أو جيه سيمبسون من شهرة كرة القدم إلى تحقيق ثروات في الأفلام

محاكمته بتهمة قتل زوجته وصديقها نقطة تحوّل عرقية في أميركا

لحظة صدور الحكم ببراءة سيمبسون من جريمة قتل زوجته السابقة وصديقها (رويترز)
لحظة صدور الحكم ببراءة سيمبسون من جريمة قتل زوجته السابقة وصديقها (رويترز)
TT

أو جيه سيمبسون من شهرة كرة القدم إلى تحقيق ثروات في الأفلام

لحظة صدور الحكم ببراءة سيمبسون من جريمة قتل زوجته السابقة وصديقها (رويترز)
لحظة صدور الحكم ببراءة سيمبسون من جريمة قتل زوجته السابقة وصديقها (رويترز)

ذاعت شهرة أو جيه سيمبسون، في ملاعب كرة القدم. ومع الوقت حقّق الرجل الأميركي ثروات من الأفلام والتلفزيون والإعلانات. وفي عام 1995 بُرّئ من جريمة قتل زوجته السابقة وصديقها في محاكمة جرت بلوس أنجليس، وأذهل الحكم حينها الأمة.

توفي سيمبسون يوم الأربعاء الماضي، في منزله في لاس فيغاس، عن عمر ناهز 76 عاماً، بعد صراع مع مرض السرطان، حسبما أعلنت عائلته على وسائل التواصل الاجتماعي.

سيمبسون في عام 1973 كان أفضل لاعب في اتحاد كرة القدم الأميركي (أ.ب)

قضيته، كانت بمثابة مرآة متصدعة لأميركا السوداء والبيضاء، وتبرئته من جريمة القتل التي اتُهم بها، غيّرت مسار حياته، ففي عام 1997، رأت دعوى مدنية تقدّمت بها عائلات الضحايا، أنه مسؤول عن وفاة نيكول براون سيمبسون ورونالد غولدمان، وأمرته بدفع 33.5 مليون دولار تعويضات، سدّد منها القليل. انتقل بعدها إلى فلوريدا وكافح من أجل إعادة بناء حياته، وتربية أطفاله والبقاء بعيداً عن المتاعب.

وفي عام 2006، باع مخطوطة كتاب بعنوان «لو فعلت ذلك»، كما أجرى مقابلة تلفزيونية، قدّم خلالها رواية «افتراضية» عن جرائم قتل كان ينفي ارتكابها دوماً؛ بيد أن صرخة غضب عامة قضت على مشروعيه. وحازت عائلة غولدمان حقوق الكتاب، وأضافت مواد تُنسِب الذنب إلى سيمبسون، ومن ثمّ نشرته.

وفي عام 2007، أُلقي القبض عليه بعد أن اقتحم مع رجال آخرين غرفة في فندق بلاس فيغاس تخص بعض تجار التذكارات الرياضية، واستولى على مجموعة من هذه المقتنيات؛ وادّعى أن القطع قد سُرقت منه، لكن هيئة المحلفين أدانته بـ12 تهمة في عام 2008، بما في ذلك السطو المسلح والاختطاف، بعد محاكمة لم تستقطب سوى بعض الصحافيين والمشاهدين؛ وحُكم عليه بالسجن من 9 إلى 33 سنة في سجن ولاية نيفادا. قضى الحد الأدنى من المدة وأطُلق سراحه في عام 2017.

سيمبسون مع زوجته السابقة نيكول سيمبسون وأطفالهما (رويترز)

على مرّ السنين، ولّدت قصة أو جيه سيمبسون موجة من الكتب، والأفلام، والدراسات، والنقاشات في مسائل العدالة، والعلاقات بين الأعراق والمشاهير في أمة تعشق أبطالها، سيما أولئك الذين يُصوّرون بصورٍ نمطية، من الفقر المدقع إلى الثراء الفاحش، بيد أن الأمر لم يكن مريحاً على الإطلاق مع كل التناقضات العميقة.

أحداث عديدة اصطحبت ملحمة سيمبسون، فالقصّاصات القديمة للصحف تُظهر أولى الصور لطفل فقير في فترة ما بعد الحرب، مصاب بالكساح ومُجبر على ارتداء دعامات فولاذية على ساقيه النحيلتين، في حياة صعبة يعيشها الصبي داخل مشروع سكني كئيب، متسكّعاً مع عصابات المراهقين في الشوارع الخلفية القاسية في سان فرنسيسكو، حيث تعلّم الركض.

