الوكالة الدولية للطاقة الذرية تدعو طهران إلى تبديد «كل الشكوك» حول عسكرية برنامجها النووي

مسؤول إيراني لـ «الشرق الاوسط»: يجب على الوكالة تقديم الدلائل على مزاعمها بشأن برنامجنا

السفير الإيراني لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية رضا نجفي في فيينا أمس (إ.ب.أ)
السفير الإيراني لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية رضا نجفي في فيينا أمس (إ.ب.أ)
TT

الوكالة الدولية للطاقة الذرية تدعو طهران إلى تبديد «كل الشكوك» حول عسكرية برنامجها النووي

السفير الإيراني لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية رضا نجفي في فيينا أمس (إ.ب.أ)
السفير الإيراني لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية رضا نجفي في فيينا أمس (إ.ب.أ)

دعا المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية أمس، إيران إلى تبديد كل الشكوك الغربية المتعلقة باحتمال وجود بعد عسكري في برنامجها النووي، مؤكدا أنه ما زال يتعين القيام بمزيد من الجهود لإنهاء النزاع بين طهران والأسرة الدولية في هذا الشأن.
وقال يوكيا أمانو خلال اجتماع مجلس حكام الوكالة المؤلف من مندوبي 35 بلدا، إن الإجراءات الأولى التي تبنتها إيران «تشكل مرحلة إيجابية لكن ما زال يتعين القيام بالكثير لتسوية كل القضايا العالقة».
وأضاف المدير الياباني أنه «من الضروري توضيح كل المسائل المتعلقة ببعد عسكري محتمل، وتطبيق إيران البروتوكول الإضافي» الذي يتيح للوكالة الدولية القيام بمزيد من عمليات التفتيش.
وكان الرئيس الإيراني حسن روحاني اتهم، أول من أمس، البلدان الغربية بالسعي إلى عرقلة تطوير البرنامج النووي. وقال روحاني: «كانوا (الغربيين) يعرفون جميعا أن العلوم النووية في إيران سلمية فقط (...) وأجرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عمليات تفتيش استمرت آلاف الساعات، وأكدت عدم وجود أي مؤشر إلى انحراف البرنامج النووي الإيراني نحو هدف عسكري».
وفي رد فعل على هذه الشكوك المتوقعة، قال محمد رضا خباز مساعد نائب الرئيس الإيراني للشؤون القانونية والبرلمانية، وعضو البرلمان السابق في حوار لـ«الشرق الأوسط»، إن أي تصريح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن الأغراض العسكرية للبرنامج النووي الإيراني ينبغي أن تأتي مصحوبة بأدلة وقرائن مقبولة.
وقال: «مثل هذه التصريح لا يستند إلى أساس قانوني أو قضائي ولا يمكن قبوله. ينبغي على الوكالة تقديم الأدلة على هذا الزعم، وعرضها بوضوح». وأشار خباز إلى أن إيران دائما ما كانت ملتزمة باتفاقية جنيف، وقال: «نظرا لأن إيران لم تتراجع عن أي من التزاماتها، يجب على الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن تجعل مزاعمها متسقة مع تشريعاتها». ويرى خباز، أن المزاعم الخاصة بالشكوك حول برنامج إيران النووي «موضع شكوك». وقال: «ينبغي أن تقدم الوكالة خطابا قويا، كما كنا قادرين على تقديم خطاب قوي بشأن نشاطاتنا النووية، وأن تنحي الأحقاد السياسية جانبا».
وتحاول المفاوضات خلال هذه الفترة تحويل الاتفاق في موعد أقصاه 20 يوليو (تموز) إلى ترتيب نهائي تلغى بموجبه كل العقوبات في مقابل ضمانات أكيدة بأن إيران لن تمتلك القنبلة. وأكد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الخميس الماضي أن «المفاوضات تجري على ما يرام»، مما يؤكد التفاؤل الحذر في الوقت الراهن. وفي فيينا، أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران تحترم الالتزامات التي اتخذتها في جنيف، ولا سيما توقفها عن تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المائة. كما ذكرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أيضا في الأيام الأخيرة أنه لم يجرِ تركيب أي عنصر مهم في مفاعل «أراك» الذي يعمل بالماء الثقيل، والذي يمكن للبلوتونيوم الذي ينتجه أن يدخل أيضا في صنع قنبلة نووية.
وعلى هامش مجلس الحكام، يبدأ الخبراء التقنيون لإيران والقوى العظمى، غدا (الأربعاء)، مناقشات تستمر ثلاثة أيام في العاصمة النمساوية أيضا.
وقال دبلوماسي قريب من الملف إن الأطراف توافقوا حتى الآن على سبعة تدابير لتطبيقها قبل 15 مايو (أيار) المقبل. ويشمل واحد منها ما يسميه المفاوضون «الأبعاد العسكرية الممكنة» للبرنامج الإيراني.
