محققو شرم الشيخ يقتفون آثار رحلات السفاري ويراجعون ملفات العاملين في 12 فندقًا

استمرار إجلاء آلاف الروس والإنجليز.. والمدينة تفقد 70 % من السياحة الأجنبية

شرطي مصري أمام بوابة المغادرة في مطار شرم الشيخ.. والسياح الأجانب يواصلون الرحيل («الشرق الأوسط»).
شرطي مصري أمام بوابة المغادرة في مطار شرم الشيخ.. والسياح الأجانب يواصلون الرحيل («الشرق الأوسط»).
TT

محققو شرم الشيخ يقتفون آثار رحلات السفاري ويراجعون ملفات العاملين في 12 فندقًا

شرطي مصري أمام بوابة المغادرة في مطار شرم الشيخ.. والسياح الأجانب يواصلون الرحيل («الشرق الأوسط»).
شرطي مصري أمام بوابة المغادرة في مطار شرم الشيخ.. والسياح الأجانب يواصلون الرحيل («الشرق الأوسط»).

بدأ محققون من أربع جهات أمنية مصرية في اقتفاء آثار رحلات السفاري التي ينظمها بدو سيناء للسياح الأجانب في شرم الشيخ، بناء على فرضيات عن وجود علاقة ما بين تحطم الطائرة الروسية الأسبوع الماضي، وتنظيم داعش الذي ينشط في شمال شبه الجزيرة المطلة على البحر الأحمر. وواصل المحققون الذين ينتمون لكل من جهاز «المخابرات» و«الأمن العام» و«الأمن الوطني» و«المباحث الجنائية»، مراجعة ملفات العاملين فيما يزيد عن 12 فندقا كان يقيم فيها ضحايا الطائرة المنكوبة البالغ عددهم أكثر من مائتي سائح. ويأتي هذا مع استمرار إجلاء آلاف الروس والإنجليز. وقال مسؤولون في المدينة إنها فقدت نحو سبعين في المائة من السياحة الأجنبية بسبب قرار الدولة الأجنبية إجلاء رعاياها السياح من جنوب سيناء.
وفي منتجع كان يقيم فيه 13 من ضحايا الطائرة الروسية التي تحطمت يوم 31 الشهر الماضي في ظروف غامضة، تردد محققون من الجهات الأربع المشار إليها على المبنى المطل على البحر، طوال الأيام السبعة الأخيرة، في محاولة لإيجاد أي خيط يؤدي إلى كشف غموض الانفجار الذي أصبحت له تداعيات مخيفة على السياحة في شرم الشيخ. وقال أحد العناصر المشاركة في التحقيق إن ركاب الطائرة «لم يكونوا يقيمون في فندق واحد. لقد توزعوا على أكثر من 12 فندقا، ولهذا يتطلب فحص كل ما كانوا يقومون به وفحص تحركاتهم مزيدا الوقت حيث لا بد أن نعرف ما إذا كان أي منهم قد اختلط مع البدو في خارج المدينة من خلال رحلات السفاري التي ينظمها بعض أبناء سيناء في الجبال والصحراء للسياح».
وأضاف مصدر من بين المحققين أن ضحايا الطائرة المنكوبة أتت بهم شركة سياحية روسية، واتفقت مع وكيل محلي في شرم الشيخ لتوزيعهم على الفنادق، ولهذا «نحن ما زلنا نفحص كل صغيرة وكبيرة في هذه الفنادق للعثور على أي خيط للسير خلفه، بما فيها تحركات الضحايا منذ وصولهم للمطار حتى مغادرته»، مشيرًا إلى أن جهات التحقيق المصرية تضع أمامها «الكثير من الافتراضات، من بينها أن يكون مفجر الطائرة من بين السياح أنفسهم. لقد جرى التحقيق فيما إذا كان أحد من السياح قد خرج في رحلة سفاري من تلك التي يقوم بها السياح عادة في الجبال المحيطة، وهي رحلات ينظمها عدد من بدو سيناء، خارج شرم الشيخ، واحتمال أن يكون قد التقى مع أحد المتطرفين الذي مده بالمتفجرات».
وجرى حصر منظمي رحلات السفاري داخل شرم الشيخ والذين يبلغ عددهم بضع عشرات، خاصة في منطقة جنوب نبق وعلى طريق نويبع وفي منطقة الهضبة، لكن تبين حتى أمس أنه لم يكن هناك أي اسم مسجل من بين ضحايا الطائرة خرج بشكل رسمي في رحلة سفاري أو أي رحلة تخييم في الصحارى التي تمتد خلف الجبال السوداء لشرم الشيخ. وقال المحقق: «المشكلة التي تواجهنا في هذا الشأن أن غالبية السياح في الطائرة المنكوبة كانوا أسر وعائلات ولم يكن من بينهم فرد دون أسرة. بل كان بينهم أطفال أيضًا. مع ذلك نقوم باقتفاء آثار رحلات السفاري لأنه في بعض الأحيان يتم تنظيم هذا النوع من الرحلات بشكل غير رسمي، ولا يتم إخطار الجهات الأمنية به، وهو خطأ بطبيعة الحال».
وسأل المحققون أصحاب المنتجعات والفنادق التي كان يقيم فيها السياح، وواصلوا فحص العمال ونوع العمالة والمحافظات الأصلية التي ينتمون إليها. وقال أحد المحققين: «جرى فحص بيانات ما لا يقل عن 300 من هؤلاء العمال حتى الجد الثالث. وتبين أن غالبيتهم يحمل ترخيصا بالعمل والإقامة في شرم الشيخ من جهاز البحث الجنائي التابع لوزارة الداخلية».
وأضاف: «أعتقد أن العاملين في شرم الشيخ بعيدون عن ارتكاب مثل هذا الأمر. أعتقد لو كانت قنبلة فسيكون من ورائها أحد ركاب الطائرة.. الطائرة شارتر، وهذا يعني أنه لا يركب عليها مسافرون بشكل فردي، ولكن مجموعة متكاملة تأتي وتعود على نفس الطائرة دون إضافة أي مسافر آخر غير مسجل مسبقا ولا يسمح لمن لم يكن ضمن المجموعة من البداية أن يركب هذا النوع من الرحلات. أعتقد أنه لا أحد غريب، وأعتقد أنه شخص من بينهم قرر أن ينفذ العملية».
