أفلام الحوارات والقضايا الصعبة تفوز غالباً

مع اقتراب موعد مهرجان «كان»

«أنا دانيال دليك» لكن لوتش (سكستين فيلمز)
«أنا دانيال دليك» لكن لوتش (سكستين فيلمز)
TT

أفلام الحوارات والقضايا الصعبة تفوز غالباً

«أنا دانيال دليك» لكن لوتش (سكستين فيلمز)
«أنا دانيال دليك» لكن لوتش (سكستين فيلمز)

في الدقيقة الخامسة من فيلم Gold Diggers of 1935 (لبزبي بيركلي، 1935) يُلقي صاحب فندق من 5 نجوم كلمة مختصرة عن واجبات العاملين والموظّفين المختلفين حيال النزلاء، تتضمن ألّا ينسى الموظف أن يكون صادق النبرة حين يقول «نعم، سير» أو «نعم، مدام» وألا يقول لزبون «لا» مطلقاً.

الجمهور الذي يستمع إليه من أعراق مختلفة (سود وبيض وسواهما) ويتطرّق في النهاية إلى موضوع «البخشيش» الذي هو أهم لهم من عدم حصول بعضهم على راتب، «لأنه أعلى من الراتب التي ستتقاضونه مني»، كما يقول ضاحكاً.

في الدقيقة الـ25 (أو نحوها) في فيلم «مثلث الحزن» (Triangle of Sadness لروبن أوستلوند، هناك المشهد نفسه إنما فوق يخت مرفّه (5 نجوم) حيث تُلقي مسؤولة الخدمات على العاملين، من أعراق مختلفة أيضاً، حواراً مشابهاً يتضمن أن يقول الخدم وموظفو المطعم بنبرة صادقة «نعم سير» و«نعم مدام» وألّا يقول أحدهم «لا» لزبون.

يختلف كل فيلم عن الآخر بناحيتين: «منقبّو الذهب، 1935» فيلم ميوزيكال و«مثلث الحزن» دراما ساخرة. الأول لم يدخل مهرجاناً ولم يفز بجائزة. الثاني دخل «كان» وخرج بجائزة السعفة الذهبية سنة 2022.

بطلا فيلم «مثلث الحزن» (إمبراتيڤ إنترتاينمنت)

صورة وحوار

لم تكن هذه المقارنة مهمّة لدى لجنة التحكيم (ترأسها الممثل الفرنسي ڤينسنت ليندون الذي كان فاز بسعفة أفضل ممثل عن دوره في Titane في العام السابق، 2021 (على افتراض بعيد بأنهم كانوا على علم بهذا التشابه) بل حقيقة أن الفيلم عاين بصورة ساخرة موضوعاً اجتماعياً بأسلوب يلتقط التفاصيل ليعرضها بضعف حجمها العادي.

فيلم قضية اجتماعية في إطار التعرّض لحياة الأثرياء المجتمعين فوق مركب (عوض فندق) والضرب الخفيف بمطرقة فوق الرؤوس لاستخراج مناسبات السخرية المنشودة حول أثرياء اليوم وسقطاتهم.

باستعادة التاريخ الحديث لجوائز المهرجان، مع اقتراب حثيث لموعد دورته العام الحالي (من 6 حتى 27) نجد أن الأفلام التي فازت بالسعفات الذهبية من 2014 إلى 2023 كانت تحمل قضايا. أو يمكن القول بأنها «أفلام قضايا» وبعضها اتّكل بشدّة على الحوارات خلال ذلك.

هذا هو المعاكس تماماً للعقد الأخير من القرن الماضي وبعض العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين. لو أخذنا الأفلام التي فازت بالسعفات الذهبية ما بين 1991 إلى العام 1999 سنجد أن فيلماً واحداً من أفلام القضايا الاجتماعية فاز بالسعفة وهو «روزيتا» للأخوين جان - بيير ولوك داردين سنة 1999. أما باقي الأفلام الفائزة فكانت من تلك التي تتضمن القضية التي تثيرها في انصهار كامل ضمن المعالجة الروائية ذات الأساليب الجمالية.

