اعتقال نائب وزير الدفاع يغير قواعد الصراع بين فصائل النخبة الحاكمة في روسيا

المخابرات الأميركية ترجح أن بوتين لم يأمر حتى بقتل نافالني

بوتين يتوسط رئيس هيئة الأركان العامة فاليري غيراسيموف (يسار) ووزير الدفاع سيرجي شويغو (أ.ب)
بوتين يتوسط رئيس هيئة الأركان العامة فاليري غيراسيموف (يسار) ووزير الدفاع سيرجي شويغو (أ.ب)
TT

اعتقال نائب وزير الدفاع يغير قواعد الصراع بين فصائل النخبة الحاكمة في روسيا

بوتين يتوسط رئيس هيئة الأركان العامة فاليري غيراسيموف (يسار) ووزير الدفاع سيرجي شويغو (أ.ب)
بوتين يتوسط رئيس هيئة الأركان العامة فاليري غيراسيموف (يسار) ووزير الدفاع سيرجي شويغو (أ.ب)

يعد إلقاء السلطات الروسية القبض على نائب وزير الدفاع تيمور إيفانوف بتهمة الفساد تطوراً خطيراً في المشهد السياسي الروسي، خصوصاً أن روسيا تخوض حرباً ضروساً في أوكرانيا. وفي تحليل نشره موقع مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي يقول الكاتب والباحث الروسي أندريه بيرتسيف إن القبض على إيفانوف إشارة واضحة إلى عمق الانقسامات داخل الحكومة الروسية.

تزامن هذا الرأي مع نشر تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، السبت، يقول إن أجهزة المخابرات الأميركية خلصت إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يأمر على الأرجح بقتل السياسي المعارض أليكسي نافالني في سجن بالقطب الشمالي في فبراير (شباط). وكان نافالني، الذي توفي عن عمر يناهز 47 عاماً، من أشد منتقدي بوتين في الداخل. واتهم حلفاؤه بوتين بقتله، وقالوا إنهم سيقدمون أدلة تدعم اتهاماتهم.

نائب وزير الدفاع تيمور إيفانوف ألقي القبض عليه بتهمة الفساد (رويترز)

ويقول بيرتسيف في تحليله، الذي نشرته الوكالة الألمانية، إن المجموعات النافذة المتنافسة على السلطة تهاجم بعضها بعدوانية أشد مما كانت عليه قبل الحرب، ولم يعد الخطر قاصراً على اللاعبين المنفردين أو الممثلين الصغار لهذه المجموعات، وإنما وصل إلى الشخصيات المركزية أيضاً.

ليس هذا فحسب، بل إن وجود شخص مثل وزير الدفاع سيرجي شويغو المقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يعد كافياً لحماية شخص مثل نائب شويغو من عدوان الفصائل.

بوتين مصافحاً وزير الدفاع سيرجي شويغو في 7 مارس (إ.ب.أ)

ونفى الكرملين أي تورط للدولة‭‭‭‭ ‬‬‬‬في موت نافالني. ووصف بوتين، الشهر الماضي، وفاة نافالني بأنها «محزنة»، وقال إنه كان على استعداد لتسليم السياسي المسجون إلى الغرب في تبادل للسجناء بشرط عدم عودة نافالني إلى روسيا أبداً. وقال حلفاء نافالني إن محادثات في هذا الصدد كانت جارية.

وقالت الصحيفة، نقلاً عن مصادر مطلعة لم تكشف هوياتها، السبت، إن أجهزة المخابرات الأميركية خلصت إلى أن بوتين لم يأمر على الأرجح بقتل نافالني.

وقال ديميتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين، السبت، إنه اطلع على تقرير الصحيفة الذي يحتوي على «تكهنات فارغة». وأضاف بيسكوف في تصريحات للصحافيين: «لقد رأيت التقرير، لا أستطيع أن أقول إنها مادة عالية الجودة تستحق الاهتمام». ونقل تقرير الصحيفة عن المصادر أن النتائج «لقيت قبولاً على نطاق واسع داخل دائرة المخابرات، واطلعت عليه وكالات عدة منها وكالة المخابرات المركزية ومكتب مدير المخابرات الوطنية ووحدة الاستخبارات بوزارة الخارجية».