وعن عدد العاملين ممن ينتمون لسيناء في الفنادق التي كان يقيم فيها ضحايا الطائرة، قال المحقق نفسه: «العاملون في السياحة في شرم الشيخ لا يوجد أحد منهم من بدو سيناء، وكل الموجودين إما من الأقصر أو أسوان أو أسيوط، والمناطق المجاورة لتلك المحافظات في صعيد مصر، أو من محافظات الوجه البحري مثل محافظة الدقهلية والبحيرة في شمال القاهرة».
ورد مسؤول بمطار شرم الشيخ بحدة على أسئلة بشأن الوضع الأمني في المطار، وقال إنه «لا يوجد أي تقصير»، ونفى ما يقال من مزاعم عن أنه من الممكن أن تكون هناك ثغرة تسببت في قيام أحد الإرهابيين بالتسلل إلى داخل المطار وزرع قنبلة في الطائرة أو في إحدى حقائب المسافرين.
على الصعيد نفسه، وفي تصاعد درامي لتداعيات تحطم الطائرة قال أصحاب منتجعات وفنادق في شرم الشيخ أمس، إن حجوزات السياح انخفضت بنسبة تصل إلى 70 في المائة، وذلك قبل أسابيع من موسم أعياد الميلاد، وهو أمر غير مسبوق منذ ثورة 2011 التي أسقطت نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك.
وبدا واضحًا من خلال الشواطئ المهجورة والأسواق الفارغة وسيارات الأجرة المركونة، أن شرم الشيخ والعاملين فيها، وأصحاب المشروعات التي تعتمد على النشاط السياحي، مقبلون على أيام لم تكن في الحسبان. فقد أغلقت كثير من المحال أبوابها. وظلت مقاعد مطعم السمك الشهير الواقع في مركز «جنينة» التجاري في منطقة خليج نعمة، شاغرة لساعات، دون زبائن، بعد أن كان الحصول على مقعد وأكل وجبة فيه يتطلب الحجز المسبق. وأطفأ المسرح المكشوف المجاور له الأضواء، وبدأت مجموعة من العاملين فيه يبحثون عن خطط لمستقبلهم.
وفي المقابل بدأت الاتصالات تنهال على المدينة من شخصيات مصرية من الداخل والخارج، من أجل تنظيم رحلات في محاولة لإنقاذ شرم الشيخ من المصاعب الاقتصادية، وعزز مسؤولون في الحكومة هذا الاتجاه، لكن الخبيرة في إدارة الأزمات والمسؤولة السابقة في فنادق «ستاروود» العالمية في أفريقيا والشرق الأوسط، مها سعد، قالت إن الاعتماد في حل الأزمة على السياحة الداخلية فقط، غير مجد، لأن عائداته لا تمثل نسبة تذكر مقارنة بالأموال التي تأتي من السياحة الأجنبية.
وفي سماء المدينة كان صوت الطائرات يدوي بين حين وآخر، وهي تقترب لكي تحط في المطار، لكن غالبية هذه الطائرات، ومنها 15 طائرة روسية و9 بريطانية، كانت خاوية، وهي، مثل غيرها، تأتي خصيصا لنقل السياح الذين صدرت أوامر بإجلائهم إلى بلادهم. وتمكن نحو ألفي سائح إنجليزي من المغادرة بعد ثلاثة أيام من الانتظار والقلق. كما ودع نحو خمسة آلاف روسي المدينة قبل انتهاء المدة التي كان يفترض تمضيتها على الشواطئ.
وقالت الخبيرة مها سعد، التي كان لها دور في إدارة الأزمة التي واجهتها السياحة في مصر حين تعرضت البلاد لتفجيرات إرهابية في تسعينات القرن الماضي: «إنه من المنطقي أن نتوقع أن يكون لدى الدولة خبرة مكتسبة في التعامل مع الأزمات في القطاع السياحي، لكن للأسف ما زال هناك قصور في التعامل بشكل حرفي مع الأزمات بصفة عامة في معظم القطاعات، مما يعطي للدول أو الجهات التي تتربص بمصر فرصًا على طبق من ذهب لاستغلالها لأسباب أو أجندات سياسية، وغيرها.. ونحن نلام في هذا».
وأضافت أن هذه ليست المرة الأولى التي تواجه فيها مصر أزمة في قطاع السياحة، حيث كانت أول مواجهات الدولة مع الإرهاب في بداية التسعينات، ثم حادثة الأقصر التي أثرت بشكل قاسي على السياحة.. إلى أن طالت القطاع السياحي نار الفوضى والدمار التي نالت من الاقتصاد ككل في أعقاب ثورتي 2011 و2013. وأوضحت أنه بعد كارثة تحطم الطائرة الروسية «كان يجب أن تشكل غرفة عمليات بالاشتراك مع مؤسسات الدولة الإعلامية لقيادة التواصل الإعلامي حول هذه الحادثة، بحيث لا نترك مجالاً للتكهنات، والأهم من هذا وذاك ألا نترك مجالاً لأي جهة (غير مصرية) أن تقود التصريحات الإعلامية حول الحادث».
وفي جميع الأحوال، كما قالت مها سعد، ومهما تكن النتيجة، يجب الإعلان بشفافية عن نتائج التحقيقات وأن «نتحمل المسؤولية ونتعامل لتصحيح أي قصور إن وجد.. فلسنا أول أو آخر دولة تتعرض للإرهاب»، لكنها أضافت أنه كان يجب على أجهزة الدولة، بالتنسيق مع وزارة الخارجية، الرد، وعدم السكوت على أية تصريحات تقوم بها أية جهات أو دول ليست منوطة بهذه التحقيقات.