الحوار تفعيل ضروري إذا زاد عن حدّه بات على نقيض من الصورة ومن الضرورة الحتمية لتفعيل الأخيرة لأنها هي السينما والحوار، بالمقارنة، هو المسرح والراديو.

سينما الأمس والأمس القريب، كانت ما زالت أكثر اهتماماً بتفضيل الصورة على الحوار، وكانت كذلك أكثر اعتماداً على بلورة الأسلوب الذي من أجله يستطيع الفيلم إيصال ما يريد إيصاله عوض أن يلقيه أمام المشاهدين على نحو مباشر.

نجد هذا ماثلاً في «متوحش في القلب» لديفيد لينش (1990)، و«بارتون فينك» للأخوين كووَن (1991)، و«أفضل النوايا» لبِل أوغست (1992)، و«وداعاً عشيقتي» لغايكي تشن (1993)، و«بالب فيكشن» لكونتن تارنتينو (1994)، و«أندرغراوند» لأمير كوستارتزا (1995)، و«أسرار وأكاذيب» لمايك لي (1996)، و«طعم الكرز» لعباس كياروستمي (1997)، و«الأبدية ويوم» لثيو أنجيلوبولوس (1998).

من القاع

هذا لا يجب أن يعني أن هذه الأفلام (وكثير منها رائع) لا يتضمن مضامين اجتماعية أو سياسية أو أي اهتمام إنساني النشأة، بل هي على اختلاف منهج كل مخرج، تنعم بأسلوب عمل يضع «المنهج» و«الطريقة» قبل القضيّة المثارة. بعضها، مثل «بالب فيكشن» لم يحمل أي قضية استثنائية أو انتهاء لتحليل جاد. بعضها الآخر، مثل «أندرغراوند» اشتغل على تشكيل فني صوتي وبصري حافل احتوى حكايات تنتمي إلى شخصيات الفيلم المتعددة. البعض الثالث، كما حال «الأبدية ويوم» انتمى لسينما الشعر والتأمل وعرض «قضيّته» فوق بساط من المشاهد الجمالية التي لا تُنسى.

على العكس من ذلك، ولأسباب تتعلّق بنقلة ثقافية من بين أسباب أخرى، أتت الأفلام التي فازت بالسعفات الذهبية في السنوات العشر الأخيرة معاكسة.

بدءاً بالفيلم الفائز في العام الماضي، «تشريح سقوط» للفرنسية جوستين ترييه، نلحظ تركيبة بسيطة (تمهيد، محاكمة، فلاشباك) لتناول موضوع المرأة المتهمة بقتل زوجها. خلال المحاكمة تكشف عن العلاقة القائمة على الهيمنة والحرمان الجنسي من قِبل الزوج المصاب بإحباط شديد. الموضوع يطغى على الإبداع الأسلوبي في هذا الفيلم كما في فيلم «تيتان» الذي فاز بالجائزة الأولى سنة 2021 من إخراج جوليا دوكوزناو.

ليس أن هذا الفيلم، الفرنسي أيضاً، يخلو من أسلوب عمل، لكنه ليس ذلك الأسلوب الجمالي الذي يوفر المحتوى، بل هو التابع لمحتوى هو بدوره فوضوي وفي أحيان عدّة بشع.

الأمور متساوية على نحو متقارب في الفيلم الكوري «طفيلي» (Parasite) لبونغ جوون هو (2019)، ومن ثمّ غالب لصالح بصرياته في ربع الساعة الأخيرة أو نحوها. قبله بعام فاز الفيلم الياباني «نشالو المحلات» (Shoplifters) لكود إيكا كوزيكازو بالسعفة.

من «ديبان»: مهاجرون إلى بلد جديد (سيليولويد دريمز)

كلاهما يعرض وضعاً اجتماعياً لعائلتين فقيرتين باختلاف أن تلك التي في «نشالو المحلات» لا تعلو فوق السحاب لحين قبل أن تهبط مجدداً كما الحال مع «طفيلي».

