أحمد أبو خنيجر: أنا ابن الحكاية الشعبية ومخيلة الجنوب

تمرد على مركزية العاصمة ليحظى بمساحة من التأمل والهدوء

أحمد أبو خنيجر
أحمد أبو خنيجر
TT

أحمد أبو خنيجر: أنا ابن الحكاية الشعبية ومخيلة الجنوب

أحمد أبو خنيجر
أحمد أبو خنيجر

يعد الكاتب أحمد أبو خنيجر أحد أبرز الأصوات في جيل التسعينات الأدبي بمصر، تمرد على مركزية العاصمة، واستطاع أن يفرض اسمه بقوة الموهبة على المشهد الثقافي رغم إقامته بأقصى جنوب البلاد. منحته النشأة في محافظة أسوان مساحة واسعة من التأمل والهدوء، واتسمت كتاباته بالعذوبة والحميمة والقدرة على سبر أغوار واقع مختلف وشديد الخصوصية، كما تنوع إنتاجه ما بين القصة القصيرة والرواية والمسرحية والدراسات الشعبية؛ ومن أبرزها «العمة أخت الرجال»، و«نجع السعلوة»، و«تلك النظرة»، و«خور الجمال». هنا حوار معه حول رؤيته للواقع الثقافي، وكيف تؤثر الجغرافيا في هموم الكتابة والإبداع.

> عام 1994 كان نقطة البداية حيث كنت أحد الفائزين بجوائز «أخبار الأدب» في القصة القصيرة بحضور نجيب محفوظ وخرجت الصحيفة بمانشيت لافت «عشرون كاتباً هديتنا إلى مصر»... إلى أي حد أسهم هذا الحدث في تقديم جيل كامل هو جيل التسعينات الأدبي؟

- ظهور صحيفة «أخبار الأدب» في منتصف عام 1993 كان حدثاً مهماً في حقل الثقافة المصرية، ومسابقتها الأولى التي أطلقتها في القصة القصيرة، كانت في ظني إعادة اعتبار للمشهد الأدبي المصري وإعادة تقليب تربته الممتدة عبر ربوع مصر كلها، وليست مقتصرة على العاصمة، وهو ما أفرزته نتائج المسابقة وكشفت عنه. وبالفعل قدمت عشرين اسماً من جميع أنحاء مصر، هم جزء من ذلك الجيل الذي بدأت تظهر ملامحه جلية، وهو ما أُطلق عليه «جيل التسعينات» تحت ظلال مقولات كثيرة منها: سقوط القضايا الكبرى، وكتابة الصورة وكتابة الجسد واليومي والهامشي؛ بدا أن زخماً هائلاً وحماساً ورافداً جديداً للكتابة ليست السردية فقط، بالجوار كان الشعر يتحرر رويداً من قيوده متجهاً بقوة لقصيدة النثر، بدت وقتها أن حساسية جديدة ومختلفة تتقدم بخطوات واثقة وشديدة الطموح، وهو ما أصبح واضحاً في إنتاج هذا الجيل في السنوات القليلة التالية.

> هل تخلص أبناء هذا الجيل الآن من مفاهيم سادت طويلاً مثل «كتابة التفاصيل اليومية» و«كتابة الجسد»... كيف ترى حضوره اليوم؟

- بمراجعة إنجاز هذا الجيل سنجد تحولات وانحرافات عن هذه المفاهيم بحديتها وتأطيرها الذي قد يبدو خانقاً، وهو ما يمكن تلمُّسه في الروايات والمجموعات القصصية التي أنتجها أبناء هذا الجيل. الحضور اليوم ليس بكثافة ما كان سابقاً، يجب هنا الأخذ بعين الاعتبار أن ما جرى خلال السنوات الأخيرة جعل الكثيرين يراجعون أفكارهم وما جرى حولهم، ومن ثم جعل التأنى والتأمل السمتين الأساسيتين لدى معظم أبناء الجيل.

> بعد 30 عاماً على حماس البدايات ولقاء نجيب محفوظ وجهاً لوجه... كيف ترى الرحلة، ما الذي تحقق وما الذي سقط سهواً على الدرب؟

- بعد المتغيرات الكبرى، خصوصاً ما عُرف بـ«الربيع العربي» وما تلاه من تحولات حادة، بدا الأفق أكثر اتساعاً، لكن سرعان ما انكسر ما لاح حلماً. على المستوى الشخصي أظنني راضياً، إلى حد ما، بما قمت بإنجازه، وإن كان هناك الكثير لا يزال يلح كي يخرج للنور، ربما عليّ أن أتخلص من الكسل الجنوبي المحبَّب، بعضه على الأقل، لكن من المؤكد، حين أعود لبعض الأوراق والشخبطات القديمة أرى بعض الكتابات التي كانت مبشرة لكنها سقطت بسبب ما أشرت إليه من كسل وانشغالات الحياة المجاورة للكتابة، وتطالب أيضاً ببعض حقوقها.