وعما ينبغي أن تقوم به السلطات المسؤولة للخروج بأقل الخسائر من الأزمة، قالت إنه ينبغي على وزارة مثل وزارة السياحة أن «تتحرك بسرعة في الدول التي تأثرت رحلاتها إلى شرم الشيخ سلبًا بعد هذه الحادثة، وذلك من خلال التواصل مع شركات علاقات عامة محترفة في تلك البلاد للتعامل مع الآثار السلبية».
ووفقًا لمقابلات مع ملاك منتجعات وفنادق ومديرين لمشروعات سياحية في شرم الشيخ فلم توضع أي خطة مع المسؤولين التنفيذيين بالمدينة بعد للتعامل مع الأزمة التي بدأت تظهر ملامحها على وجوه العاملين في القطاع السياحي وعلى مقاعد المقاهي الشاغرة والمطاعم المهجورة. ويتحدث كثير من مسؤولي القطاع السياحي الخاص في شرم الشيخ بإحباط كبير حين تسأل عن فرص انتعاش السياحة في أعياد الميلاد الشهر المقبل، ويرون أن معالجة كارثة الطائرة الروسية ما زالت غير واضحة، وإن كان البعض يرى سرعة العمل لتدارك الموقف وعدم الشعور بالضعف أو الاهتزاز، لأن «شرم الشيخ باقية، ولن يستطيع السياح الذين يعرفونها أن يتخلوا عنها أو يقاطعونها، مهما كانت الظروف والأحداث».
وقال مدير أحد المنتجعات في منطقة نبق على الطرف الآخر من شرم الشيخ إن «إلغاء الحجوزات مستمر. كل يوم إيميل (بريد إلكتروني) يأتي وفيه طلب الإلغاء.. مرة من إنجلترا ومرة من إيطاليا ومرة من ألمانيا ومرة من روسيا. تراجعت نسبة الحجوزات بنسبة سبعين في المائة، وقد تتزايد إذا لم تتم معالجة المشكلة. نحن مقبلون على موسم رأس السنة بعد منتصف الشهر المقبل. وما نحن فيه اليوم أمر يحدث للمرة الأولى منذ الركود الكبير الذي تعرضنا له وقت الثورة في 2011».
وبعيدًا عن الجلسات الرسمية والاجتماعات البيروقراطية، يعقد بعض رجال الأعمال ممن لهم مشروعات سياحية كبيرة في شرم الشيخ لقاءات للتشاور عما يجب القيام به في الفترة المقبلة لإنقاذ استثمارات تبلغ قيمتها مليارات الدولارات. وقالت مها سعد إنه حان الوقت لاقتناص الفرص المتاحة، ومن الممكن، من الآن التجهيز بحرفية للبورصات السياحية الدولية القادمة، والتي يتم فيها إنجاز تعاقدات سياحية هامة، مشيرة إلى أن بورصة «ميلانو» ستعقد في فبراير (شباط) يليها بورصة برلين في مارس (آذار).
وهيمنت قضية تحطم الطائرة وتداعياتها على حياة المصريين اليومية، خاصة بعد أن أمرت بريطانيا وروسيا السياح بالعودة. وفي منتديات ومقاهي شرم الشيخ يمضي الشبان الوقت وهم يقلبون صفحات الإنترنت لمتابعة كل ما ينشر ويبث حول الموضوع. فالأمر يمس حياتهم بشكل مباشر. وبعد أن فقد زبائنه من السياح الأجانب، عكف جمعة محمود، صاحب متجر للمنسوجات اليدوية في شارع السلطان قابوس في منطقة خليج نعمة، على قراءة أخبار تتحدث عن رغبة كثير من المصريين في القاهرة والمحافظات الأخرى زيارة شرم الشيخ كسياح للمساهمة في تعويض خسائرها.
ومثل غالبية المصريين، يشعر صاحب المتجر بالامتعاض من قرارات الحكومات الأجنبية بإجلاء رعاياها من شرم الشيخ.. والامتعاض من بعض الناشطين المصريين المعارضين للسلطات المحلية، والذين أبدوا نوعا من الشماتة في التأثيرات السلبية لكارثة الطائرة الروسية. حتى السيدة مها سعد لم تنس أن تعبر عن حزنها في نهاية اللقاء معها، قائلة: «يحزنني في هذه الفترة العصيبة أن أرى شماتة البعض. ما علاقة المعارضة بخراب الديار. وماذا حدث لنا. وهل أنتجت الثورتان (2011 و2013) أحلى، أم أسوأ، ما فينا».
لم يتوقف رنين الهواتف بين أركان شرم الشيخ الواقعة بين البحر والجبال على بعد 550 كيلومترا جنوب شرقي القاهرة. متصلون من أحزاب ومؤسسات من العاصمة ومن خارج البلاد، يتحدثون لمعارف ومسؤولين هنا في هذه المدينة الجريحة. يُبدون التعاطف معها ويعرضون خططًا لتنظيم رحلات سياحية لوفود مصرية، في محاولة لملء الفراغ الذي تركه السياح الأجانب. ومن الطرف الآخر قالت حياة الشيمي، عضو الجبهة الوطنية لنساء مصر، عبر الهاتف: «نحن بصدد تكوين لجنة لتنظيم رحلات طوال الفترة القادمة إلى شرم الشيخ والأقصر وأسوان والغردقة لتنشيط السياحة الداخلية»، مشيرة إلى أن مثل هذه البرامج «سبق وأن جرى تنفيذها بالفعل عام 1997 حين تعرضت مدينة الأقصر (جنوب البلاد) لضربة إرهابية، وتوقفت السياحة وقتها، فقامت الشركات بتخفيض أسعارها مما شجع المواطنين على قضاء إجازاتهم في الأماكن السياحية المصرية».
وتأتي حادثة الطائرة الروسية وما تبعها من تداعيات، في وقت يعاني فيه الاقتصاد المصري من مصاعب كبيرة، بعد نحو 16 شهرا من انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيسا للبلاد. وتعد السياحة في مصر، في الوقت الراهن، ثاني أهم مورد للعملات الأجنبية، بعد قناة السويس.