في الهم الاجتماعي كذلك كان «ديبان» للفرنسي جاك أوديار خرج بالسعفة الذهبية سنة 2015. هذا فيلم صادق عن 3 شخصيات سريلانكية (رجل، امرأة، طفلة) جُمعوا من دون سابق صلة ليكونوا بمثابة عائلة واحدة ومُنحوا جوازات سفر مزوّرة لينتقلوا بها إلى فرنسا. بوصول العائلة إلى باريس يستلم ديبان وظيفة مشرف على نظافة مبنى سكني من تلك المخصصة للمهاجرين، بينما تعمل الزوجة المزيّـفة ياليني منظّـفة ترعى شؤون رجل شرس له ماض في الجريمة ولديه الآن ولد شاب اسمه إبراهيم يدير إحدى عصابات المخدرات التي تقطن ذلك المشروع السكني.

يتعامل الفيلم مع هذا الوضع جيداً، وما يُثير الاهتمام هو الفكرة الكامنة في جمع ثلاثة أفراد عليهم أن يتصرفوا كما لو كانوا عائلة واحدة وما ينتج عن هذه الفكرة من مفارقات.

عمل أوديار يبقى مثار احترام شديد لعامِلَين هما، المعالجة القريبة من الموضوع والشخصيات من دون تكلّـف، ولطرحه الموضوع الاجتماعي المثار أصلاً. هذا لم يحدث في الأفلام الأخرى المُشار إليها، مثل «مثلث الحزن» و«الميدان» (للمخرج السويدي أوسلند أيضاً) ولا بالدرجة نفسها من السّكر المُحلّى كما في فيلم «روزيتا» للأخوين داردين.

«ديبان» فيلم جيد بفضل تمسّكه بحكايات من القاع دون تلميع من أي نوع. لا يتجاوزه في ذلك سوى «أنا دانيال بليك» الذي خرج فائزاً بالسعفة في السنة التالية لفوز فيلم أوديار كما لو كان هذا تأكيداً على الرغبة في تشجيع الأفلام التي تدفع باتجاه الاهتمام بمهمشي الحياة.

«أنا دانيال بليك» (I‪,‬ Daniel Blake) حمل الاهتمام نفسه بالمجتمع الدوني، كحال معظم أفلامه التي تتحدث عن رجال ونساء من الطبقة التي لا تملك وهي تحاول فقط دفع فواتير الحياة ووضع بعض الطعام على الطاولة. «آسف، افتقدناك» (للمخرج نفسه، 2019) لم ينجز السعفة على الرغم من إتقان لوتش الدائم لتفاصيل الحياة اليومية وإيصال مفعول المعالجة الدرامية ومتطلباتها في مقابل نقل صدق الوضع الذي يصوّره.

اعتبار صارم

قبلهما، سنة 2014، مُنح «نوم شتوي» (Winter Sleep) للتركي نوري بيلج جيلان، سعفة المهرجان الفرنسي، ومن اللافت أن الفيلم يقوم على حوارات طويلة تقع، في معظمها، داخل غرفة واحدة على عكس أعمال المخرج نفسه السابقة التي حملت انتماءً لسينما أندريه تاركوڤسكي وثيو أنجيلوبولوس.

المشاهد الخارجية لا تزيد على 25 دقيقة وهي الوحيدة الباقية من اهتمام المخرج السابق بالأماكن البعيدة والوحيدة إلا من بعض شخصياتها. هذا من أصل نحو 3 ساعات مدفوع باتجاه تشكيل مسرحي لحكاية رجل وامرأتين يعيشون في تلك القرية الأناضولية المعزولة. لاحقاً ما احتفت أفلام هذا المخرج بالحوار على حساب الصورة. مشهد حوار من ربع ساعة بين صاحب مكتبة ومؤلّف (في «شجرة الإجاص البري»، 2014) لا يمكن له إلا أن يكون نقيضاً لتفعيل فن السينما على ما عاداه.

