محمد حقي صوتشين: «أردتُ أن أقدّم المتنبي شاعراً عالمياً عظيماً»

بعد صدور كتابه «أغنية إنسان» أول ترجمة لأبي الطيب بالتركية

محمد حقي صوتشين
محمد حقي صوتشين
TT

محمد حقي صوتشين: «أردتُ أن أقدّم المتنبي شاعراً عالمياً عظيماً»

محمد حقي صوتشين
محمد حقي صوتشين

للمرة الأولى يقرأ الأتراك المتنبي بلغتهم، بفضل الكاتب والمترجم الدكتور محمد حقي صوتشين، الذي يعدّ، اليوم، من أبرز مترجمي الأدب العربي الكلاسيكي والمعاصر إلى اللغة التركية، أستاذ بجامعة غازي في أنقرة، كان لسنوات رئيساً لقسم الأدب العربي فيها، قبل أن يتفرغ تماماً لترجماته وكتاباته، حيث تمكّن بفضل نشاطه الاستثنائي من إعادة الاهتمام بالأدب العربي في بلاده، وترجم كثيرين؛ منهم يحيى حقي، وغسان كنفاني، ومحمود درويش، ومن الأدب القديم المعلقات السبع وأبا نواس، وأخيراً المتنبي، وكان على رأس اللجنة التي وضعت مناهج اللغة العربية في تركيا، ومعنياً عن قرب بهذا المسار. وهنا حديث معه.

غلاف ترجمة المتنبي - أغنية الإنسان

- صدرت، قبل أيام، ترجمتك لمختارات من ديوان المتنبي تحت عنوان «أغنية إنسان»، وهي أول مرة يقرأ فيها الأتراك المتنبي بلغتهم، كيف بدأ هذا المشروع؟

*في الجامعة، في أنقرة، كنا ندرس المتنبي من خلال حياته وبعض الصور النمطية، مثل ادّعائه النبوّة، وأنه كان ينتقل من بلاط إلى آخر لكسب المال، ولا نخوض في شعره. ربما لا يختلف الأمر كثيراً في الجامعات العربية. بعد ترجمتي المعلّقات السبع، كان بعض الشعراء الأتراك المعروفين يطلبون مني أن أواصل ترجمة الشعر العربي القديم، فبدأت أترجم من قدماء الشعراء العرب؛ بينهم المتنبي، والمعري، وأبو نواس، وأنشره بمجلة «فارليك» التركية العريقة، وقد ترجمت عدداً لا بأس به من قصائد المتنبي، لكن لقائي مع الدكتور علي بن تميم، رئيس مركز أبوظبي للغة العربية، الذي أبدى اهتماماً كبيراً لاستكمال الترجمة وشجّعني بحرارة، دفع عجلة المشروع بقوة. وقد كتب د. علي تقديماً رائعاً للترجمة التركية بوصفه أحد المتخصصين في شعر المتنبي والمحبّين له. لولاه ربما تأخر المشروع سنوات.

- هل المتنبي اسم معروف في تركيا؟

*كان معظم شعراء «الديوان» - وهي تسمية لشعراء الشعر العثماني - لديهم معرفة بالمتنبي، إذ كانت النخبة الشعرية التركية، في ذلك الوقت، تتقن ثلاث لغات: التركية والفارسية والعربية، وبينهم مَن ترك دواوين شعرية بثلاث لغات، فضلاً عن أن اللغة التركية العثمانية كانت خليطاً من هذه اللغات الثلاث، لذلك لم تكن ثمة حاجة لترجمة الشعر العربي. وكان للمتنبي تأثير على شعراء عثمانيين مثل «نفعي» و«باقي». كنا مع زميلي الألماني شتيفان فايدنر مدعوين إلى مركز الملك عبد العزيز العالمي «إثراء» للحديث عن تأثير المتنبي على الشعر خارج الوطن العربي، حيث قرأت نماذج من قصائد الشاعر «نفعي» بترجمتي إلى اللغة العربية، سمعتُ همس بعض الناس قائلين: «نعم، هذا صوت المتنبي».