66 عاماً على استقلال الصومال... الفيدرالية تواجه «خطر الانقسام»

خطر الانقسام يحيط بالصومال في ذكرى الاستقلال (رويترز)
خطر الانقسام يحيط بالصومال في ذكرى الاستقلال (رويترز)
TT

66 عاماً على استقلال الصومال... الفيدرالية تواجه «خطر الانقسام»

خطر الانقسام يحيط بالصومال في ذكرى الاستقلال (رويترز)
خطر الانقسام يحيط بالصومال في ذكرى الاستقلال (رويترز)

تحلّ الأربعاء ذكرى مرور 66 عاماً على استقلال الصومال واتحاد شمالها مع جنوبها، بينما تواجه الحكومة الفيدرالية ضغوطاً عديدة وخلافات جذرية مع ولايتي «بونتلاند» و«غوبالاند» بسبب الانتخابات وصلاحيات الأقاليم، إلى جانب انفصال إقليم «أرض الصومال» والاعتراف الإسرائيلي به وتداعياته.

تلك الخلافات التي تحيط بالفيدرالية في الصومال تحمل مزيداً من المخاطر، خاصة خطر الانقسام، بحسب خبير في الشأن الأفريقي والصومالي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، داعياً إلى إطلاق حوار وطني سريع يُعلي من قيمة المصالح الوطنية ويتجنب المصالح الشخصية.

وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الرسمية، الثلاثاء، بأن «جمهورية الصومال الفيدرالية، قيادةً وشعباً، تحيي ذكرى أعياد الاستقلال والوحدة الوطنية»، مؤكدة أنها «تشكل ملحمة مستمرة من الكفاح ضد الكيانات الاستعمارية التي توافدت على سواحل شرق أفريقيا».