من جهته، وصف مساعد وزير الخارجية في الشؤون القانونية والدولية كبير المفاوضين الإيرانيين عباس عراقجي، أعضاء الفريق الإيراني المفاوض في الشأن النووي بأنهم «جنود الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الدفاع عن مصالحها».
وأوضح كبير المفاوضين الإيرانيين: «نحن كلنا جنود للجمهورية الإسلامية الإيرانية في خندق واحد، ولكن نظرا للأدوار المختلفة المناطة بنا، فإن كلا منا يؤدي مسؤوليته بصورة ما».
وعد توجيهات علماء الدين ومسؤولي ومديري الحوزات العلمية أمرا قيما لأداء المهمات الدبلوماسية في المفاوضات بصورة أفضل، حسب وكالة «فارس» للأنباء. ويبدو أن الطريق للتوصل إلى اتفاق نهائي ما زال طويلا وشاقا، حيث قال دبلوماسي أمام مجلس الحكام إن «التقدم كان جيدا حتى الآن»، لكن «الأجزاء الصعبة من المفاوضات ما زالت أمامنا»، مشيرا إلى أن «الجميع مقتنع بالرغبة في التعاون» لدى الرئيس روحاني وفريق المفاوضين الذين يساعدونه. لكن الخبراء والدبلوماسيون يرون أن احتمالات التوصل في غضون ستة أشهر إلى إبرام اتفاق ضئيلة، إذ إن المواقف ما زالت متباعدة. لكن مدة المفاوضات يمكن تمديدها إلى نوفمبر (تشرين الثاني) باتفاق متبادل.
إلا أن عدم تحقيق تقدم مهم حتى الصيف سيكون مؤشرا سيئا. فالمفاوضات تثير الأمل، لكنها تثير قلق الذين يخشون تراجع معسكرهم في إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، على حد سواء. وأي خلل في المفاوضات سيحيي ذرائع هؤلاء المشككين في جدواها.
إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أحد أبرز الذين يجري الاستماع إليهم، سيسحب تحفظاته ابتداء من الاثنين في واشنطن، حيث سيلتقي الرئيس الأميركي باراك أوباما، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.
لكن هذا لم يؤثر على مواقف لجنة العلاقات الخارجية الإسرائيلية - الأميركية (أيباك) في واشنطن، التي تقدمت برسالة إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما مطالبة بحذف حق تخصيب اليورانيوم في منشأتي فردو وأراك من الاتفاق النهائي مع إيران. ووافق ستة أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي على المطالب المدرجة في الرسالة، ومنها استمرار الحظر حتى ترضخ إيران لمطالب الطرف الآخر، وعدم حقها في تخصيب اليورانيوم أو امتلاكها منشآت للتخصيب، مثل فوردو، وأن تصرف النظر عن أراك، الذي يعمل بالمياه الثقيلة، وأن توضح بشكل كامل نوعية العمل في منشأة بارشين.
يُشار إلى أن هذه هي المطالب نفسها التي أثارها بنيامين نتنياهو في الأشهر الأخيرة. وستطلب «أيباك» من بقية النواب الموافقة على الرسالة لتلزم البيت الأبيض ببنودها. حسب وكالة «فارس» للأنباء. من جهته، أكد الرئيس الأميركي باراك أوباما مواصلة إجراءات الحظر ضد إيران، وقال إن 95 في المائة منها ما زالت قائمة، والعمل بها سيتواصل تزامنا مع المفاوضات. وجاء تصريح أوباما ردا على التصريحات الإسرائيلية الأخيرة بأن تخفيف الحظر بموجب اتفاق جنيف يدفع الشركات والتجار للتعاون التجاري مع إيران. وفيما يتعلق بكلامه حول أن جميع الخيارات مطروحة على الطاولة بشأن إيران، ومنها العسكرية، قال أوباما: «الإيرانيون يرون القوات الأميركية التي تعد 35 ألف عسكري في المنطقة، لذلك يجب أن يأخذوا الكلام الأميركي بمنتهى الجدية».
وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أنهت إيران ومجموعة «5+1» (الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا والصين بالإضافة إلى ألمانيا)، عقدا من المواجهة التي سادها التوتر، بالاتفاق على خطة عمل تستمر ستة أشهر، تحت الإشراف الدقيق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، من أجل إنهاء الخلاف بصورة نهائية. وأعلن أيضا تعهد 17 دولة أعضاء بالمساهمة في زيادة ميزانية الوكالة التي ستتيح لها القيام بمهمة المراقبة الموكولة إليها في اتفاق جنيف. لكن الوكالة ما زالت تحتاج إلى 1.6 مليون يورو.
وتنص الخطة المطبقة منذ 20 يناير (كانون الثاني)، على تجميد بعض الأنشطة النووية الحساسة لإيران، مقابل رفع جزئي ومؤقت للعقوبات الدولية. وستستقبل فيينا أيضا في 17 مارس (آذار) الاجتماع المقبل بين إيران ومجموعة «5+1». وستليه اجتماعات أخرى حتى يوليو (تموز).



«باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
TT

«باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على توقيع الاتفاق السعودي-الإيراني برعاية صينية، تقف المصالحة بين الرياض وطهران أمام أحد أصعب اختباراتها، مع تصاعد الاتهامات لإيران بدعم أذرع مسلحة في اليمن والعراق استهدفت السعودية، وتحرك الحوثيين باتجاه مضيق باب المندب، بما يحمله ذلك من تهديد لأمن المملكة والملاحة في البحر الأحمر.

تحرك إيران عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثّل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني» حسب محللين (واس)

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدرين عسكريين تابعين للحوثيين، أن خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني زاروا منطقة باب المندب وميناء ومطار المخا ومعسكر جبل النار شرق المدينة، وأشرفوا على أعمال حفر أنفاق في التلال الجبلية المطلة على المخا ومضيق باب المندب، وبحثوا تركيب رادارات قرب المخا وداخل جزيرة زقر في جنوب البحر الأحمر.

ويرى محللون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن التطورات الأخيرة لا تختبر التزام طهران بتعهداتها فحسب، وإنما تضع صدقية الدور الصيني على المحك أيضاً؛ إذ لم تعد المسألة متعلقة باستمرار العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، بل بقدرة الاتفاق على كبح مصادر التهديد غير المباشر، ومنع توظيف الجماعات المسلحة للضغط على دول المنطقة.

وكانت الرياض وطهران قد وقّعتا اتفاقاً في بكين برعاية صينية لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة نحو سبع سنوات.

«باب المندب».. اختبار جدي للاتفاق

يوضح رئيس مركز الخليج للأبحاث، الدكتور عبد العزيز بن صقر، أن اتفاق بكين الموقع في مارس (آذار) 2023 قام على ثلاثة مكونات رئيسية: استعادة العلاقات الدبلوماسية بعد سبع سنوات من القطيعة، وإعادة تفعيل اتفاقيات التعاون الثنائي، ثم احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو المكون «الأهم والأكثر حساسية».

إحدى الناقلات التجارية في أثناء مرورها بمضيق باب المندب الاستراتيجي قبالة السواحل اليمنية (أ.ف.ب)

ويقول بن صقر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن التحرك الإيراني عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني؛ لكونه يخالف نصوصه وروحه التي قامت على بناء الثقة»، مضيفاً أن التعهدات لا ينبغي أن تقتصر على الممارسات الإيرانية المباشرة، وإنما تشمل كذلك سلوك الجماعات المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

ويتابع: «لا معنى لأي اتفاق مع إيران لا يشمل ممارسات أذرعها الإقليمية المهددة للأمن الإقليمي والدولي»، معتبراً أن دعم الحوثيين أو تحريضهم على تهديد أمن المملكة «خرق فاضح» للتعهد باحترام السيادة وعدم التدخل.

