هل طردت جوائز الشعر «العمودي» شعراء النثر؟

من الصعب القول بأن قصيدة النثر هي قصيدة المستقبل

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

هل طردت جوائز الشعر «العمودي» شعراء النثر؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

يُثير حديث العودة إلى قصيدة النثر أسئلةً عن رهاب الهيمنة الشعرية، وعن مشاكلتها مع التاريخ والسياق، ومع مفاهيم «الفحولة» و«العمود»، فهل يكون هذا الحديث محاولةً لإعادة الثقة بـ«ناثري الشعر»؟ وهل الاكتفاء بجوائز الشعر «العمودي» جعل شعراء النثر مطرودين، وخارج لعبة الضوء والتنافس؟

هذه الأسئلة تبدو مفارقة، وفاجعة أحياناً، ليس لأن «قصيدة النثر» تجاوزت ما هو أجناسي، لتحضر بوصفها شكلاً وأداءً في الممارسة الشعرية، لها شعراء رواد، و«أبطال» جعلوا منها حافزاً على إعادة قراءة التاريخ الشعري، واستغوار مساحاته التي يمكن أن تتسع للمغامرين.

ما بين هذا وذاك، تحضر أسماء وظواهر بعينها، لتجعل السؤال الشعري قابلاً للجدل والمشاكلة، لا سيما في الحديث عن أسماء مثل أدونيس وأنسي الحاج ومحمد الماغوط، وظواهر مثل مجلة «شعر» ومجلة «مواقف».

«هو بيننا الأنقى» عبارة أطلقها الشاعر أدونيس على أنسي الحاج، حملت معها اعترافاً ضمنياً بجدّة «قصيدة النثر»، فجعل من النقاء الوجودي قريناً لـ«النقاء الشعري»، وربط ذلك بالشغف العميق بحيوية نظرته للتجديد والمغايرة، إذ يردف ذلك التوصيف بالمراجعة عبر قوله: «كلنا ملوثين بالتقليد، فمعك، يا أنسي، يزداد استمساكنا بحبل الرؤيا، يتّسع أسلوبنا في التعبير عنها، وينمو ويُغنى، يصبح لنا نوع آخر من الشعر، ومن النثر أيضاً».

إنسي الحاج

هذا القول، يضعنا إزاء حساسية أدونيس لقصيدة أنسي الحاج ولخصوصيته في كتابة قصيدة النثر، وعلاقة هذه القصيدة بالتجديد، بوصفه رهاناً على الحلم بالتطهير الشعري، وعلاقة هذا التطهير بفاعلية الوعي بالتجديد، وبالنزوع إلى جعل التمرد على التاريخ وعياً بالتغيير، وباتجاه إخراج الكتابة الشعرية من «تابوات الممنوع»، إذ يكون الشعر هو جوهر «الهوية العميقة» مثلما هو شفرتها في التعاطي مع مفاهيم الجدّة والحداثة، التي تعني - بالضرورة - مساءلة مركزيات «تاريخ الشعر»، ومقاربة مداولاته النقدية/ المفاهيمية، وصولاً إلى التعرّف على لحظات المفارقة الصادمة بين التاريخ والمغامرة، بوصفها تمثيلاً لثنائية «المطابقة والاختلاف»، فبقدر ما تاريخ الشعر حافلٌ بقوة المركزية ومطابقتها، فإنه حافل بمغامرين حالمين بالاختلاف مثل أبي نواس وأبي تمام، وصولاً إلى ما حفلت به القصيدة الأندلسية، وأحسب أن الحديث عن مجلة «شعر» اللبنانية يدخل في سياق تلك المفارقة، وفي التبشير بـ«مشروع القصيدة الجديدة»، كما أشار لذلك الشاعر يوسف الخال في افتتاحية العدد الأول من المجلة، إذ ارتهن هذا المشروع بطبيعة القلق الذي كان يعتور المسار الشعري، وبجرأة الأسئلة الفارقة التي أثارها شعراء الريادة في العراق؛ السياب، نازك الملائكة، عبد الوهاب البياتي.

