شرم الشيخ: 50 % من وظائف السياحة في خطر

آمال على السياحة العربية بوصفها «طوق إنقاذ»

أحد المنتجعات السياحية الخاوية في شرم الشيخ (إ.ب. أ)
أحد المنتجعات السياحية الخاوية في شرم الشيخ (إ.ب. أ)
TT

شرم الشيخ: 50 % من وظائف السياحة في خطر

أحد المنتجعات السياحية الخاوية في شرم الشيخ (إ.ب. أ)
أحد المنتجعات السياحية الخاوية في شرم الشيخ (إ.ب. أ)

بعد تطلعات محلية وعالمية متفائلة للوصول إلى حاجز 30 مليون سائح سنويا في عام 2020؛ وتفاؤل كبير في مطلع عام 2015 بنمو قطاع السياحة المصري في ظل تحسن كبير في الأوضاع السياسية والاقتصادية وزيادة ملحوظة في الثقة الدولية في مصر، شكلت الحوادث الإرهابية خلال العام الحالي تهديدا كبيرا لقطاع السياحة، ووصلت ذروة الشكوك إلى أن العواقب التالية لحادث تحطم الطائرة الروسية الأخير قد تكون كارثية على مصر التي تكافح لاستعادة نشاطها بعد أن تضررت كثيرا بسبب الاضطرابات منذ ثورة 2011، خصوصا أنها وقعت على مقربة من المنتجع الذي يوصف بأنه «آخر القلاع السياحية الحصينة» في مصر، بحسب الخبراء والمحللين.
وتعد شرم الشيخ إحدى أهم النقاط السياحية التي نجحت في الحفاظ إلى حد كبير على مكانتها السياحية، والنأي عما شهدته باقي أرجاء مصر من اضطرابات، مثلها مثل منتجعات الغردقة ومرسى علم على البحر الأحمر، إلا أن شرم الشيخ تبقى الأشهر عالميا والأكثر تأثيرا.
وكانت جهات سياحية كبرى في مصر قد تعرضت لكبوات أثرت على حركتها السياحية، فالقاهرة والإسكندرية، وهما المدينتان الكبريان اللتان تشهدان سياحة المتاحف والمؤتمرات والتسوق بشكل رئيسي، شهدتا تراجعا حادا في حركة السياحة نظرا لعمليات العنف والإرهاب، التي كان آخر مظاهرها الكبيرة اغتيال النائب العام المصري في منتصف العام الحالي.
أما مدن الجنوب، التي تسودها سياحة الآثار والسياحة النيلية، فشهدت أيضا ضربات موجعة، حيث نجحت الشرطة في إحباط محاولة تفجير قنبلة في معبد الكرنك بالأقصر جنوب مصر، في الصيف الماضي، وهي المنطقة التي سبق أن تخلى عنها السياح إلى حد كبير.
وحتى حادث تحطم الطائرة الروسية، استطاعت السلطات المصرية عزل شرم الشيخ، في الطرف الجنوبي من شبه جزيرة سيناء، عن العنف الدائر في الجزء الشمالي من شبه الجزيرة. ونتيجة لذلك، واصلت المدينة استقبال الآلاف من السياح؛ معظمهم من روسيا.
ولم يكن حادث الطائرة الروسية هو الحادث الإرهابي الأول من نوعه الذي يهز عرش السياحة في مصر، بل كان امتدادًا لسلسلة من الهجمات الإرهابية المتعددة التي استهدفت القطاع منذ عام 2011.
وتخلل تلك الهجمات حادث عرضي أسفر بدوره عن آثار على القطاع، وهو حادث مقتل 19 سائحًا، في فبراير (شباط) 2013، من جنسيات مختلفة شملت بريطانيا وفرنسا واليابان وهونغ كونغ، إثر سقوط منطاد سياحي بمحافظة الأقصر عقب وقوع انفجار غازي بالمنطاد أثناء الطيران.
كما أسفر مقتل مجموعة من السياح المكسيكيين في سبتمبر (أيلول) الماضي، خلال عملية أمنية لملاحقة إرهابيين، عن تدهور في قطاع السياحة.
وفي نهاية شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تحطمت الطائرة الـ«إيرباص A321 » الروسية بعد قليل من إقلاعها من منتجع شرم الشيخ، مما أسفر عن مقتل جميع الركاب على متنها البالغ عددهم 224 فردًا.
