مراد القادري: الاستخفاف بالشعر يفتح الباب للتفاهة والبلاهة

رئيس «بيت الشعر» بالمغرب يتحدث عن أعطاب الممارسة الشعرية

مراد القادري
مراد القادري
TT

مراد القادري: الاستخفاف بالشعر يفتح الباب للتفاهة والبلاهة

مراد القادري
مراد القادري

عن الحاجة إلى الشعر في عالم اليوم، وعن أعطاب الممارسة الشعرية العربية، يتحدث رئيس «بيت الشعر» في المغرب الشاعر مراد القادري لـ«الشرق الأوسط»، في هذا الحوار؛ الذي يصادف احتفالية «اليوم العالمي للشعر»، وهي الاحتفالية التي أطلقتها منظمة «اليونيسكو» قبل ربع قرن من اليوم، بمبادرة من «بيت الشعر» في المغرب. كما يتحدث القادري عن وضعية الشعر العامي في العالم العربي، وكيف استطاع أن يواكب مشروع التحديث الذي انتمى إلى أفقه الشعر العربي المعاصر. هنا نص الحوار:

* احتفلنا قبل أيام بـ«اليوم العالمي للشعر»، الذي يوافق 21 مارس (آذار) من كل عام. وكان هذا التقليد الثقافي قد انطلق في نهاية القرن الماضي، بمبادرة من «بيت الشعر» في المغرب. لكن يبدو أن العالم لم يعد في حاجة إلى الشعر. إلى هذا الحد أمكن الاستغناء عن الشعراء؟

- الحاجة اليوم إلى الشعر والشعراء أضحت ضرورية أكثر من أيّ وقت مضى؛ لمواجهة النسيان الجارف، الذي يَطولُ القيَم الإنسانيّة والجَماليّة، ويحصر اللغة في بُعْدها التواصليّ الاستهلاكيّ، ويجرفها نحو سَطوة الإعلاميّ والتقنيّ والسياسيّ، بعيداً عن الآفاق التي تفتحها للذات لمعرفة نفسها، واستكشاف الآخر، والاقتراب من العالم والكون.

منذ يومين فقط، كاتبنا في «بيت الشعر» في المغرب، الشاعر الإيطالي الكبير جوسيبي كونتي، الذي فاز هذه السنة بـ«جائزة الأركانة العالمية للشعر»، طلبنا منه أن يكتب كلمة خصّيصاً لاحتفالية «اليوم العالمي للشعر - 21 مارس 2024»، وهو التقليد الذي درجنا عليه منذ أنْ أقّرت «اليونيسكو» هذا اليوم سنة 1999 بمبادرة من مؤسستنا «بيت الشعر» في المغرب، فجاءت كلمتُه لتجيبَ عن هذا السؤال، الذي ما فتئ يُطرح على الفاعلين في الحقل الشعري؛ أفراداً ومؤسسات، ليس في المنطقة العربية فقط، بل في العالم بأسره... فمِمّا جاء في كلمة الشاعر الإيطالي ردّاً على سؤالك: «أظنّ أنه لا ينبغي للشّعراء أن يستسلموا ويرضخُوا أو يعتقدوا أنه لا فائدة من رفْع أصواتهم وأناشيدهم في وجه المُعاناة والفظائع... على العكس؛ عليهم الغناء بصوتٍ أعلى، والانتصار للكرامة والجمال، والرحمة والسلام، والتأكيد على أنّ الشّر والعنف يترسّخان في المجتمع كلما جرى تهميش الثقافة الإنسانية والشعر، وكلما تُرك المجال مفتوحاً للاقتصاد وللتقنية وبالتالي للأسلحة للسيطرة المطلقة».

الشّعرُ جوهرُ الإنسان، وهو جوهر الأخوة بين جميع البشر والعالم الطبيعي وكوكب الأرض. الشّعرُ طاقة اللغة، والروح، والحلم، واليوتوبيا... هو كلّ شيءٍ مقدّس وحُر ظل بيننا. الاستخفاف بالشعر وبدوره يفتح الباب للتفاهة والبلاهة اللتين تحولتا إلى سُلطة يَوميّة في ظلّ التراجع المُهول لِمَنظومة القِيَم، والخفوت البيِّن للسؤال الثقافيّ.

