العالم يترقب رواية ماركيز الأخيرة «التي أراد تمزيقها»

بها تكتمل سلسلة أعماله... وترجمتها الإنجليزية تصدر اليوم

ماركيز وابناه
ماركيز وابناه
TT

العالم يترقب رواية ماركيز الأخيرة «التي أراد تمزيقها»

ماركيز وابناه
ماركيز وابناه

مع اقتراب الفصل الأخير من حياته، عندما كانت ذاكرته في حالة متردية، كافح غابرييل غارسيا ماركيز لإنهاء رواية له عن الحياة الجنسية السرية لامرأة متزوجة في منتصف العمر. وفي سبيل ذلك، جرب ما لا يقل عن 5 نسخ، وظل يعدِّل في النص لسنوات، عبر تقطيع الجمل، وكتابة ملحوظات بسرعة في الهوامش، وتغيير الصفات، وإملاء ملاحظات على مساعده. إلا أنه في النهاية استسلم، وأصدر حكماً نهائياً مدمراً: إتلاف الرواية.

عن ذلك، يقول غونزالو غارسيا بارشا، الابن الأصغر للمؤلف: «لقد أخبرني بشكل مباشر بأنه يجب إتلاف الرواية».

عندما توفي غارسيا ماركيز، عام 2014، جرى إخفاء العديد من المسودات والملاحظات وأجزاء من فصول الرواية في أرشيفه داخل مركز هاري رانسوم بجامعة تكساس في أوستن. وظلَّت الرواية قابعة هناك، موزعة على 769 صفحة، غير مقروءة ومنسية إلى حد كبير - حتى قرر ابنا غارسيا ماركيز أخيراً تحدي رغبة والدهما. والآن، بعد عقد من وفاته، من المقرر أن ترى روايته الأخيرة، التي تحمل اسم «حتى أغسطس»، النور، هذا الشهر، مع إصدار عالمي يشمل 30 دولة.

وتدور أحداث الرواية حول امرأة تدعى آنا ماغدالينا باخ، تسافر إلى جزيرة كاريبية في أغسطس من كل عام لزيارة قبر والدتها. وفي رحلات الحج الكئيبة هذه، التي تحررها لفترة وجيزة من زوجها وعائلتها، تجد لنفسها حبيباً جديداً في كل زيارة. وتأتي هذه الرواية بمثابة خاتمة غير متوقعة لحياة وعمل غارسيا ماركيز، العملاق الأدبي الحائز على «جائزة نوبل»، والمرجح أن تثير تساؤلات حول كيف ينبغي للمؤسسات الأدبية والناشرين التعامل مع الإصدارات التي يجري نشرها بعد وفاة كاتبها وقد تتعارض مع توجيهاته.

صورة لتصحيحات ماركيز على النسخة الأصلية

ويعج التاريخ الأدبي بأمثلة لأعمال مشهورة لم تكن لترى النور لو لم يتجاهل القائمون على تنفيذ وصية أصحابها وورثتهم رغبات المؤلفين. مثلاً، أوصى الشاعر فيرجيل، وهو على فراش الموت، بإتلاف مخطوطة قصيدته الملحمية «الإنيادة». وعندما أصيب فرانز كافكا بمرض السل، أمر صديقه المعني بتنفيذ وصيته، ماكس برود، بحرق جميع أعماله. إلا أن برود «خانه»، وقدم لنا روائع سريالية مثل «المحاكمة»، و«القلعة»، و«أميركا». كما أمر فلاديمير نابوكوف عائلته بتدمير روايته الأخيرة «أصل لورا». ومع ذلك، نشر ابنه النص غير المكتمل، الذي صاغه نابوكوف على بطاقات مفهرَسة، بعد مرور أكثر من 30 عاماً على رحيل المؤلف.

في بعض الأعمال التي صدرت بعد وفاة مؤلفيها، تبدو نيات الكاتب للنص غير واضحة؛ ما دفع النقاد والقراء إلى التساؤل عن مدى اكتمال العمل، وإلى أي مدى تدخل المحررون في المخطوطة. في بعض الأحيان، تتعرض مؤسسات أدبية والورثة لانتقادات بأنهم تورطوا في تشويه الإرث الأدبي للكاتب، من خلال نشر أعمال دون المستوى أو غير مكتملة، سعياً وراء انتزاع آخر مكسب مالي ممكن من حقوق الملكية الفكرية المرتبطة باسم العلامة التجارية الأدبية للكاتب.