وعقب الحادث، علق كثير من البلدان الرحلات إلى شرم الشيخ، مما وجه ضربة قوية لصناعة السياحة المصرية. كما أصبحت الأمور أكثر تعقيدًا لقطاع السياحة في مصر بعد أن أعلن مطار القاهرة الدولي تعليق الرحلات الجوية بين القاهرة وموسكو، ردًا على خطوة مماثلة من جانب روسيا.
ويعد الأمر كارثيًا على الاقتصاد المصري لاعتبار السياحة مصدرا رئيسيا للنقد الأجنبي لمصر، الذي وصل إلى مستويات منخفضة تاريخيًا بلغت 16.4 مليار دولار في نهاية أكتوبر الماضي، وهو ما يكفي بالكاد لتغطية ثلاثة أشهر من الواردات.
وحصلت مصر على 7.4 مليار دولار من السياحة في السنة المالية التي انتهت في يونيو (حزيران) الماضي، طبقًا للبيان الختامي للموازنة العامة لمصر، الصادرة عن وزارة المالية. وكان من المتوقع تسجيل عائدات سياحية تصل إلى 8 مليارات دولار لعام 2015، بانخفاض حاد من ذروة العائدات التي بلغت تقريبا 13 مليار دولار قبل «ثورة يناير».
ودفعت المخاوف الأمنية في أعقاب تحطم الطائرة الروسية، عددا من الدول الغربية؛ من بينها روسيا وبريطانيا - أكبر سوقين مصدرتين للسياحة إلى مصر - لإيفاد عدة طائرات لإجلاء مواطنيها من شرم الشيخ.
ويتوقع سامي سليمان، رئيس جمعية مستثمري نوبيع وطابا، وهما منتجعان شهيران في سيناء أيضا، أن تمتد تأثيرات حادث الطائرة إلى أكثر من 6 أشهر، مطالبًا الإدارة المصرية بإيجاد بدائل أخرى لتوفير العملة الصعبة التي كان القطاع السياحي يوفرها.
وقال سليمان في اتصال هاتفي لـ«الشرق الأوسط»: «العاملون في السياحة مروا بأوقات صعبة على غرار الوقت الحالي، ومتحملون كثيرا من العناء»، موضحًا أن مواجهة التحديات الحالية تتمثل في «الحفاظ على فتح الفنادق، والاتفاق مع الفنادق والقرى السياحية التي لها مديونيات لدى البنوك في تقسيط الرحلات للموظفين المصريين، مما يفتح مجالاً لتنشيط القطاع من جديد عبر السياحة الداخلية، ولضمان عدم تسريح العمالة».
كما يضع عدد من العاملين بالقطاع آمالا كبرى على إنعاش حركة السياحة والإبقاء على مستويات من شأنها الحفاظ على الصناعة، عبر حركة السياحة العربية. وكان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز قد وجه الخطوط الجوية العربية السعودية باستمرار تسيير رحلاتها إلى شرم الشيخ من الرياض وجدة، دعمًا للسياحة في جمهورية مصر العربية، مؤكدًا ثقته التامة في الأمن المصري، والجيش المصري، وحكومة مصر، تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وأوضح المهندس صالح الجاسر، مدير عام الخطوط الجوية العربية السعودية، الأسبوع الماضي اعتماد زيادة الرحلات والسعة المقعدية ابتداءً من شهر فبراير من العام المقبل بين كل من الرياض وجدة من جهة، وشرم الشيخ من جهة ثانية، بنسبة 75 في المائة، حيث تسير حاليًا 8 رحلات أسبوعيًا في الاتجاه الواحد بمعدل 4 رحلات بين الرياض وشرم الشيخ، و4 رحلات أخرى بين جدة وشرم الشيخ، بسعة 1056 مقعدًا كل أسبوع، وبمجموع 16 رحلة أسبوعيًا في الاتجاهين تبلغ سعتها المقعدية 2112 مقعدًا لترتفع خلال العام المقبل إلى 14 ر‏حلة في الاتجاه الواحد بمعدل 7 ر‏حلات من الرياض، ومثلها من جدة بمجموع 28 رحلة في الاتجاهين توفر سعة مقعدية تبلغ 3696 مقعدًا أسبوعيًا.