بينما يرى الباحث والمستشار في الشؤون الصينية والآسيوية، عبد العزيز الشعباني، أن التحركات الإيرانية قرب مضيق باب المندب تختبر اتفاق بكين، لكنها لا تعني انهياره؛ إذ صُمم أساساً لإعادة العلاقات وفتح قنوات الحوار، لا لإنهاء التنافس بين الرياض وطهران أو إقامة شراكة استراتيجية بينهما.

سياسة الوكلاء

بدوره، يرى المحلل السياسي السعودي، الدكتور خالد الهباس، أن سياسة الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي، وأن «الحرس الثوري» يتولى دعم هذه الجماعات وتدريبها وتنظيمها، بما يمكّنها من أداء أدوار تخدم الأهداف الإيرانية عند الحاجة.

ويضع الهبّاس التحركات الحوثية الأخيرة، وقبلها نشاط الفصائل الموالية لإيران في العراق، ضمن سياق الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة على طهران، ومحاولتها فتح ساحات ضغط بديلة. ويشير إلى أن التحرك باتجاه مضيق باب المندب قد يتيح تهديد الملاحة ورفع أسعار الطاقة وإرباك سلاسل الإمداد.

الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي (إ.ب.أ)

ويحذّر الدكتور خالد من التعويل على تعهدات الحوثيين بعدم استهداف السفن، قائلاً إن تجارب البحر الأحمر منذ أواخر 2023 أثبتت عكس ذلك، ومشدداً على أن حماية الملاحة «مسؤولية دولية لا تقع على عاتق المملكة وحدها»، نظراً إلى الأهمية العالمية لهذا الممر.

وحسب الهبّاس، فإن السعودية، رغم تمسكها بحل الخلافات سلمياً وإبقاء نافذة الدبلوماسية مفتوحة، تملك حق الدفاع عن نفسها وفق المادة «51» من ميثاق الأمم المتحدة، كما يحق لها «مطالبة إيران بالالتزام ببنود الاتفاق، ومراجعته في ضوء مدى وفائها بتعهداتها».

هل انتهى زمن الاختبار؟

أما أستاذ القانون والعلاقات الدولية في جامعة إسطنبول، الدكتور سمير صالحة، فيذهب إلى موقف أكثر تشدداً، قائلاً: «لقد تجاوزنا مسألة اختبار التفاهمات؛ فمن الواضح أن الجانب الإيراني خرج عن روحها، وبدأ سياسة إقليمية مغايرة لما تعهد به».

ويضيف أن السؤال الجوهري لم يعد متعلقاً فقط بما إذا كانت طهران ملتزمة أم لا، بل بمن يسلّح الحوثيين ويدربهم ويوجه عملياتهم. ويتابع: «التهديدات تبدو حوثية في العلن، لكنها في صلب الموضوع إيرانية»، معتبراً أن تحريك الأذرع في اليمن والعراق ولبنان يعكس أولوية إيرانية لم تتغير رغم استعادة العلاقات مع الرياض.

وفي تقدير صالحة، فإن السعودية لن تبني خياراتها على انتظار تحرك صيني وحده، بل ستواصل البحث في بدائل استراتيجية تضمن أمنها، بالتوازي مع إبقاء المسار الدبلوماسي قائماً، وهو ما بدأت به فعلاً خلال الأشهر الأخيرة، على حد تعبيره.

بكين.. فتح الطريق لا يكفي!

يجمع المحللون على أن الصين تملك أدوات تأثير واسعة على إيران، بحكم ثقل علاقاتهما الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لكنها مطالبة بالانتقال من موقع الراعي الرمزي للاتفاق إلى دور أكثر حسماً في مراقبة تنفيذه.

ويقول بن صقر إن بكين «قادرة على التحقق من السلوكيات الإيرانية المخالفة للاتفاق»، لكنها تميل إلى الغموض وعدم الحسم عندما لا تمس الأزمات أمنها القومي مباشرة، لذلك فإن المطلوب اليوم آلية واضحة للتحقق من التزام طهران وكبح أذرعها.

أما صالحة فيرى أن الصين تواجه اختياراً دقيقاً بين الاكتفاء بحماية علاقتها مع إيران، أو الدفاع عن مصالحها الأوسع مع دول الخليج وعن طرق التجارة التي تمر عبر البحر الأحمر، مضيفاً: «هذا اختبار لإيران في الدرجة الأولى، لكنه اختبار لبكين في الدرجة الثانية».

