إيران خامنئي بين شبح الحرب وإعادة ضبط الردع

خامنئي خلال لقاء المسؤولين الإيرانيين الأربعاء الماضي (موقع المرشد)
خامنئي خلال لقاء المسؤولين الإيرانيين الأربعاء الماضي (موقع المرشد)
TT

إيران خامنئي بين شبح الحرب وإعادة ضبط الردع

خامنئي خلال لقاء المسؤولين الإيرانيين الأربعاء الماضي (موقع المرشد)
خامنئي خلال لقاء المسؤولين الإيرانيين الأربعاء الماضي (موقع المرشد)

لا يرغب المرشد الإيراني علي خامنئي، أن يترك في سجل سنوات الأخيرة من حكمه، الإخلال بسياسة «الردع»، والدخول إلى حرب مباشرة قد تجلب عواقب وخيمة على بلاده.

ويكمل خامنئي الأسبوع المقبل عامه الـ85، وبعد أسابيع 35 عاماً من توليه منصب المرشد الإيراني خلفاً لمؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران (الخميني).

وكان خامنئي رئيساً للجمهورية خلال سنوات الحرب مع العراق في الثمانينات. وبعد توليه منصب المرشد، وتعديلات الدستور الإيراني وتحول منصب المرشد إلى «ولاية الفقيه المطلقة»، اقتربت إيران في عدة مناسبات من حافة الحرب، خصوصاً مع الولايات المتحدة.

وفي الواقع، يتعايش الإيرانيون مع شبح الحرب منذ بداية عهد خامنئي وحتى الآن. وانعكس الأمر سلباً على الوضع الاقتصادي للبلاد، بسبب تراكم العقوبات الاقتصادية وهروب المستثمرين. وكان أبرز نتائج هذا الوضع؛ تفاقم الأزمة المعيشية للإيرانيين.

رغم ذلك، راهنت السلطات على شبح الحرب وترهيب الإيرانيين من تكرار سيناريو حرب الثمانينات مع العراق، أو الغزو الأميركي لأفغانستان والعراق، للتوسع في الأنشطة العسكرية والبرنامج النووي.

كما كان شبح الحرب ورقة بعض الأطراف السياسية لتشجيع الإيرانيين لحضور صناديق الاقتراع، خصوصاً في فترات فاز فيها مرشحو التيار الإصلاحي والمعتدل بالانتخابات.

وبعد تبنى الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترمب، استراتيجية «الضغط الأقصى» لتعديل سلوك السلطات بالمنطقة، ولجم برنامجها الصاروخي، وحتى مقتل العقل المدبر للعمليات الخارجية في «الحرس الثوري» قاسم سليماني، راهن المسؤولون الإيرانيون على السير في حافة الهاوية، التي أصبح اسمها لاحقاً استراتيجية «الصبر الاستراتيجي».

وتخوض إيران حرب ظل مع منافستها إسرائيل، وتنتقل هذه الحرب إلى مستويات جديدة مع مضي الوقت. وظهرت بوادر هذه الحرب قبل 20 عاماً مع مساعي طهران لامتلاك برنامج تسلح نووي، كان أبرز صفحاتها الهجوم بفيروس «ستاكسنت» في 2010.

وزادت من وتيرتها في بداية حكم محمود أحمدي نجاد الذي تبنى لهجة متشددة ضد إسرائيل. وتدهور الوضع مع اغتيال علماء نوويين في إيران، واتهمت إيران إسرائيل بالوقوف وراءها. وتقدمت هذه الحرب خطوات بعد التوصل إلى الاتفاق النووي عندما تمكنت إسرائيل من مصادرة الأرشيف النووي الإيراني. ولاحقاً اغتيال العقل المدبر لبرنامج التسلح الإيراني، محسن فخري زاده، الذي شغل منصب مساعد وزير الدفاع لشؤون الأبحاث.

ولا يزال الخطر الإسرائيلي محدقاً مع اقتراب إيران من مستويات امتلاك الأسلحة النووية. وترى تل أبيب في احتمالات تغيير مسار البرنامج النووي الإيراني إلى الأغراض المسلحة خطراً وجودياً عليها، وطالما هددت باتخاذ إجراءات أحادية ضد هذا الخطر.