اعتماد هذا الفيلم، وأفلام أخرى وردت في هذا الاستعراض خلال الأعوام العشرة الأخيرة (وبل العشرين سنة الأخيرة إذا ما شئنا العودة إلى الوراء أكثر)، على الحوار لا يخلو، في اعتبار صارم، بمناهضته روح السينما القائمة، أساساً، على تفعيل الفن ليسبق المضمون وليس تفعيل المضمون ليسبق ما يمكن القيام به من أسلوب.

في حين لا ينادي أحد أن تكون الأفلام البصرية والتأملية خاوية، وهناك ما هو ممتاز وأقل من ذلك منها، فإن الأفلام التي تعتمد على العرض الاجتماعي بدورها لديها همّ تطويع المضمون لمعالجة فنية في الأساس كما حال «أنا، دانيال بليك» الذي لا يتمتع ببصريات أخاذة، بل بالشغل على الواقع المٌعاش كغطاء وكأرضية لما يُسرد أمام الكاميرا من شخصيات وأحداث.

تقييم الأفلام الفائزة بالسعفة ما بين 2014 و2023

2014: Winter Sleep إخراج: نوري بيلج جيلان (تركيا) ★★★

2015: Dheepan إخراج: جاك أوديار (فرنسا) ★★★

‫2016: I, Daniel Blake‬ إخراج: كن لوتش (بريطانيا) ★★★★

‫2017: The Square‬ إخراج: روبن أوستلوند (السويد) ★★★

2018: Shoplifters إخراج: كود إيدا كوريكازو (اليابان) ★★★

2019: Parasite إخراج: بونغ جوون هو (كوريا الجنوبية) ★★★★

2020: أُلغيت الجوائز بسبب «كورونا»

‫2021: Titane ‬ إخراج: جوليا دوكرناو (فرنسا) ★

‫2022: Triangle of Sadness‬ إخراج: روبِن أوستلوند (السويد) ★★★

2023: Anatomy of a Fall إخراج: جوستن ترييه (فرنسا) ★★★


مقالات ذات صلة

«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

يوميات الشرق شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)

«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

انتقدت شركة «مصر للطيران» الناقل الوطني بمصر مشهداً بفيلم «السلم والثعبان 2» الذي انطلق عرضه مؤخراً عبر إحدى المنصات الإلكترونية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)

فيلم «إيجي بست» يستعيد حكاية أشهر مواقع القرصنة المصرية

يستعيد فيلم «إيجي بست» قصة أحد أشهر مواقع القرصنة على الأفلام في مصر.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق الفنان المصري ميشيل ميلاد (حسابه على فيسبوك)

ميشيل ميلاد لـ«الشرق الأوسط»: حريص على عدم تكرار نفسي فنياً

قال الممثل المصري، ميشيل ميلاد، إن ردود الفعل التي تلقاها عن مشاركته في الدراما الرمضانية، من خلال مسلسلَيْ «هِيَّ كِيمْيا» و«النُّص التاني»، أسعدته كثيراً.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق جمع المخرج أرشيفاً عن بطل الفيلم من عدة دول (الشركة المنتجة)

ميغيل إيك لـ«الشرق الأوسط»: ركزت على تناقضات المناضل الأفريقي كابرال

قال المخرج الإسباني ميغيل إيك إن تجربته مع فيلم «أميلكار» لم تكن مشروعاً سينمائياً تقليدياً بقدر ما كانت رحلة طويلة لفهم شخصية استثنائية بدأت قبل نحو عشر سنوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
فيلم «سفاح التجمع» ينتظر الموافقات الرقابية (الشركة المنتجة)

مصر: أزمة «اعترافات سفاح التجمع» تتجه للحل بعد التجاوب مع «الرقابة»

تتجه أزمة منع عرض فيلم «اعترافات سفاح التجمع» للحل خلال الأيام القليلة المقبلة بعد تجاوب صناع العمل مع «الرقابة على المصنفات الفنية».

أحمد عدلي (القاهرة )

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.


شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)

Only Rebels Win

«لمن يجرؤ» ★★★

• إخراج:‫ دانيال عربيد‬

• لبنان/ فرنسا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

هناك تناقض بين ما يسرده الفيلم وبين العنوان التسويقي الذي اختاره وهو (Only Rebels Win) («لمن يجرؤ»). هذا لأن العلاقة بين سوزان المسيحية الفلسطينية الأصل (الجيد هيام عبّاس) وبين السوداني عثمان (أمين بن رشيد) لا تنتهي بأي ربح. بعد علاقة حب متبادل بين الأرملة التي تبلغ 63 سنة والعامل السوداني عثمان ذي الـ 27 سنة يمشي كل منهما في درب مختلف. تعود هي إلى كنفها وواقعها ويبعث لها برسالة بعدما هاجر إلى بلد آخر.

لا غبار على الحكاية ذاتها: سوزان تنقذ عثمان من شبّان تعرّضوا له بالضرب. تأويه إلى شقّتها في تلك الليلة التي تلتها ليالٍ أخرى حفلت بحب كلٍّ للآخر عاطفياً وجسدياً. هي تجد فيه أملاً أن تُحب من جديد، وهو يجد فيها أمل الاستقرار من حياة من العوز وعدم الاستقرار.

حديث عن زواجهما المحتمل (والذي لا يتم) يُضاعف من ردّ الفعل الذي يفوح بالعنصرية. تصبح سوزان حديث محيطها الاجتماعي في بيروت (حيث تدور الأحداث)، وسبباً في مواجهات وخناقات بينها وبين ابنتها وابنها، كما بين جيرانها.

الفحوى هنا يكاد يكون أهم ما يعرضه الفيلم. عربيد تعرف ما تتحدّث فيه وتعرض مواقف عنصرية عانى منها، كما يذكر الفيلم، الفلسطينيون والسوريون وأجانب آخرون. هنا تصبح سوزان عرضة لانتقاد القريب والبعيد لها على أساس أنها تعاشر سودانياً مسلماً. هناك فصول يشوبها الضعف (كمشهد سرقة بغية دفع عثمان لتكاليف السفر)، كذلك أن الانتقالات بين كل مشهد وآخر لا تقوم على الربط بينها في سياق مشدود. وبينما كل الشخصيات تعكس واقعاً وعمقاً، فإن شخصية عثمان تقوم على الفكرة وليس التجسيد.

TRACES

«آثار»

★★1/2

• إخراج:‫ أليسا كوڤالنكو، مرسيا نيكيوك‬

• أوكرانيا/ بولندا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

الفيلم الخامس للمخرجة الأوكرانية أليسا كوڤالنكو.

في العام 2014، خلال احتلال الروس لمقاطعة دونباس، تعرّضت المخرجة أليسا كوڤالنكو للاغتصاب والعنف، ثم لمحاولات «إعادة تأهيلها». خرجت من التجربة وقد حدّدت هدفاً ثابتاً لها، وهو مساعدة أخريات عانين ما عانته. الناتج هو هذا الفيلم، الذي تشرح فيه ما حدث لها وكيف قررت إنشاء جمعية للاعتناء بالنساء اللواتي تعرّضن للتجربة ذاتها (تُعرف الجمعية بأحرفها الأولى CRSV).

«آثار» (مهرجان برلين)

هذا فيلم كاميرا تصوّر نساءً يتحدّثن أكثر من تصوير الأحداث ذاتها. لا ملامة هنا، إذ لا يمكن استعادة هذه الحكايات روائياً وإلا لخرج الفيلم عن كونه تسجيلياً، لكن بصرف النظر عن قيمة تلك المعاناة كما تتبدّى تباعاً عبر المقابلات، فإن القيمة الفنية محدودة. كل حكاية مروية هنا من قبل الضحايا (ستة) تستحق التسجيل، لكن لا شيء أبعد من ذلك على صعيد التأليف الجيد، باستثناء اعتماد المخرجتين على شريط الصوت وكيفية تصوير شخصياتهما في إضاءة خافتة. الفيلم، بطبيعة ما يسرده، مُحمّل بالعاطفة، وحسنته في هذا المجال هي مساحات من الصمت تسود بعض مشاهده لتسجّل المشاعر الحزينة والأمل بالتغلّب على ذاكرة قاسية.