> ثمة بيوت أخرى للشعر في كثير من الدول العربية. هل هنالك تنسيق بين هذه المؤسسات الثقافية الشعرية؟

- هنا يمكن الحديث عن أحد أعطاب الممارسة الشعرية في المنطقة العربية، فبقدر ما يعيش شِعرنا العربي وضعاً عادياً وطبيعياً، على مستوى الإنتاج كما هي حال الشعر في العالم، فإنه، من جهة أخرى، يعيش عدداً من الأعطاب التي تحدّ من مقروئيته ورواجه وتلقّيه بالقدر الذي، ربما، كان عليه من قبل.

ولأنّ المجال لا يسمحُ برصْد وتشْخيص هذه الأعطاب كافّة، التي يختلطُ فيها الثقافي بالسّوسيولوجي وأحياناً بالسياسي، فدعْني أقل لك، رداً على سؤالك الدّقيق، إنّ غياب التّنسيق بين المؤسسات الثقافية الشّعرية، وتحديداً بين بيوتات الشّعر العربية، يُعدّ نقطة ضعف شديدة وعلامة سوداء حان الوقتُ لمحْوها، واعتمادِ آليات للتواصل والحوار بين العاملين كافة في الحقل الشعري خِدمة لفنّ العربية الأول؛ إذ يجبُ علينا ألا ننسى أن قرابة الدم، واللغة، والجغرافيا والتاريخ، من شأنها أنْ توفّر لنا المناخ الملائم لتوطين سياسة شعرية عربية تقوم على الخبرات والتجارب وإنجاز الأنطولوجيات الشعرية المُشتركة، والترافع عن شِعرنا العربي وتأمين عبُوره إلى اللغات الأجنبية، والعمل الجماعي من أجل ضمان كرامة الشعراء في المنطقة العربية وحقّهم في الإبداع والتعبير، وقبل ذلك حقّهم في العيش الكريم.

هنا يمكن لي القول إنّنا في «بيت الشّعر» في المغرب مستعدّون للعمل ضمن هذا الأفق، الذي لا نجده غريباً علينا، فقد عملنا ضمنه منذ تأسيس «بيت الشعر» سنة 1996، وهو ما كان من مُخرجاته ونتائجه تخصيصُ أعداد من مجلتنا «البيت» لتقديم الرّاهن الشعري في المنطقة العربية، حيث خصّصت المجلة عدداً عن الشّعر في المملكة العربية السعودية، وعدداً آخر عن راهن الشعر في البحرين.

> أنت شاعر؛ تكتب بالعامية، وقد درست هذا الشعر العامي المغربي في أطروحتك، ومقالات ودراسات أخريات. هل ترى في الانفتاح على الشعر العامي في الدول العربية فرصة لبيان أن الشعر هو شأن عام، وهو شأن شعب بأسره، وليس مجرد إبداع نخبة مثقفة؟

- منذ فترة غير بعيدة لم تعدْ إبداعيةُ الشعر تُقاسُ باللغة التي يستعملها، بل بمدى قُدرته على الإدهاش وحمل قارئه على الحلم. وهي الأهداف التي يتساوى فيها الشعر المكتوب بالعربية المدرسية والمكتوب بالعامية، ذلك أنّ الدّارِجة التي ينكتبُ بها هذا الأخير (شعر العامية) هي سليلةُ اللغة العربية، وهما معاً يشتركان في كثير من الخصائص التركيبية والدلالية والمعجمية.

