«فيينا 2» أمام تمسّك طهران وموسكو بأولوية «محاربة الإرهاب» والتعويل على موقف «أصدقاء سوريا»

خبير: ما بعد سقوط الطائرة الروسية ليس كما قبله.. والحلّ السياسي بات مطلبًا لبوتين أكثر من أي وقت

مواطن سوري يقود سيارته شبه المحطمة ومعه ولده في مدينة دوما، أحد معاقل المعارضة في ضواحي العاصمة السورية دمشق (أ.ف.ب)
مواطن سوري يقود سيارته شبه المحطمة ومعه ولده في مدينة دوما، أحد معاقل المعارضة في ضواحي العاصمة السورية دمشق (أ.ف.ب)
TT

«فيينا 2» أمام تمسّك طهران وموسكو بأولوية «محاربة الإرهاب» والتعويل على موقف «أصدقاء سوريا»

مواطن سوري يقود سيارته شبه المحطمة ومعه ولده في مدينة دوما، أحد معاقل المعارضة في ضواحي العاصمة السورية دمشق (أ.ف.ب)
مواطن سوري يقود سيارته شبه المحطمة ومعه ولده في مدينة دوما، أحد معاقل المعارضة في ضواحي العاصمة السورية دمشق (أ.ف.ب)

تحاول كل من إيران وروسيا، قبل أيام قليلة من موعد انعقاد الجولة الثانية من مباحثات فيينا المزمع عقدها السبت المقبل، التأكيد على أنّ الأولوية هي لموضوع الإرهاب في سوريا وتحديدا لـ«تحديد قوائم التنظيمات الإرهابية». وفي حين يرى البعض أنّ موقف موسكو قبل سقوط الطائرة الروسية في سيناء لن يكون كما قبله، تؤكّد المعارضة أن «دول (أصدقاء سوريا) تحاول الدفع بالحلّ السياسي نحو الأمام والتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار»، وفق ما أشار إليه أمين عام «الائتلاف الوطني السوري» محمد يحيى مكتبي.
هذا، وبينما لا يزال «الائتلاف» رافضا الحوار مع موسكو في ظل استمرار الحملة العسكرية التي تشنّها على سوريا وتستهدف فصائل من «الجيش السوري الحر»، أعلنت وزارة الخارجية الروسية عن لقاء، هو ليس الأول من نوعه، جمع في موسكو نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف مع هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي. وقال وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف إن بلاده سبق أن أطلعت شركاءها في الملف السوري على «لائحتنا للمنظمات الإرهابية»، وتنتظر أن تؤول جولة مباحثات جديدة إلى «لائحة موحدة لإزالة المشكلات بخصوص من يقصف من ومن يدعم من».
ولكن، يوم أمس، قال وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير: «ليس هناك ما يدعو إلى التفاؤل» بشأن نتيجة الاجتماع الدولي حول سوريا الذي سيعقد السبت في فيينا بهدف وقف دوامة العنف. وأوضح خلال مداخلة في العاصمة الألمانية برلين أمام مؤسسة «كوربر» أن «السعي إلى إنهاء دوامة العنف والفوضى المتناميين هو الهدف، حتى وإن كنا لا نضمن أننا سنتوصل إلى ذلك».
في حديثه لـ«الشرق الأوسط» قال مكتبي: «روسيا وإيران تحاولان بتركيزهما على موضوع محاربة الإرهاب الدفع بالمقولة التي لطالما تبناها النظام السوري بقوله إنه يحارب التنظيمات الإرهابية بوضعه كل الشعب السوري ومن يعارضه تحت هذه الخانة. وهذا ما كان واضحا من خلال ادعاء موسكو أنّها تحارب تنظيم داعش بينما طائراتها تستهدف فصائل الجيش الحر. وهي بذلك تحاول القضاء على المعارضة المعتدلة لوضع المجتمع الدولي أمام خيارين اثنين هما: (داعش) والنظام».