ووفق الوكالة، «تُوجت الجهود الوطنية بنيل الأقاليم الشمالية استقلالها في 26 يونيو (حزيران) 1960، حيث رُفع أول علم صومالي حرّ في حديقة الحرية بمدينة هرجيسا. وبعد 4 أيام فقط، وتحديداً في الأول من يوليو (تموز) 1960، نالت الأقاليم الجنوبية استقلالها، ليعلَن في اليوم ذاته عن التحام الشطرين الشمالي والجنوبي وتأسيس الجمهورية الصومالية الأولى، في مشهد جسّد أسمى قيم التلاحم والوحدة والسيادة».

وتفقَّد وزير الإعلام والثقافة والسياحة، عبد الفتاح قاسم محمود، الثلاثاء، سير استعدادات الاحتفالات الرسمية والشعبية بذكرى يوم الاستقلال والوحدة الوطنية، مؤكداً أن «المواطنين مستعدون تماماً للحفاظ على مكتسبات الاستقلال وسيادة الدولة، ولن يسمحوا بأي محاولات تهدف إلى تقسيم البلاد أو تفريق وحدة شعبها، وسيقفون سداً منيعاً أمام أي مساعٍ تهدف إلى تجزئة الوطن أو النيل من نسيجه الاجتماعي».

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن تشديد مقديشو الرسمي على رفض المساس بوحدة البلاد يعكس أن قضية الوحدة «أصبحت من أبرز التحديات السياسية في المرحلة الحالية، خاصة أن النظام الفيدرالي يواجه ضغوطاً حقيقية». واستدرك: «لكن ذلك لا يعني أن الانقسام أصبح حتمياً، مع الإقرار بأن خطره لا يزال قائماً».

وكان الصومال قد فقد في 18 مايو (أيار) 1991 إقليماً مهماً هو «أرض الصومال» الذي انفصل مستغلاً أزمات داخلية غرقت فيها البلاد جراء حرب أهلية. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2025، اعترفت إسرائيل بالإقليم وسط رفض صومالي وعربي واسع.

وداخلياً لا يزال التوتر قائماً بين الحكومة الفيدرالية وولاية بونتلاند التي صدر عنها على مدار عام أكثر من موقف مخالف لتوجُّهات الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، ورفضت الحوار معه، وانضم رئيسها عبد الله سعيد دني إلى «مجلس مستقبل الصومال المعارض» الذي يطالب برحيل النظام.

وأعلنت سلطات «بونتلاند»، في بيان، قبل أيام، أنها لم تعد جزءاً من الجيش الوطني الصومالي، إلى حين التوصل إلى اتفاق بشأن جميع نقاط الخلاف مع الحكومة الفيدرالية.

وفي مايو الماضي، أعلن دني عدم الاعتراف بشرعية الرئيس حسن شيخ بعدما مدّد البرلمان ولايته عاماً إضافياً إلى مايو 2027 في إطار تعديل الدستور.

ولا يزال الخطر يتصاعد مع اشتباكات مسلحة بين موالين للمعارضة والشرطة في أعقاب احتجاجات دعا لها معارضون رفضاً لاستمرار الرئيس في منصبه أو إجراء انتخابات بالاقتراع المباشر بدلاً من النظام القبلي المتبع منذ عقود.

كما أن هناك توتراً قائماً بين «ولاية غوبالاند» بجنوب الصومال والحكومة الفيدرالية، بدأ في 2024 عقب قرار الإقليم تعليق العلاقات والتعاون معها، بعد خلافات زادت وتيرتها بعد إجراء الانتخابات الرئاسية، وفوز أحمد مدوبي بولاية ثالثة، وعدم اعتراف مقديشو بفوزه.

ويُرجع المحلل السياسي عبد الولي جامع أسباب الواقع المتردي في ذكرى استقلال الصومال إلى استمرار الخلافات بين الحكومة الفيدرالية وبعض الولايات حول توزيع الصلاحيات والموارد، وتباين الرؤى بشأن استكمال الدستور وتقاسم السلطة، واستمرار التهديدات الأمنية التي تعيق بناء مؤسسات الدولة، واستمرار أزمة انفصال «أرض الصومال» وتداعياتها بعد تدخل إسرائيل واعترافها بالإقليم الانفصالي.

وهو يعتقد أن فرص تجاوز هذه التحديات لا تزال قائمة إذا توفرت الإرادة السياسية، وذلك من خلال «إطلاق حوار وطني شامل بين الحكومة الفيدرالية والولايات، واستكمال الدستور، بما يحدد بوضوح صلاحيات كل مستوى من مستويات الحكم، وبناء الثقة بين المؤسسات الفيدرالية وحكومات الولايات، وإعطاء الأولوية للمصلحة الوطنية على الخلافات السياسية».

ويخلص برى إلى أن مستقبل الفيدرالية في الصومال يبقى مرتبطاً بقدرة القيادات السياسية على إدارة الخلافات عبر الحوار والتوافق، مؤكداً أنها إذا نجحت في ذلك فبالإمكان أن تتحول الفيدرالية إلى عامل استقرار ووحدة، «أما إذا استمرت الخلافات دون حلول مؤسسية، فقد تزداد مخاطر الانقسام السياسي، حتى إن لم يؤدِ ذلك بالضرورة إلى تفكك الدولة».


