلما نجحت ممثلة، واصفاً صوتها بأنه من «أكثر الأصوات دفئاً وشجناً وإحساساً، فهو قادر على توصيل الحالة الغنائية للمتلقي بشكل صحيح»، لافتاً إلى أنها «كونها مطربة لم تغب عن الغناء بل تحرص في أغلب أعمالها الدرامية على الغناء»، مشيداً بذكاء اختيارها لهذا التوقيت لطرح ألبومها، لا سيما أن شهور الصيف كانت مليئة بالألبومات، وقد تلقى الجمهور جرعة دسمة منها، واختارت هي توقيتاً منفرداً، معولة على جمهورها وموهبتها واختياراتها»، حسبما يقول.

دنيا مع الملحن عمرو مصطفى (حسابها على إنستغرام)

وأصدرت دنيا سمير غانم الأغنية التي أطلقت شهرتها «مش قادرة أصدق» ضمن ألبوم «فري ماكس 4» عام 2005، وطرحت ألبوماً في 2013 ضم 9 أغنيات، وجمعت ببراعة بين الغناء والتمثيل لا سيما في أعمالها الاستعراضية، كما شاركت بالغناء مع الفنان أحمد مكي في أغنيتي «دور بنفسك» و«الحلم».

وعَدّ الناقد الموسيقي أحمد السماحي دنيا من «الأصوات الفطرية والسليمة في الأداء الغنائي والصادقة في كل ما تقدمه، سواء في أغنيات بها شقاوة أو دراما»، لافتاً إلى أن «أغنية (الله يعيني) أغنية درامية تراهن على تجربة للتعبير العاطفي القريب من الجمهور»، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «المُلحن عمرو مصطفى قد استفاد من مرونة صوت دنيا وقدرتها على المزج بين الإحساس والعفوية، كما بدت كلمات مصطفى ناصر فرصة لتقديم حالة وجدانية تلامس المستمع».

دنيا سمير غانم تعود للغناء مجدداً (حسابها على إنستغرام)

ورأى السماحي أن البطل في هذه الأغنية هو موزعها النابلسي، حيث جاء توزيعه متميزاً جداً وتمكن من توصيل الهوية الصوتية لدنيا سمير غانم مع أعمال المكساج والماستر لخالد سند، لافتاً إلى أن أغنية «الله يعيني» تلعب على ثيمة أغنية «حكايتي مع الزمان» التي كتبها الشاعر الكبير محمد حمزة، وغنتها الفنانة وردة في السبعينات.

وشدد السماحي على أنه في ظل صوت محبوب مثل دنيا وتوافر عناصر إنتاج مختلفة فإن الأغنية تتميز بـ«صدق الأداء» و«خصوصية اللحن» و«ابتكار التوزيع» لكنها ليست «أغنية عظيمة». على حد تعبيره.


عدسة اصطناعية مزودة بدواء لعلاج الغلوكوما

أكثر من 95 % من المرضى الذين استخدموا العدسة المطلقة للدواء لم يعودوا بحاجة لأدوية أخرى (آنسبيلاش)
أكثر من 95 % من المرضى الذين استخدموا العدسة المطلقة للدواء لم يعودوا بحاجة لأدوية أخرى (آنسبيلاش)
TT

عدسة اصطناعية مزودة بدواء لعلاج الغلوكوما

أكثر من 95 % من المرضى الذين استخدموا العدسة المطلقة للدواء لم يعودوا بحاجة لأدوية أخرى (آنسبيلاش)
أكثر من 95 % من المرضى الذين استخدموا العدسة المطلقة للدواء لم يعودوا بحاجة لأدوية أخرى (آنسبيلاش)

أظهرت نتائج تجربة سريرية أن عدسة تُستخدم لعلاج المياه البيضاء (الكاتاركت) يمكن أن تساعد أيضاً في علاج المياه الزرقاء (الغلوكوما). وأفاد باحثون -خلال الاجتماع السنوي للأكاديمية الأميركية لطب العيون (AAO)، في مدينة نيو أورليانز الأميركية، في الفترة من 9 إلى 12 أكتوبر (تشرين الأول) 2026- بأن هذه العدسات الاصطناعية تحتوي على أجزاء صغيرة مشبعة بعقار «بيماتوبروست» (bimatoprost) -وهو دواء شائع الاستخدام لعلاج المياه الزرقاء- حيث يتم إطلاقه بشكل تدريجي داخل العين.

ووجد الباحثون أنه بعد مرور عام، كانت مستويات ضغط العين لدى المرضى الذين حصلوا على تلك العدسات مماثلة لتلك المسجلة لدى المرضى الذين تلقوا عدسات قياسية لعلاج المياه البيضاء واستخدموا قطرات العين مرتين يومياً لعلاج المياه الزرقاء. وأضاف الباحثون أن أكثر من 95 في المائة من المرضى الذين استخدموا العدسة المطلقة للدواء لم يعودوا بحاجة إلى أي أدوية أخرى لعلاج المياه الزرقاء بعد مرور عام.