وبينما رأى مكتبي أن المشاركة الإيرانية والروسية في لقاءات فيينا «تضع المطبات أمام الوصول إلى نتائج إيجابية»، أشار إلى أنّه بناء على اللقاءات التي عقدتها المعارضة مع ممثلين عن دول التي شاركت في اجتماع فيينا الأول وستشارك في الاجتماع الثاني، «ثمة تأكيد أن (أصدقاء سوريا)، على رأسهم الجانب الأميركي، يشددون على أهمية الدفع بالحل السياسي نحو الأمام، والتوصل إلى وقف لإطلاق النار وبحث آليات تنفيذه، وعدم إضاعة الوقت بأمور أخرى».
في ظل هذه المعطيات يعتبر الباحث السياسي وأستاذ العلاقات الدولية اللبناني الدكتور سامي نادر أنّ «ما بعد سقوط الطائرة الروسية في سيناء ليس كما بعده»، متوقعا أن ينعكس «هذا الحدث الأمني الخطير» على المواقف الروسية في مباحثات فيينا المقبلة. وقال نادر لـ«الشرق الأوسط»: «بعدما بات شبه مؤكد أن إسقاط الطائرة الروسية كان نتيجة عمل إرهابي ما عاد ممكنًا تجاهل هذا الأمر. وبالتالي بات السؤال اليوم: كيف يمكن أن ينعكس هذا التحوّل على سياسة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؟ هل يتّجه نحو مزيد من التشدّد والإرادة في حسم المعركة عسكريًا، أم أنه سيعيده إلى أرض الواقع ويخفّف من زخم القيصر لتقرّبه أكثر من التحالف الدولي على قاعدة المسارعة في التوصّل إلى تسوية سياسية ولا سيما في ما يتعلّق بالخلاف القائم حول المرحلة الانتقالية والقبول بتقصيرها إلى ستة أشهر؟».
ويرى نادر أنّ كلام وزيري الخارجية الروسية والإيرانية سيرغي لافروف ومحمد جواد ظريف حول التأكيد على أولوية «تحديد قوائم التنظيمات الإرهابية» الذي ورد أخيرًا «لا يصرف في مكان ولا يعبّر عن الموقف الصريح للدولتين، ولا سيما موسكو التي أعلن عدد من مسؤوليتها عن عدم تمسكّهم بالأسد إلى الأبد، وأن مصيره يحدّده الشعب السوري». واعتبر أنّ سقوط الطائرة الروسية «أربك موسكو التي لم تعد الأمور لصالحها، وباتت أكثر من غيرها على عجلة من أمرها للتوصل إلى حلّ سياسي سعت إليه منذ اتخاذ قرارها بالتدخل العسكري».
وأضاف نادر: «كان لافتا ما سبق أن أعلنه المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، لجهة أنّ تقسيم سوريا ليس من مصلحة أحد، لكنه قد يصبح أمرا واقعا إذا لم يتم التوصل إلى نتائج في المباحثات، وبالتالي فإن وضع موسكو للشروط التعجيزية سيؤدي ومن دون أدنى شك إلى تكريس التقسيم الذي هو من مصلحة روسيا أيضا».
وعلى الخط التركي، يعتبر نادر أنّ نتائج الانتخابات الأخيرة «أطلقت يد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بعدما كانت مكبّلة خلال الأشهر الماضية، وهذا سينعكس بدوره على الملف السوري الذي هو أولوية بالنسبة إلى أنقرة ولها فيه دور أساسي».
وكان اجتماع فيينا الأول قد عقد في نهاية شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بين ممثلين عن 17 دولة بينها الولايات المتحدة وروسيا والسعودية وإيران في اجتماع في محاولة لرسم معالم عملية انتقال سياسي في سوريا. وصدر بيان دعا إلى إجراء انتخابات بإشراف الأمم المتحدة وحث على توسط الأخيرة للتوصل إلى اتفاق سلام.



الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.


جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)

في المدن والقرى الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، يتشكل وعي جيل كامل على وقع انقلاب ممتد دخل عامه الثاني عشر، حتى باتت تفاصيل الصراع جزءاً من المشهد اليومي الذي نشأ فيه ملايين الأطفال والشباب، فبالنسبة إلى كثيرين منهم، لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً، بل أصبحت الإطار الذي تشكلت داخله طفولتهم ومراهقتهم وبدايات نضجهم.