ووفقًا لأرقام «يورومونيتور»، مؤسسة البحوث الدولية، سجل الزوار من روسيا أكبر عدد من الوافدين إلى مصر في 2014 بواقع 3 ملايين زائر، تليها بريطانيا ثاني أكبر سوق مُقبل بواقع مليون زائر.
ويقول ناديجدا بوبوفا، كبير محللي السفر في «يورومونيتور الدولية»: «إن قرار المملكة المتحدة وروسيا بحظر السفر إلى مصر سوف يكون له تأثير خطير جدًا على الاقتصاد المحلي، ذلك لأن آخر مدينة سياحية آمنة في مصر تتعرض لخطر كبير الآن».
ويُضيف بوبوفا أن «المسافرين سيبقون مترددين جدًا في السفر إلى هذا الجزء من منطقة الشرق الأوسط، وسوف يستمرون في اختيار وجهات مثل دبي وعمان، وربما حتى المغرب، بدلاً من الوجهات الأكثر قلقًا مثل تونس ومصر».
وبدأ الروس إلغاء الإجازات في وقت سابق من العام الحالي مع تراجع قيمة الروبل بسبب العقوبات من الدول الغربية على ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في مارس (آذار) 2014، وانخفاض أسعار النفط العالمية إلى أقل من 50 دولارًا للبرميل.
ووفقًا لدائرة جنوب سيناء للسياحة، «سيكون نحو 50 في المائة من القوى العاملة في هذه الصناعة في خطر خلال الشهرين المقبلين ما لم يعد الروس».
وبحسب البيانات الواردة، تُقدر تكلفة حظر الرحلة الواحدة إلى مصر بما يقرب من 280 مليون دولار في الشهر، وهي القيمة الكلية لمصروفات السفر والفنادق والتسوق المتوقعة للسائحين على كل رحلة.
ولن يقف الضرر المحتمل من تداعيات تحطم الطائرة الروسية على صناعة السياحة المصرية فحسب، بل قد يمتد أيضًا إلى شركات السفر المتجهة إلى مصر.
والحادث المصري هو ثاني أكبر حادث إرهابي يضرب منظمي الرحلات السياحية في المنطقة العربية، وذلك بعد هجومين إرهابيين مسلحين وقعا هذا العام في تونس، أصابا بشكل مباشر أرباح كل من «توماس كوك» و«TUI». وأعلنت «توماس كوك» و«طومسون»، التي تملكها «TUI»، إلغاء جميع الرحلات إلى شرم الشيخ، فور وقوع الحادث، لمدة سبعة أيام.
ووفقًا لإحصاءات «يورومونيتور»، كلفت المأساة شركة «TUI» البريطانية ما بين 35 و40 مليون دولار، في حين من المتوقع أن تضرب الواقعة أرباح «توماس كوك» البريطانية أيضًا، بنحو 25 مليون دولار. وتمثل سوق السياحة المصرية نحو 3 إلى 4 في المائة من أعمال «توماس كوك»، وهو تقريبًا الحجم نفسه للسوق التونسية.
وفي إطار الاضطرابات المدنية وعدم اليقين السياسي خلال السنوات الماضية، تراجعت مصر من المركز الـ18 بين أكثر الدول الجاذبة للسياحة في 2010، بعد أن دخلت ضمن نادي الـ20 الكبار الذي يستحوذ على حصة سوقية بلغت 590 مليون سائح، إلى المركز 85 من بين 140 دولة خلال عام 2012؛ مقارنة بالمركز 75 من بين 139 دولة في عام 2011، وفقًا للتقرير الصادر عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية الدولية «OECD».
ووفقًا لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، احتلت مصر المرتبة 83 في الترتيب العالمي لمؤشر تنافسية السياحة والسفر للعام 2015، والمرتبة الـ10 في المنطقة، مع ما يقرب من 9 ملايين سائح سنويًا.