وأضاف «بكين أمام وضع صعب وحرج ودقيق، هناك مؤشرات إيجابية في مواقفها ورسائل سياسية تجاه إيران في الآونة الأخيرة، لكن المراهنة على أن طهران ستقبل وتُصغي لما تقوله بكين مسألة صعبة».

ولفت الدكتور سمير إلى أن «بكين نجحت في فتح الطريق أمام اختبار جديد في العلاقات السعودية-الإيرانية، لكن عليها أن تذهب اليوم إلى أبعد من ذلك إذا كانت راغبة في حماية مصالحها وعلاقاتها مع دول الخليج».

من جانبه، يعتقد الشعباني أن بكين تميل إلى الدبلوماسية وعدم التدخل المباشر، ولا يُتوقع أن تنحاز إلى طرف بصورة حاسمة. وخلص إلى أن مستقبل الاتفاق يتوقف على قدرة الصين على إبقاء الحوار مفتوحاً واحتواء الأزمات، مع احتفاظ السعودية بحقها في حماية أمنها ومصالحها عبر قدراتها وشراكاتها الإقليمية.


استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)

تواجه الجماعة الحوثية مقاومة ضارية في الجبهات الممتدة بين غربي محافظة تعز وشمال محافظة لحج، حيث تدور معارك عنيفة على المرتفعات المطلة على باب المندب، بالتزامن مع استمرار المواجهات في جنوب مأرب، وسط تقارير ميدانية عن خسائر كبيرة في صفوف الجماعة المتحالفة مع إيران خلال محاولات التقدم الأخيرة.

وتتركز المعارك الأشد في جبهتي الوازعية، وكهبوب، والمناطق المتصلة بمديرية المضاربة ورأس العارة، في وقت أعلنت فيه القوات الحكومية صد هجمات حوثية، واستعادة مواقع جبلية، بينما تحدثت مصادر ميدانية عن سقوط عشرات المهاجمين خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.

وأعلنت قوات العمالقة الجنوبية، الاثنين، تدمير خمس مركبات تابعة للحوثيين في جبهة كهبوب المحاذية لمضيق باب المندب، وقالت إن جميع من كانوا على متنها قتلوا. وأوضحت أن بين المركبات المستهدفة سيارة كانت تقل قيادياً حوثياً، وأخرى تحمل سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

ونشر المركز الإعلامي لألوية العمالقة مقطع فيديو قال إنه يوثق استهداف المركبات، واشتعال النيران فيها.

وفي الجبهة نفسها، أعلنت قوات درع الوطن أن اللواء الثالث في الفرقة الأولى تصدى لهجوم حوثي على مواقعه، مشيرة إلى وقوع خسائر في صفوف المهاجمين، والعتاد، وإسقاط طائرة مسيرة انتحارية أثناء محاولتها استهداف مواقع القوات.

كما أعلنت دائرة الإعلام في قوات درع الوطن إسقاط مسيرة حوثية أخرى خلال تحليقها في أجواء كهبوب، بالتزامن مع استمرار انتشار القوات، ورفع جاهزيتها في المنطقة.

وتكتسب كهبوب أهمية عسكرية بسبب موقعها المحاذي لباب المندب، فيما تشير المعلومات الميدانية إلى أن المواجهات تتركز على سلسلة من المرتفعات، والمواقع الواقعة بين جنوب شرقي الوازعية، وشمال المضاربة ورأس العارة، وبمشاركة قوات العمالقة، ودرع الوطن، ومقاتلين من قبائل الصبيحة.

غرب تعز

في غربي تعز تدور معارك مستمرة، حيث يضغط الحوثيون للتوغل من الوازعية شرقاً باتجاه مديرية الشمايتين وسط أنباء عن كانت تحدثت، الأحد، بتقدمهم باتجاه مديرية الشمايتين، وسيطرتهم على قرية شريرة، مع توغل باتجاه جبل المرزام قرب منطقة الغيل، وباتجاه قرية بني عمر.

وفي المقابل، قالت المصادر إن القوات الحوثية تراجعت من جبل العجرم بعد محاولتها السيطرة عليه، كما أخفقت في الوصول إلى جبل جرداد إثر التصدي لمحاولات التسلل، بينما أفادت معلومات أخرى بسيطرة القوات الحكومية على جبل نعمان.