هذا الجيل الذي وُلد بعض أفراده بعد اندلاع الحرب، أو كان في سنواته الأولى عندما انفجرت الأزمة، لم يعرف من اليمن سوى صور الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية. وبينما يتحدث الآباء عن سنوات أكثر استقراراً شهدت حياة طبيعية نسبياً، تبدو تلك الحكايات بالنسبة إلى كثير من الشباب أشبه بقصص تنتمي إلى زمن بعيد يصعب تخيله.

ويقول عدد من الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين لـ«الشرق الأوسط» إن أولى ذكرياتهم لا ترتبط بالمناسبات المدرسية أو الرحلات العائلية بقدر ما ترتبط بأصوات الانفجارات وأخبار الجبهات ومشاهد النزوح والقلق الدائم من المجهول.

ويؤكد هؤلاء أن سنوات مراهقتهم مرت بين أزمات معيشية متلاحقة، وانقطاعات متكررة للخدمات، ومخاوف مستمرة من تدهور الأوضاع، في وقت كان أقرانهم في بلدان أخرى يعيشون تجارب أكثر استقراراً وانفتاحاً على المستقبل.

آلاف المراهقين وصغار السن أخضعهم الحوثيون للتعبئة العقائدية والقتالية (إ.ب.أ)

ويصف مروان، وهو اسم مستعار لطالب جامعي من صنعاء يبلغ من العمر 22 عاماً، شعوره تجاه تلك الفجوة الزمنية بين جيله وجيل والده بقوله إن الأحاديث عن اليمن قبل الحرب تجعله يشعر وكأنها تدور حول بلد مختلف تماماً.

ويشير إلى أنه اضطر إلى تعليق مسيرته الدراسية مؤقتاً والعمل لمساعدة أسرته على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة، موضحاً أن سقف أحلام كثير من الشباب لم يعد يدور حول تحقيق إنجازات كبيرة أو مشاريع طموحة، بل حول الحصول على وظيفة مستقرة تضمن دخلاً يكفي للعيش بكرامة.

ويعكس هذا الحديث واقعاً أوسع يعيشه آلاف الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام ضغوط اقتصادية متزايدة أجبرتهم على إعادة ترتيب أولوياتهم. فبدلاً من التفكير في التطور المهني أو استكمال الدراسات العليا، أصبح التركيز منصباً على تأمين الاحتياجات الأساسية ومساندة الأسر التي استنزفتها سنوات الحرب الطويلة.

ورغم استمرار العملية التعليمية بدرجات متفاوتة، فإن التحديات التي واجهها قطاع التعليم خلال سنوات الصراع تركت آثاراً عميقة على جودة المخرجات التعليمية ومستوى التأهيل الأكاديمي. ويتحدث طلاب وخريجون عن نقص الإمكانات التعليمية، وضعف فرص التدريب والتأهيل، وغياب البيئة المناسبة لاكتساب المهارات التي تتطلبها سوق العمل الحديثة.

بطالة متصاعدة

مع تزايد أعداد خريجي الجامعات عاماً بعد آخر، تتقلص في المقابل فرص التوظيف في كثير من القطاعات، الأمر الذي يضع آلاف الشباب أمام واقع معقد يتسم بندرة الوظائف وغياب الاستثمارات القادرة على استيعاب الطاقات الجديدة.

ويقول خريج في كلية الهندسة بجامعة إب إنه يشعر بقلق متزايد من أن تتحول سنوات الدراسة الطويلة إلى مجرد شهادة لا تفتح له باباً حقيقياً نحو الاستقرار المهني أو الاجتماعي.

جانب من سوق شعبية في العاصمة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتتراوح الخيارات المتاحة أمام كثير من الشباب بين أعمال مؤقتة منخفضة الأجر، وانتظار فرص غير مضمونة، والتفكير في الهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل إذا توفرت الإمكانات. كما يواجه بعضهم مخاوف مرتبطة بمحاولات الاستقطاب والتجنيد في ظل استمرار الصراع.

ولا تقتصر الخسائر التي يتحدث عنها الشباب على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية ونفسية أكثر عمقاً. فالكثير منهم فقدوا أقارب أو أصدقاء خلال سنوات الحرب، كما تضررت شبكات العلاقات الاجتماعية نتيجة النزوح والهجرة والانقسامات التي أصابت المجتمع اليمني.