لا يمكن قراءة مشروع القصيدة الجديدة، إلّا في سياق نزوعها لمفارقة تاريخ المركزة الشعرية، والخروج من النظام الصارم إلى حساسية العالم، حيث تكون هذه القصيدة «وعياً جديداً للعالم»، وسؤالاً وجودياً محفوفاً بالقلق والتململ، واستكناه أشكال كتابية تتمثّل هاجس المغايرة.

أدونيس

هذا المعطى التجديدي ليس بعيداً عن المتغيرات السياسية العالمية، ولا عما حدث في الواقع العربي ما بعد الحرب العالمية الثانية من تحولات، جعلت من مجلة «شعر» وكأنها حاضنة لبعض التوجهات الليبرالية التي أطلقها «الحزب القومي السوري» الذي التف حوله عدد كبير من المثقفين العرب في لبنان وسوريا، من أبرزهم يوسف الخال وأدونيس وعصام محفوظ وعادل ظاهر، ورغم ما أثير حول «المجلة» من لغط يخصّ مصادر تمويلها، فإنها كانت علامة فارقة على مسار التحول الفارق في الشعرية العربية، وانغمارها في استشراف أفق شعري جديد، على مستوى الوعي بالأشكال الشعرية، وعلاقة الشعر بالآيديولوجيا، أو على مستوى الوعي بالعلاقة مع الآخر، إذ تحولت المجلة إلى «مجال ثقافي» مفتوح على المغايرة، حيث استقطب أفكاراً جديدة، وأطروحات مثيرة للجدل، لا سيما في الكتابة والترجمة، وفي الانفتاح على تابوهات ثقافية، تخص قضايا إشكالية مثل الهوية والتاريخ والأمة والدين، فضلاً عن إشكالية الكتابة الشعرية ذاتها، وهو ما بدا واضحاً وصادماً بعد ترجمة أدونيس لفصول من كتاب سوزان برنار «قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا»، الذي تحول إلى منهل سحري وغاوٍ لمواجهة مركزية التاريخ والنمط الشعري السائد.

كما أنّ التلازم بين ليبرالية الوعي وليبرالية الكتابة استقطب - من جانب آخر - عدداً مهماً من الأدباء العرب إلى مغامرته، لا سيما الشعراء ذوي النزعات التجديدية مثل السياب وسلمى الخضراء الجيوسي ومحمد الماغوط وخالدة سعيد وحليم بركات وفؤاد رفقة وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا وتوفيق صايغ وجبرا إبراهيم جبرا وغيرهم.

أثارت هذه المجموعة «الثقافية» أسئلة جديدة، وتحدياً جديداً، كشف عن المخفي في الصراعات الثقافية والآيديولوجية، فبدت ليبرالية مجلة «شعر» وكأنها «ضدٌ نوعيٌّ» لمجلة «الآداب» البيروتية ذات التوجه القومي الناصري، وكذلك في مواجهة ما كانت تطرحه مجلة «الثقافة الوطنية» ذات التوجهات الماركسية التقليدية، التي استثمرت أجواء انتصار معسكر الحلفاء والقوى الاشتراكية في الحرب العالمية الثانية، فاستغرقتها أطروحات الأدب الثوري والأدب الملتزم.

التوصيف والمغامرة

توصيف قصيدة النثر بأنها «روح التصميم الحداثي»، كما قال الشاعر كمال خير بك، أطلق العنان للحديث عن علاقتها بالمتغيرات الكبيرة، غير البعيدة عن التأثرات بمتغيرات «الحداثة» الشعرية في أوروبا، ومخاضات التجديد في فلسفات التنوير والإصلاح، التي وجدت في الترجمات الفلسفية، والشعرية، هاجساً لمقاربة أسئلة الوعي العميق بتوصيف مغامرة كتابة هذا الشعر، لا سيما عند الشعراء الفرنسيين والإنجليز والأسبان، إذ أعطت هذه المتغيرات زخماً دافعاً، جعلها مفتوحة، وقريبة من هواجس المثقف العربي المسكون بصراع «التاريخ والحداثة» والغامر في صراعات سياسية واجتماعية جاءت بعد الحراك الثوري والانقلابات العسكرية في مصر والعراق ولبنان، وكذلك بعد نجاح الثورة الجزائرية وبعد معركة التحرير والاستقلال.