الرئيس فلاديمير بوتين مع المتحدث الرسمي باسم الكرملين ديميتري بيسكوف (أ.ب)

وتقول الصحيفة عن بعض مصادرها إن التقييم الأمريكي استند إلى مجموعة من المعلومات بما في ذلك بعض المعلومات الاستخبارية السرية، وتحليل الحقائق العامة مثل توقيت وفاة نافالني، وكيف ألقت بظلالها على فوز بوتين في الانتخابات الرئاسية في مارس (آذار). لكن ليونيد فولكوف، وهو أحد كبار مساعدي نافالني، وصف النتائج الأميركية بأنها ساذجة وسخيفة، وفق الصحيفة.

ورجوعاً إلى قضية تيمور إيفانوف، فقد قُبض على نائب وزير الدفاع بعد حضوره اجتماع مع زملائه في وزارة الدفاع وبينهم شويغو يوم 23 أبريل (نيسان) الحالي، بتهمة الحصول على رشاوى. وجرى إعلان نبأ القبض عليه في المساء، لكن دون صور لعمليات تفتيش عقاراته الفاخرة، واكتشاف كميات ضخمة من الأموال السائلة في إحدى الخزائن كما يحدث عادة في أنباء القبض على المتورطين في فساد في روسيا. وبعد ذلك ظهر إيفانوف في المحكمة بزيه العسكري، رغم أن المعتاد هو ظهور الجنرالات المقبوض عليهم بالملابس المدنية لتجنب تشويه صورة القوات المسلحة الروسية.

ويقول بيرتسيف الصحافي في موقع «ميدوزا» الإخباري إن كل المؤشرات تقول إن قرار القبض على إيفانوف وتنفيذه حدث على عجل، وكان مفاجأة حتى لرئيسه المباشر وزير الدفاع الذي بدا مصدوماً من القبض على نائبه.

زعيم المعارضة الروسية آنذاك أليكسي نافالني (أ.ب)

بالطبع، فإن هؤلاء الذين يقفون وراء قضية إيفانوف لديهم سبب وجيه جداً للتحرك بسرعة ضده، حيث إنها يمكن أن تتحول إلى قضية تاريخية بالنسبة لنظام حكم بوتين. فنائب وزير الدفاع هو أكبر مسؤول يجري القبض عليه بتهمة الفساد في روسيا، منذ القبض على أليكسي أوليوكايف وزير الاقتصاد السابق عام 2016، وبالطبع يمكن عدّ إيفانوف شخصية أهم من أوليوكايف، بوصفه يتحكم في مبالغ مالية أكبر، ويمتلك نفوذاً وسلطة أوسع.

صورة المعارض الروسي أليكسي نافالني تتوسط باقات الزهور أثناء مراسم تأبينه (أ.ف.ب)

ووفق بيرتسيف فإن أوليوكايف كان يمثل نفسه داخل جهاز الدولة الروسية، في حين أن إيفانوف يعد ممثلاً بارزاً لفصيل نافذ في الدولة يضم شويغو نفسه، والملياردير جينادي تيمشنكو المقرب من بوتين، ويوري فوروفبيوف نائب رئيس المجلس الاتحادي الروسي وابنه أندريه فوروبيوف حاكم إقليم موسكو ومسؤولين ورجال أعمال آخرين أقل أهمية.

وكان إيفانوف مصدراً لتريليونات الروبلات الروسية لأبناء فصيله، بمنحهم عقود كل مشروعات البنية التحتية التابعة لوزارة الدفاع؛ ولذلك فالاتهامات الموجهة إلى إيفانوف بمثابة هجوم مباشر على مجموعة شويغو/ تيمشينكو.