ويقول أحد الشباب من محافظة عمران (شمال صنعاء) إنه كان في العاشرة من عمره عندما بدأت الحرب، بينما أصبح اليوم على وشك إنهاء دراسته الجامعية، مشيراً إلى أن كامل مسيرته التعليمية جرت في ظل ظروف استثنائية. ويضيف أن أكثر ما يخشاه هو الوصول إلى لحظة التخرج دون أن يجد فرصة عمل تمنحه القدرة على بناء حياة مستقرة.

السلام... الحلم المشترك

في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، تقول أسماء، وهي طالبة في المرحلة الثانوية تبلغ من العمر 17 عاماً، إنها لا تتذكر يوماً لم تكن فيه الحرب أو الأزمة الاقتصادية جزءاً من الأحاديث اليومية. وتوضح أن التفكير في المستقبل بات يرتبط أولاً بالسؤال عما إذا كانت البلاد ستتمكن من استعادة الاستقرار الذي يسمح للأجيال الجديدة بالتخطيط لحياتها بصورة طبيعية.

ويرى باحثون اجتماعيون أن سنوات الحرب الطويلة أوجدت لدى قطاع واسع من الشباب قدرة ملحوظة على التكيف مع الظروف المتغيرة والتعامل مع الأزمات المتكررة، إلا أنها في الوقت نفسه تركت آثاراً نفسية عميقة مرتبطة بحالة القلق المستمر وعدم اليقين تجاه المستقبل.

عناصر أمن حوثية تجوب شوارع صنعاء (رويترز)

وعند سؤال الشباب عن أحلامهم المستقبلية، تتباين التفاصيل لكن تتشابه المضامين. فمعظمهم لا يتحدث عن الثراء أو الشهرة أو الطموحات الاستثنائية، بل عن أمور تبدو بديهية في المجتمعات المستقرة، مثل الحصول على وظيفة دائمة، وتوفر الكهرباء والمياه والخدمات العامة، والقدرة على التخطيط للمستقبل دون خوف.

ويقول حميد، وهو شاب عشريني من محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، إن حلمه لا يتجاوز العيش في بلد طبيعي يستطيع فيه الناس العمل والدراسة وبناء حياتهم بعيداً عن الحروب والمخاوف اليومية.

ويؤكد مختصون اجتماعيون أن الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين يمثلون اليوم شريحة واسعة تشكلت هويتها في ظل الحرب والانقسام والأزمات المتراكمة. ورغم اختلاف تجاربهم الفردية، فإنهم يتشاركون شعوراً عاماً بأن سنوات مهمة من أعمارهم مضت في ظروف لم يكن لهم دور في صنعها.

ومع ذلك، لا يزال كثير منهم يتمسكون بفكرة أن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً. فبالنسبة إلى جيل لم يعرف السلام إلا عبر روايات الآباء، يبدو السلام أكثر من مجرد مطلب سياسي؛ إنه الشرط الأساسي لاستعادة الحياة الطبيعية، والفرصة الأولى لبناء ما حرمته الحرب من فرص وأحلام ومسارات كان يمكن أن ترسم ملامح جيل كامل بصورة مختلفة.


«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)

قالت شركة (إم إس سي)، أكبر مجموعة شحن حاويات في العالم، اليوم الثلاثاء، إن قذيفتين أصابتا سفينتها (ساريسكا 5) أثناء وجودها في ميناء أم قصر بالعراق أمس الاثنين، مضيفة أن جميع أفراد الطاقم بخير ولم يصابوا بأذى.

وذكرت الشركة أن «الحرس الثوري» الإيراني أعلن مسؤوليته عن الواقعة التي وصفتها بأنها هجوم غير مبرر على ناقلة تجارية محايدة لا علاقة لها بالولايات المتحدة أو إسرائيل، وفقا لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت المجموعة في بيان «تشعر (إم إس سي) بقلق بالغ إزاء هذه الهجمات غير المبررة والمخاطر التي تشكلها على بحارتها الأبرياء والتجارة البحرية الحيوية في المنطقة».