ويطالب بعض الأطراف في إيران بقطع الخطوات الأخيرة نحو تطوير أسلحة نووية. ويتحدث المسؤولون الإيرانيون عن امتلاك قدرات تمكنهم عملياً من امتلاك الأسلحة، متى أرادت طهران ذلك. ويرى هؤلاء أن اقتراب إيران من هذا المستوى بحد ذاته سيعزز من قدرات الردع الإيراني.

وإلى جانب البرنامج النووي، تمتلك إيران بالفعل برنامجاً صاروخياً فضفاضاً، تحت إشراف «الحرس الثوري»، الذي يدير أيضاً عمليات تطوير الطائرات المسيرة، بدعم كبير من المرشد الإيراني.

ويبرر القادة العسكريون توسعهم بتشييد «المدن الصاروخية» و«غابة الصواريخ» والإنفاق على برنامج التسلح، بضرورات «الردع».

وعادت الصواريخ الإيرانية إلى الواجهة خلال الأيام الأخيرة، بعدما تعهد كبار المسؤولين بضرورة الرد على الهجوم الإسرائيلي الذي أدى إلى مقتل جنرال كبير في «الحرس الثوري»، أثناء حضوره اجتماعاً سرياً في مبنى القنصلية الإيرانية.

وفي أعقاب الهجوم، طالب الإيرانيون بضرورة إعادة تعريف الردع وتوجيه ضربة لإسرائيل.

ويبرر المسؤولون الإيرانيون الدعم للجماعات المسلحة، بأنها «العمق الاستراتيجي» لإيران، ومن بين أدوات الردع في حرب الظل مع إسرائيل.

وقال المحلل أحمد زيد آبادي على منصة «إكس»: «أي طرف يلعب دور الرادع في السنوات الأخيرة؟ أجاب المسؤولون الإيرانيون عن المطالبين بتفسير الدعم للجماعات الإسلامية في المنطقة، بأن هذه الجماعات تلعب دور الرادع لإبعاد الحرب عن الأراضي الإيرانية... حسناً كيف أصبح الوضع الآن؟ تلك الجماعات تلعب دور الرادع لإيران؟ أم أن الجمهورية الإسلامية تحمل على عاتقها دور الرادع لتلك الجماعات؟».

وکتبت صحیفة «جام جم» التابعة للتلفزيون الرسمي السبت، أن «إسرائيل وصلت إلى مستوى الانتحار ومستعدة للقيام بأي شيء، على ما يبدو القرار الذي اتخذته الجمهورية الإسلامية للدفاع عنها والردع يأخذ جميع الاحتمالات بعين الاعتبار، بما في ذلك الرد الإسرائيلي».

وقال حسين جابري أنصاري: «قضيتان متناقضتان تتواجهان في الرد على إسرائيل. أولاً: عدم اللعب وفق استراتيجية إسرائيل لتصدير الأزمة جراء حرب غزة. ثانياً: لجم المشكلة التي نشأت بالنسبة لإيران نتيجة هجمات إسرائيل المتتالية على أهداف وشعب إيران، خصوصاً في سوريا، وتآكل قدرة إيران على الردع».

وتحدث جابري أنصاري عن ضرورة التوصل إلى مزيج بين هذين الأمرين المتناقضين، بطريقة تحافظ في الوقت نفسه على قوة الردع للبلاد ضد إسرائيل، وتمتنع من اللعب على أرض العدو، وكبح جماح خيارات إسرائيل العكسية والتدابير المضادة.

ويرى جابري أنصاري أن الرد الإيراني يجب أن يستهدف إسرائيل في حدود الأراضي المحتلة عام 1967، خصوصاً الجولان.

وكتبت صحيفة «كيهان» الخميس الماضي، أن «الرد الإيراني يجب أن يأتي على نحو لا يخدم محاسبات الأعداء، في هذه الحالة من المؤكد ستكون رادعة».

وحذر مسؤولون إيرانيون من انجرار إيران إلى الحرب المباشرة. وقال الرئيس الإيراني السابق، حسن روحاني، في بيانه قبل أيام: «سيحبط المرشد مخططات الأعداء».

ومع ذلك، فإن أي عمل عسكري إيراني موسع رداً على الهجوم الإسرائيلي، قد ينذر بانتقال الإيرانيين من مرحلة الخوف من شبح الحرب، إلى حرب يريد حكام طهران تفاديها، خصوصاً في المرحلة الانتقالية المتوقعة من عهد المرشد خامنئي إلى المرشد الثالث.