في عام 1975 قال سيمبسون، وحينها كان واحداً من أشهر لاعبي كرة القدم الأميركية وأعلاهُم أجراً، وهو حامل كرة القدم المتنقل والدوار في فريق «بافالو بيل»، ومعروف عالمياً باسم «جوس»: «كنت عدّاءً طوال حياتي».

وهكذا كان عليه الركض في وضح النهار في ملعب جامعة جنوب كاليفورنيا وفي المدرجات الصاخبة لدوري كرة القدم الوطني لمدة 11 عاماً، كما ركض تجاه أقطاب الأفلام في هوليوود، وصانعي الصّور في شارع ماديسون وشبكات التلفزيون، وركض نحو قمة النجاح في الرياضة والترفيه.

سيمبسون نجم كرة القدم الأميركية والممثل الذي بُرّئ في محاكمة مثيرة عام 1995 (رويترز)

وعلى طول الطريق، حطّم الأرقام القياسية الجامعية والمهنية، وفاز بجائزة «هايزمان»، وكُرّم في قاعة مشاهير كرة القدم المحترفين. ظهر في عشرات الأفلام والإعلانات التجارية التي لا تُنسى لشركة «هيرتز» وغيرها من العملاء؛ وكان محللاً رياضياً لشبكة «إي بي سي» و«إن بي سي»؛ وحصل على منازل وسيارات وعائلة شهيرة؛ وذاعت شهرته في جميع آفاق أميركا، محارباً وسيماً، يتمتع بصوت رخيم يدلّ على رجل لطيف؛ كما مارس خلال مسيرته رياضة الغولف.

في الظاهر كانت حياته تبدو جيدة، بيد أن الواقع كان مختلفاً ومليئاً بالاضطرابات، يبدأ بمأساة طفلة رضيعة غرقت في مسبح الأسرة، وانفصاله عن حبيبته في المدرسة الثانوية، مروراً بزواجه العاصف من نادلة شابة، واتصالها المتكرر بالشرطة عندما كان يضربها، وعن ثورات الغيرة لرجل مُصاب بالإحباط.

مكالمات إلى الشرطة

اعتداءاته المتكررة بالضرب على زوجته نيكول سيمبسون خلّفت رضوضاً على جسمها وعانت معه من الرعب، لكن الشرطة نادراً ما اتخذت إجراءات ذات مغزى. وفي يوم رأس السنة من عام 1989، بعد اتصال نيكول بالشرطة ومجيئها إلى منزلهما، وجدها أحد الضباط شبه عارية وقد تعرضت لضرب مبرح، مختبئة بين الشجيرات خارج المنزل؛ صرخت به وهي تجهش بالبكاء: «سيقتلني!». حينها أُلقي القبض على سيمبسون وأدين بإساءة معاملة زوجته، ولكن أُطلق سراحه بعد دفع غرامة، وأُبقي تحت المراقبة.

انفصل الزوجان في عام 1992، ولكن المواجهات استمرت بينهما. وفي يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1993، اتصلت سيمبسون بالشرطة مرة أخرى؛ وقالت لموظفة الطوارئ: «لقد عاود أفعاله»، وتدخل الضباط مرة ثانية.

وبعد ذلك، وقعت الفاجعة. ففي 12 يونيو (حزيران) 1994، تعرّضت سيمبسون (35 عاماً)، وغولدمان (25 عاماً)، للهجوم خارج نطاق شقتها السكنية في قسم برينتوود في لوس أنجليس، على مقربة من ملكية السيد سيمبسون، ووجدت مذبوحة ورأسها على وشك أن تُقطع عن جسدها، ووجد السيد غولدمان مقتولاً بقطع الرأس.

أداة الجريمة اختفت، ولم يُعثر على السكين، بيد أن الشرطة اكتشفت قفازاً ملطخاً بالدماء في مكان الحادث، وكثيراً من الشعر، والدماء، والألياف. والمحققون، الذين كانوا على علم بإساءة معاملة السيد سيمبسون (46 عاماً) السابقة ومكالمات زوجته وطلبها المساعدة، يعتقدون منذ البداية أنه هو القاتل. وجدوا آثار دماء في سيارته، وفي بيته، وعثروا على قفازٍ عليه دماء، يطابق القفاز الذي التُقط بالقرب من الجثتين، ولم يكن هناك أي مشتبه به آخر.

أسطول من السيارات يلاحق سيمبسون بسيارته البيضاء من طراز فورد برونكو (أ.ب)

بعد 5 أيام، وبعد أن حضر السيد سيمبسون جنازة نيكول مع طفليهما، وُجّهت إليه تهمة القتل، ولكنه هرب بسيارته «فورد برونكو» بيضاء اللون، وتبعه أسطول من سيارات دورية الشرطة والمروحيات الإخبارية في مطاردة تلفزيونية بطيئة على طول 60 ميلاً فوق الطرقات السريعة في جنوب كاليفورنيا.

استبقت الشبكات عرض المشهد في وقت الذروة، والتقطت كاميرات الأخبار في المروحيات بعضاً منه، وشاهده نحو 95 مليون شخص على مستوى البلاد لساعات عدّة. وقد اكتظت الممرات وجوانب الطرقات بالمتفرجين. وأغلقت الشرطة الطرقات السريعة، وتوقف سائقو السيارات للمشاهدة، وبعضهم يلوحون ويهتفون بمرور السيارة «برونكو» التي لم تتوقف. وأخيراً عاد السيد سيمبسون إلى منزله واحتُجز.

واستمرت المحاكمة التي تلت ذلك، 9 أشهر، من يناير (كانون الثاني) إلى أوائل أكتوبر (تشرين الأول) 1995، وأسرت حينها الأمة برواياتها الواهية عن جرائم القتل، وتكتيكات المدّعين العامين واستراتيجياتهم، والدفاع الذي شمل «فريق الأحلام» من جوني إل كوشران جونيور، وإف لي بيلي، وآلان إم ديرشوفيتز، وباري شيك وروبرت إل شابيرو.

صورة سيمبسون الصادرة عن قسم شرطة لوس أنجليس (أ.ف.ب)

كان لدى الادّعاء، بقيادة مارسيا كلارك وكريستوفر داردن، ما بدا أنه أدلة دامغة: اختبارات تُظهر أن الدم، وبصمات الأحذية، وخصلات الشعر، وألياف القميص، وخيوط السجاد، وغيرها من الأشياء التي وُجدت في مسرح الجريمة جاءت من السيد سيمبسون أو من منزله. واختبارات الحمض النووي تُظهر أن القفاز الدموي الذي عُثر عليه في منزل السيد سيمبسون يُطابق القفاز الموجود في مسرح الجريمة. ولدى المدّعين العامين أيضاً قائمة تضمّ 62 حادثة من سلوك السيد سيمبسون السيئ والعدائي ضد زوجته.

لكن مع سير المحاكمة أمام القاضي لانس إيتو وهيئة المحلفين المؤلفة من 12 عضواً، التي كانت تضمّ 10 أشخاص من السود، أصبح واضحاً أن التحقيق الذي تجريه الشرطة كان مشككاً به. فقد فُقدت الأدلة المصورة أو صُنّفت بشكل خاطئ، وجُمع الحمض النووي وخزّن بشكل غير صحيح، ممّا يثير احتمال تلوثه. واعترف المحقق مارك فورمان، وهو شاهد رئيسي، أنه دخل منزل سيمبسون ووجد القفاز المطابق وأدلة حاسمة أخرى. وكل ذلك كان من دون مذكرة تفتيش.

سيمبسون في المحكمة العليا في لوس أنجليس 1994 (أ.ف.ب)

«إذا كانت القفازات غير مناسبة»

جادل الدفاع، ولكن لم يثبت أبداً، أن السيد فورمان زرع القفّاز الثاني. لكن الأسوأ هو الهجوم على تاريخه الحافل بالتصريحات العنصرية. وأقسم السيد فورمان بأنه لم يستخدم لغة عنصرية منذ عقد من الزمن. ولكن 4 شهود ومقابلة إذاعية مسجلة أُجريت مع هيئة المحلفين تعارضت معه وقوّضت مصداقيته. (بعد المحاكمة، لم يطعن السيد فورمان على تهمة الشهادة الزور. وكان الشخص الوحيد الذي أُدين في القضية).

وفيما عدّ خطأ فادحاً في المحاكمة، طلب الادعاء من السيد سيمبسون، الذي لم يُستدعَ للشهادة، أن يجرب ارتداء القفازات. ولقد كافح من أجل ذلك. ويبدو أنها كانت صغيرة للغاية.

وقال السيد كوشران لهيئة المحلفين في وقت لاحق: «إذا لم يكن القفاز مناسباً، فيجب عليكم تبرئته».

وفي النهاية، كان الدفاع هو صاحب القضية السّاحقة، مع العديد من الأسباب التي تدعو إلى الشك المعقول، وهو معيار البراءة. ولكنها أرادت المزيد. وصُوّرت شرطة لوس أنجليس على أنها عنصرية، واتهمت رجلاً أسود ظُلماً، وحثّت هيئة المحلفين على التفكير فيما وراء الذنب أو البراءة وإرسال رسالة إلى مجتمع عنصري.