وبالعودة لابنَيْ غارسيا ماركيز، اتسمت مسألة ما يجب القيام به مع «حتى أغسطس» بالتعقيد، بسبب تقييمات والدهما المتضاربة للعمل. لفترة من الوقت، عمل غارسيا ماركيز بشكل مكثف على المخطوطة، وفي وقت ما أرسل مسودة إلى وكيله الأدبي. فقط عندما كان يعاني من فقدان شديد للذاكرة بسبب الخرف، قرر أن المخطوطة ليست جيدة بما يكفي.

جدير بالذكر أنه بحلول عام 2012، لم يعد بإمكان غارسيا ماركيز التعرف حتى على الأصدقاء المقربين وأفراد أسرته، ومن بين الاستثناءات القليلة هنا كانت زوجته مرسيدس بارشا، حسبما قال ابناه. وجابه غارسيا ماركيز صعوبة بالغة في استكمال محادثة مع شخص آخر. وكان أحياناً يلتقط أحد كتبه ويقرأه، دون أن يعي أن الكتاب من تأليفه.

لقد اعترف لعائلته بأنه شعر بعدم الاتزان كفنان دون ذاكرته، التي كانت له أعظم مصدر للمادة التي يعتمد عليها في الكتابة. وقال لهم إنه من دون الذاكرة، «لا يوجد شيء». وفي ظل تلك الحالة الممزقة، بدأ يشك في جودة روايته.

وقال رودريغو غارسيا، أكبر ولديه: «فقد غابو القدرة على الحكم على الكتاب. ربما لم يعد قادراً حتى على متابعة حبكة الرواية».

وبعد معاودة قراءة النص بعد سنوات من وفاة غارسيا ماركيز، شعر ابناه بأن والدهما كان مفرطاً بقسوته في الحكم على نفسه. وعن ذلك، قال ابنه: «بدت المخطوطة أفضل بكثير مما توقعناه».

ومع ذلك، يعترف ابنا غارسيا ماركيز بأن رواية «حتى أغسطس» لا تُصنف بين روائعه، ولذلك يخشيان أن يرفض البعض نشر الرواية بوصفها مجرد محاولة لكسب المزيد من المال من إرث والدهما.

يقول الابن غارسيا: «بالطبع، ساورنا القلق من أن يجري النظر إلينا بوصفنا مجرد شخصين جشعين».

على النقيض من أعماله الضخمة التي تتسم بالواقعية السحرية (ملاحم مثل «الحب في زمن الكوليرا» و«مائة عام من العزلة» التي بيع منها نحو 50 مليون نسخة) تبدو رواية «حتى أغسطس» متواضعة. وتأتي النسخة الإنجليزية، التي من المقرر أن تصدر اليوم، والتي تولت ترجمتها آن ماكلين، في 107 صفحات فقط.

ويرى الأخوان أن الرواية الجديدة إضافة قيمة إلى مجموعة أعمال غارسيا ماركيز، وذلك لأسباب عدة، منها أنها تكشف جانباً جديداً منه؛ فللمرة الأولى في أعمال ماركيز، يركز السرد على بطلة الرواية، ويروي قصة حميمة عن امرأة في أواخر الأربعينات من عمرها، تبدأ بعد نحو 30 عاماً من الزواج، في البحث عن الحرية، وتحقيق الذات، عبر علاقات الحب غير المشروعة.

بجانب ذلك، حاول الأخوان الحدّ بأقصى قدر ممكن من التدخل في النص بالتغيير، وقررا عدم تصحيحه أو إضافة أي عبارات لم ترد في مسودات غارسيا ماركيز أو ملاحظاته.

غلاف رواية «حتى أغسطس»

ومع ذلك، قد يشكك بعض القراء والنقاد في اختيارهما لإصدار عمل عدّه غارسيا ماركيز نفسه غير مكتمل، ما قد يضيف حاشية مخيبة للآمال إلى إرث أدبي شاهق.