وفاة نافالني وكيف ألقت بظلالها على فوز بوتين في الانتخابات الرئاسية في مارس (إ.ب.أ)

ويعد فيكتور زولوتوف رئيس الحرس الوطني الروسي والرئيس السابق لجهاز الحماية الاتحادية المسؤول عن حماية كبار المسؤولين الروس هو العدو المباشر لشويغو. وحاول زولوتوف منذ وقت طويل السيطرة على وزارة الدفاع. حاول مرة في منتصف 2010 وأخرى في عامي 2022 و2023 عبر تعيين مرؤوسه السابق وأحد حراس بوتين المفضلين أليكسي ديومين وزيراً للدفاع.

وقبل 18 شهرا أطلق يفغيني بريغوجين زعيم مجموعة «فاغنر» المسلحة الروسية حملة ضد شويغو بدعم من زولوتوف. وبالفعل أعدت مجموعة الحرس الوطني مرشحين اثنين لكي يحلا محل شويغو وهما ديومين والجنرال سيرجي سوروفيكين الذي يحظى بشعبية كبيرة في دوائر الجيش الروسي.

لكن شويغو نجح في التصدي لهذه المحاولات، بل حقق نقاطاً على حساب خصومه. فقد لقي بريغوجين حتفه في حادث تحطم طائرة غامض، في حين جرى فصل سوروفيكين من منصبه. وفيما بعد نجح وزير الدفاع في استعادة ثقة بوتين ودعمه عندما نجحت القوات الروسية في إفشال الهجوم الأوكراني المضاد واستعادة الروس زمام المبادرة في الصيف الماضي.

اللفتنانت جنرال فلاديمير ألكسييف (يمين) مع الراحل بريغوجين في مقطع فيديو من روستوف يناشد رئيس «فاغنر» إعادة النظر في أفعاله (أ.ف.ب)

ويمكن القول إن قضية إيفانوف يمكن أن توقف تمدد فصيل شويغو في أفضل الحالات. فوزير الدفاع سيكون مضطراً لتركيز جزء من انتباهه إلى ضمان ألا يتولى منصب نائب وزير الدفاع لشؤون البنية التحتية شخص من خارج الفصيل. وفي أسوأ السيناريوهات قد يضطر الوزير إلى الاستقالة إذا ما أدين نائبه بتهم الخيانة والكسب غير المشروع.

في الوقت نفسه، فإن القبض على إيفانوف يعني تحلل الفصائل المتصارعة داخل دائرة الحكم الروسية، من الالتزام غير المكتوب بعدم المساس بالشخصيات

الكبيرة داخل كل فصيل، كما تعني تجاهل خصوم وزير الدفاع لرأي الرئيس بوتين نفسه والذي يميل بوضوح إلى وزير دفاعه.

وهذا يزيد بشكل كبير من مخاطر الاقتتال الداخلي بين النخب الحاكمة في روسيا. فبمجرد أن يكسر أحد اللاعبين أحد المحرمات، ويحصل على ميزة غير عادلة من خلال القيام بذلك، فإن المجموعات الأخرى الأكثر انضباطًا ستتبعه قريباً لتتغير قواعد اللعبة بين فرقاء السلطة الروسية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارته مركزاً عسكرياً جوياً شمال غربي موسكو (أ.ب)

وينهي بيرتسيف تحليله بالقول إن الفصائل المتصارعة المحيطة بالرئيس بوتين توصلت إلى استنتاج مفاده أن الأفعال في هذه المعارك الضروس أعلى صوتاً من الكلمات، بما في ذلك كلمات بوتين نفسه. وفقاً لذلك، سيكون هناك مزيد ومزيد من هذه المعارك داخل النخبة الروسية، مع تآكل مستمر للقواعد الحاكمة لهذه المعارك.


مقالات ذات صلة

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والمستشار الألماني فريدريش ميرتس يسيران في ساحة الاستقلال بكييف الأحد (إ.ب.أ) p-circle

تعميق الهوة بين واشنطن وكييف... زيلينسكي يشعر «بالخيانة» ويواجه «قطيعة نهائية» من ترمب

الشرخ المتزايد في العلاقة بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وإدارة الرئيس دونالد ترمب يقترب بسرعة من حافة «القطيعة النهائية».