عموماً، لم يعد أحدٌ، اليوم، يجادلُ في شعرية القصيدة المكتوبة بالعاميّة، خصوصاً بعد أن منحَتنا جواهر من اللؤلؤ المنضود، شرقاً وغرباً، حيث استطاعت، من جهة، أن تخترقَ وجدان الإنسان العربي الذي عثر فيها على صورته ووجدانه، فتغنى بمتونها الغنائية التي عبرت إلى أوتار الملحنين العرب (بيرم التونسي، والرحابنة، وحسن المفتي، وأحمد الطيب لعلج، وعبد الرحمن الأبنودي...)، كما استطاعت، من جهة أخرى، أن تواكب مشرُوع التّحديث الذي انتمى إلى أفقه الشعر العربي المعاصر، بعد أن تخفّفت من بُعدها الشفوي، وصارت كتابية أكثر. كلّ ذلك جعل زاوية نظر النّقاد والباحثين تتغيّر تجاه القصيدة المكتوبة بالعامّية. فلم يعدْ يُنظر إلى هذه القصيدة على أنها نصّ «عُمومي» أو«شعْبي» بما تحملُه هاتان الكلمتان من شُحنةٍ قدْحية وتحقيرية؛ بل بما هي قصيدةٌ مبنيّة، تتغذّى من مصادر شعرية وثقافية واسعة، يتشابكُ داخلها الفكر واللغة والبناء الفنّي بهدف التّعبير عن رؤية شِعرية مكثفة، تُعلنُ موقفَ الشّاعر من الذّات والآخر وتكشفُ عن نظرته للوجود وللعالم. ماذا يعني هذا القول؟ يعني أنّ الكتابة الشعرية بالعامّية أو الدارجة، لا تعني أنه صار شأناً عاماً؛ فالشّعر سيظلُّ، في رأيي، شأناً إبداعياً خاصّاً وفنّ الكثرة القليلة، سواء انكتب بالعربية المعيارية والعامية. ما يعزز هذا الرأي هو أن الشعر العامّي في المنطقة العربية بات مختلفاً ومغايراً لما كان عليه في السابق، فلم يعدْ معنيّاً بالخطابية أو المنبرية، بل صار يراهن على قصيدة شفيفة، هامسة، تستغورُ الذات وسيرها الشخصية، وتنتصر في بنائها للسّطر الشعري وليس للبيت التقليدي.

> إذا ما جعلنا من الشعر العامي موضوعاً لكتابة شعرية بقيم الحداثة والمعرفة الشعرية، ألن يجعلنا ذلك نتخلى عن الأصل في الشعر العامي بوصفه مصدراً من مصادر التقاليد الشعرية الشفوية التراثية؟

- أبداً، يكفي أنْ تلقيَ نظرةً على النسيج الشّعري اليوم في المغرب، وغيره من الأقطار، لترى التجاربَ الشعرية المكتوبة بالعاميّة تتجاورُ فيما بينها. فالملحون، والشّعر الشعبي، والشعر الغنائي... كلّها ممارسات شِعرية تواصلُ حضورَها في المحافل التي تنتعش فيها (الأغنية، والمهرجانات، والمواسم الفنية...) إلى جانب الشعر العامّي الحديث الذي يحرصُ شعراؤه على وجوده بين دفتي الديوان. المهم أن التعبير باللغة الأم، وباللسان الذي نحلم به، سواءٌ أكان أفقُه حداثياً أم تراثياً، لم يعد تعبيراً من الدرجة العاشرة، ولم يعد مقعدُه خلفَ الشعر، بل أخذَ مكانه الطّبيعي ضلعاً من أضلاع القصيدة المغربية الحديثة والمعاصرة، وركناً من أركانها، لا يمكنُ التغافل عن مُنْجزه أو تجاهل تراكماته الجمالية والفنيّة التي تُغذّي المتخيّل الشّعري المغربي والعربي على حدّ سواء.


مقالات ذات صلة

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار
ثقافة وفنون سيرة سينمائية بلا ماكياج

سيرة سينمائية بلا ماكياج

في كتابه «صانع النجوم حلمي رفلة - سيرة سينمائية بلا ماكياج» الصادر عن دار «آفاق» بالقاهرة، يتتبع الشاعر جرجس شكري سيرة واحد من المؤسسين الأوائل لصناعة الفيلم

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية،

فارس الذهبي

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.