وقال الدكتور جيفري كامر، الباحث وطبيب العيون في المركز الطبي بجامعة فاندربيلت في ناشفيل بالولايات المتحدة، في بيان، الثلاثاء: «تخيل أن تتمكن من علاج اثنين من أكثر أمراض العيون شيوعاً -المياه البيضاء والمياه الزرقاء- في إجراء واحد. ببساطة، لا يوجد شيء مماثل لهذا قيد التطوير حالياً».

وتتسبب المياه الزرقاء في فقدان البصر نتيجة لارتفاع ضغط السوائل داخل العين، مما يؤدي إلى تلف العصب البصري. ويُعد خفض هذا الضغط الوسيلة الوحيدة المثبتة طبياً لإبطاء تطور المرض، وعادةً ما يُوصف للمرضى استخدام قطرات العين يومياً كخطوة أولى للعلاج.

غير أن الالتزام باستخدام القطرات مرة أو مرتين يومياً يمثل تحدياً؛ إذ يشير الباحثون إلى أن «استخدام قطرات العين بشكل يومي منتظم قد يكون أمراً صعباً».

المياه البيضاء

في المقابل، يعاني كثير من كبار السن أيضاً من المياه البيضاء، وهي حالة تتضمن تعتيم عدسة العين الطبيعية. وقد أشار الباحثون إلى أن جراحة إزالة المياه البيضاء وزراعة عدسات بديلة أصبحت واحدة من أكثر العمليات الجراحية شيوعاً وموثوقية في العالم. وألهم هذا الأمر الباحثين فكرة: لماذا لا يتم تزويد العدسات الاصطناعية بأدوية علاج المياه الزرقاء؟

وقال كامر: «إن فكرة العدسة التي تطلق الدواء وتوفر علاجاً مستمراً بعد جراحة المياه البيضاء هي فكرة مقنعة للغاية».

وقام الباحثون بإشراك 106 أشخاص يعانون من المياه الزرقاء أو ارتفاع ضغط السوائل داخل العين، وكان من المقرر أن يخضعوا لجراحة المياه البيضاء، حيث تم توزيع 3 أرباع المرضى عشوائياً للحصول على العدسات التي صُممت لتوصيل جرعة إما منخفضة وإما عالية من عقار «بيماتوبروست». أما الربع المتبقي من المرضى فقد حصلوا على عدسة قياسية بديلة، تلاها استخدام قطرات «تيمولول» (دواء لعلاج المياه الزرقاء/الغلوكوما) مرتين يومياً.

وأظهرت النتائج أنه بعد مرور عام، انخفض ضغط العين إلى 15.9 ملم زئبقي لدى المجموعة التي تلقت جرعة أعلى، وإلى 14.8 ملم زئبقي لدى المجموعة التي تلقت جرعة أقل، وإلى 15.7 ملم زئبقي لدى المجموعة التي استخدمت العدسة القياسية وقطرات العين. وقال كامر: «لقد شعرت بالتفاؤل -أكثر من شعوري بالمفاجأة- إزاء تطابق النتائج المسجلة بعد 12 شهراً مع النتائج الأولية التي ظهرت في التجارب التي أُجريت على البشر. إن رصد نتائج مماثلة عبر هذه الدراسات يوفر دليلاً مطمئناً على أن التأثير العلاجي يتكرر بنجاح مع تقدم البرنامج».

وأشار الباحثون إلى أنه ستتم متابعة المرضى المشاركين في هذه التجربة لمدة 3 سنوات، كما تجري حالياً تجربتان سريريتان أوسع نطاقاً. وخلص كامر إلى أن «المتابعة طويلة الأمد مهمة لفهم مدى استمرارية السيطرة على ضغط العين وكذلك لتقييم السلامة»، مضيفاً: «إن علاج المياه الزرقاء يتجه نحو حلول قد تجعل إدارة المرض أكثر بساطة».


اكتشاف نوع جديد من الديناصورات في بريطانيا

تصور فني للديناصور الجديد داخل نظامه البيئي قبل نحو 120 مليون سنة (سيرجي كراسوفسكي وبيدرو سالاس)
تصور فني للديناصور الجديد داخل نظامه البيئي قبل نحو 120 مليون سنة (سيرجي كراسوفسكي وبيدرو سالاس)
TT

اكتشاف نوع جديد من الديناصورات في بريطانيا

تصور فني للديناصور الجديد داخل نظامه البيئي قبل نحو 120 مليون سنة (سيرجي كراسوفسكي وبيدرو سالاس)
تصور فني للديناصور الجديد داخل نظامه البيئي قبل نحو 120 مليون سنة (سيرجي كراسوفسكي وبيدرو سالاس)

اكتشف فريق بحثي بقيادة كلية لندن الجامعية (UCL) نوعاً جديداً من الديناصورات، استناداً إلى أحفورة عُثر عليها في جزيرة وايت الإنجليزية.