في موطنه (كولومبيا)، حيث يظهر وجه غارسيا ماركيز على العملة، يبدو الجميع مترقبين لصدور الكتاب، ويتوق كثيرون داخل الأوساط الأدبية إلى أي شيء جديد من تأليف غارسيا ماركيز، مهما كان غير مصقول. ومع ذلك، يشعر البعض بالقلق من الطريقة التي يجري بها بيع الرواية.

في هذا الصدد، يقول الكاتب والصحافي الكولومبي خوان موسكيرا: «إنهم لا يقدمونها لك بوصفها مخطوطة، أو عملاً غير مكتمل، وإنما يطرحونها على أنها الرواية الأخيرة لغارسيا ماركيز. من جانبي، لست مقتنعاً بهذا التفخيم الذي نضفيه عليها. أعتقد أن الأمر برمته لا يعدو لحظة تجارية عظيمة للاستفادة من توقيع غارسيا ماركيز وعلامته التجارية».

أما الروائي الكولومبي هيكتور آباد، فقال إنه كان مرتاباً بشأن نشر «حتى أغسطس» في البداية، لكنه غيَّر رأيه عندما قرأ نسخة مسبقة منها.

وقال آباد، الذي سيشارك في فعالية تحتفي بالرواية في برشلونة، عبر رسالة بعث بها بالبريد الإلكتروني: «كنت أخشى أن يكون ذلك عملاً من أعمال الانتهازية التجارية، لكن اتضح لي أن الأمر على العكس تماماً؛ فكل الفضائل التي جعلت من غارسيا ماركيز كاتباً عظيماً موجودة هنا كذلك».

المؤكد أنه كانت هناك لحظة شعر خلالها غارسيا ماركيز بأن عمله الأخير يستحق النشر؛ ففي عام 1999 قرأ مقتطفات من «حتى أغسطس» خلال ظهور علني مع الروائي خوسيه ساراماغو في مدريد. وفي وقت لاحق، جرى نشر مقتطفات من الرواية في الصحيفة الإسبانية الأولى، «إل باييس»، وكذلك مجلة «نيويوركر». إلا أنه نحى مشروع الرواية جانباً لإنهاء مذكراته، ونشر رواية أخرى بعنوان «ذكريات عاهراتي الكئيبة»، التي تباينت الآراء بخصوصها. بعد ذلك، عاود غارسيا ماركيز العمل على «حتى أغسطس» بشكل مكثف عام 2003. وبعد عام أرسل المخطوطة إلى وكيلته الراحلة، كارمن بالسيلز.

في صيف عام 2010، اتصلت بالسيلز بكريستوبال بيرا، محرر سبق له العمل مع غارسيا ماركيز في مذكراته، وقالت إن غارسيا ماركيز، الذي كان آنذاك في الثمانينات من عمره، كان يحاول إنهاء رواية، وطلبت من بيرا مساعدته. كان غارسيا ماركيز حذراً للغاية تجاه أعماله قيد التنفيذ، لكن بعد بضعة أشهر، سمح لبيرا بقراءة بضعة فصول من الرواية، وبدا متحمساً لها، حسبما يتذكر بيرا. وبعد مرور نحو عام، تعثرت ذاكرة غارسيا ماركيز، وجابه مشقة في فهم السرد، لكنه استمر في تدوين الملاحظات على هوامش المخطوطة.

في هذا الصدد، قال بيرا: «كان الأمر علاجياً له، لأنه كان لا يزال قادراً على فعل شيء ما باستخدام القلم والورق».

وعندما عمد بيرا إلى حث غارسيا ماركيز بلطف على نشر الكتاب، عارضه المؤلف بشدة. وقال بيرا: «أخبرني أنه: (في هذه المرحلة من حياتي، لستُ بحاجة إلى نشر أي شيء آخر)».

وبعد وفاته عن 87 عاماً، جرى الاحتفاظ بنسخ مختلفة من «حتى أغسطس»، في أرشيفات مركز «هاري رانسوم».