مغامرة الكتابة الجديدة بدت وكأنها حساسية فائرة إزاء ما يجري في الواقع، وهذا ما أعطى لمشروع القصيدة الجديدة أفقاً غير واضح الملامح، وتوصيفات توزعت بين «الثورة، التمرد، المغامرة، الانقلاب» أعادت الشاعر إلى نرجسيته، وإلى إحساسه بأن العالم لم يعد ضيقاً، وأنه غير محكوم بذاكرة النوع الشعري الواحد.

اقتران قصيدة النثر بمجلة «شعر» لم يكن واضحاً، فالحديث عن «مشروع القصيدة الجديدة» كان هو الهاجس، والمُحرّض على المغامرة الشعرية، لكن موضوع هذه القصيدة بدا واضحاً بعد ما كتبه الشاعر محمد الماغوط في العدد الخامس من المجلة، وكذلك بعد ما كتبه أنسي الحاج، الذي وضعه عنواناً لبيانه الشعري المنشور مع مجموعته الشعرية «لن»، إذ استشرف هذا الشاعر سؤالاً وجودياً رافضاً للنمط القديم، وباعثاً لروح جديدة عبر الشكل الجديد، وعبر الرؤيا الجديدة التي أدرك ضرورتها بمواجهة ما يعتور النمط القديم من شيخوخة وتكرار وترهل... ولأن مشروع الحديث ومفارقة النمط في المجلة كان مضطرباً، فكان بروز إشكالية فهم التحديث من أكثر عوامل الإغلاق الأول للمجلة، لا سيما بعد ما أثارته قراءة يوسف الخال لمجموعة شاعر العامية اللبنانية ميشيل طراد، من أسئلة تخص هوية المجلة، وهوية المشروع الشعري، والطابع «الشعبوي» الذي اقترن بما هو هامشي في الثقافة العربية، لا سيما تمثيل الهامش اللغوي عبر تحفيز الكتابة باللهجات المحلية، وهو ما جعل البعض يدرك خطورة هذا النزوع الذي يُهدد هوية «الشعر العربي» عبر تهديد اللغة، مثلما جعل من مشروع المجلة وكأنه مشروع «تسقيطي» يهدف إلى المغالاة بالثقافات المحلية، مما دفع أدونيس الفاعل في تأسيس المجلة إلى التقاطع مع يوسف الخال، ومع مشروعه في «لبننة» توجهاتها الشعرية، وهو ما قاد شعراء آخرين إلى التمرد على سياسة المجلة مثل خليل حاوي ونازك الملائكة وصولاً إلى خروج أدونيس عنها.

أثار وعي المغامرة الشعرية جدلاً مفاهيمياً حول هوية هذه القصيدة وحول شرعيتها، وهل أن حيازتها على عناصر جمالية وكثافة صورية تكفي لإعطائها «حق الإقامة» في المجال الشعري؟

هذه الإثارة ظلت محط شّذٍ وجذب، فرغم أهمية مجلة «شعر» في حماية هذه القصيدة، فإن واقع الحال جعلها تبدو الأقرب إلى تمثيل المفارقة في تاريخ الشعر العربي الحديث، ولعل ما حدث في الستينيات من القرن الماضي جعلها تدخل في أكثر تحولاته وأحداثه صخباً، وحتى بالحركات التي استغرقت الجسد السياسي والثقافي والآيديولوجي العربي، الذي جعل من الانفتاح على «قصيدة النثر» وكأنه انفتاح على جزيرة سحرية، أغوت الكثير من الشعراء بالتطهّر من عقد التاريخ والنمط والمركزة الشعرية، لا سيما بعد الانقلاب الدموي في العراق عام 1963 والهزيمة العربية عام 1967، وهو ما حدا ببعض النقاد والباحثين إلى البحث في التاريخ العربي وأسفاره ومقاماته وخطبه عن جذور لهذه القصيدة، رغم أن أطروحات سوزان برنار حول «قصيدة النثر» قطعت الطريق على ذلك، من خلال التأكيد على عنصر «القصدية» في كتابتها.