تصدُّع في التحالفات القبلية يثير قلق الحوثيين

حشود قبلية توافدت إلى منطقة الريان في محافظة الجوف اليمنية لمؤازة زعيم قبلي (إعلام محلي)
حشود قبلية توافدت إلى منطقة الريان في محافظة الجوف اليمنية لمؤازة زعيم قبلي (إعلام محلي)
TT

تصدُّع في التحالفات القبلية يثير قلق الحوثيين

حشود قبلية توافدت إلى منطقة الريان في محافظة الجوف اليمنية لمؤازة زعيم قبلي (إعلام محلي)
حشود قبلية توافدت إلى منطقة الريان في محافظة الجوف اليمنية لمؤازة زعيم قبلي (إعلام محلي)

أثارت تحركّات قبلية يقودها منشقون عن الجماعة الحوثية قلقاً متزايداً داخل الجماعة من اتساع دائرة التمرد في مناطق سيطرتها، لا سيما في المناطق القبلية التي تمثل الركيزة الأساسية لعمليات التجنيد والحشد العسكري.

ووفق مصادر قبلية وأخرى سياسية تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، فإن الجماعة الحوثية تخشى أن تؤدي هذه التحركات إلى تراجع نفوذها داخل الحاضنة القبلية التي اعتمدت عليها طوال سنوات الحرب، عبر شبكة من المصالح والعلاقات التي نسجتها مع عدد من زعماء القبائل والوجاهات الاجتماعية لضمان استمرار سيطرتها.

ولهذا أمرت الجماعة الحوثية بتنظيم وقفات قبلية في أكثر من منطقة تحت مبرر الجاهزية لأي معركة، في رسائل موجهة إلى التجمعات القبلية المنشقة.

وخلال الأيام الماضية، أعلن الزعيم القبلي حمد بن فدغم، أحد أبناء قبيلة دهم في محافظة الجوف، انشقاقه عن الحوثيين، بعد تعرضه -حسب روايته- للاعتقال والتعذيب والإهانة داخل سجون الجماعة.

تجمعات قبلية في منطقة الريان بمحافظة الجوف دعماً لبن فدغم (إعلام محلي)

وأطلق الرجل دعوة إلى أبناء القبائل للوقوف إلى جانبه والثأر لما تعرض له، الأمر الذي قوبل باستجابة لافتة، حيث توافد رجال قبائل من مناطق مختلفة إلى منطقة الريان بمحافظة الجوف لإعلان تضامنهم معه.

ويعد بن فدغم من أبرز الشخصيات القبلية التي لعبت دوراً في حشد المقاتلين لصالح الحوثيين خلال السنوات الماضية، وهو ما منح انشقاقه أهمية خاصة، بوصفه يأتي من داخل الدائرة القبلية التي اعتمدت عليها الجماعة في ترسيخ نفوذها.

رواية بن فدغم

خلال تجمع قبلي أعقب وصوله إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية، ظهر بن فدغم متأثراً وهو يروي تفاصيل اعتقاله، قبل أن يعلن نصب قطاعات مسلحة تستهدف تاجر السلاح المعروف فارس مناع، المنتمي إلى محافظة صعدة، متهماً إياه بالوقوف وراء عملية اعتقاله واحتجازه داخل أحد السجون السرية التابعة للحوثيين في صنعاء.

كما اتهم بن فدغم مناع بالاستيلاء على فيلا في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء تعود لامرأة تزعم أنها ابنة من زوجة سرية للرئيس العراقي الراحل صدام حسين، مشيراً إلى أن مناع كان يستأجر العقار لسنوات قبل أن يرفض إخلاءه بعد اندلاع الحرب.

الزعيم القبلي حمد بن فدغم خلال إعلانه الانشقاق عن الحوثيين (إعلام محلي)

وحسب الرواية المتداولة، بدأت القضية عندما لجأت تلك المرأة إلى قبيلة دهم طالبةً مساعدة بن فدغم لاستعادة ممتلكاتها. وعلى أثر ذلك توجه الرجل إلى صنعاء للقاء قيادات حوثية مطالباً بإعادة الفيلا إليها، غير أن الجماعة رفضت طلبه، مؤكدةً أن المرأة مواطنة يمنية وتنتمي إلى إحدى الأسر في مديرية أرحب شمال صنعاء. وبعد فترة وجيزة، جرى اعتقال بن فدغم وإيداعه السجن لنحو خمسين يوماً، قبل أن يفر لاحقاً إلى خارج مناطق سيطرة الحوثيين.

امتداد الخلاف إلى أرحب

لم تتوقف تداعيات القضية عند حدود محافظة الجوف، بل امتدت إلى مديرية أرحب شمال صنعاء، حيث أثارت خلافات داخل الأوساط القبلية. فقد نفى القيادي الحوثي فارس الحباري، خلال اجتماع قبلي، صحة الرواية التي تقول إن المرأة تنتمي إلى إحدى الأسر في المديرية، إلا أن حديثه قوبل باعتراض من الزعيم القبلي عبد الواحد الجرادي، أحد أبرز وجهاء المنطقة، ليتحول النقاش إلى مشادة كلامية كادت تتطور إلى مواجهة مسلحة، قبل أن يتدخل الحاضرون لاحتواء الموقف.