قبل عامين، قرر نجلا غارسيا ماركيز إلقاء نظرة جديدة على النص. وقالا إن الرواية بدت فوضوية في بعض الأماكن، مع بعض التناقضات والتكرار، لكنها بدت كاملة، إذا لم تكن مصقولة. كما حمل العمل ومضات من قصائده الغنائية، مثل المشهد الذي كانت فيه آنا على وشك الاعتراف بخيانتها أمام قبر والدتها، وتشد قلبها «في قبضة يدها».

وبمجرد أن اتخذ الشقيقان قرار النشر، واجها لغزاً، فقد ترك ماركيز 5 نسخ على الأقل من مراحل مختلفة من الاكتمال. ومع ذلك، ترك إشارة بخصوص أيها أفضل.

عن ذلك، قال الابن الأصغر، غارسيا بارشا: «حمل أحد المجلدات عبارة (نهائي، لا بأس به) في المقدمة».

وأضاف شقيقه: «كان ذلك قبل أن يقرر أن الرواية ليست جيدة على الإطلاق».

العام الماضي، طلب الشقيقان من بيرا تحرير الرواية. وبالفعل، بدأ العمل على النسخة الخامسة، المؤرخة يوليو (تموز) 2004، التي تحمل عبارة «نهائي، لا بأس به».

بجانب ذلك، اعتمد على نسخ أخرى كذلك، ومن وثيقة رقمية جمعتها مونيكا ألونسو، مساعدة غارسيا ماركيز، مع العديد من الملاحظات والتغييرات التي أراد المؤلف إجراؤها. في كثير من الأحيان، كان بيرا يواجه صوراً مختلفة من جملة أو عبارة؛ نسخة مطبوعة وأخرى مكتوبة بخط اليد في الهوامش.

من جهته، حاول بيرا تصحيح التناقضات، مثل عمر البطلة؛ فقد تردد غارسيا ماركيز بشأن ما إذا كانت في منتصف العمر أو أقرب إلى الشيخوخة، ووجود أو عدم وجود شارب بوجه أحد عشاقها.

وفي خضم جهود بناء النسخة الأكثر تماسكاً، وضع بيرا والشقيقان قاعدة: لن يضيفوا كلمة واحدة من خارج ملاحظات غارسيا ماركيز أو مِن النسخ المختلفة التي تركها، على حد قولهم.

أما فيما يتعلق بمصير أي أعمال أخرى غير منشورة لغارسيا ماركيز، قال ابناه إنها ليست مشكلة: لا يوجد شيء آخر. طوال حياته، كان غارسيا ماركيز يدمر بشكل روتيني الإصدارات القديمة من الكتب المنشورة والمخطوطات غير المكتملة، لأنه لم يكن يريد أن يجري التدقيق فيها لاحقاً.

وأضافا أن ذلك كان من بين الأسباب التي دفعتهم إلى نشر رواية «حتى أغسطس».

وقال غارسيا بارشا: «عندما يصدر هذا الكتاب، سنكون بذلك قد نشرنا جميع أعمال غابو. لا يوجد شيء آخر في الدرج».

* خدمة «نيويورك تايمز»



مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.


أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير
TT

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة. لذا، ابتسمت سروراً لمّا قرأت تدوينة (تغريدة) الناقد السينمائي فهد الأسطاء في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. لقد أعطاني، مشكوراً، رأس الخيط، فكان كـ«خيط أريادني» الذي أمسكت به، وتتبعته لأخرج من متاهة التشتت والحيرة بسبب بدايات اقترحت نفسها، فلم أستقر على واحدة منها.

أطلق الناقد الأسطاء تدوينته وفي حضنها تدوينة أخرى تتضمن بوستر فيلم «جحيم العابرين»، الترجمة السينمائية لروايةٍ بالعنوان نفسه للروائي أسامة المسلم. الفيلم من إخراج هناء العمير، وسيناريو المسلم نفسه. تكشف التدوينة معرفة الأسطاء ومتابعته لأعمال العمير، وتعبر عن إعجابه بأفلامها ابتداءً من أولها، الوثائقي «بعيداً عن الكلام». ثم تأتي جملة تنتهي بعلامة التعجب: «لم أتصور أن يكون أول أفلامها الطويلة من هذا النوع!» يقصد أن يكون فيلم رعب وإثارة. ويختم تدوينته بـ«لكن هنا يكمن التحدي!».