* الوحدة الاقتصادية
بـ«الشرق الأوسط»
وبحسب التقرير، الصادر في يونيو 2015، تراجعت قدرة مصر على أن تصبح وجهة سياحية بأسعار تنافسية مع هروب كثير من الاستثمارات وارتفاع العجز في الموازنة، فضلاً عن ارتفاع مؤشر الديون في مصر.
وقبل أحداث الإرهاب الأخيرة، كان سامي محمود، رئيس الهيئة العامة المصرية لتنشيط السياحة، يؤكد على أن الموسم السياحي المصري سيعود بقوة في شتاء عام 2016 بفضل التوقعات السابقة التي أشارت إلى استقبال مصر ما يقدر بـ11 إلى 12 مليون سائح، وبحجم إنفاق يصل إلى 15 مليار دولار في نهاية ذلك العام.
ويقول الاقتصادي البريطاني لوك باروس هيل: «لا تزال المخاوف قائمة بشأن مستقبل قطاع السفر والسياحة في مصر بعد قرار روسيا بإلغاء رحلاتها في أعقاب كارثة الطيران».
ويضيف هيل: «ومع ذلك، فمن السابق لأوانه التعليق على تأثير طويل المدى للحادث على قطاع السياحة المصري، كما أننا أيضًا لا نزال في انتظار النتيجة النهائية للتحقيق في ما تسبب في تحطم الطائرة».
وزار مصر في العام الماضي نحو 9.9 مليون سائح، وهو بعيد كل البعد عن 14.7 مليون سائح زاروا مصر في عام 2010، قبل اندلاع الثورة في العام التالي، التي تسببت في الاضطرابات المتعددة التي أثرت بدورها على استقطاب السائحين إلى مصر.
وخلال الفترة من يناير (كانون الثاني) وحتى نهاية أغسطس (آب) الماضيين، كان الارتفاع قليلاً جدًا، بالكاد 5 في المائة، وفقًا لتصريحات هشام زعزوع، وزير السياحة المصري. وزار مصر حتى نهاية أغسطس الماضي نحو 6.6 مليون سائح، بإيرادات بلغت 4.6 مليار دولار، مقارنة مع 6.3 مليون في الفترة نفسها من العام الماضي. وتوقع زعزوع، في نهاية سبتمبر، ارتفاع عدد السياح إلى 10 ملايين سائح أو أعلى قليلاً، بمليون أقل من التوقعات السابقة.
ووفقًا لإحصاءات مجلس السفر والسياحة العالمية، شكلت السياحة أكثر من 17 في المائة من عائدات العملة الأجنبية في مصر في عام 2014، وفقا لمجلس السياحة والسفر العالمي.
وتوقع المجلس، الذي يتخذ من لندن مقرًا له، ارتفاع مساهمة قطاع السياحة بنسبة 2.9 في المائة في عام 2015، ثم بنسبة 4.7 في المائة سنويًا خلال الفترة من 2015 إلى 2025، وصولاً إلى 413.2 مليار جنيه، بما يعادل 12.4 في المائة بحلول عام 2025.
وقد وضعت الحكومة هدف مضاعفة حجم القطاع إلى 15 مليون سائح (توليد عائدات بقيمة 15 مليار دولار) بحلول السنة المالية 2017/ 2018، ثم إلى 30 مليون سائح (بعائدات 30 مليار دولار) بحلول عام 2020.
وحسب تصريحات وزارة السياحة، قد تفقد مصر ما يقرب من 70 في المائة من إجمالي زوارها إذا قرر مليون سائح بريطاني وثلاثة ملايين سائح روسي قضاء إجازاتهم في أماكن أخرى. وأشار وزير السياحة المصري إلى أن الوزارة تدرس دعم شركات الطيران المصرية من أجل توفير سبل لنقل السائحين من الدول المصدرة إلى المقاصد المصرية.
وبدأ زعزوع في عقد لقاءات مع سفراء دول الاتحاد الأوروبي يوم الاثنين الماضي، لنقل واقع ما تشهده المقاصد السياحية المصرية والإجراءات التي تتبعها مصر لتأمين المطارات.
وأعلن الوزير عن إطلاق مبادرة «شرم الشيخ في قلوبنا» لتعزيز السياحة الداخلية، مشيرًا إلى أن السياح الروس والإنجليز أنفقوا ما يقرب من مائة مليون دولار خلال شهر سبتمبر الماضي، وهي الأموال التي ستفقدها البلاد بعد حادث الطائرة الروسية.
وتأتي الخسارة التي تتعرض لها مصر من كون السياحة والسفر يمثلان دخلاً مهمًا للاقتصاد، ففي عام 2014 بلغت مساهمة القطاع 36 مليار دولار؛ بما يُمثل 12.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. بالإضافة إلى ذلك، ساهم القطاع في توظيف 11.6 في المائة من إجمالي العمالة بما يُعادل 2.9 مليون وظيفة في عام 2014.