التجاوز على تاريخ النمط أعطى للبعض غواية التمرد، والبحث عن أطرٍ «معاصرة» تُعطي للكتابة الشعرية وجوداً متعالياً على مستوى وعي الزمن الشعري في حركاته وتجدده، أو على مستوى الصياغة والتركيب والكثافة والإيحاء بما يشبه «الإيقاع الداخلي» كغطاء نظري لربط الشكل بالتوصيف الشعري، وعلى نحوٍ يجعل من هذه الكتابة تعبيراً عن وعي حاد باستحداث فهم مجاور وجديد للشعر يقوم على توكيد مفهومي للمغايرة والتجاوز، أشار إليه أدونيس بالقول «لم تعد حركة الشعر الحقيقية وسط الركام الكثير للموروث مرتبطة بالسياسة أو الأخلاق والعادات العامة والشائعة، بقدر ارتباطها بحركة التطور الحضاري، ولم يعد الشعر بمعنى آخر للفائدة والمنفعة، بقدر ما أصبح عملاً إبداعياً داخلياً يجد فيه الشاعر تعزيته وخلاصه».

مغامرة الكتابة الجديدة بدت وكأنها حساسية فائرة إزاء ما يجري في الواقع

الشعرية والتجاوز

من الصعب القول بأن قصيدة النثر هي قصيدة المستقبل، لأن هذا التوصيف سيجعلها وكأنها تحمل معها معياراً يُحدد كل ما يتعلق بمفهوم «الشعرية» وحتى بطبيعة التجاوز الذي هو تمثيل لحركة دائبة، فالشعر في هذا السياق يجعل من فكرة «الشعرية» جوهراً للقيمة، وللحساسية التي ينبغي أن تتمثلها القصيدة في سياقها الوجودي، وحتى في تمثيل الذي تحمله «قصيدة النثر» بوصفها تقع في المفارقة، وفي التجاوز ذاته، وفي إعطاء التجاوز طابعاً مفهومياً يعكس فلسفة الوعي بالوجود، وبخصوصية الشاعر في النظر إلى العالم، فهذا الشاعر «لا يستطيع أن يبني مفهوماً شعرياً جديداً، إلّا إذا عانى في داخله من انهيار المفهومات السابقة، ولا يستطيع أن يجدد الحياة والفكر، إذا لم يكن عاش التجدد».

فإذا كانت الشعرية تعني دراسة فعل اللغة في الشعر، عبر التعرف على انزياحاته، فذلك يجعلها مرهونة بدراسة «شعرية الخطاب» كما عند تودوروف، و«الوظيفة الشعرية» كما عند جاكوبسن، أو بدراسة «الانزياح» كما عند جون هوكين، أو بشعرية الفجوة - مسافة التوتر كما عند كمال أبو ديب، أو بشعرية الرؤيا كما عند أدونيس، وهذه الوظائف تنطلق من فكرة «أن الشعريّة في ذاتها هي ما يجعل الشّعر شعراً، وما يُسبِغ على حيّز الشّعر صفة الشّعر، ولعلّها جوهره المطلق»، وبما يُعطي لفاعلية التجاوز وعياً بحمولات الشعرية ذاتها، لا سيما في النظر إلى قصيدة النثر، بوصفها أداء تتكثف فيه الوظيفة والانزياح والرؤيا، وبما أن هذه القصيدة قد كرست حضورها، فإن مفهوم الشعرية يظل مفهوماً مُحفِزاً على المساءلة والتجاوز، وحتى على إعادة التعريف والتوصيف، وربما للقبول بشكل شعري جديد ومغاير.


مقالات ذات صلة

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار
ثقافة وفنون سيرة سينمائية بلا ماكياج

سيرة سينمائية بلا ماكياج

في كتابه «صانع النجوم حلمي رفلة - سيرة سينمائية بلا ماكياج» الصادر عن دار «آفاق» بالقاهرة، يتتبع الشاعر جرجس شكري سيرة واحد من المؤسسين الأوائل لصناعة الفيلم

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية،

فارس الذهبي

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.