رائد جبر (موسكو)
أوروبا طائرة مقاتلة من طراز «سوخوي سو-34» تؤدي عرضاً قرب موسكو (رويترز - أرشيفية)

زيلينسكي يعلن تدمير 4 مقاتلات في مطار عسكري روسي

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الخميس، إن ضربة صاروخية أوكرانية دمّرت 4 طائرات مقاتلة في مطار عسكري بغرب روسيا، ليل الأربعاء - الخميس.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الاقتصاد حاويات شحن في ميناء تجاري بمدينة فلاديفوستوك الروسية (رويترز)

رئيسة منظمة التجارة العالمية: حروب الشرق الأوسط وأوكرانيا ستترك آثاراً طويلة الأمد

قالت نغوزي أوكونجو إيويالا، المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية، إن التحولات الجيوسياسية والحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط ستترك آثاراً طويلة الأمد.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
أوروبا مبانٍ سكنية تعرَّضت لدمار جزئي جراء قصف روسي استهدف منطقة سكنية في مدينة كراماتورسك (إ.ب.أ)

بريطانيا تعتزم تمويل إصلاحات في محطة تشيرنوبل بعد قصف روسي

تعتزم بريطانيا تمويل الإصلاحات الضرورية لمحطة تشيرنوبل للطاقة التي قُصفت في هجوم بمسيّرة روسية في حين يسعى رئيس الوزراء أندي بيرنهام لتعزيز الدعم لأوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الحكومة البريطانية تعلن حالة «جفاف شديد» في أجزاء من جنوب إنجلترا

امرأة تركض بالقرب من مساحة عشبية جففتها الشمس في حديقة فيكتوريا في لندن يوم 1 سبتمبر 2026 (رويترز)
امرأة تركض بالقرب من مساحة عشبية جففتها الشمس في حديقة فيكتوريا في لندن يوم 1 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

الحكومة البريطانية تعلن حالة «جفاف شديد» في أجزاء من جنوب إنجلترا

امرأة تركض بالقرب من مساحة عشبية جففتها الشمس في حديقة فيكتوريا في لندن يوم 1 سبتمبر 2026 (رويترز)
امرأة تركض بالقرب من مساحة عشبية جففتها الشمس في حديقة فيكتوريا في لندن يوم 1 سبتمبر 2026 (رويترز)

أعلنت الحكومة البريطانية، الخميس، حالة «جفاف شديد» في أجزاء من جنوب إنجلترا، عازية ذلك إلى «فترة غير مسبوقة من الأحوال الجوية المتطرفة»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت المملكة المتحدة عام 2026 الصيف الأكثر حراً منذ بدء تسجيل البيانات، إذ تخللته موجات حر عدة وجفاف استثنائي ناجم عن نقص غير مسبوق في هطول الأمطار منذ بدء تسجيل البيانات عام 1836.

وتعاني أكثر من 80 في المائة من مساحة إنجلترا حالياً من الجفاف، مع استمرار هطول الأمطار بمعدلات دون المتوسط خلال أشهر الخريف.

وقال رئيس وكالة البيئة، فيليب دافي، إن «الحرارة القياسية خلال الصيف والجفاف الشديد جعلا مواردنا المائية تحت ضغط هائل».

وأُعلنت حالة «الجفاف الشديد» في مقاطعات كورنوال وديفون ودورست وسومرست وإيست ساسكس وويست ساسكس الإنجليزية، وهي أعلى درجات الجفاف خطورة، وتُعلن عند تسجيل «مؤشرات منخفضة بشكل استثنائي على مدى فترة طويلة».

وجاء الإعلان في وقت انخفض منسوب المياه في خزانين رئيسيين بجنوب غرب إنجلترا، يزوّدان نحو 400 ألف عقار بالمياه، إلى أقل من 20 في المائة من سعتهما التخزينية.

وقالت وكالة البيئة إن منسوب المياه في الخزانات «يُفترض أن يبلغ نحو 75 في المائة في هذا الوقت من العام».

وحسب الحكومة، شهد جنوب شرقي إنجلترا وجنوب غربها الفترة الأكثر جفافاً بين أبريل (نيسان) وسبتمبر (أيلول) منذ أكثر من قرن.

ويقول علماء إن تغيّر المناخ يزيد من حدة الظواهر الجوية، مثل الجفاف وموجات الحر، ما يؤدي إلى تسجيل مستويات قياسية بوتيرة متزايدة.

وحتى الأسبوع الماضي، بلغ متوسط مستويات المياه في الخزانات في أنحاء إنجلترا 54 في المائة، فيما لم تتلقَ البلاد سوى 10 في المائة من متوسط هطول الأمطار المعتاد في أكتوبر (تشرين الأول).

وحضّت الحكومة شركات المياه على مراقبة الكميات التي تسحبها من الموارد الطبيعية، وشجعت المستهلكين على ترشيد استهلاكهم، فيما فُرضت بالفعل قيود على استخدام المياه في مناطق عدة.

وقالت وزيرة البيئة أنجيلا إيغل إن «هذا المستوى من الجفاف لم نشهد له مثيلاً منذ عقود».

وتأثرت قطاعات عدة بأشهر الجفاف، من المزارعين وصيادي الأسماك إلى رجال الإطفاء الذين قالوا إن الجفاف الشديد للنباتات والأراضي أدى إلى اندلاع حرائق غابات صعبة المكافحة خلال الصيف.

ومنذ أغسطس (آب)، تعقد الحكومة اجتماعاً أسبوعياً لـ«المجموعة الوطنية للجفاف»، بمشاركة هيئة الأرصاد الجوية وشركات المياه وخبراء وممثلين للمزارعين.


تعميق الهوة بين واشنطن وكييف... زيلينسكي يشعر «بالخيانة» ويواجه «قطيعة نهائية» من ترمب

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما في البيت الأبيض 28 فبراير 2025 (أ.ف.ب)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما في البيت الأبيض 28 فبراير 2025 (أ.ف.ب)
TT

تعميق الهوة بين واشنطن وكييف... زيلينسكي يشعر «بالخيانة» ويواجه «قطيعة نهائية» من ترمب

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما في البيت الأبيض 28 فبراير 2025 (أ.ف.ب)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما في البيت الأبيض 28 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

بدا، الخميس، أن الشرخ المتزايد في العلاقة بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وإدارة الرئيس دونالد ترمب يقترب بسرعة من حافة «القطيعة النهائية»، وفقاً لتعليقات وسائل إعلام روسية. وعكست تصريحات زيلينسكي الحادة تجاه واشنطن، واتهامه ترمب بـ«الخيانة»، وبأنه «لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ»، إضافة إلى توجيهه باستئناف الضربات على مصافي النفط الروسية، أن الأزمة باتت قريبة من خط «اللاعودة».

أشخاص يتابعون الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عبر شاشة كبيرة خلال كلمته أمام منتدى وارسو للأمن في العاصمة البولندية وارسو يوم 12 أكتوبر 2026 (أ.ب)

وفي استثمار سريع للوضع، صعّدت موسكو لهجتها تجاه الرئيس الأوكراني، واتهمته بأنه «يقوّض فرص السلام، ويبدّد جهود المفاوضين الأميركيين». وأعلن الناطق باسم «الكرملين»، ديمتري بيسكوف، أن «المساعي الأميركية لتسوية الأزمة في أوكرانيا تصطدم بعدم رغبة كييف في إحلال السلام». وقال، في إفادة صحافية، إن الجهود الحثيثة التي تبذلها الولايات المتحدة بشأن عملية السلام تصطدم بمواقف متعنتة من جانب كييف، لافتاً إلى أن توجيه ضربات جديدة ضد مصافي النفط الروسية، رغم التحذيرات الأميركية ومبادرة هدنة الطاقة التي طرحها ترمب، يعكس بوضوح أن الجانب الأوكراني يسعى إلى تقويض الجهود الأميركية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يسار) ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

وأضاف الناطق: «أود أن أذكركم بتصريح نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك. لقد قال إنه لم يكن هناك أي وقف لإطلاق النار من جانب أوكرانيا. واستمرت الضربات على مصافي النفط لدينا، وعلى منشآت قطاع الطاقة في هذه الأيام؛ لذلك لا يوجد أي جديد هنا».