مواكب تشييع حوثية بشكل يومي لقتلى الجماعة في الجبهات (أ.ف.ب)

وتحدثت مصادر ميدانية، فجر الاثنين، عن استمرار المواجهات، مشيرة إلى إحباط هجمات حوثية، وإحراق مدرعات وآليات تابعة للجماعة. كما تحدثت المصادر عن سقوط أعداد كبيرة من الحوثيين بين قتيل وجريح.

وفي حين لم تصدر على الفور أي تعليقات رسمية من قبل القوات الحكومية عن تفاصيل المواجهات، ومسرح العمليات الدائرة، انطلقت في مدينة التربة، الاثنين، قافلة دعم وإسناد للجبهات الحكومية في جرداد، وراسن، والعلقمة في الوازعية، في مؤشر على استمرار التعبئة المحلية لمساندة القوات التي تخوض المعارك في ريف تعز الغربي.

جبهة مأرب

بالتوازي مع معارك تعز ولحج، شهد جنوب مأرب اشتباكات وقصفاً مدفعياً متبادلاً بين القوات الحكومية والحوثيين، خصوصاً في حريب، وعقبة ملعاء، ومحيط أم ريش، من دون تسجيل تغيير مستقر في خطوط السيطرة، وفق المعلومات المتاحة.

وقالت القوات الحكومية إنها استهدفت تجمعات وتعزيزات وتحصينات حوثية في ملعاء، وأم ريش، ودمرت مرابض مدفعية باستخدام راجمات الصواريخ، بينما شاركت مدفعية محور بيحان في قصف مواقع للجماعة، وأعطبت سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

كما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ ضربات جوية ومسيرة ضد عناصر وآليات وتحصينات حوثية في عدد من الجبهات، بما في ذلك محافظتا مأرب، والبيضاء.

قائد المنطقة العسكرية الثالثة في الجيش اليمني منصور ثوابة (إعلام عسكري)

وقال قائد المنطقة العسكرية الثالثة، اللواء الركن منصور بن عبد الله ثوابة، إن القوات الحكومية تصدت لهجمات حوثية سابقة جنوب مأرب، متحدثاً عن سقوط عشرات من عناصر الجماعة بين قتيل وجريح وأسير. كما قال إن أعداداً من جثث المقاتلين بقيت في مناطق المواجهات.

وأضاف ثوابة أن القوات الحكومية تعمل ضمن غرفة عمليات مشتركة، وبقيادة موحدة، مشيداً بالتنسيق بين القوات البرية والجوية، وبالدعم الذي يقدمه التحالف الداعم لليمن بقيادة السعودية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف اليمنية من انعكاسات سيطرة الحوثيين على مناطق ومواقع استراتيجية واسعة في الساحل الغربي، وفي باب المندب. وقال عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ مأرب، سلطان العرادة، خلال اتصال مرئي مع السفيرة البريطانية لدى اليمن عبدة شريف، إن التطورات العسكرية الأخيرة تمثل تهديداً لأمن الملاحة الدولية، وأمن المنطقة.


فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
TT

فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)

تواجه الجماعة الحوثية صعوبات متزايدة في استقطاب مقاتلين جدد بمحافظتي صنعاء وريمة، وسط تراجع التجاوب الشعبي والقبلي مع حملات التعبئة التي كثفتها الجماعة خلال الأيام الأخيرة، في محاولة لتعويض خسائرها البشرية في جبهات القتال.

وقالت مصادر محلية وقبلية لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة دفعت بمشرفين ومسؤولين ووجهاء قبليين لتنفيذ حملات تجنيد في قرى ومناطق متفرقة بمحافظتي صنعاء وريمة، مستهدفة الشبان والمدنيين، وصولاً إلى طلاب المدارس، بهدف رفد صفوفها بعناصر جديدة.

وشملت التحركات قرى وعزلاً في مديريتي خولان الطيال ونهم بريف صنعاء، إلى جانب مديريات الجبين ومزهر وكسمة وبلاد الطعام في ريمة، غير أن هذه الحملات واجهت، وفق المصادر، إحجاماً شعبياً حدّ من قدرتها على تحقيق أهدافها.