زيادة الفائدة في منطقة اليورو «شبه محسومة» في يونيو بعد محضر أبريل

لاغارد لدى وصولها إلى نيقوسيا لحضور اجتماع وزراء الشؤون الاقتصادية والمالية في الاتحاد الأوروبي ومحافظي البنوك المركزية في 22 مايو (إ.ب.أ)
لاغارد لدى وصولها إلى نيقوسيا لحضور اجتماع وزراء الشؤون الاقتصادية والمالية في الاتحاد الأوروبي ومحافظي البنوك المركزية في 22 مايو (إ.ب.أ)
TT

زيادة الفائدة في منطقة اليورو «شبه محسومة» في يونيو بعد محضر أبريل

لاغارد لدى وصولها إلى نيقوسيا لحضور اجتماع وزراء الشؤون الاقتصادية والمالية في الاتحاد الأوروبي ومحافظي البنوك المركزية في 22 مايو (إ.ب.أ)
لاغارد لدى وصولها إلى نيقوسيا لحضور اجتماع وزراء الشؤون الاقتصادية والمالية في الاتحاد الأوروبي ومحافظي البنوك المركزية في 22 مايو (إ.ب.أ)

أكد المحضر الرسمي الصادر عن اجتماع شهر أبريل (نيسان) للبنك المركزي الأوروبي التوجه المتشدد والمتنامي لصانعي السياسة النقدية في منطقة اليورو، ممهداً الطريق بشكل شبه حاسم لرفع أسعار الفائدة في اجتماع البنك المقبل بعد نحو أسبوعين، كإجراء «تأميني» لحماية مصداقية البنك، ومنع التضخم من التجذر.

وكشف المحضر أن قرار الإبقاء على الفائدة دون تغيير في اجتماع أبريل كان «خياراً صعباً»، وأن عدداً من أعضاء المجلس الحاكم «لم يكن ليمانع رفع أسعار الفائدة لو كان هذا المقترح معروضاً للنقاش على الطاولة»، معتبرين أن خطوة الرفع كانت ستوجه إشارة أقوى على تصميم البنك لإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2 في المائة في الوقت المناسب. وكانت رئيسة البنك، كريستين لاغارد، قد لمحت في مؤتمرها الصحافي آنذاك إلى أن النقاشات لم تقتصر على التثبيت، بل شملت زيادة محتملة.

ضبابية صدمة المعروض

وأظهرت تفاصيل المحضر تكثف المخاطر الهبوطية المحيطة بآفاق النمو الاقتصادي مقارنة باجتماع مارس (آذار) السابق، وسط اعتراف الأعضاء بأن التأثيرات غير المباشرة و«تأثيرات الجولة الثانية» لصدمة الطاقة باتت «حتمية». وأشاروا إلى أن انتقال صدمات النفط إلى عناصر مؤشر أسعار المستهلكين الحساسة للطاقة يستغرق مدى زمنياً يتباين بين شهر واحد للوقود، ويمتد لأكثر من 15 شهراً لسلع أخرى -مثل منتجات اللحوم- حتى تصل الصدمة إلى ذروتها.

وذكر المحضر أن الوضع الراهن يمثل «صدمة عرض سلبية كلاسيكية» تختلف جوهرياً عن السيناريو المشهود في عام 2022؛ حيث كانت قوى الطلب القوية الناتجة عن إعادة فتح الاقتصاد بعد الجائحة هي المحرك الأساسي للتضخم، إلى جانب صدمة المعروض. ورغم ارتفاع توقعات التضخم قصيرة الأجل بشكل ملحوظ، فإنّ البنك يرى أن التوقعات طويلة الأجل لا تزال مستقرة حول مستهدف 2 في المائة.

نحو خطوة «رمزية» في يونيو

وباتت الأسواق المالية تنظر إلى قرار رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في يونيو (حزيران) على أنه أمر شبه مفروغ منه، مدفوعاً بتصريحات متشددة سابقة لعضو المجلس التنفيذي إيزابيل شنابل. ويرى المحللون أن هذا الرفع المرتقب يعد خطوة «تأمينية ورمزية» لتأكيد التزام البنك، إذ إن الضرر التضخمي قد وقع بالفعل على اقتصاد منطقة اليورو حتى لو توقفت الحرب في الشرق الأوسط فوراً.