وأضاف أن «النظام الأوكراني في كييف، بمواصلته شن هجمات على هذه المنشآت (الطاقة)، يجعله، بلا شك، في صدام جاد مع جهود السلام التي تبذلها الولايات المتحدة، أي المفاوضين الأميركيين، الذين يبذلون، في الحقيقة، جهوداً حثيثة للغاية لتحريك عملية السلام بطريقة أو بأخرى».

وكان الرئيس الأميركي قد طالب زيلينسكي بوضوح بوقف استهداف مصافي النفط الروسية، عادّاً أن ذلك يزعزع استقرار سوق الطاقة العالمية، فيما أفادت تقارير إعلامية بأن واشنطن قد تتوقف عن تزويد أوكرانيا بالمعلومات الاستخباراتية، وتقطع اتصالات «ستارلينك» عنها، إذا أصرّت كييف على ضرب المصافي الروسية.

وفي السياق ذاته، وصف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف موقف زيلينسكي من «صفقة الديزل» المبرمة بين موسكو وواشنطن بأنه «تحدٍّ مباشر وصريح لترمب». وقال، عقب قمة مؤتمر التفاعل وتدابير بناء الثقة في آسيا، في باكو: «لقد طُرحت الصفقة، ودعمناها، لكن السيد زيلينسكي صرّح مراراً وتكراراً بأنه لا ينبغي إزعاجي بصفقة الديزل هذه، بل يجب تزويدي بصواريخ (باتريوت) بدلاً منها. أحتاج إلى مواصلة مهاجمة قطاع الطاقة الروسي، بما في ذلك مصافي النفط».

وأشار الوزير إلى أن «هذا السلوك أصبح مألوفاً لدى رئيس نظام كييف، الذي يعتقد أن العالم بأسره مدين له، وأنه ملزم بعدم فعل أي شيء في المقابل». وقال إن موقف زيلينسكي يُظهر عدم استعداده لاتخاذ أي إجراء بنّاء.

ترمب وزيلينسكي على هامش قمة «ناتو» في أنقرة 8 يوليو الماضي (أ.ب)

وكان زيلينسكي قد أطلق، ليلة الخميس، مواقف سياسية وتصريحات حادّة عكست حجم التوتر والشرخ المتصاعد في العلاقات الاستراتيجية مع واشنطن، مؤكداً شعوره المباشر بـ«الخيانة» عقب الإعلان الأميركي عن التوصل إلى اتفاق تجاري وسياسي لشراء وقود الديزل من روسيا، ومحذراً من أن «خسارة الشريك الأميركي القوي تضعف الجبهة الأوكرانية في مواجهة الهجمات الروسية المتصاعدة».

وأوضح زيلينسكي، في حوار تلفزيوني مع الإعلامي البريطاني بيرس مورغان، أن توجه إدارة ترمب نحو الاتفاق مع الكرملين لخفض تكاليف الطاقة قبيل انتخابات التجديد النصفي يُمثل «انحيازاً لطرف واحد، والوقوف في الجانب الخطأ من التاريخ»، مشدداً على أن القضية بالنسبة إلى كييف لا تتعلق بمجرد صفقات تجارية، بل بوجود الدولة وحماية الأطفال والمواطنين.

وتزامن هذا السجال السياسي مع تهديدات صريحة وجهتها واشنطن، تعتزم بموجبها وقف تبادل المعلومات الاستخباراتية الحيوية وعرقلة صفقات شراء الأسلحة الأميركية عبر الشركاء الأوروبيين، إذا استمرت القوات الأوكرانية في استهداف مصافي النفط والبنية التحتية للطاقة في العمق الروسي.