> تردد مفتخراً أنك «ابن الحكاية الشعبية»، لكن ألا تخشى أن يصاب عالمك الأدبي بنوع من النمطية نتيجة استلهام المخيلة الشعبية طوال الوقت؟

- هذا صحيح من وجهة نظر تريد فقط تأطير الكتابة وتضعها في أحد أرفف التصنيف النقدي الباردة، لكن المدهش في الأمر أن المخيلة الشعبية ذاتها لم تكرر نفسها حتى لو أعادت الحكاية نفسها، ليس هناك نمط يمكن الارتكان إليه، الأهم هنا طاقة الخيال المتجددة التي تبعثرها المخيلة الشعبية، كأنها فائض عن الحاجة، غير معنية بهذا التصنيف أو ذاك.

> على ضوء ذلك، إلى أي حد انعكس المزاج والمخيلة الشعبية في أعمالك لا سيما عملك الأبرز «العمة أخت الرجال»؟

- لا يمكن القول بسيطرة المخيلة الشعبية على كتاباتي، هي موجودة بوصفها رافداً أساسياً في الكتابة، ومعيناً خصيباً، لكنها ليست مهيمنة على أساليب الكتابة واختيار موضوعاتها ومناقشاتها، يمكن فقط النظر لها ضمن المكون الأساسي والرئيسي لفهم الجماعة الشعبية لأنفسهم ورؤيتهم للعالم والكون، وهو فهم توجّبت عليّ مناقشته على أكثر من وجه، وهو ما قاد خطواتي في البداية لجمع الفنون القولية والفنية والحكايات لدى الجماعة.

> لكن، لماذا برأيك حظيت «العمة أخت الرجال» بهذا القدر الكبير من الاحتفاء النقدي؟

- كما في الحياة، سنجد طفلا ًيناله الكثير من الاهتمام أكثر من غيره، ليس لسبب بعينه، لكنها حظوظه في الحياة... يمكن في «العمة» بعض السمات التي وُجدت في هذا الطفل دون غيره.

> تكتب القصة القصيرة والمسرحية والرواية، كيف ترى الرأي القائل إنه من الأفضل للكاتب التركيز على نوع أدبي واحد لصنع تراكم ومنعاً لتشتت الجهد؟

- كل ما يكتبه الكاتب، أياً كان نوعه، هو نص الكاتب الذي ينتجه عبر مسيرته، ليس مهماً التصنيف أو التخصص هنا، ذلك أن الكتابة وحدها هي من تقرر الوسيط الذي ستسير فيه، قصة أو رواية أو مسرحية، في الختام هي كلها فنون درامية رغم تنوعها، وهو ما يعطي للكاتب الحيوية والقدرة على التجريب.

> صدر لك في مجال الدراسات الشعبية «الإنشاد الديني في جنوب مصر»... ما الذي أثار حماسك لعمل تلك الدراسة؟

- هو واحد من مجموعة الكتب التي أنتجتها رحلتي مع فنون الجماعة الشعبية، سبقه كتاب عن مولد القطب والولي الكبير، أبي الحسن الشاذلي، في صحراء حميثرة، وكتاب عن «الطرق الصوفية في أسوان»، وكتاب عن «مفهوم الحكاية الشعبية»، ولا يزال لدي بعض المشروعات التي تهتم أو تنكب على فنون الجماعة الشعبية التي أنتمي لها في جنوب مصر.

> وماذا عن تجربتك في ديوان «ضلك على الدروب»؟

- تجربة أعتز بها كثيراً، بداية من كونها عصية على التصنيف، ما بين الحكي والشعر والقص والرسم، هي بناء مختلف، ربما حاولت أن أغني فيها عن طريق الحكي واللعب، فاتحاً لنفسى قوساً هائلاً من التجريب المحبب؛ لأنها بصراحة اختبار للقدرة، وفتح لطاقة المخيلة في جهة أخرى.

> إلى أي حد منحتك النشأة في أسوان بأقصى جنوب مصر فرصة للتأمل وطرح رؤية مغايرة في عالمك الإبداعي؟

- أسوان هي المكان الذي أحب أن أكون موجوداً فيه، أنا ابن الهدوء والجمال والدفء، والبعد عمّا يعكر صفو الروح والكتابة، كثيراً ما أخشى الزحام والضوضاء وضياع الوقت، أفضل طريقة لضياع الوقت هي الكسل اللذيذ الذي تقضيه في التأمل ثم إعادة التأمل، حتى في الكتابة لن تكون بهذا القدر من التعجل الذي قد تفرضه عليك مدينة مثل القاهرة بكل ضجيجها وصراعاتها ومتناقضاتها.

> لكن رغم ابتعادك عن العاصمة بمركزيتها وأضوائها، استطعت فرض حضورك بقوة... كيف ترى ثنائية المركز والهامش في المشهد الأدبي المصري؟

- هذه الثنائية الحادة بين المركز والأطراف؛ الهامش، والأقاليم، أياً ما كانت، ليست بالقوة التي كانت عليها سابقاً، أقصد قبل ثورة الاتصالات والإنترنت الذي سهّل كثيراً من سبل التواصل، ثم إنني أرى أن الكاتب يبقى كاتباً أينما كان وجوده، فقط عليه ألا يقصّر في بناء ذاته ووعيه، ولا يركن لمظلوميات الأقاليم وغيرها. هل يخطر ببالنا ونحن نقرأ عملاً مترجماً لكاتب ما من أطراف العالم، هل يقيم هذا الكاتب في العاصمة أم لا؟ لكن مع ذلك لا تزال هذه الثنائية فاعلة، للأسف.

> يلقبك البعض بـ«حاصد الجوائز» نظراً لحصولك على «جائزة ساويرس الأدبية» 3 مرات وتتويجك بجوائز الدولة مرتين (التشجيعية والتفوق)... كيف تنظر إلى واقع الجوائز حالياً على الساحة الثقافية العربية، خصوصاً ما يقال عن أن أثرها السلبي أصبح يفوق أثرها الإيجابي من حيث تسيّد نمط واحد للكتابة وتحوله إلى حكم قيمة على منجز الأدباء؟

- دوماً تثير الجوائز الجدل ذلك بحكم طبيعتها التنافسية، لكن المهم هنا في الجائزة نفسها ما تمنحه للكاتب من دعم على المستويين النفسي والإبداعي، وبالطبع الجانب المادي وهو مهم جداً، خصوصاً مع تردي أوضاع الكتابة، أقصد العائد منها على الكاتب، وهو لا يكاد يكون موجوداً. تأتي الجائزة في شقها المادي تعويضاً مناسباً، لكن المهم هنا هو الدعم النفسي والأدبي. بعض الجوائز يحكمها توجه واضح، وهو ما يبدو في طبيعة الأعمال التي تنحاز لها وهنا يكمن الخطر؛ لأن الجائزة تدعم اتجاهاً معيناً في الكتابة، وهو الاتجاه الذي قد يدفع بالبعض للكتابة في مجال ما تتطلبه الجائزة، وهنا انحراف عن حرية الكتابة وانحيازاتها الفنية والجمالية والفكرية. ومع ذلك أتمنى أن تزيد الجوائز التي تُخصص للأدب في فروعه كافة دون انحياز إلى نوع معين في الكتابة.



كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟
TT

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

حين سُئل ماركيز عن سبب عدم انتشار رواية «مائة عام من العزلة» شعبياً في فرنسا، أجاب: «ربما بسبب الديكارتية. أنا أقرب إلى حماقات رابليه مني إلى صرامة ديكارت. في فرنسا فرض ديكارت نفسه. ربما لهذا السبب لم يصل الكتاب إلى الشعبية التي بلغها في بلدان أخرى».

إجابة ماركيز تبدو صادمة جداً، وغريبة في الوقت نفسه. فما علاقة ديكارت الفيلسوف الفرنسي الشهير برواية تُترجم إلى الفرنسية، وكيف أخضع ديكارت فرنسا وسيطر عليها كلياً حتى لا تتمكن من تقبل رواية من طراز «مائة عام من العزلة»؟

من جانب آخر، أستطيع أن أضع ثقافتنا الآن في مواجهة سؤال يشبه ما قاله ماركيز عن كبرياء الفرنسي العقلاني الذي رفض تذوق رواية من أميركا اللاتينية لأنها صدمت أركان العالم العقلي الذي بناه ديكارت للفرنسيين لـ«حمايتهم من الوهم والتأكيد على عالم التجربة المحدود الذي نعيش فيه».

بالنسبة لنا كقراء في ثقافة أخرى مختلفة عن الثقافة الفرنسية في كل شيء، أُعجبنا بأعمال ماركيز جميعها. لقد اعتبرنا كتاب أميركا اللاتينية صانعي رواية بامتياز. وانتشرت كتب ماركيز وبورخيس وكورتاثار وفوينتس وساباتو وغيرهم من الكتاب بيننا وما زلنا نقرأها. لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هو: هل أضافت روايات ماركيز على أقل تقدير إيقاعاً جديداً على أعمال روائية تكتب وتنشر عندنا؟ أو بعبارة أكثر دقة: هل استفدنا من الواقعية السحرية في تغيير وجهة نظر الروائي العربي تجاه الواقع الذي يعيش فيه، ويكتب عنه؟ وإذا كان ماركيز فسر عدم انتشار روايته شعبياً في فرنسا بسبب التفكير العقلاني الذي يتمتع به الفرنسي فكيف نفسر انتشار رواية الواقعية السحرية بين القراء، ومن ضمنهم كتاب روائيون، دون أن نستطيع تحديد ملامح هذا التأثر الفني بهذا الاتجاه الفني الرائد، أعني هل لدينا نماذج روايات استلهمت الواقعية السحرية وقربت لنا الواقع بطريقة مختلفة بحيث جعلتنا نراه من زاوية أخرى؟ من خلال متابعتنا لما يكتب هنا وهناك، وجدنا أن هناك فجوة كبيرة بين الإعجاب بماركيز واستلهام تراث الواقعية السحرية. كما أن هناك اهتماماً قليلاً بمنهج الواقعية السحرية كفن يحاول أن يعلمنا تحطيم الحدود الشكلية للأشياء، والأهم من هذا يسعى الروائي الذي يستلهم الواقعية السحرية إلى التقليل من سيطرة العقل على العالم. وهذا أحد أهداف الواقعية السحرية المهمة.

ولو كان ماركيز متابعاً للأعمال الروائية الصادرة عندنا ربما لتعجب من عدد القراء المعجبين بأدبه مع قلة التأثر بهذا النوع من الأدب. لا أعرف كيف سيفسر ماركيز هذه الظاهرة الغريبة التي تندرج ضمن الإعجاب بأدبه دون أي تأثر بما كتب. فما زلنا نفكر بالعالم وكأنه كتلة تخضع لتفسير واحد وعلينا تصديق هذا التفسير... هذا ما يجعلني أقول إن ماركيز منفي عندنا كما نفته فرنسا قبلنا حين وضعته في سجن عقلها الديكارتي.

لكن كيف فهمنا الواقعية السحرية في نهاية المطاف. هل هناك رواية عربية تعاملت مع الواقع من خلال وجهة نظر خاصة تقودنا إلى الشعور بالعالم وهو يسير بسرعة فائقة أمامه؟ أليست هذه هي رسالة ماركيز أولاً، ورسالة واقعيته السحرية قبل كل شيء؟

بهذا الوعي تنفتح الواقعية السحرية على عالم الأشياء، وهنا في إطار هذا الإحساس الشفاف بالعالم تخضع التقنية لوجهة نظر الروائي فتندمج بها وتذوب بشكل كامل. التقنية مرآة تكشف لنا حقيقة العالم وإظهاره بصورة جديدة مختلفة. لذا سيكون تساؤلي بعد كل ما قلت: هل لدينا عائق ما من حدوث التغير الجمالي الذي يجعلنا نفكر بأسلوب جديد وبعاطفة أكثر تسامحاً؟ هل مرت عاصفة روايات ماركيز دون أن تحدث التغير المطلوب في طريقتنا المتعلقة برؤية العالم من حولنا؟

ليست الواقعية السحرية تكتيكاً سردياً يستخدمه الروائي للتأثير في القراء، كما أنها ليست نقلاً مباشراً للواقع كما نراه. تقترب الواقعية السحرية من الوجودية إلى درجة يختفي الحد الفاصل بينهما. وهنا يتشابه الروائي ذو الخيال الأكثر نقاء مع الوجودي الذي يكره سيطرة الاحتمال الواحد على الواقع. نحن إذن أمام تمرد كبير يحاول تخليصنا من الإحساس المتكرر بالعالم من حولنا وكأننا نقوم بالدور نفسه كل يوم متناسين أفعالنا الإنسانية وقلقنا الوجودي الذي لا يهدأ.

بعد هذه المقدمة لا بد من التوقف عند وجهة نظر محددة طرحها الناقد فاضل ثامر في كتاب «المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي». الحقيقة أحسست بأن الواقعية السحرية التي تحدث عنها ثامر في كتابه تختلف جذرياً عن الواقعية السحرية التي أشار ماركيز إليها في بعض أحاديثه ومقالاته وأعماله الروائية.

فعلى مستوى المفهوم استخدم فاضل ثامر ثلاث مفردات هي الغرائبي والفانتازي والواقعي السحري ظناً منه أنها كلمات مترادفة. والحقيقة أن هناك فرقاً بينها لا بد من إيضاحه، فما يستخدم في مجال النقد هو «Magico»؛ أي الواقعية السحرية، وهذا المصطلح هو الأكثر شهرة والأكثر استخداماً في إسبانيا وفي أميركا اللاتينية، والأدق في التعبير عن هذه المدرسة الفنية.

أما الغرائبي فهي مفردة تشير إلى ما هو غريب عن الواقع، وهي ليست أفضل من كلمة «الفانتازي»؛ هذه الكلمة المعربة التي تعني الوهم، ولا علاقة لهاتين الكلمتين بالواقعية السحرية. ولو عدنا إلى ماركيز فقد حاول تببين وجهة نظره التي ترتبط بالخيال كمفهوم نقدي قبل كل شيء.

إذن استخدام هذه الكلمات الثلاث مترادفاتٍ خطأ نقدي لا بد من الانتباه له. ولا يمكن بأي حال من الأحوال الاعتقاد أن الواقعية السحرية هي مجرد أسلوب أدبي يمكن تعلمه بل هي وجهة نظر فكرية تنتقد أي تفكير يحاول السيطرة على الواقع ويفرض عليه طابعاً واحداً. إن قوة الرواية تأتي من هذا الإيمان بأن الحياة تنوع مذهل يصدم الإنسان ويدفعه للتساؤل والحيرة إزاء ما يراه.

لكن إذا عدنا لوجهة نظر فاضل ثامر فسنرى أن الواقعية السحرية شيء آخر يختلف كثيراً عما قدمه ماركيز، وما تحدث عنه. وفاضل ثامر يضرب مثلاً للواقعية السحرية بماركيز نفسه.

أظن أن الخطأ النقدي الثاني الذي وقع فيه فاضل ثامر هو محاولته تفسير ظهور الواقعية السحرية وكأن هذا النمط من السرد خضع لمنطق السبب والنتيجة، إذ لعبت الظروف في دفع الروائي إلى اللجوء لسرد غير تقليدي تماشياً مع تغييرات العصر. يقول فاضل ثامر «إن القاص العربي لم يعد قادراً على تصوير معاناة الإنسان في عالم شديد التعقيد بالأدوات الواقعية أو التقليدية التي كان معتاداً عليها، خاصة بعد أن راح هذا الإنسان يتعرض لسلسلة من الضغوط والإحباطات والعذابات التي لا يمكن قهرها أو مواجهتها» (ص 2).

هذا أحد أسباب تفضيل الروائي العربي للواقعية السحرية. لنتابع كي نتعرف على أسباب أخرى يعرضها الناقد لنا، يقول أيضاً: «كما يسهم هذا المنحى في تحرير السرد العربي من الرتابة والتقليدية والفوتغرافية والآلية ويكسبه المزيد من الشفافية والرهافة والفنية» (ص 3).

إذن هناك سبب فني أيضاً دفع الروائي لاختيار أسلوب الواقعية السحرية، ثم نصل إلى النقطة الأخيرة التي يقول فيها فاضل ثامر: «إضافة إلى ما تقدم فإن هذا المنحى الغرائبي والسحري والفنطازي يعيد سرد ما انقطع بين السرد العربي الحديث والموروث السردي والحكائي العربي القديم» (4).

الواقعية السحرية هي منحى أدبي لجأ إليه الروائي ليتمكن من وصف واقعه بأسلوب لا تستطيع الأدوات التقليدية فعله. وكانت هناك أسباب خارجية دفعت الروائي لممارسة هذا اللون من السرد، أهمها إمكانية تصوير الواقع بشكل أفضل كما بينا. لكن هل هذه الأسباب كل ما جعلت ماركيز هو ماركيز؟ هل هذه هي كل أسرار الواقعية السحرية التي عرضها لنا فاضل ثامر بأمانة كبيرة؟

أين الوعي النقدي بالواقعية السحرية كما تكشف عنها أحاديث ماركيز؟ أين فاعلية الخيال التي ترفض الاحتمال الواحد وتقدم الحياة على أنها أكثر رحابة وأكثر جمالاً؟ أين الصدمة التي تعرض لها ماركيز وهو يلمس في لحظة قصيرة فناء ماكوندو مدينته الأثيرة عنده؟

أسئلة أخرى لن نجد أجوبتها في الصورة التي رسمها فاضل ثامر لهذا المنهج السردي الرائع الذي أجد فيه صرخة ضد عقلانية الاحتمال الواحد.

ثم كيف نفسر إصرار الناقد على ربط الواقعية السحرية بأسلوب قديم سردي قديم يجد الناقد فيه بذوراً لواقعية سحرية قديمة. ولو أن الناقد فاضل ثامر عرف لنا الخيال، ولو أنه حلل ما قاله ماركيز عن عمله لوجد أن هناك مسافة كبيرة بين السرد الحكائي الموروث وسرد الواقعية السحرية. أظن أن مشكلة فهمنا للواقعية السحرية ينشأ من افتقار ثقافتنا للاهتمام بعنصر الخيال قبل كل شيء. إننا نجيد معركة الجدل والاستنتاج والبحث عن حقيقة وحيدة ومطلقة. وكل هذا يطبع وعينا ويجعله لا يهضم عملاً لماركيز أو بورخيس.

لست متفقاً مع الناقد في أن هناك بذوراً للواقعية السحرية في أنماط سردية قديمة يعددها الناقد فاضل ثامر مثل «ألف ليلة وليلة»، والسير والمغازي وسيرة عنترة بن شداد والسيرة الهلالية. وهنا أتساءل كيف لم تترك هذه السرديات المتنوعة فناً خاصاً بنا له ملامح واقعية سحرية قرأناها في أعمال أدبية شهيرة. فكل هذه الأنماط من السرد تضم ملامح واقعية ساذجة مطابقة للواقع أو تستخدم الوهم الذي يكرهه ماركيز أو تصف واقعاً معيناً وكأنه واقع ساكن ثابت لا ينتهي. مثل هذه الملامح السردية تحاربها الواقعية السحرية. وعلى النقد أن يقوم أولاً بتحديد المصطلحات ثم دراسة وجهة النظر النقدية الخلاقة التي تعلمنا إياها رواية حقيقية غير تقليدية وتستحق أن نقول بحق إنها رواية تعكس روح الواقعية السحرية.


هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري
TT

هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري

حين فاتحني الصديق الدكتور عارف الساعدي برغبته في أن أشارك في ذكرى مرور مائة عام على ميلاد الشعراء الثلاثة (السياب والبياتي وبلند الحيدري) أذهلتني الفكرة من حيث قيمة الوفاء لذاكرة الثقافة، ثم من حيث تحريك ذهني لمعنى الحديث عن ميلاد أي أحد بعد مائة عام من الحدث؛ ذاك الحدث الذي كان من حقه الأفول كما هي حال كل مواليد ذاك العام البعيد عنا زمناّ ومكاناّ ومعنى. وهذه لعبة مخاتلةٌ من ألاعيب الذاكرة التي تبتكر احتيالاتها الخاصة فتختار واحداً منا لكي يتذكر وهذا ليس اختياراّ عشوائياّ بدليل أن الذاكرة اختارت هذا الواحد لأمرٍ توسمته فيه وهو أن يحترم هدية الذاكرة، من حيث هي ذاكرةٌ ثقافيةً تحمل برهانها الخاص وعلامة ذلك هي الدهشة التي تختالنا مع مثل هذه الحالة العجائبية، وكيف اختارني عارف ليطلب مني طلباّ كهذا، وماذا لو اعتذرت منه بحجة ما، مثل أن أبتكر أي كذبةٍ يسمونها عادة بالبيضاء كي أتخلص.

بدر شاكر السياب

ولكني لم أبحث عن عذر، وكل ما قلته له هو «أبشر»، ولم أزد عليها، ولم أتردد عن استخدام كلمةٍ هي من موروثي الخاص فأنا أعيش في بيئة إذا قال أحدنا كلمة «أبشر» فهو يعلن الاحتفال بالوعد وهو وعدٌ محملٌ ببهجة البذل دون منةٍ ولا تسويف. وليس من عادتي أن أطلق «أبشر» بسهولةٍ لأنها كلمةٌ ذات حمولةٍ قيميةٍ عالية المعنى، والتراخي معها يحدث وحشةّ روحية لا تدع لحظاتك تمر دون أن تشعر بخجلٍ يحاصر معانيك وهذا ميثاق وفاء للذاكرة، تلك الذاكرة التي حركت الساعدي ومن ثم حركت الغذامي، وقد لا تكون الذاكرة هنا غريبةّ على الساعدي لأنه عراقي ولأنه شاعرٌ ولأنه معروف بالوفاء لذاكرة الثقافة العراقية ولشعراء العراق.

أما أنا فمحبٌّ للعراق وللذاكرة العراقية وهذا أكيدٌ عندي ولا شك، ولكن أن تتحرك ذاكرة مائة عام فهذه مسألة لها دواعيها الأخرى، وهي دواعٍ لن أحاول تحديدها لأني أرى أن الذاكرة تختارنا ولسنا من يختارها، وإذا هي اختارتنا دفعتنا للقبول دون تفكر، وهل تفكر الذاكرة...؟!، لن أقول نعم لأن الذاكرة تشتغل بشروطها الخاصة وشرطها غير عقلاني، إنه يحدث فقط. وإذا حدث تحقق، وستعتري الدهشة كل واحدٍ يتلقى خبراً عن ميلاد ثلاثةٍ سيكونون شعراء وسيمرون بحياة صاخبة، فيها نورٌ ونارٌ، وفيها بهجةٌ وانتصار بمثل ما فيها من وجعٍ، ولكنها ستصنع خريطةّ ثقافيةّ تلونها بألوانها الخاصة وهي ألوانٌ لا يمكن محوها وكلما غفلنا عنها أو نسيناها عادت لنا عبر سفراء لها مثل الساعدي.

وهنا نفتح صفحات الزمن ونقف نتبصر بحال مواليدَ دخلوا الدنيا غرباء وعاديين كغيرهم من أبناء جغرافيتهم، ولكنهم خرجوا من الدنيا بأصوات مدويةٍ تكتب أثرهم وتروي قصصهم، وتكتب لهم شهادات ميلاد غير تلك التي كانت لهم، وإنما هي شهاداتٌ كتبوها بدمهم وأرقهم وقلقهم وبمعانيهم التي احترقوا بها فأنضجتهم بمقدار ما أوجعتهم، وكل وجعٍ هو قصيدةٌ انتزعتها الروح من سكون النفس المكلومة لكي تتحول لقصيدةٍ ينشغل بها النقاد كما ستكون ميراثاّ إبداعياّ يوقع أجيالاّ بحبائل حيله عليهم لكي يوقعهم بصحبةٍ مع أشقياء الحياة ونسميهم صناع الحياة، أولئك الذين يموتون قبل غيرهم لأنهم كالسيف في غمده يأكل بعضه بعضاّ، كما وصف الفيلسوف الكندي أبا تمام وتوقع له موتاّ مبكراّ.

عبد الوهاب البياتي

وبعض الثلاثة عاش أطول من بعض، والسياب أسرعهم للموت وكأنه كان مستعجلاّ أكثر من رفيقيه، ولكنهم كلهم ماتوا مكفنين بالقصائد ووجع القصائد منذ صرختهم الأولى حتى صرختهم الأخيرة، أو بالأحرى صرخة الثقافة عليهم حين رحلوا وصار الكل يحبهم، وفي حياتهم كان الكل يلعنهم. هؤلاء الجنس البشري العجيب الذي لا يعيش إلا بالشقاء ولا يموت إلا تحت الشقاء، وكلهم تعرضوا للتشرد وكان لا بد لهم أن يتشردوا كي يبرهنوا على استحقاقهم الشعري، واستحقاقهم لمكانٍ أثيرٍ في الذاكرة ولكي نتحرك نحن لنتذكر أنهم ولدوا قبل مائة عام من هذه الوقفة التي نقفها عليهم وعلى صورهم في أذهاننا وأبيات قصيدهم في رؤوس أقلامنا نحن النقاد، وفي أشعار أجيالٍ من شعراء العرب ورثوا الشعر عنهم واستداموا شعلته بعد غيابهم.


رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين
TT

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

تلعب رواية «صيف مختلف... مذكرات سالم» للكاتبة الأردنية روند الكفارنة على وتر التنمية الذاتية لليافعين، وتخاطب فيهم الوجدان والعقل معاً.

اختارت الكاتبة أن تجعل روايتها الصادرة حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن، على صورة يوميات على لسان سالم؛ بطل القصة، إذ يبدأ حديثه باليوم الأخير في المدرسة فيقول: «هذا هو آخر يوم لنا في المدرسة، كنت أراقب السَّاعة على حائط الصفِّ وهي تقترب من آخر اختبار، رنَّ الجرس، قفزتُ من دَرجي، وناولت الأستاذ ورقة الاختبار، وانطلقتُ مُسرعاً تجاه الباب؛ مُعلناً أنَّ العطلة بدأت».

ولمجرد أن العطلة قد بدأت فلا يشغل بال سالم سوى اللعب والحلوى واللهو والنوم، معلناً أنه سيمارس هواية النَّوم حتَّى الظُّهر: «أسهَرُ حتَّى الصَّباح، فلا مدرسة، ولا مزيد من الطَّوابير الصباحيَّة. لا وجود للمدير الذي يصرُّ على انضباط الصفِّ، ورياضة الصَّباح، دون الاهتمام إن كان الطَّقس بارداً وماطراً، أو كانت حرارة شهر آب الذي يشبه خليَّة نحل، أو مُحرِّك درَّاجة ناريَّة، ودون أصوات الطَّلبة العالية، وحتَّى أستاذ الأحياء (فرج الله) بنظَّارته السَّميكة، وإشاراته الحمراء الكثيرة على دفتري، ثُمَّ من أخبره أنَّني أحبُّ مادَّتي الأحياء والجغرافيا؟».

وككثيرين من أبناء هذا الجيل فكل ما يشغل سالم هو اللعب واللهو والركض مع الرفاق، ولكن ليس كل شيء يتمناه الفرد يجده، فحين راودت سالم فكرة الراحة في الإجازة تذكر أن أمه ستدعو عمته وأبناءها لقضاء أسبوع في بيتهم، وبدأ يشكو من أبناء عمته وما يسببونه من إزعاج، كما أنه يشعر أن أمه لن تتركه دون أن تكلفه بمهام كثيرة، فيقول سالم: «عندما تكون الولد الأكبر، وتبدأ العطلة سيكون هنالك مهام كثيرة، ستستغلُّني أمِّي بعمل أشياء كثيرة لاعتقادها بأنَّ هذا يصنَعُ منِّي ولداً صالحاً، وهكذا أخبرتني أنَّه يترتَّبُ عليَّ تنظيف العِليَّة، فالعِليَّةُ تُشكِّل المخزن الرَّسميّ للعائلة، بها كلّ ما لا ترغب أمِّي في رؤيته، كانت جدَّتي ترفضُ رفضاً قاطعاً أن نقترب منها، لم تخبرني أبداً... ما المانع من عدم السَّماح لي أتجوَّل فيها ومُعاينة ما فيها؟».

وعندما بدأ سالم في تنظيف العِلّيّة لفت نظره مظروف مغلق يمكن القول إنه قد تسبب في تغيير أشياء كثيرة في شخصية سالم، وفي أحداث أيامه خلال فترة الإجازة الصيفية.

وعندما شاهد سالم رسائل كثيرة وحكى له أبوه عن الوقت الذي كانت تستغرقه المخاطبات والرسائل بين الناس، وأنهم كانوا ينتظرون أحياناً لشهر أو أكثر حتى تصلهم أخبار الغائبين أو المسافرين أخذ يفكر: «تأكَّدتُ أنَّنا نملك كثيراً من النّعَم بين أيدينا، إذا أحسنَّا ورشَّدنا استخدام التكنولوجيا، بما ينفعنا في حياتنا ومُستقبلنا. حقيقة هي نعمة كبيرة جدّاً يجب أن نشكر الله عليها».

وتختتم الكفارنة روايتها على لسان سالم الذي توصَّل إلى حكمة بعد كل ما رآه وعاشه، تُعدُّ خلاصة تجربته: «أظنُّ أنَّ الكُنوز تتعلّق بكيف تجعلنا سعداء وأنا اليوم سعيد، سعيد جدّاً، ولكنَّني توقَّفتُ عن العبث بمُكوِّنات أيّ عِليَّة في أيِّ مكان، يكفيني كلُّ ذلك، والغريب أنَّ ذلك لم يُعفِني من لعب الكاراتيه أبداً، وعندما عُدنا أخبرتني أمِّي أنَّ الدروس التي سآخذها ستكون مضاعفة لألحق بالطلَّاب الآخرين».

وللمؤلفة مجموعتان قصصيتان: «للأشياء أسماء أخرى»، و«ذاكرة متكسرة»، ورواية بعنوان «فستان أحمر».