- كيف كانت ردود الفعل الأولى؟

*الترجمة صدرت قبل أسبوع تقريباً، نحتاج إلى وقت لقياس الإقبال على «المتنبي التركي»، لكن ردود الفعل الأولى جيدة جدّاً. تلقيت اتصالات تهنئة من بعض الكتّاب الأتراك، ودعوات من الجامعات التركية، ومجموعات قراءة، وجمعيات أدبية كي أتحدث عن المتنبي والترجمة وتوقيعها نيابة عن المتنبي. نحن بصدد ترتيب هذه اللقاءات، وأتوقع أننا سنقرأ، في الأيام المقبلة، مقالات عن المتنبي في مجلات أدبية تركية.

- تراكيب أبي الطيب صعبة، أيّ تحديات واجهتك أثناء عملك، وقد أردت لهذه الترجمة أن تكون شعرية؟

*في ترجماتي للشعر العربي، أحمل همّين: عدم التضحية بالمضمون لصالح الإيقاع، وإعادة خلق الإيقاع الشعري. في ترجمة الشعر العربي القديم، أقوم بإعادة إبداع النص الشعري باللغة التركية، من خلال الإيقاع الداخلي وقوافٍ منسابة، دون تكلّف يهدّم بنية القصيدة. مذهبي أن أخلق في التركية لغة حديثة لها نكهة كلاسيكية، الأمر الذي نتوقعه من ترجمات شكسبير ودانتي وغيرهم من عظماء الشعراء. وأنا أردتُ أن أقدم للقارئ؛ ليس شاعراً عربياً فحسب، بل شاعراً عالمياً عظيماً، وسأعدّ نفسي ناجحاً إذا جرى تلقّي المتنبي في تركيا بهذه الصورة.

- من قرّاء الأدب العربي الذي تترجمه؟ هل هو جمهور عريض؟

*شخصيّاً، أصبَح لي جمهور لا يستهان به يتابعني ويقرأ كل ما أُصدر تقريباً، فقد اختارت مجموعات قراءة عدة أعمال من هذه الترجمات وناقشتها في كل أنحاء تركيا، وخصوصاً في المدن الكبرى. وكتَبَ النقاد والأدباء حول الأعمال المترجمة في دوريات، مما أدى إلى تداولها أكثر. وجرى تقدير بعض الأعمال بجوائز أدبية لم يسبق للأدب العربي أن نالها. في هذه المرحلة، تمكنّا من شدّ انتباه القارئ والناشر على حد سواء، وتوجيهه إلى الأدب العربي.

- ترجمت عدداً من الأدباء الفلسطينيين، هل ازداد الطلب عليهم بسبب الحرب الأخيرة على غزة؟

لم أترجم من الأدب الفلسطيني لفلسطينيّته، بل لأنه أدب جيّد على المستوى العالمي. محمود درويش كان مترجَماً إلى التركية لكنها ترجمات رديئة جداً، باستثناء ترجمة لطف الله غوكطاش. كان محمود درويش نفسه حزيناً إزاء هذه الترجمات القاتلة، بشهادة شعراء عرب عاشروه، منهم أحمد الشهاوي. أعدتُ ترجمة كلّ ما هو رديء، ثم ترجمتُ أعمالاً جديدة. أعدتُ كذلك ترجمة «رجال في الشمس» من العربية مباشرة، إذ كانت مترجَمة من الإنجليزية، وقد كتبوا اسم الكاتب «حسن كنفاني» على الغلاف. أما عدنية شبلي ونجوان درويش فترجمتهما إلى التركية للمرة الأولى. ليس بيدي إحصاء حول ازدياد الطلب على الأدب الفلسطيني، لكن الشعب التركي معروف بتعاطفه مع فلسطين وقضيتها العادلة.

ترجمات ركيكة

- ما أقنية التعاون بين تركيا والعالم العربي في مجال الترجمة؟ أم أن الأمر متروك لاختيارات دُور النشر؟