جانب من لقاء ترمب وزيلينسكي في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وتكتسب البيانات الاستخباراتية الأميركية أهمية وجودية وتكتيكية بالنسبة إلى غرف العمليات ومنظومات الدفاع الجوي الأوكرانية، إذ توفر إنذاراً مبكراً بشأن منصات إطلاق الصواريخ الباليستية، وتساعد على تحديد مساراتها وتوقيتات الضربات بدقة قبل وصولها إلى أهدافها. وفي ظل انهيار «هدنة الطاقة» المفترضة واستمرار القصف الروسي الذي تسبب في انقطاع الكهرباء عن أكثر من 600 ألف شخص، كثّف زيلينسكي تحركاته الدبلوماسية في العاصمة البريطانية لندن؛ حيث أجرى محادثات رفيعة المستوى مع رئيس الوزراء أندي بيرنهام والملك تشارلز، سعياً إلى تأمين بدائل للتسليح والدعم الاستخباراتي والمالي اللازم لتعويض التراجع الحاد في التنسيق الميداني مع واشنطن.

وجاءت خطوة زيلينسكي لاحقاً بإعلان استئناف الضربات على مصافي النفط الروسية لتشكل تحدياً مباشراً وجدياً لترمب. وقال زيلينسكي في مقابلة مع صحيفة «فاينانشيال تايمز»: «رفع الحظر انتهى الأمر، لقد أبلغت العسكريين بذلك»، وذلك غداة محاولة أوكرانية استهداف مصفاتين في مقاطعتي ريازان وساراتوف.

وكان ترمب قد أعلن، الأحد الماضي، دخول «هدنة في قطاع الطاقة» بين روسيا وأوكرانيا حيّز التنفيذ فوراً. ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤول في البيت الأبيض أن الهدنة، وفق فهم ترمب، تقتصر على وقف الهجمات المتبادلة على مصافي النفط.

وفيما أعلنت موسكو أنها «تبحث تفاصيل الهدنة» مع الجانب الأميركي، واصلت تنفيذ ضربات واسعة على البنى التحتية للكهرباء والطاقة في أوكرانيا.

في المقابل، قال زيلينسكي، إن بلاده امتنعت عن ضرب المصافي الروسية ومنشآت الطاقة عموماً منذ إعلان ترمب، متهماً روسيا بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الأوكرانية. قبل أن يعود بعد يومين لإعلان استئناف الضربات على المنشآت الروسية للطاقة.

على صعيد متصل، دخل مزوّد خدمة «ستارلينك» بقوة على خط الأزمة بين واشنطن وكييف، بعد تقارير أوكرانية رسمية عن إبطاء الخدمة خلال اليومين الماضيين، ما ألحق أضراراً بالغة بنظام الدفاع الجوي الأوكراني. وأفادت صحيفة «تلغراف» بأن القوات الأوكرانية اضطرت إلى إلغاء عدد من المهام بالطائرات المسيّرة بعد إبطاء خدمة «ستارلينك».وذكرت الصحيفة أن مشغّلي الطائرات المسيّرة رصدوا انقطاعات حادة في الاتصالات مع الطائرات سريعة الحركة، استمرت بين 10 و20 ثانية، ما أثّر في تشغيل المسيّرات التي تعتمد على «ستارلينك» للتحكم فيها أثناء الطيران.

وأشارت إلى أن هذه الانقطاعات دفعت القوات الأوكرانية إلى إلغاء بعض المهام، إذ أصبحت أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة أهدافاً سهلة للقوات الروسية. وحذّر زيلينسكي من تداعيات تعطيل خدمات «ستارلينك»، واصفاً الخطوة بأنها «خطأ فادح» قد يؤدي إلى خسائر كبيرة، في حين أشار إلى أن القيود المفروضة على الخدمة في أوكرانيا تعوق عمل الطائرات المسيّرة، بما في ذلك استخدامها في مهام الدفاع الجوي.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والمستشار الألماني فريدريش ميرتس يسيران في ساحة الاستقلال بكييف الأحد (إ.ب.أ)

وفي تقرير آخر، ذكرت الصحيفة أن إبطاء الخدمة أثّر في قدرة أوكرانيا على تنفيذ ضربات متوسطة المدى، وكذلك في استخدام الطائرات المسيّرة الاعتراضية للتصدي للهجمات الروسية بعيدة المدى. ورغم أن واشنطن نفت رسمياً تقليص التعاون الاستخباراتي مع كييف أو قطع الدعم المعلوماتي الذي توفره «ستارلينك»، فإن رجل الأعمال الأميركي إيلون ماسك برّر، في اليوم السابق، هذا التطور بالقول إن «الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية مخصصة للأغراض المدنية والدفاعية فقط».