ووفق ورقتهم البحثية المنشورة في دورية «رويال سوسيتي أوبن ساينس»، الثلاثاء، ينتمي هذا الديناصور إلى مجموعة من الحيوانات آكلة اللحوم الرشيقة الحركة التي تسير على قدمين وتُعرف باسم «ميغارابتورات». ويوصف بأنه كائن مفترس ذو مخالب طويلة وبحجم نمر كبير، ويُعد أول نوع من هذه المجموعة يُكتشف في أوروبا.

كانت الأحفورة الخاصة بهذا الاكتشاف - وهي عبارة عن جزء من مؤخرة الجمجمة - قد حصل عليها متحف التاريخ الطبيعي في لندن عام 1924، لكنها ظلت مهملة ولم تخضع للدراسة حتى وقت قريب.

وقال البروفسور بول باريت، كبير الباحثين في الدراسة والمختص في متحف التاريخ الطبيعي البريطاني: «على الرغم من عمليات الجمع التي استمرت لأكثر من 200 عام، لا تزال جزيرة وايت تفاجئنا بأنواع جديدة من الديناصورات، علماً بأن العثور على ديناصورات آكلة للحوم، مثل (إنفيكتيبيلا تريكس) - كان أمراً نادراً وصعب المنال بشكل خاص».

الميغارابتورات الغامضة.

وتُعد «الميغارابتورات» أكثر الديناصورات الضخمة آكلة اللحوم غموضاً، نظراً لندرة العثور على أحافير لها. ويُعتقد أنها نشأت في آسيا، قبل أن تهاجر عبر أوروبا وتصبح من كبار المفترسات في الكتلة الأرضية الجنوبية المعروفة باسم «غوندوانا»، التي كانت تشمل أفريقيا وأميركا الجنوبية والقارة القطبية الجنوبية في العصر الحالي. غير أن هذه النظرية كانت تفتقر حتى الآن إلى أدلة أحفورية جوهرية، إذ لم يُعثر سابقاً على أي بقايا للميغارابتورات في أوروبا.

والميغارابتورات وثيقة الصلة بالديناصورات من فصيلة «التيرانوصورات» (بما في ذلك «التيرانوصور ريكس»)، لكنها تميزت برؤوس نحيلة، وكانت تهاجم فرائسها باستخدام أذرعها الكبيرة ومخالبها الضخمة المنحنية بدلاً من الاعتماد على فكوكها.

وفي حين أن بعض الأنواع نمت لتصل إلى أحجام هائلة - تماماً مثل التيرانوصورات - فإن هذا النوع الجديد يُعد واحداً من أصغر الأنواع المكتشفة في هذه المجموعة وأقدمها أيضاً؛ إذ عاش في المملكة المتحدة خلال العصر الطباشيري المبكر قبل نحو 120 مليون عام. وقد أُطلق عليه اسم إنفيكتيبيلاتريكس أمبارينا Invictibellatrix amberina ويعني اسم «المحارب الذى لا يُقهر»، وذلك تكريماً للدور الذي لعبته الميغارابتورات كحيوانات مفترسة تتربع على قمة الهرم الغذائي.

وقال تشارلي شيرر، وهو باحث مشارك في الدراسة وطالب دكتوراه في قسم علوم الأرض بجامعة كوليدج لندن الإنجليزية: «يُعد هذا النوع الجديد أول دليل لدينا على أن الميغارابتورات كانت موجودة أيضاً في أوروبا».

ولم توضح الدراسة سبب انقراض الميغارابتورات في الشمال على الأرجح، لكن ذلك قد يكون ناتجاً عن تغيرات مناخية أو بيئية، أو بسبب وجود حيوانات مفترسة منافسة مثل أنواع أخرى من «التيرانوصورات».

وقال الدكتور كاسيوس موريسون من قسم علوم الأرض في كلية لندن الجامعية، والباحث الرئيسي للدراسة: «بناءً على ما نعرفه عن أقرب أقربائه، كان طول (إنفيكتيبيلاتريكس) يتراوح بين ثلاثة وأربعة أمتار، وارتفاعه يزيد قليلاً على متر ونصف تقريباً. ومن المرجح أنه كان يمتلك ريشاً، وقد تراوحت أطوال مخالبه بين 10 و20 سنتيمتراً. وكان يتغذى على الديناصورات الصغيرة والسحالي والثدييات، شاغلاً بذلك دوراً في السلسلة الغذائية يشبه دور الضبع في وقتنا الحاضر».

وأضاف موريسون: «لم يكن هذا الديناصور هو المفترس الأقوى في عصره، لكن بالنسبة للبشر، كان هذا الديناصور سيشكل خطراً أكبر من التيرانوصور ريكس؛ فقد كنا سنمثل فريسة مثالية الحجم بالنسبة له، إذ تبلغ أوزاننا نحو ثلث وزن جسمه، وكان من المؤكد أنه سيطاردنا».