*وزارة الثقافة التركية تدير، منذ سنة 2005، مشروع «تيدا»، ويهدف إلى انفتاح الأدب التركي على العالم. في هذا الإطار جرى دعم الترجمة إلى العربية أيضاً. دعم المشروع حتى سنة 2021، ما مجموعه 2590 عملاً من التركية إلى لغات العالم؛ تتصدرها البلغارية والألبانية، تليهما العربية والفارسية واليونانية والروسية. الأدب التركي مترجم بصورة كبيرة إلى الجغرافيا المجاورة لتركيا، لكن إذا أمعنّا النظر في الاختيارات ونوعية الترجمة، نلحظ في كثير من الترجمات العربية، ركاكة وحرفية في التعبير، وأخطاء في الإملاء والقواعد؛ لعدم مرورها على التحرير والمراجعة. كثير منها ليس بمستوى جيد. عندي مشروع لكتابة مقالات متعمقة بالعربية، عن الأدب التركي؛ من شعر وقصة قصيرة ورواية ومسرح وغيرها، كي تكون مرشدة لمن يريد أن يترجم إلى العربية. نشرتُ مقالاً تحت عنوان «اتجاهات الشعر التركي من الديوان إلى عصر الإنترنت» في مجلة «المجلة»، وأواصل كتابة مقالات مماثلة.

- ترجمتَ من الأدب التركي الصوفي إلى اللغة العربية شعراء مثل يونس أمرة وأحمد يَسَوي، لماذا لا تخوض في مجال الترجمة من الأدب التركي إلى العربية، بحكم معرفتك بأدب بلدك؟

*اتجاه الترجمة عندي غالباً من العربية إلى التركية، لكنني ترجمتُ أكثر من سبعين شاعراً؛ لأشكل مختارات للشعر التركي الحديث بكل أطيافه، وهي شبه جاهزة وتنتظر دار النشر العربية التي لديها الرغبة في نشرها، فاختيار القصائد يتطلب من المترجم جهداً إضافياً، لكنني محظوظ؛ لأن زوجتي شاعرة تركية وناقدة للأدب التركي، وبإمكاننا معاً اختيار الأفضل.

حقي والبدايات

- هل من تجربة خاصة ربطتك بأدونيس أثناء ترجمته؟

*أدونيس له مكانة خاصة في تكويني، عرفتُ نصّه مبكراً من خلال مجلة «فكر وفن» التي كانت تصل إلى مكتبة جامعتنا أثناء دراستي بجامعة أنقرة. وعندي محاولات مبكرة لقراءته وفهمه، لكن شاء القدر أن عرّفَنا ببعضنا الشاعر أحمد الشهاوي. بعد ذلك تحدَّثنا كثيراً على الهاتف، ثم التقينا في إسطنبول وأنقرة وإزمير، ولا تزال العلاقة بيننا حميمية، عندما أحدثه أشعر وكأنني أتحدث مع صديق. تعلمت منه ومن أعماله أموراً كثيرة دعتني إلى التأمل والتفكير، ترجمت حتى الآن أربعة كتب لأدونيس، وسيُنشر في الأشهر المقبلة آخِر ديوان له «أدونيادا» باللغة التركية. إذا واجهت أي مشكلة، بعد الانتهاء من الترجمة، أطرح عليه أسئلتي، ويجيبني دون ملل أو كلل.

- سؤال حول البدايات، ما الذي لفتك في يحيى حقي، الذي اخترت أدبه القصصي موضوعاً للماجستير؟

*يحيى حقي نقطة تحول بالنسبة للقصة العربية القصيرة، من خلال «المدرسة الجديدة»، والانتقال من الرومانسية إلى الواقعية، كما أن موضوع الصراع بين الشرق والغرب اكتسب بُعداً أكثر نضوجاً في الأقصوصة العربية. ربما كان الشبه بين اسمَيْنا أيضاً مما أسهم في الاختيار. عرفتُ بعد قراءتي أعماله أنه ينتمي إلى أصول تركية، وقضى عدة سنوات في أنقرة بصفته دبلوماسياً في السفارة المصرية، حيث التقى أتاتورك وعدداً من النخبة الأدبية، على رأسهم عبد الحق حامد الذي يصفه صاحب «القنديل» وصفاً بديعاً في كتابه «أنشودة البساطة»، كما يذكر، في سياق آخر، أنه سيكتب عن أتاتورك، لكنه، بقدر علمي، لم يكتب.

- رسالتك لليسانس كانت عن «الأرواح المتمردة» لجبران، هل هو من المقروئين في تركيا؟

*تُرجمت بعض أعمال جبران الإنجليزية إلى التركية في الأربعينات، لذلك هو معروف، لكن أعماله التي كتبها بالعربية تُرجمت في وقت متأخر نسبياً. إذا قلت إنني تدرّبت على الترجمة من خلال نصوص جبران، فلن أكون قد بالغت. تعدّ «الأرواح المتمردة»، و«دمعة وابتسامة»، و«العواصف» أول ترجماتي، وأنا طالب في الليسانس، لكنني لم أنشرها. جبران هو معلمي الأول في التدريب على الترجمة.