لا يخفي تقبل الأسطاء لفكرة إخراج هناء العمير لفيلم رعب نبرة التعجب في كلامه. لكن أتوقع أن آخرين في الوسط السينمائي وخارجه لن يتقبلوا الفكرة. وهذا ليس غريباً، ففي عالم السينما المحلية الصغير، هناك من يصنفون أنفسهم بأنهم صُنّاع أفلام مستقلة ونخبوية، لا تجارية. يقصدون بالتجارية «أفلام الجنرا/ genre films»، رغم أنه لا يوجد تضاد إطلاقاً بين أن يكون المرء صانع أفلام مستقلاً وبين صنعه أفلاماً توضع في خانات التصنيف الأجناسي السينمائي. كما أن رفض «أفلام الجنرا»، ومنها أفلام الرعب، ليس من أسباب نشوء السينما المستقلة، حسب القليل الذي أعرفه عنها. فبإمكان صانع الفيلم المستقل أن يصنع فيلماً من «الأنواع غير النخبوية!»، ولا يفقد استقلاليته، فالمعول عليه، وما يصنع فرقاً بالفعل، ليس نوع ما يصنع، وإنما كيف يصنعه، فـ«الأوديسة، 2026» لكريستوفر نولان، مثلاً، فيلم جنرا «فانتازيا وأكشن» ولكنه مختلف حتى عن النسخ السينمائية الأخرى من ملحمة هوميروس. كما أن العديد من أفلام الرعب هي إنتاج مستقل مثل: «الشيطان في الداخل» و «مشروع ساحرة بلير» و «نحن» و«أُخْرج» و«نشاط خارق للطبيعة».

فهد الأسطاء

الرفض ظاهرة مألوفة

الرفض أو الازدراء لبعض الفنون أو الأجناس الأدبية والفنية، خصوصاً في بدايات ظهورها ظاهرة مألوفة ومتكررة. فمن يتصور أن الرواية «معشوقة الجماهير»، التي يتزاحم الكثيرون للقفز على عربة فرقة كتابتها، كانت تُعد في بداية ظهورها شكلاً أدبياً أقل قيمة وأدنى منزلة من الشعر والمسرح الكلاسيكي؟ وصمها رجال الدين والنقاد، على السواء، بالتفاهة، وحذّروا من إفسادها القراء، فيما كانت تحظى بإقبال شعبي على قراءتها، لكن «طاح حطب» الرفض والازدراء تدريجياً.

وفي القرن الماضي، قابلت الدراما الإذاعية/التلفازية «أوبرا الصابون - Soap Opera» الانتقاص والوصم بالتفاهة، وبأنها فن رخيص وهابط، بالإضافة إلى إطلاق قائمة من الأسماء الانتقاصية عليها مثل «washtub weeper/washboard weeper»، وحتى الاسم «أوبرا الصابون» يحمل سخرية ضمنية بجمعه بين متناقضين: الأوبرا كفن راقٍ والصابون المرتبط بالغسل وإزالة الأوساخ، وإشارة إلى ارتباط ظهور «أوبرا الصابون» بإعلانات شركات إنتاج الصابون. ولم يكن موقف الناقد منها مختلفاً؛ إذ أشاح عنها بوجهه وعيونه كما فعل مع الرواية في البداية. ولم يسلم من السخرية حتى جمهورها من النساء. وكان على «أوبرا الصابون» الانتظار من بداية الثلاثينات حتى سبعينات القرن العشرين لتشهد التغير الإيجابي في موقف النقاد منها. وأما الآن، فعندما يُقَلِّبُ المرء صفحاتِ المراجع في كتاب أو كتابين عنها، يُصاب بالذهول من ضخامة الجهود المستثمرة في نقدها ودراستها.