AROUND PARADISE حول الفردوس

‫يوليا لوكشينا

• ألمانيا (2026)

• تسجيلي | ألوان (120 د)

• مهرجان برلين (بانوراما) | ★★★

في أواخر القرن التاسع عشر، سعت إليزابث فورستر نيتشه، شقيقة الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه، لتأسيس «عالم جديد» في منطقة نائية في باراغواي، قريباً من الموقع المسمّى بـ«الفردوس الأخضر»، والذي اختاره حديثاً رجل أعمال ألماني امتلك مساحات أرض كبيرة بغية بناء مجتمع جديد ينأى بنفسه عن العالم المحيط وما يدور فيه.

«حول الفردوس» (مهرجان برلين)

أحد أهم مشاهد الفيلم هو الذي يُبدي فيه أحد المستثمرين قلقه من أن يختلط سكانه البيض بآخرين من عناصر أخرى.

يكشف المشهد نفسه عن أمر آخر عندما يعبّر البعض عن شكوكهم حول المشروع بعدما استثمروا فيه، ليجدوا أنه ما زال أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة.

ما يوحي إليه الفيلم هو أن فكرة إقامة شعب مختار بعناية عرقياً وطبقياً تراءت للأوروبيين منذ قرون سابقة، بصرف النظر عما انتهت إليه تلك الأحلام.

عرفت المخرجة كيف تكسب ثقة أصحاب المشروع وتُصوّر ما تريد، قبل أن تقوم بعملية توليف هادفة سياسياً وتحمل تحذيراً اجتماعياً. هناك تناسق بين المشاهد داخل المحمية وخارجها، ومتابعة لعدة شخصيات. هذا وحده لا يجعل الفيلم مميّزاً على صعيد الحرفة، بقدر ما يتبلور ككشف لهاجس يعكس فكرة خوف الإنسان من العالم المحيط به.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
TT

أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)

ما الذي يجعل هذا الممثل جيداً وذاك أقلّ جودة؟ كيف الحكم على مستوى التمثيل بين ممثل وآخر؟ البعض يعتقد أنّ درجة التصديق مهمّة في هذا المجال. نعم، تصديق الممثل حين يلعب دوراً ما هو فعل مهم، لكنه ناتج عما هو أهم: مدى نجاح الممثل في تشخيص الدور المُسند إليه ليتبناه كما لو كان بالفعل هو. درجة التبنّي تصبح الهدف والإنجاز. لذلك صدّقنا أنطوني هوبكنز عندما لعب شخصية هانيبال في «صمت الحملان»، وصدّقنا مارلون براندو في «العرّاب»، وفانيسا ردغريف في «جوليا».

خيارات صعبة

إذ ينطلق حفل الأوسكار، الأحد المقبل، سنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً، التي هي عملية فرز وانتقاء تقوم على حسابات متداخلة وصعبة، كون المنافسة بين الممثلين المرشّحين للأوسكار، نساءً ورجالاً، صعبة ومربكة.

بينيسيو دل تورو وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى» (مشهد من الفيلم)

عدد المتنافسين 20 ممثلاً في 4 أقسام (أفضل ممثل في دور رئيسي، أفضل ممثلة في دور رئيسي، أفضل تمثيل رجالي مساند وأفضل تمثيل نسائي مساند)، معظمهم يستحقون الترشيح وبعضهم يستحقون الفوز.

ليست الغاية هنا الحديث عن التوقّعات (هذا نتركه لتحقيق آخر)، بل البحث في جوهر أداء كلّ من مايكل ب. جوردان في «خاطئون»، وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى»، وإيثان هوك في «بلو مون»، وتيموثي شالامي في «مارتي سوبريم»، وواغنر مورا في «العميل السرّي» في الجانب الرجالي، وجوهر أداء جيسي باكلي عن «هامنت»، وإيما ستون عن «بوغونيا»، ورينات راينسفي في «قيمة عاطفية»، وكايت هدسون في «سونغ سونغ بلو»، وروز بيرن في «لو كانت لدي ساقان لرفستك».