وأفادت مصادر قبلية بأن الحوثيين اعتقلوا عدداً من الأشخاص الذين كانوا موجودين في الاجتماع، بعد قيامهم بتصوير المشادة التي اندلعت بين الطرفين، في خطوة عكست حساسية الجماعة تجاه أي خلافات قبلية قد تتحول إلى مادة للتداول على نطاق واسع.

وقفات قبلية نظمتها الجماعة في مناطق سيطرتها لإظهار التأييد (إعلام محلي)

وتكتسب مديرية أرحب، التي ترتبط جغرافياً بمحافظتي عمران والجوف، أهمية خاصة للحوثيين، إذ تضم أحد أبرز المراكز العقائدية التي أنشأتها الجماعة عقب تمددها من محافظة صعدة باتجاه العاصمة صنعاء عام 2014. كما تضم المنطقة عدداً من العناصر العقائدية التي تلقت تدريبات داخل اليمن وخارجه منذ تسعينات القرن الماضي وبدايات الألفية الجديدة، عبر برامج تدريب في سوريا ولبنان وإيران.

وعُرفت هذه المناطق ذات الثقل القبلي بوجود علاقات تاريخية بين عدد من مشايخها وأسلاف الحوثيين، في إطار التنافس التقليدي مع قبيلة حاشد، التي وقفت في مراحل مختلفة إلى جانب النظام الجمهوري في مواجهة المشروع الإمامي. وأعاد الحوثيون إحياء تلك التحالفات منذ اندلاع تمردهم على السلطة المركزية عام 2004، قبل أن تتعزز بصورة أكبر مع سيطرتهم على العاصمة صنعاء، حيث تولى عدد من شيوخ القبائل مناصب ونفوذاً داخل منظومتهم مقابل استمرار ولائهم لها.

وفي مواجهة هذه التحركات، شن مؤيدو الحوثيين هجوماً حاداً على بن فدغم وتجمعات القبائل المساندة له، ووجهوا مسؤولي المحافظات الخاضعة لهم بتنظيم وقفات قبلية منذ أيام في عدد من المحافظات، بهدف إظهار أن الجماعة ما زالت تمتلك حاضنة قبلية، ولو كانت من خارج عمقها التقليدي، وخشية تصاعد النقمة القبلية مما تعرض له الزعيم القبلي.

وحرصت وسائل إعلام الجماعة على القول إن هذه التجمعات جاءت استجابة لدعوة زعيم الحوثيين للاستعداد لما تسمى «معركة تحرير فلسطين».

Your Premium trial has ended


انقطاع الرواتب يفاقم معاناة اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين

ملايين اليمنيين يفتقدون الخدمات ويعيشون تحت طائلة الفقر (الشرق الأوسط)
ملايين اليمنيين يفتقدون الخدمات ويعيشون تحت طائلة الفقر (الشرق الأوسط)
TT

انقطاع الرواتب يفاقم معاناة اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين

ملايين اليمنيين يفتقدون الخدمات ويعيشون تحت طائلة الفقر (الشرق الأوسط)
ملايين اليمنيين يفتقدون الخدمات ويعيشون تحت طائلة الفقر (الشرق الأوسط)

مع أول خيوط الفجر، ينهض محمود من فراشه قبل أن يستيقظ أطفاله وهو لا يملك خُطة واضحة لليوم، لكنه يعرف شيئاً واحداً يتمثل في العودة إلى المنزل ومعه ما يكفي لشراء الخبز.

يقول محمود، وهو أب لـ5 أولاد، ويقطن منزلاً بالإيجار شمال صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إنه كان قبل سنوات موظفاً حكومياً، يتسلم راتبه نهاية كل شهر، ويُخطط لمصروف أسرته بهدوء. ويضيف: «لكن اليوم، لم يعد التقويم يعني لي شيئاً. فالأيام تتشابه، والشهر يبدأ وينتهي دون أن يصل الراتب الذي كان يُمثل شريان الحياة الوحيد لعائلتي».

ويعيش أكثر من مليون موظف حكومي يمني، يعيلون ملايين أفراد أسرهم في مناطق سيطرة الحوثيين، مُنذ سنوات دون رواتب، ما دفع كثيراً منهم إلى استنزاف مدخراتهم، وبيع ممتلكاتهم، والاعتماد على الأعمال اليومية أو الديون لتأمين الحد الأدنى من احتياجات الحياة.

آلاف الأسر اليمنية تعاني حرماناً شديداً في استهلاك الغذاء (الأمم المتحدة)

ويضطر محمود إلى الخروج كل صباح بحثاً عن أي عمل، سواء في نقل البضائع، أو إصلاح باب منزل، أملاً في العودة بما يسد رمق أسرته. ويقول: «خلال الأيام التي لا أجد فيها عملاً، أعود بخطوات بطيئة، محاولاً أن أبدو طبيعياً أمام أطفالي»، مضيفاً أنه لا يريد أكثر من راتبه؛ لا ليصبح غنياً، بل ليعيش بكرامة ويستطيع توفير مُتطلبات أولاده دون أن يطرق أبواب الناس.