جوردان بيل

الرعب والطريق الطويل إلى الشرعية

تشبه رحلة فيلم الرعب من الانتقاص إلى الاحترام رحلة «أوبرا الصابون»، وإن تكن رحلته إلى الاحترام والشرعية أطول. وكان تركيز أفلام الرعب المبكرة على العنف الدموي والوحوش وتقديمها المتعة الرخيصة، وضحالتها من الناحية الفكرية أسباب اكتسابها السمعة السيئة، وتعرضها للازدراء والتهميش، وبالتالي نأي النقاد والباحثون عنها، باستثناء مقاربات نقدية قليلة ومتباعدة.

في الثمانينات التفت النقد ونظرية الفيلم إلى فيلم الرعب بشكل غير مسبوق، والطريف أن الخصائص التي كانت السبب في النفور منه، أصبحت نقاط تقاطع المقاربات النقدية السيكولوجية والآيديولوجية والنسوية والأسطورية لفيلم الرعب. التقت تلك الدراسات بمناهجها المختلفة عند فكرة أن الرعب السينمائي يشكل خطاباً مضاداً للثقافة السائدة. وسعت إلى نبش المضمر في أفلامه، وبرهنت بعمق مقنع، منفتح للاختلاف في الوقت نفسه، على أن أفلام الرعب ليست دائماً وسيط ترفيه رخيص لا ترتبط الحكايات التي يرويها بالأوضاع والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤطر إنتاجها وتلقيها. أذكر، مثلاً، كتاب الدكتور روبن وود «هوليوود من فيتنام إلى ريغان، 1986» وكتاب باتريك لوتشانيو «هم أم نحن... تأويلات نموذجية لأفلام غزو الكائنات الفضائية، 1987». كان لهذين الكتابين دور أولي مؤثر في تغيير رؤيتي وموقفي من أفلام الرعب، وتحولي تدريجياً من الاشمئزاز إلى تقبل الرعب السينمائي والقراءة عنه من حين لآخر.

وود ولوتشانيو

تمثل هوليوود بعلاقتها بالثقافة السياسية في الولايات المتحدة الفكرة المحورية في كتاب وود، حيث يقدم قراءة تحليلية، جادة وعميقة، لأفلام السبعينات وبداية الثمانينات إزاء خلفية من حرب فيتنام والحركات النسوية وفضيحة ووتر غيت والسياسة الجنسية. يظهر الرعب في فصول كتاب وود ليس مجرد ترفيه رخيص وهابط يهرب المشاهد خلاله من قضاياه وهمومه، إنما كـ«جنس/ genre» سينمائي يمتلك إمكانات تمثيل الأزمات والمخاوف الاجتماعية والسياسية؛ والتعبير عن المخاوف والقلق المجتمعي.

ويركز لوتشانيو في كتابه على أفلام الخيال العلمي وأفلام الوحش/الوحوش في خمسينات القرن العشرين، والحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية في ذروتها، والمخاوف التي أثارتها من الشيوعية والسلاح النووي واحتمال الغزو وما ينتج عنه من اضطرابات وانعدام الاستقرار. يتبنى لوتشانيو في مقاربته لموضوع كتابه نظرية كارل غوستاف يونغ، خصوصاً مفهوم اللاوعي الجمعي وفكرة النماذج الأصلية (archetypes)، لتوضيح أن الكائنات الفضائية الغازية والوحوش إسقاطات للاوعي الجمعي، تمثيلات تكشف للمجتمع الأميركي مخاوفه ورغباته وصراعاته النفسية.

شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية

هل الرعب شرعي؟

وبينما الدراسات والمقالات تتراكم حولها، كانت أفلام الرعب في سيرورة تطور شكلي وجمالي وموضوعاتي. وقد شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب، توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية. دفع هذا التطور إلى تغير الموقف المؤسسي منها، فلم تعد مهمشة توصد أبواب المهرجانات أمامها، أو تفتح أبواب بعضها ولكن لا تتاح لها فرصة المشاركة في المنافسات على الجوائز.