سيمبسون يدلي بشهادته خلال جلسة استماع للأدلة في محكمة بلاس فيغاس 2013 (رويترز)

في يوم صدور الحكم، اجتاحت قصّاصات الأوتوغراف، وبائعي القمصان القصيرة، والخطباء، والمصورين الصحافيين سلالم المحكمة. وبعد ما أطلقت عليه بعض وسائل الإعلام اسم «محاكمة القرن»، حيث قدمت 126 شاهداً، و1105 من الأدلة، و45 ألف صفحة من النصوص، تداولت هيئة المحلفين، (المنعزلة لمدة 266 يوماً، أطول من أي وقت مضى في تاريخ كاليفورنيا)، لمدة 3 ساعات فقط.

تجمّدت الحياة لدى كثير من الأميركيين. وتسمّر الناس في المنازل، والمكاتب، والمطارات، ومراكز التسوّق يتابعون المحاكمة. حتى أن الرئيس بيل كلينتون غادر المكتب البيضاوي للانضمام إلى فريق السكرتارية لمتابعة القضية. وفي المحكمة، تردّدت صرخات «نعم!» و«لا!» في كل أنحاء الأمة، فالحكم أبهج كثيرين من السود، وترك كثيرين من البيض في حالة ذهول.

في أعقاب ذلك، أصبح السيد سيمبسون والقضية مصدراً أولاً للعروض التلفزيونية الخاصة، والأفلام، وأكثر من 30 كتاباً، غالبيتها بواسطة المشاركين الذين حقّقوا الملايين. وأنتج السيد سيمبسون مع لورانس شيلر كتاباً عنوانه: «أريد أن أخبرك»، وهو عبارة عن مجلّد رقيق من الرسائل، والصور الفوتوغرافية، والتعليقات المبرّرة ذاتياً، بيعت منه مئات الآلاف من النسخ، وحقق سيمبسون أكثر من مليون دولار من ورائه.

سيمبسون في محكمة مقاطعة كلارك بلاس فيغاس عام 2013 (أ.ف.ب)

بعد 474 يوماً من الاحتجاز أطلق سراح سيمبسون، بيد أن محنته لم تنتهِ، فقد أُعيد إحياء جانب كبير من القضية من أجل الدعوى المدنية التي رفعتها ضدّه عائلتا غولدمان وبراون. وكانت هيئة المحلفين ذات الأغلبية البيضاء التي تتمتع بمستوى أقل من الأدلة، قد حمّلت السيد سيمبسون المسؤولية، ومنحت العائلات تعويضات هائلة قُدرت بنحو 33.5 مليون دولار. وكانت هذه القضية المدنية، التي استبعدت القضايا العرقية بوصفها تحريضية وتخمينية، بمثابة تبرئة من نوع ما للعائلات، وضربة للسيد سيمبسون، الذي أصر على أنه لا يملك فرصة لسداد التعويضات المطلوبة على الإطلاق.

خدمة: «نيويورك تايمز»*


مقالات ذات صلة

صحتك أجهزة التسمير مرتبطة بارتفاع الإصابة بسرطان الجلد (غيتي)

إعلانات أجهزة «تسمير البشرة» تنشر معلومات مضللة وضارة

تنشر الشركات المنتجة لأجهزة «تسمير البشرة» خلال الشتاء معلومات مضللة وضارة بين الشباب عبر إعلاناتها في مواقع التواصل الاجتماعي، تزعم فوائد صحية لا وجود لها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق تُشكّل الكلاب الآلية جزءاً من استراتيجية أمنية شاملة (موقع العمدة في «إكس»)

«كلاب آلية» تكافح الجريمة في كأس العالم بالمكسيك

كشفت السلطات المكسيكية عن خطط مستقبلية لاستخدام مجموعة من «الكلاب الآلية»، لمعاونة الشرطة في عمليات المراقبة ومنع الجريمة خلال استضافة البلاد بطولة كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الشابة البريطانية لوسي هاريسون (فيسبوك)

أب يقتل ابنته بعد «مشادة كلامية حول ترمب»

قُتلت شابة بريطانية برصاص والدها في أثناء زيارتها لمنزله في ولاية تكساس الأميركية، بعد أن دخلت في مشادة كلامية معه حول الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق فرقة مسرح زقاق تودع جمهورها على أمل لقاء جديد (مسرح زقاق)

مسرح «زقاق» يطفئ أنواره بعد عِقد من الإبداع

تأسس فريق «زقاق» عام 2006 في فرن الشباك، ثم انتقل إلى الكرنتينا، حيث أنشأ مسرحاً نشطاً طوال عِقد كامل. خلال هذه السنوات، قدّم الفريق أكثر من 40 عملاً مسرحياً.

فيفيان حداد (بيروت)

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.