أما فيما يخص مسار السياسة النقدية لما بعد اجتماع يونيو، فإن التحليلات تشير إلى أن احتمال الدخول في «حلزونية تضخمية» عنيفة يظل ضئيلاً طالما بقيت حزم التحفيز المالي الحكومية كابحة ومحدودة. وبناءً عليه، يرجح الخبراء الاكتفاء برفع تأميني واحد في يونيو لتثبيت توقعات التضخم، مستبعدين لجوء المركزي الأوروبي إلى تشديد عدواني ومستمر لمحاربة صدمة عرض خارجية، لما قد يترتب على ذلك من تعميق خطير للركود الاقتصادي، خاصة في ظل قيام سوق السندات بجزء من مهمة التشديد النقدي عبر رفع العوائد تلقائياً.


ارتفاع طفيف في طلبات إعانة البطالة الأميركية

أحد الميادين في مدينة نيويورك الأميركية (أ.ف.ب)
أحد الميادين في مدينة نيويورك الأميركية (أ.ف.ب)
TT

ارتفاع طفيف في طلبات إعانة البطالة الأميركية

أحد الميادين في مدينة نيويورك الأميركية (أ.ف.ب)
أحد الميادين في مدينة نيويورك الأميركية (أ.ف.ب)

ارتفع عدد الأميركيين المتقدمين بطلبات للحصول على إعانات البطالة بشكل طفيف، الأسبوع الماضي، وسط انخفاض نسبي في عمليات التسريح، على الرغم من استمرار الحرب مع إيران. وأعلنت وزارة العمل الأميركية، يوم الخميس، أن الطلبات الأولية للحصول على إعانات البطالة الحكومية ارتفعت بمقدار 5000 طلب، لتصل إلى 215 ألف طلب بعد التعديل الموسمي، وذلك للأسبوع المنتهي في 23 مايو (أيار).

وكان خبراء اقتصاديون قد استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا 211 ألف طلب للأسبوع الأخير.

وقد تراوحت الطلبات هذا العام بين 190 ألفاً و230 ألف طلب. وباستثناء عمليات التسريح البارزة التي قامت بها شركات التكنولوجيا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ظلت عمليات التسريح منخفضة بشكل عام، على الرغم من حالة عدم اليقين، التي بدأت بفرض تعريفات جمركية شاملة على الواردات العام الماضي، والآن بالحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران.

وأدى النزاع إلى إغلاق مضيق هرمز؛ ما رفع أسعار السلع الأساسية، بما في ذلك النفط والأسمدة، وزاد من التضخم. وأظهر تقرير المطالبات أن عدد الأشخاص الذين يتلقون إعانات البطالة بعد أسبوع أولي من المساعدة، وهو مؤشر على التوظيف، ارتفع بمقدار 15 ألف شخص ليصل إلى 1.786 مليون شخص بعد التعديل الموسمي خلال الأسبوع المنتهي في 16 مايو.

وغطت ما يُسمى بـ«المطالبات المستمرة» الفترة التي أجرت خلالها الحكومة مسحاً للأسر لتحديد معدل البطالة في مايو. ومن المتوقع أن يكون معدل البطالة قد استقر عند 4.3 في المائة في مايو. وقد انخفضت المطالبات المستمرة عن مستويات العام الماضي المرتفعة، على الرغم من أن جزءاً من هذا الانخفاض يُعزى على الأرجح إلى استنفاد الأشخاص لأهليتهم للحصول على الإعانات، والتي تقتصر على 26 أسبوعاً في معظم الولايات، كما أنها لا تشمل الشباب الأميركيين العاطلين عن العمل، والذين عادةً ما يكون لديهم تاريخ عمل محدود أو معدوم؛ ما يحرمهم من الحصول على الإعانات. ويواجه خريجو الجامعات سوق عمل صعبة. لا يزال بعض خريجي، العام الماضي، عاطلين عن العمل.

وأظهر استطلاع رأي أجراه مجلس المؤتمرات، يوم الثلاثاء، تبايناً في آراء الأسر حول سوق العمل هذا الشهر، حيث انخفضت نسبة من يرون أن الوظائف «وفيرة» إلى أدنى مستوى لها منذ فبراير (شباط) 2021. وفي المقابل، سجلت نسبة من أفادوا بأن الحصول على وظائف «صعب» أدنى مستوى لها في 7 أشهر.