رواتب غائبة ومعيشة تتآكل

ليست أسرة محمود استثناءً، فهناك عائلات كثيرة في العاصمة المختطفة صنعاء وبقية مدن سيطرة الجماعة الحوثية، تعيش كل يوم القصة نفسها؛ موظفون بلا رواتب، وأمهات يقتسمن ما تبقى من الطعام، وأطفال يكبرون على مفردات لم يكن ينبغي أن يعرفوها مبكراً؛ كالدين، والتقشف، وتأجيل الأحلام.

من جهتها، تجلس أم عبد الله، وهي والدة أحد الموظفين الحكوميين الذي لم يتقاضَ راتبه مُنذ سنوات، داخل منزل متواضع في أحد أحياء صنعاء، وهي تعيد ترتيب قائمة المصروفات للمرة العاشرة خلال الشهر. تقول: «لم نعد نسأل ماذا سنشتري؛ بل ماذا سنحذف من احتياجاتنا. اللحوم باتت مناسبة نادرة، والدواء مؤجل حتى إشعار آخر».

بائعة متجولة تحمل ألعاباً قابلة للنفخ في أحد شوارع صنعاء حيث العاصمة المختطفة (إ.ب.أ)

وتؤكد أن السؤال لم يعد متى سيأتي الراتب، بل كيف ستُؤمَّن وجبة الغد، مشيرة إلى أن الوظيفة التي أفنى فيها ولدها سنوات عمره لم تعد توفر لهم شيئاً، وأن استمرار هذه الحال يجعلهم أمام واقع يزداد صعوبة عاماً بعد آخر، مع تراكم الديون واستنزاف ما تبقى من مصادر الدخل.

وتُفيد زوجة موظف حكومي آخر بريف صنعاء بأن أصعب ما يواجهها ليس الفاقة بحد ذاتها؛ بل سؤال طفلها: «متى سنأكل الدجاج مرة أخرى؟» دون أن تجد جواباً مقنعاً.

وتُشير إلى أنه لم يعد يتوفر في مطبخهم سوى القليل من الأرز والدقيق وبعض الشاي والسكر، أما الفاكهة فأصبحت رفاهية، وحتى البيض لم يعد ضيفاً دائماً على المائدة.

وتقول إن الأسرة باتت تكتفي بتقليص الوجبات وتأجيل شراء كثير من الاحتياجات الأساسية، في محاولة للاستمرار وسط ظروف معيشية تزداد قسوة.

تحذيرات من تفاقم الجوع

على وقع هذه المعاناة، كشفت مصادر إغاثية أن مئات الآلاف من الموظفين العموميين في مناطق سيطرة الحوثيين يواصلون مواجهة أوضاع معيشية متدهورة جراء استمرار غياب الرواتب، ما دفع كثيراً من الأسر إلى الاعتماد على الديون والأعمال اليومية لتأمين احتياجاتها.

وبينت المصادر أن عشرات آلاف الأسر أصبحت عاجزة عن توفير الحد الأدنى من القوت الضروري، وأن العاملين في عدد من المؤسسات الخاضعة لسيطرة الجماعة ما زالوا يطالبون بصرف رواتبهم بصورة منتظمة، في وقت انعكست فيه الأزمة على الحق في الغذاء والصحة ومستوى المعيشة اللائق.

يمنيون في صنعاء يصطفون على رصيف شارع في انتظار الحصول على عمل (الشرق الأوسط)

وأجبر حرمان مئات الآلاف من الموظفين الحكوميين من رواتبهم على مدى سنوات، على اللجوء إلى الديون وبيع الممتلكات، بينما اضطر الأطفال إلى ترك الدراسة والانخراط في سوق العمل لمساندة ذويهم.

وفي خضم هذا الحرمان، حذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي، في تقرير مشترك، من تفاقم أزمة الجوع في اليمن، حيث صنفت البلاد ضمن أخطر «بؤر الجوع الساخنة» في العالم، في ظل استمرار النزاعات وتدهور الأوضاع الاقتصادية والانخفاض الحاد في تمويل العمليات الإنسانية.

وأوضح التقرير أن ملايين الأشخاص يواجهون خطر الانزلاق إلى مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي، بسبب تداخل الصراع المسلح مع الأزمات الاقتصادية والمناخية، لافتاً إلى أن اليمن لا يزال من بين أكثر الدول عرضة لتفاقم أزمة الغذاء على مستوى العالم.

وأكد أن تراجع تمويل برامج المساعدات الإنسانية يزيد من حدة الأزمة، مشيراً إلى انخفاض التمويل المخصص للاستجابة الغذائية بنحو 60 في المائة بين عامي 2022 و2025، وهو ما يحد من قدرة المنظمات الدولية على توفير المساعدات المنقذة للحياة، ويضاعف مخاطر سوء التغذية، خصوصاً بين الأطفال والنساء.