مقالات ذات صلة

صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

تحليل إخباري صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)

صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

رغم وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب المحادثات مع الإيرانيين في مسقط بأنها «جيدة جداً»، فإن القراءة الأكثر شيوعاً في واشنطن تميل إلى التشاؤم أكثر.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)

رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

نقلت وسائل إعلام إيرانية عن رئيس هيئة الأركان، اللواء عبد الرحيم موسوي، قوله إن بلاده لن تبدأ الحرب أبداً، لكنها لن تتردد لحظة في الدفاع الحاسم عن أمنها القومي.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)

الصحف الإيرانية: مفاوضات مسقط... الدبلوماسية على إيقاع الردع

عكست الصفحات الأولى للصحف الإيرانية الصادرة صباح السبت، مقاربات متشابهة لجولة المفاوضات التي جرت في مسقط يوم الجمعة بين إيران والولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب) p-circle

عراقجي: مستعدون لاتفاق «مطمْئِن» بشأن تخصيب اليورانيوم

صرّح عباس عراقجي وزير خارجية إيران اليوم السبت بأن التوسع الإسرائيلي يؤثر بشكل مباشر على أمن دول المنطقة، داعياً لفرض عقوبات دولية على إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» في طريقه إلى بالم بيتش بولاية فلوريدا (أ.ف.ب) p-circle

ترمب يشيد بالمحادثات مع إيران ويؤكد استئنافها مطلع الأسبوع المقبل

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم، إن واشنطن أجرت «محادثات جيدة جداً» بشأن إيران، وذلك في أعقاب المفاوضات غير المباشرة التي عُقدت في سلطنة عمان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
TT

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أهمية تنفيذ خطة السلام في غزة وضمان استمرار وقف إطلاق النار والبدء في إعادة إعمار القطاع، والحفاظ على وصول مستدام للمساعدات الإنسانية لسكان القطاع.

وقالت مصادر تركية إن إردوغان والملك عبد الله بحثا، خلال لقائهما في المكتب الرئاسي بقصر دولمه بهشه في إسطنبول، السبت، العلاقات بين بلديهما وسبل تعزيزها في مختلف المجالات، وتناولا القضايا والتطورات الإقليمية والدولية.

وعقد إردوغان والملك عبد الله جلسة مباحثات ثنائية، أعقبها جلسة موسعة بمشاركة وفدي البلدين، بعد وصول العاهل الأردني في زيارة قصيرة تلبية لدعوة من الرئيس التركي.

وتناولت المباحثات بالتفصيل تطورات الأوضاع في قطاع غزة وتنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام، وشددا على ضرورة استمرار وقف إطلاق النار ورفض الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة، واستدامة وصول المساعدات الإنسانية ورفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين.

كما تناولت المباحثات التطورات في سوريا، وأكد إردوغان والملك عبد الله ضرورة الحفاظ على وحدة أراضي سوريا وسيادتها ورفض أي محاولات لهز استقرارها، وضمان عودة السوريين إلى بلادهم بشكل طوعي وآمن.

جانب من المباحثات الموسعة بين إردوغان وعاهل الأردن بحضور وفدي البلدين (الرئاسة التركية)

وبحسب المصادر، ناقشت المباحثات الثنائية والموسعة مختلف التطورات في المنطقة وأكد الجانبان استمرار التعاون والعمل معاً لضمان الاستقرار في المنطقة.

وشارك في المباحثات من الجانب التركي وزيرا الخارجية هاكان فيدان، والدفاع يشار غولر، ورئيس المخابرات إبراهيم كالين، ومستشار رئيس الجمهورية للشؤون الخارجية والأمنية عاكف تشاغطاي كيليتش، ونظراؤهم من الجانب الأردني.

وجاءت زيارة العاهل الأردني لتركيا، غداة استئناف حركة الشحن البري باتجاه تركيا واليونان عبر بوابة «جيلوه غوزو» (باب الهوى) الحدودية بين تركيا وسوريا، بعد توقف استمر 15 عاماً.

وجاءت الخطوة نتيجة جهود وتنسيق مشترك بين وزارتي النقل في البلدين أدت إلى إزالة جميع العقبات الجمركية والإجرائية، حيث دخلت 3 شاحنات الأراضي التركية، الجمعة، في خطوة تجريبية عبر البوابة الحدودية.

وينتظر أن تشكل هذه الخطوة قفزة نوعية في خريطة النقل البري الإقليمي وإحياء لشريان تجاري مهم يربط الأردن بالقارة الأوروبية عبر الأراضي السورية والتركية، من خلال معبري جيلوه غوزو (باب الهوى) وأونجو بينار (باب السلامة).


صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
TT

صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)

رغم وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب محادثات مسقط بأنها «جيدة جداً»، ومع كسر الشكل التفاوضي لمجرد حصول لقاء مباشر بين الوفدين الإيراني والأميركي، فإن القراءة الأكثر شيوعاً في واشنطن تميل إلى التشاؤم أكثر.

والسبب ليس ما قيل داخل الغرف بقدر ما لم يتغير خارجها: طبيعة الفجوة الاستراتيجية، وتناقض «الخطوط الحمراء»، وسقف التوقعات الذي ترفعه التهديدات العسكرية والعقوبات، ثم يعود ليصطدم بواقع نظامٍ يتقن كسب الوقت وإدارة التفاوض كأداة لتخفيف الضغط لا كطريقٍ لإنهائه.

المحادثات التي جرت في مسقط بوساطة سلطنة عمان استمرت ساعات طويلة وانتهت بتصريحات عامة من الطرفين عن «أجواء إيجابية» و«بداية جيدة»، مع توقع جولة تالية الأسبوع المقبل، بحسب ما أعلنه ترمب. وقال إن إيران «تريد إبرام صفقة»، وإن المباحثات ستُستكمل «مطلع الأسبوع المقبل».

وأشار «أكسيوس» إلى أن لقاءً مباشراً حصل بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ومبعوثي الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. لكن هذا «التقدم الشكلي» لم يبدد الشكوك حول أن الجولة قد تكون افتتاحاً لمسار طويل من الجولات، أي ما تخشاه واشنطن وحلفاؤها تحديداً.

صورة مركبة لاستقبال وزير خارجية عُمان البوسعيدي نظيره الإيراني عراقجي (يمين) ثم استقباله ويتكوف وكوشنر قبل بدء المباحثات في مسقط أمس (إ.ب.أ)

عقدة «الصفر»

جوهر التشاؤم يبدأ من سؤال واحد: ما الحد الأدنى الذي سيعتبره الطرفان «صفقة»؟ في المقاربة الأميركية التي يكررها ترمب، هناك مطلب مُبسط ومطلق: «لا سلاح نووي» ويُترجم عملياً لدى فريقه إلى خط أحمر على التخصيب.

في المقابل، ترى طهران أن التخصيب جزء من السيادة ورمز للاستقلال، وتعتبر التنازل عنه هزيمة سياسية داخلية لا تقل كلفة عن العقوبات نفسها. هذه الثنائية (صفر مقابل حق) تجعل مساحات التسوية ضيقة بطبيعتها: حتى لو وجد حل تقني وسط (نسب وسقوف ورقابة)، فإن الغلاف السياسي لكل طرف يدفعه إلى التصلب.

الصحف الأميركية تناولت هذه المعضلة، ولخص تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» المعضلة برقم واحد: «صفر»، بوصفه التعريف العملي لمطلب «صفر تخصيب»، محذّراً من أن الإصرار عليه قد يتحول إلى «جرعة سم» قد تقتل التفاوض مهما كانت الأجواء الإيجابية.

السبب الثاني للتشاؤم مؤسسي بحت: مَن يملك القرار النهائي في طهران؟ حتى لو تفاوض عباس عراقجي بمرونة، يبقى اختبار أي تفاهم هو قدرته على عبور مراكز القوة وصولاً إلى المرشد علي خامنئي. وهذا ليس تفصيلاً؛ إنه ما يجعل الدبلوماسية مع إيران بطيئة بطبيعتها، وأحياناً «مجزّأة» إلى رسائل متناقضة بين ما يقوله المفاوض وما تسمح به دوائر القرار.

هذا المعنى ظهر حتى في الخطاب الأميركي الداخلي: افتتاح التفاوض لا يُعامل كإنجاز بحد ذاته، بل كمرحلة لاختبار «النية» و«القدرة على الالتزام». وفي مثل هذه البيئة، أي تنازلٍ يُقرأ داخل إيران على أنه رضوخ تحت التهديد، خصوصاً مع الحشد العسكري، الذي قد يدفع النظام إلى التصلب بدل المرونة.