قيادي حوثي يزور إحدى المدارس في ريمة لتجنيد الطلبة (فيسبوك)

وتأتي هذه التحركات، بحسب المصادر، في إطار توجيهات صادرة عن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، ضمن مساعٍ لتوسيع عمليات الاستقطاب والتجنيد في مناطق سيطرتها، وتعويض الخسائر التي لحقت بمقاتليها في عدد من جبهات القتال، بينها تعز والجوف والبيضاء ومأرب والضالع.

إحجام قبلي

في ريف صنعاء، كشفت مصادر قبلية عن تعثر مساعٍٍ حوثية لتجنيد العشرات من أبناء مديريتي خولان الطيال ونهم، بعد أن دفعت الجماعة بوجهاء قبليين للمشاركة في عمليات التحشيد واستقطاب مقاتلين وإلحاقهم بجبهاتها.

وأوضحت المصادر أن تلك المساعي قوبلت بإحجام وتجاهل من جانب عدد كبير من الأسر، مشيرة إلى شكاوى من لجوء بعض المشرفين الميدانيين إلى اقتياد شبان من المدارس والطرقات وإلحاقهم بمعسكرات تدريب، تمهيداً لإرسالهم إلى الجبهات من دون علم أسرهم.

وفي محافظة ريمة، وتحديداً في مديرية الجبين، مركز المحافظة، تحدثت مصادر محلية عن تعثر حملات حوثية لحشد مجندين جدد في عدد من الأحياء والمناطق، مشيرة إلى امتداد حالة الرفض إلى قرى وعزل في مديريات أخرى.

قيادات حوثية في ريمة أثناء نزولهم الميداني لغرض الحشد والتعبئة إلى الجبهات (فيسبوك)

ومع تعثر عمليات التعبئة في أوساط السكان، اتجهت الجماعة، وفق المصادر، إلى استهداف المدارس الحكومية في محاولة لاستقطاب طلاب وتجنيدهم.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القيادي هشام الشرفي، المكنى «أبو علي البكالي»، والمعين مسؤولاً للتعبئة في مديرية الزاهر بالمحافظة، نفذ عدداً من الزيارات الميدانية إلى مدارس بهدف حشد الطلاب واستقطابهم.

وأضافت أن هذه التحركات قوبلت برفض من جانب عدد من الطلاب وأسرهم ومعلميهم، وسط مخاوف من تحويل المؤسسات التعليمية إلى ساحات للتعبئة العسكرية.

استقطاب الطلاب

يقول عاملون في القطاع التربوي في ريمة إن تكثيف أنشطة التجنيد الحوثية داخل المدارس أثار مخاوف متزايدة بين المعلمين وأولياء الأمور، معتبرين أن هذه الممارسات تتجاوز الدور التعليمي للمؤسسات التعليمية وتمتد إلى استقطاب الطلاب وإلحاقهم بجبهات القتال.

وأضاف العاملون أن سكان المحافظة، إلى جانب سكان مناطق أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين، يسعون إلى توفير بيئة آمنة وتعليم مستقر لأبنائهم، ولا يرغبون في الزج بهم في الأعمال القتالية.

وفي سياق متصل، أفاد مصدر محلي مطلع بأن جماعة الحوثيين استدعت، قبل فترة، أكثر من 30 شخصاً من أبناء مديرية كسمة في ريمة لحضور اجتماع وصفته بأنه «مهم» في باحة إحدى المؤسسات الحكومية، قبل أن تبقي عليهم في مكان غير معلوم.

صور حوثيين من ريمة أعلنت الجماعة مقتلهم (فيسبوك)

وبحسب المصدر، لا يزال مصير هؤلاء الأشخاص مجهولاً حتى الآن، مرجحاً أن تكون الجماعة قد اقتادتهم قسراً إلى جبهات القتال من دون إبلاغ أسرهم.

وتُعد محافظتا ريف صنعاء وريمة من المناطق التي تعتمد عليها جماعة الحوثيين في عمليات التعبئة والحشد، غير أن المصادر المحلية تشير إلى تراجع ملحوظ في تجاوب السكان مع حملات التجنيد الأخيرة، في ظل رفض اجتماعي متزايد لمحاولات استقطاب أبنائهم وإلحاقهم بجبهات القتال.)