وأوضح ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس»، أن «ستارلينك» خدمة تجارية مملوكة للشركة، وتخضع لسيطرتها، لافتاً إلى أن استخدامها يقتصر على الأنشطة المدنية أو الدفاعية، ولا يشمل العمليات العسكرية الهجومية، التي عدّ أنها لا تتناسب مع طبيعة الخدمة التجارية.

عناصر الإنقاذ يعملون في موقع ضربة روسية بمنطقة كييف (إ.ب.أ)

وأكد رجل الأعمال، الذي تربطه بترمب علاقات متأرجحة، أن مواقف الرجلين السلبية حيال زيلينسكي تبدو متطابقة. وجدّد ماسك، الخميس، دعوته إلى رحيل الرئيس الأوكراني، وذلك بعد وقت قصير من تأكيده أن أي تباطؤ في خدمة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية التي توفّرها شركته في أوكرانيا يعود إلى الجيش الأميركي، وبالتالي إلى الرئيس دونالد ترمب.

وقال رئيس شركة «سبيس إكس»: «حان الوقت لرحيل زيلينسكي». وكتب على منصته «إكس» أنه حال بقاء زيلينسكي في منصبه «تتواصل المجزرة»، مضيفاً: «حان الوقت لرحيل زيلينسكي عن السلطة، واختيار قيادة جديدة لأوكرانيا تكون قادرة على دفع عملية السلام».


زيلينسكي يعلن تدمير 4 مقاتلات في مطار عسكري روسي

طائرة مقاتلة من طراز «سوخوي سو-34» تؤدي عرضاً قرب موسكو (رويترز - أرشيفية)
طائرة مقاتلة من طراز «سوخوي سو-34» تؤدي عرضاً قرب موسكو (رويترز - أرشيفية)
TT

زيلينسكي يعلن تدمير 4 مقاتلات في مطار عسكري روسي

طائرة مقاتلة من طراز «سوخوي سو-34» تؤدي عرضاً قرب موسكو (رويترز - أرشيفية)
طائرة مقاتلة من طراز «سوخوي سو-34» تؤدي عرضاً قرب موسكو (رويترز - أرشيفية)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الخميس، إن ضربة صاروخية أوكرانية دمّرت 4 طائرات مقاتلة في مطار عسكري بغرب روسيا ليل الأربعاء - الخميس، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ونشر على منصة «إكس» ما بدا أنها صورة ملتقطة بالأقمار الاصطناعية تُظهر آثار حريق في مطار عسكري تتناثر فيه الأنقاض.

ولم تتمكن «وكالة الصحافة الفرنسية» من التحقق على الفور من صحة تصريحات زيلينسكي.

وقال زيلينسكي: «استهدفت قوات الدفاع الأوكرانية الليلة الماضية مطاراً عسكرياً في منطقة فورونيج. ودُمرت 4 طائرات من طراز (سو-34) وأُصيبت طائرتان أخريان من الطراز نفسه».

وأضاف: «استخدمنا صاروخ (نبتون) بعيد المدى لضرب الهدف».

و«سو-34» طائرة روسية الصنع أسرع من الصوت ومزودة بمحركين، فيما «نبتون» صواريخ كروز أوكرانية التصميم.

وتقع منطقة فورونيج على الحدود مع أوكرانيا.

ولم يصدر تعليق فوري عن وزارة الدفاع الروسية، التي لا تقر عادة بالهجمات الأوكرانية على منشآتها العسكرية.