شراء الوقت؟

يُفترض أن الجمع بين «الجزرة والعصا» يُسرّع التفاهم. لكن في الحالة الإيرانية غالباً ما ينتج أثراً مزدوجاً: يرفع ضغطاً اقتصادياً ونفسياً قد يدفع طهران للعودة إلى الطاولة. وفي الوقت نفسه يمنحها حافزاً لاستخدام الطاولة لتخفيف الضغط دون حسم الملفات، أي استراتيجية «إدارة الأزمة» لا حلّها.

هنا يتقاطع تشاؤم المنتقدين مع ما نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، في افتتاحية تتهم إيران بالعودة إلى أسلوب «المماطلة التفاوضية»: جولات متتابعة من دون تنازلات جوهرية، مع رفضٍ لإنهاء التخصيب أو نقلِه للخارج، ورفضٍ، بحسب الافتتاحية، لمنح ضمانات أو عمليات تحقق كافية بعد الضربات السابقة على منشآت نووية.

وفي يوم المحادثات نفسه، تزامن المسار الدبلوماسي مع مزيد من ضغط «العصا»: عقوبات أميركية جديدة مرتبطة بـ«أسطول الظل» النفطي الإيراني. هذا التزامن قد يكون رسالة تفاوضية، لكنه أيضاً يسهّل على طهران تسويق روايتها بأن واشنطن تفاوض «تحت التهديد»، ما يبرر تشدداً داخلياً.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)

«نطاق» الملفات

حتى لو انحصرت الجولة على الملف النووي، فإن التناقض البنيوي قائم: واشنطن، وفق ما نُقل، كانت تميل إلى مسارين، نووي و«أوسع» يشمل الصواريخ والشبكات الإقليمية، بينما أعلن عراقجي أن النقاش يقتصر على النووي فقط. هذا يعني أن أي «تقدم» نووي، إن حصل، قد يُستهلك سياسياً داخل واشنطن إذا بدا أنه يتجاهل ملفات يعتبرها صقور الإدارة والكونغرس جزءاً من «السلوك الإيراني» لا يمكن فصله عن النووي. لذلك يأتي التشاؤم أيضاً من داخل واشنطن: حتى لو تحقق اتفاق تقني، قد لا يملك الغطاء السياسي الكافي ليصمد، هذا من دون الحديث عن إسرائيل.

ومن دون الغرق في تفاصيل مسقط، يمكن تلخيص معيار النجاح في الجولة المقبلة بـ3 إشارات لا تحتاج إلى بيانات مطولة: لغة واضحة حول التخصيب، تتجاوز مفردات «الحق» أو «الصفر» كشعارات، بل صيغة عملية قابلة للقياس والتحقق والجدولة. إطار تحقق عبر عودة جدية للرقابة والوصول، لأن أي اتفاق بلا تحقق سيُعامل كهدنة مؤقتة لا كصفقة. تسلسل العقوبات مقابل الخطوات، بحيث إذا لم تُحسم آلية رفع أو تعليق العقوبات مقابل خطوات نووية محددة، ستبقى كل جولة مجرد «استماع متبادل».

لهذا، تبدو مفارقة مسقط منطقية: يمكن لترمب أن يصف المحادثات بـ«الجيدة» لأنها فتحت باباً مباشراً وأعادت اختبار الدبلوماسية تحت سقف التهديد. لكن التشاؤم يسود لأن الاختبار الحقيقي ليس الجوّ، بل القدرة على كسر عقدة الصفر، وتأمين التحقق، ومنع إيران من تحويل التفاوض إلى مساحة زمنية آمنة لإعادة التموضع، وهي مهارة راكمتها طهران تاريخياً، وتخشى واشنطن اليوم أن تعود إليها بحلتها المعتادة.


رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
TT

رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)

نقلت وسائل إعلام إيرانية عن رئيس هيئة الأركان، اللواء عبد الرحيم موسوي، قوله إن بلاده لن تبدأ الحرب أبداً، لكنها لن تتردَّد لحظة في الدفاع الحاسم عن أمنها القومي في حال تعرُّضها لأي تهديد.

وأضاف أن أي عمل عسكري يهدف إلى فرض الحرب على إيران سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع وتفاقم الأزمة في جميع أنحاء المنطقة، محذراً من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليميَّين.

وأكد رئيس الأركان، بحسب الإعلام الإيراني، أن إيران تحتفظ بحقها الكامل في الرد، وأن قواتها المسلحة في جاهزية تامة للتعامل مع أي تطورات أو تهديدات محتملة.

وجاءت تصريحات موسوي غداة مفاوضات عُقدت مع واشنطن في مسقط.