لم أترجم من الأدب الفلسطيني لفلسطينيّته، بل لأنه أدب جيّد على المستوى العالمي

تعليم اللغة العربية

- كنتَ رئيساً للجنة التي وضعت مناهج تعليم العربية في المدارس التركية؟ هل لنا أن نعرف لأي صفوف؟ وفي أي مدارس يجري تعليم العربية؟

*أتذكر أنكِ أجريتِ معي حواراً في «الشرق الأوسط» عن هذا الموضوع في أبريل (نيسان) عام 2012؛ أي قبل 12 سنة. وها أنتِ تتحدثين معي عن الموضوع نفسه. تدرَّس العربية في كل المراحل، وتنقسم المدارس إلى قسمين؛ أحدهما المدارس العادية، وثانيهما مدارس الأئمة والخطباء. المدارس العادية يجري تدريس العربية فيها مادة اختيارية، ساعتين أسبوعياً، أما مدارس الأئمة والخطباء، التي تضم 515 ألف طالب، فتدريس العربية فيها إجباري، يتراوح بين ساعتين وأربع ساعات وفق السنوات الدراسية والتخصص. أما الجامعات التركية فتدرِّس العربية في ثلاث مستويات: أقسام اللغة العربية وآدابها، أقسام تدريس اللغة العربية للناطقين بغيرها، وأقسام الترجمة.

- ما الذي تغير بعد 12 عاماً من وضع المناهج؟

*أشياء كثيرة، لكن ليس على المستوى الذي كنت أرجوه. السياسات التربوية تتغير بتغير الوزراء، الأمر الذي يخلق نوعاً من عدم الاستقرار في تنفيذ ما جرى وضعه، دون مراقبة النتائج. ما وضعناه كان أول منهج وفق الإطار المرجعي الأوروبي للغات، لكن، يا للأسف، لم يجرِ وضع كتب مدرسية تمشياً مع هذا المنهج، ثم جرى تغيير المناهج ربما، أربع مرات ومراقبة مدى نجاحها بطرق علمية. المشكلة في تركيا أن أصحاب القرار في وضع خطط التدريس ينظرون إلى العربية بصورة عامة، بوصفها لغة دين ووسيلة لفهم العلوم الإسلامية. برأيي، هذه مقاربة تشكل عائقاً في تدريس العربية لغة الحضارة والأدب، ولغة شعب يتحدث هذه اللغة التي يجب أن تعطى الأولوية لتعليمها لأغراض عامة، ثم الانتقال لأغراض خاصة: دينية سياحية، صحية، تجارية، وما إلى ذلك.

- ما الصعوبات التي واجهتكم، خصوصاً أن شكوى غير العرب هي عدم وجود طرق لتعليم العربية لغير الناطقين بها؟ ولك عدد من الكتب لتعليم العربية.

نفتقر إلى أمرين: تدريب المدرّسين، وسلاسل محترفة تدمج المهارات الأربع بطرق تواصلية حديثة. ثمة مبادرات من مؤسسات عربية، لتدريب مدرسي اللغة العربية، مثل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، ومركز أبوظبي للغة العربية، ومراكز تدريب غير حكومية في دول عدة؛ بما فيها تركيا، لكنها يجب أن تكون ممنهجة ومستمرة. بالنسبة لسلاسل الكتب، تتطلب جهداً مؤسساتياً يأخذ بعين الاعتبار مسائل مثل التدريس بطرق تواصلية، تدريس الثقافة العربية، التفكير في دمج العامية بالمناهج، ومهارة المحادثة؛ كي يتمكن الطالب من التعامل مع الشارع العربي، على أقل تقدير. مسافات كبيرة علينا أن نقطعها، لكنني متفائل؛ لأن القدرات المادية والبشرية متوفرة في العالم العربي وخارجه.


مقالات ذات صلة

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

ثقافة وفنون كارلوس مانويل ألفاريز

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته».

تشارلي لي
ثقافة وفنون مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس».

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون محمد سليمان

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي

عمر شهريار (القاهرة)
ثقافة وفنون رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932،

فاروق يوسف
ثقافة وفنون غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended