العالم يترقب رواية ماركيز الأخيرة «التي أراد تمزيقها»

بها تكتمل سلسلة أعماله... وترجمتها الإنجليزية تصدر اليوم

ماركيز وابناه
ماركيز وابناه
TT

العالم يترقب رواية ماركيز الأخيرة «التي أراد تمزيقها»

ماركيز وابناه
ماركيز وابناه

مع اقتراب الفصل الأخير من حياته، عندما كانت ذاكرته في حالة متردية، كافح غابرييل غارسيا ماركيز لإنهاء رواية له عن الحياة الجنسية السرية لامرأة متزوجة في منتصف العمر. وفي سبيل ذلك، جرب ما لا يقل عن 5 نسخ، وظل يعدِّل في النص لسنوات، عبر تقطيع الجمل، وكتابة ملحوظات بسرعة في الهوامش، وتغيير الصفات، وإملاء ملاحظات على مساعده. إلا أنه في النهاية استسلم، وأصدر حكماً نهائياً مدمراً: إتلاف الرواية.

عن ذلك، يقول غونزالو غارسيا بارشا، الابن الأصغر للمؤلف: «لقد أخبرني بشكل مباشر بأنه يجب إتلاف الرواية».

عندما توفي غارسيا ماركيز، عام 2014، جرى إخفاء العديد من المسودات والملاحظات وأجزاء من فصول الرواية في أرشيفه داخل مركز هاري رانسوم بجامعة تكساس في أوستن. وظلَّت الرواية قابعة هناك، موزعة على 769 صفحة، غير مقروءة ومنسية إلى حد كبير - حتى قرر ابنا غارسيا ماركيز أخيراً تحدي رغبة والدهما. والآن، بعد عقد من وفاته، من المقرر أن ترى روايته الأخيرة، التي تحمل اسم «حتى أغسطس»، النور، هذا الشهر، مع إصدار عالمي يشمل 30 دولة.

وتدور أحداث الرواية حول امرأة تدعى آنا ماغدالينا باخ، تسافر إلى جزيرة كاريبية في أغسطس من كل عام لزيارة قبر والدتها. وفي رحلات الحج الكئيبة هذه، التي تحررها لفترة وجيزة من زوجها وعائلتها، تجد لنفسها حبيباً جديداً في كل زيارة. وتأتي هذه الرواية بمثابة خاتمة غير متوقعة لحياة وعمل غارسيا ماركيز، العملاق الأدبي الحائز على «جائزة نوبل»، والمرجح أن تثير تساؤلات حول كيف ينبغي للمؤسسات الأدبية والناشرين التعامل مع الإصدارات التي يجري نشرها بعد وفاة كاتبها وقد تتعارض مع توجيهاته.

صورة لتصحيحات ماركيز على النسخة الأصلية

ويعج التاريخ الأدبي بأمثلة لأعمال مشهورة لم تكن لترى النور لو لم يتجاهل القائمون على تنفيذ وصية أصحابها وورثتهم رغبات المؤلفين. مثلاً، أوصى الشاعر فيرجيل، وهو على فراش الموت، بإتلاف مخطوطة قصيدته الملحمية «الإنيادة». وعندما أصيب فرانز كافكا بمرض السل، أمر صديقه المعني بتنفيذ وصيته، ماكس برود، بحرق جميع أعماله. إلا أن برود «خانه»، وقدم لنا روائع سريالية مثل «المحاكمة»، و«القلعة»، و«أميركا». كما أمر فلاديمير نابوكوف عائلته بتدمير روايته الأخيرة «أصل لورا». ومع ذلك، نشر ابنه النص غير المكتمل، الذي صاغه نابوكوف على بطاقات مفهرَسة، بعد مرور أكثر من 30 عاماً على رحيل المؤلف.

في بعض الأعمال التي صدرت بعد وفاة مؤلفيها، تبدو نيات الكاتب للنص غير واضحة؛ ما دفع النقاد والقراء إلى التساؤل عن مدى اكتمال العمل، وإلى أي مدى تدخل المحررون في المخطوطة. في بعض الأحيان، تتعرض مؤسسات أدبية والورثة لانتقادات بأنهم تورطوا في تشويه الإرث الأدبي للكاتب، من خلال نشر أعمال دون المستوى أو غير مكتملة، سعياً وراء انتزاع آخر مكسب مالي ممكن من حقوق الملكية الفكرية المرتبطة باسم العلامة التجارية الأدبية للكاتب.

وبالعودة لابنَيْ غارسيا ماركيز، اتسمت مسألة ما يجب القيام به مع «حتى أغسطس» بالتعقيد، بسبب تقييمات والدهما المتضاربة للعمل. لفترة من الوقت، عمل غارسيا ماركيز بشكل مكثف على المخطوطة، وفي وقت ما أرسل مسودة إلى وكيله الأدبي. فقط عندما كان يعاني من فقدان شديد للذاكرة بسبب الخرف، قرر أن المخطوطة ليست جيدة بما يكفي.

جدير بالذكر أنه بحلول عام 2012، لم يعد بإمكان غارسيا ماركيز التعرف حتى على الأصدقاء المقربين وأفراد أسرته، ومن بين الاستثناءات القليلة هنا كانت زوجته مرسيدس بارشا، حسبما قال ابناه. وجابه غارسيا ماركيز صعوبة بالغة في استكمال محادثة مع شخص آخر. وكان أحياناً يلتقط أحد كتبه ويقرأه، دون أن يعي أن الكتاب من تأليفه.

لقد اعترف لعائلته بأنه شعر بعدم الاتزان كفنان دون ذاكرته، التي كانت له أعظم مصدر للمادة التي يعتمد عليها في الكتابة. وقال لهم إنه من دون الذاكرة، «لا يوجد شيء». وفي ظل تلك الحالة الممزقة، بدأ يشك في جودة روايته.

وقال رودريغو غارسيا، أكبر ولديه: «فقد غابو القدرة على الحكم على الكتاب. ربما لم يعد قادراً حتى على متابعة حبكة الرواية».

وبعد معاودة قراءة النص بعد سنوات من وفاة غارسيا ماركيز، شعر ابناه بأن والدهما كان مفرطاً بقسوته في الحكم على نفسه. وعن ذلك، قال ابنه: «بدت المخطوطة أفضل بكثير مما توقعناه».

ومع ذلك، يعترف ابنا غارسيا ماركيز بأن رواية «حتى أغسطس» لا تُصنف بين روائعه، ولذلك يخشيان أن يرفض البعض نشر الرواية بوصفها مجرد محاولة لكسب المزيد من المال من إرث والدهما.

يقول الابن غارسيا: «بالطبع، ساورنا القلق من أن يجري النظر إلينا بوصفنا مجرد شخصين جشعين».

على النقيض من أعماله الضخمة التي تتسم بالواقعية السحرية (ملاحم مثل «الحب في زمن الكوليرا» و«مائة عام من العزلة» التي بيع منها نحو 50 مليون نسخة) تبدو رواية «حتى أغسطس» متواضعة. وتأتي النسخة الإنجليزية، التي من المقرر أن تصدر اليوم، والتي تولت ترجمتها آن ماكلين، في 107 صفحات فقط.

ويرى الأخوان أن الرواية الجديدة إضافة قيمة إلى مجموعة أعمال غارسيا ماركيز، وذلك لأسباب عدة، منها أنها تكشف جانباً جديداً منه؛ فللمرة الأولى في أعمال ماركيز، يركز السرد على بطلة الرواية، ويروي قصة حميمة عن امرأة في أواخر الأربعينات من عمرها، تبدأ بعد نحو 30 عاماً من الزواج، في البحث عن الحرية، وتحقيق الذات، عبر علاقات الحب غير المشروعة.

بجانب ذلك، حاول الأخوان الحدّ بأقصى قدر ممكن من التدخل في النص بالتغيير، وقررا عدم تصحيحه أو إضافة أي عبارات لم ترد في مسودات غارسيا ماركيز أو ملاحظاته.

غلاف رواية «حتى أغسطس»

ومع ذلك، قد يشكك بعض القراء والنقاد في اختيارهما لإصدار عمل عدّه غارسيا ماركيز نفسه غير مكتمل، ما قد يضيف حاشية مخيبة للآمال إلى إرث أدبي شاهق.

في موطنه (كولومبيا)، حيث يظهر وجه غارسيا ماركيز على العملة، يبدو الجميع مترقبين لصدور الكتاب، ويتوق كثيرون داخل الأوساط الأدبية إلى أي شيء جديد من تأليف غارسيا ماركيز، مهما كان غير مصقول. ومع ذلك، يشعر البعض بالقلق من الطريقة التي يجري بها بيع الرواية.

في هذا الصدد، يقول الكاتب والصحافي الكولومبي خوان موسكيرا: «إنهم لا يقدمونها لك بوصفها مخطوطة، أو عملاً غير مكتمل، وإنما يطرحونها على أنها الرواية الأخيرة لغارسيا ماركيز. من جانبي، لست مقتنعاً بهذا التفخيم الذي نضفيه عليها. أعتقد أن الأمر برمته لا يعدو لحظة تجارية عظيمة للاستفادة من توقيع غارسيا ماركيز وعلامته التجارية».

أما الروائي الكولومبي هيكتور آباد، فقال إنه كان مرتاباً بشأن نشر «حتى أغسطس» في البداية، لكنه غيَّر رأيه عندما قرأ نسخة مسبقة منها.

وقال آباد، الذي سيشارك في فعالية تحتفي بالرواية في برشلونة، عبر رسالة بعث بها بالبريد الإلكتروني: «كنت أخشى أن يكون ذلك عملاً من أعمال الانتهازية التجارية، لكن اتضح لي أن الأمر على العكس تماماً؛ فكل الفضائل التي جعلت من غارسيا ماركيز كاتباً عظيماً موجودة هنا كذلك».

المؤكد أنه كانت هناك لحظة شعر خلالها غارسيا ماركيز بأن عمله الأخير يستحق النشر؛ ففي عام 1999 قرأ مقتطفات من «حتى أغسطس» خلال ظهور علني مع الروائي خوسيه ساراماغو في مدريد. وفي وقت لاحق، جرى نشر مقتطفات من الرواية في الصحيفة الإسبانية الأولى، «إل باييس»، وكذلك مجلة «نيويوركر». إلا أنه نحى مشروع الرواية جانباً لإنهاء مذكراته، ونشر رواية أخرى بعنوان «ذكريات عاهراتي الكئيبة»، التي تباينت الآراء بخصوصها. بعد ذلك، عاود غارسيا ماركيز العمل على «حتى أغسطس» بشكل مكثف عام 2003. وبعد عام أرسل المخطوطة إلى وكيلته الراحلة، كارمن بالسيلز.

في صيف عام 2010، اتصلت بالسيلز بكريستوبال بيرا، محرر سبق له العمل مع غارسيا ماركيز في مذكراته، وقالت إن غارسيا ماركيز، الذي كان آنذاك في الثمانينات من عمره، كان يحاول إنهاء رواية، وطلبت من بيرا مساعدته. كان غارسيا ماركيز حذراً للغاية تجاه أعماله قيد التنفيذ، لكن بعد بضعة أشهر، سمح لبيرا بقراءة بضعة فصول من الرواية، وبدا متحمساً لها، حسبما يتذكر بيرا. وبعد مرور نحو عام، تعثرت ذاكرة غارسيا ماركيز، وجابه مشقة في فهم السرد، لكنه استمر في تدوين الملاحظات على هوامش المخطوطة.

في هذا الصدد، قال بيرا: «كان الأمر علاجياً له، لأنه كان لا يزال قادراً على فعل شيء ما باستخدام القلم والورق».

وعندما عمد بيرا إلى حث غارسيا ماركيز بلطف على نشر الكتاب، عارضه المؤلف بشدة. وقال بيرا: «أخبرني أنه: (في هذه المرحلة من حياتي، لستُ بحاجة إلى نشر أي شيء آخر)».

وبعد وفاته عن 87 عاماً، جرى الاحتفاظ بنسخ مختلفة من «حتى أغسطس»، في أرشيفات مركز «هاري رانسوم».

قبل عامين، قرر نجلا غارسيا ماركيز إلقاء نظرة جديدة على النص. وقالا إن الرواية بدت فوضوية في بعض الأماكن، مع بعض التناقضات والتكرار، لكنها بدت كاملة، إذا لم تكن مصقولة. كما حمل العمل ومضات من قصائده الغنائية، مثل المشهد الذي كانت فيه آنا على وشك الاعتراف بخيانتها أمام قبر والدتها، وتشد قلبها «في قبضة يدها».

وبمجرد أن اتخذ الشقيقان قرار النشر، واجها لغزاً، فقد ترك ماركيز 5 نسخ على الأقل من مراحل مختلفة من الاكتمال. ومع ذلك، ترك إشارة بخصوص أيها أفضل.

عن ذلك، قال الابن الأصغر، غارسيا بارشا: «حمل أحد المجلدات عبارة (نهائي، لا بأس به) في المقدمة».

وأضاف شقيقه: «كان ذلك قبل أن يقرر أن الرواية ليست جيدة على الإطلاق».

العام الماضي، طلب الشقيقان من بيرا تحرير الرواية. وبالفعل، بدأ العمل على النسخة الخامسة، المؤرخة يوليو (تموز) 2004، التي تحمل عبارة «نهائي، لا بأس به».

بجانب ذلك، اعتمد على نسخ أخرى كذلك، ومن وثيقة رقمية جمعتها مونيكا ألونسو، مساعدة غارسيا ماركيز، مع العديد من الملاحظات والتغييرات التي أراد المؤلف إجراؤها. في كثير من الأحيان، كان بيرا يواجه صوراً مختلفة من جملة أو عبارة؛ نسخة مطبوعة وأخرى مكتوبة بخط اليد في الهوامش.

من جهته، حاول بيرا تصحيح التناقضات، مثل عمر البطلة؛ فقد تردد غارسيا ماركيز بشأن ما إذا كانت في منتصف العمر أو أقرب إلى الشيخوخة، ووجود أو عدم وجود شارب بوجه أحد عشاقها.

وفي خضم جهود بناء النسخة الأكثر تماسكاً، وضع بيرا والشقيقان قاعدة: لن يضيفوا كلمة واحدة من خارج ملاحظات غارسيا ماركيز أو مِن النسخ المختلفة التي تركها، على حد قولهم.

أما فيما يتعلق بمصير أي أعمال أخرى غير منشورة لغارسيا ماركيز، قال ابناه إنها ليست مشكلة: لا يوجد شيء آخر. طوال حياته، كان غارسيا ماركيز يدمر بشكل روتيني الإصدارات القديمة من الكتب المنشورة والمخطوطات غير المكتملة، لأنه لم يكن يريد أن يجري التدقيق فيها لاحقاً.

وأضافا أن ذلك كان من بين الأسباب التي دفعتهم إلى نشر رواية «حتى أغسطس».

وقال غارسيا بارشا: «عندما يصدر هذا الكتاب، سنكون بذلك قد نشرنا جميع أعمال غابو. لا يوجد شيء آخر في الدرج».

* خدمة «نيويورك تايمز»



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».