إيما ستون في «بوغونيا» (مشهد من الفيلم)

على صعيد الممثلات، انضمّت إيما ستون إلى فريق من المرشّحات والفائزات السابقات مثَّلن أدواراً خاصة يُستَخدم فيها الجسد وقدرة الممثلة على تجسيد الألم النفسي درامياً. في «بوغونيا»، تؤدّي ستون شخصية امرأة تتعرَّض للعنف الجسدي ولحلق الرأس وبعض الضرب كذلك. تؤدّي ذلك بامتثال وليس بعكس قدرات من نوع الانسجام فعلياً مع الدور.

هي في مستوى جيسي باكلي ورينات راينسفي وروز بيرن عينه لجهة أنّ كلاً منهنّ يؤدّي الدور كما أوصى المخرج بذلك. راينسفي هي الأفضل لأن الشخصية وحواراتها هما الأفضل، وهذا ينطبق على كايت هدسون أيضاً.

ينطلق حفل الأوسكار يوم الأحد وسنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً

براهين

رجالياً يمكن طرح السؤال عمّا إذا كان تيموثي شالامي يؤدّي «نمرة» مكتوبة وموجَّهة، أم لعب الدور مستقلاً وبدفع من موهبته. في أيّ من الحالتين هو أفضل ما في الفيلم الذي تولّى بطولته.

ليوناردو ديكابريو هضم الشخصية التي يؤدّيها في «معركة تلو الأخرى» جيداً. هذا مبرهَن عليه بالمَشاهد التي تتوالى. على عكس شخصية مارتي كما لعبها شالامي التي انتهجت خطاً واحداً لا يتغيّر. ديكابريو فهم السيناريو ويؤدّيه وفق تطوّراته وكلّ مرحلة زمنية منه.

إذا كان هناك من ممثل عمد إلى فنّ التمثيل عاكساً مفهوماً كلاسيكياً بنجاح، فهو مايكل ب. جوردان عن «خاطئون»، يليه في المضمار ذاته إيثان هوك في «بلو مون»، والبرازيلي واغنر مورا في «العميل السرّي».

لكن المنافسة حامية أيضاً في مسابقة أفضل ممثل في دور مساند. يكفي هنا أن نجد ممثلين آخرين في فيلم «معركة تلو الأخرى» يتنافسان على هذه الجائزة هما بينيسيو دل تورو وشون بن. الممثل المخضرم دلروي ليندو أدّى دوره في «خاطئون» بمعية ذلك الحنين الزمني لموسيقى البلوز. جاكوب إلوردي لعب شخصية الوحش في «فرانكنشتاين»، وهذا تفعيل جسدي أكثر منه درامياً مهما كانت موهبة الممثل. ستيلان سكارسغارد في «قيمة عاطفية» هو فنان أداء في دور مناسب.

ليس عن انحياز من أيّ نوع، لكن أداء تيانا تايلور في «معركة تلو الأخرى» أكثر فاعلية من زميلاتها المرشَّحات لأوسكار أفضل تمثيل نسائي مساند، وهنّ إنغا إبسدوتر (قيمة عاطفية)، ويونومي موساكو (خاطئون)، وإيمي ماديجان (سلاح)، وإيل فانينغ عن «قيمة عاطفية».

ما سبق ذكره قادر على أن يعكس إلى أيّ مدى تبلغ حدّة المنافسة بين الأسماء العشرة المذكورة. إنه قراءة قائمة على التعرُّف إلى الأساليب التي تكوَّنت من خلالها بعض الأداءات، علماً بأنّ تصويت الناخبين قد يأتي مُطابقاً لما ورد هنا أو مختلفاً تبعاً لحسابات قد لا تكون محض فنّية.