نائب رئيس «الفيدرالي»: مرونة سوق العمل تمنحنا الضوء الأخضر للتركيز على لجم التضخم

نائب رئيس «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» فيليب جيفرسون (أرشيفية - رويترز)
نائب رئيس «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» فيليب جيفرسون (أرشيفية - رويترز)
TT

نائب رئيس «الفيدرالي»: مرونة سوق العمل تمنحنا الضوء الأخضر للتركيز على لجم التضخم

نائب رئيس «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» فيليب جيفرسون (أرشيفية - رويترز)
نائب رئيس «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» فيليب جيفرسون (أرشيفية - رويترز)

أكد نائب رئيس «مجلس المحافظين» لـ«الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي)»، فيليب جيفرسون، الخميس، أنه من المناسب تماماً لـ«البنك» التركيز على إعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة، بالنظر إلى أن سوق العمل الأميركية أثبتت أنها «مرنة للغاية» في مواجهة صدمة الطاقة الحالية الناجمة عن الحرب الجيوسياسية الراهنة.

وأوضح جيفرسون، خلال جلسة أسئلة وأجوبة أعقبت خطاباً ألقاه في مؤتمر استضافه «بنك اليابان المركزي» ومجموعته الفكرية في طوكيو: «عندما أفكر في قراري المتعلق بالسياسة النقدية اجتماعاً تلو الآخر، فإنني أركز بشكل مطلق على استقرار الأسعار... ولكن بموجب تفويضنا، فإنني أحتاج أيضاً إلى الأخذ في الحسبان ما يحدث في سوق العمل»، مضيفاً: «لقد كانت سوق العمل الأميركية مرنة جدة تجاه الصدمة الحالية. وبالنظر إلى هذه المرونة، فإنه يبدو من المناسب أن ينصبّ التركيز الرئيسي على إعادة التضخم إلى مستويات اثنين في المائة».

أول تعليق في عهد وارش

وتكتسب تصريحات جيفرسون أهمية خاصة؛ لأنها الأولى له منذ أداء كيفين وارش اليمين الدستورية يوم الجمعة الماضي رئيساً جديداً لـ«الاحتياطي الفيدرالي». وأشار جيفرسون إلى أنه من الصعب التنبؤ «لحظة بلحظة» بما ستكون عليه سياسة أسعار الفائدة بدقة؛ نظراً إلى حالة عدم اليقين المحيطة بمدى وعمق صدمة الطاقة الناجمة عن الحرب المستعرة.

وأضاف نائب رئيس «المركزي الأميركي»: «ما يلاحظه الجميع في كل قطاعات المجتمع هو الارتفاع المستمر في أسعار الطاقة، خصوصاً أسعار البنزين. ونحن حساسون للغاية تجاه كيفية تأثير ذلك على الحياة اليومية للمواطنين». ورغم أن صدمة الطاقة تفرض رياحاً معاكسة تبطئ النشاط الاقتصادي، فإن جيفرسون لفت إلى أن الاستثمارات الضخمة والمتوسعة في مجالات الذكاء الاصطناعي تقدم قوة دفع موازية تدعم استمرار نمو الاقتصاد الأميركي.

ترقب اجتماع يونيو

وتابع جيفرسون تحليله المشهد قائلاً: «صدمة الطاقة تمثل رياحاً معاكسة للنمو، لكننا ما زلنا نشهد نمواً اقتصادياً خلال هذه الفترة الحالية. وفيما يتعلق بالتواصل بشأن السياسة النقدية، فإن التركيز ينصبّ على مراقبة (تأثيرات الجولة الثانية) المرتبطة بصدمات العرض والقفزة الكبيرة في الطلب الاستثماري».

وفي التصريحات التي أعدها للمؤتمر، أشار جيفرسون إلى أن الإعداد الحالي للسياسة النقدية يقف في «المكان المناسب» وسط المخاطر التصاعدية المستمرة المحيطة بتوقعات التضخم، مختتماً باستشراف الاجتماع المقبل لـ«اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة» المقرر في 16 و17 يونيو (حزيران) المقبل، بالقول: «لم أتخذ قراراً مسبقاً بشأن الاجتماع المقبل، وأتطلع إلى مناقشة زملائي بشأن السياسة الضرورية لتحقيق أهداف تفويضنا المزدوج بأفضل طريقة ممكنة».