يعنون براد وايزمان الفصل 23 في كتابه «الرعب بلا قناع، 2023» بالسؤال: «هل الرعب شرعي؟/ ?Is horror Legit»، وتنبسط أسفله صورة المخرج جوردان بيل رافعاً تروفي الأوسكار. يستهل وايزمان الفصل بـ: «كان عام 2018 استثنائياً بالنسبة لأفلام الرعب. فللمرة الأولى، رُشِّح في عام واحد فيلمان ينتميان إلى فئة الرعب لجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار (203)». الفيلمان هما «أخرج/ Get Out» لجوردان بيل، و«شكل الماء/The Shape of Water» للمخرج غييرمو ديل تورو. ورغم أن تصنيف «شكل الماء» فانتازي رومانسي، يعتبره وايزمان فيلم رعب لأن «جذوره راسخة في أدب الرعب». يشير ضمنياً هنا إلى فيلم «مخلوق البحيرة السوداء». ولـ«أخرج» تصنيف آخر أيضاً، فهو أحد أفلام الرعب التي أطلق عليها مصطلح «الرعب الراقي/elevated horror» تمييزاً لها عن أفلام الرعب «الكلاسيكية». اللافت أن بعض المخرجين رفضوا المصطلح، واعتبروه تمييزياً وإقصائياً، ومن أولئك الرافضين جوردان بيل حسب تصريح له في «فرايتي /Variety 31/10/2022»: «لا أريد أن يظن الناس أنني أحاول صنع أفلام «راقية» أو «ذات قيمة فنية رفيعة». أعتقد أن هذا فخّ لا أتقبله تماماً؛ لأنني، كما تعلمون، أحبّ صنع أفلام مجنونة وصادمة. أحبّ صنع أفلام غريبة لا يُفترض بي في الأساس أن أصنعها، وأحياناً أحبّ أيضاً أن أتحدّى الناس الذين ينظرون إلى الأمور من الجانب الآخر».

تُرى هل المخرجة هناء العمير، مثل جوردان بيل، صنعت فيلماً لا يفترض أن تصنعه؟ من هم أولئك الذين ينظرون إليها من الجانب الآخر وتتحداهم بصنع «جحيم العابرين»؟ أهو التحدي نفسه الذي يشير إليه الناقد الأسطاء؟ ما دلالات رفض بيل والآخرين لوصف أفلامهم بـ«الراقية»؟ ما معنى أن يكون التصنيف الجديد فخاً؟ أعجبني رفض بيل ونظرائه للمصطلح، للتصنيف الجديد، وكذلك إصراره على صنع الأفلام التي يحب، لأسباب قد تكون الإجابة عنها موضوعاً لمقالة أخرى!!

* كاتب وناقد سعودي


محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار
TT

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة، في دراسة تتناول تجربة النحات المصري وعلاقتها بالنهضة الثقافية، وتعيد مساءلة القراءات التي أحاطت بمنجزه، انطلاقاً من سؤال تحويل الآثار المصرية القديمة إلى تراث فاعل في الحاضر، قادر على تغذية الإبداع وتجديد الصلة بين الفن والمجتمع.

يقع الكتاب في 234 صفحة، وتجمع مقاربته بين البحث الجمالي والفلسفي والنقد الثقافي، مع العودة إلى كتابات مختار وشهادات النقاد والباحثين الذين تناولوا تجربته. ويبحث المؤلف في المسافة بين استلهام الموروث وإعادة إنتاج أشكاله، وبين الاحتفاء بالفنان واستمرار مشروعه، متوقفاً عند الشروط التي تجعل المنجز الفني إرثاً متجدداً، وعند العوامل التي قد تحصره في ذاكرة تستعيد لحظة ازدهاره.

ينطلق بن حمودة في التمهيد من رسالة وجّهها مختار إلى محمد حسين هيكل، عبّر فيها عن قلقه من إهمال الفن في مشروعات الإصلاح، ودعا إلى مساندته ضمن نهضة ثقافية تتصل بحياة الناس. ويقرأ المؤلف هذه الدعوة مدخلاً لفهم مراهنة مختار على «تذويب الفني في الثقافي»، وربط العمل التشكيلي ببيئته وذاكرتها وهواجسها، وتوسيع مشاركة المجتمع في التجربة الفنية.

ومن خلال هذا المنطلق، يتابع الكتاب عودة مختار إلى الفن المصري القديم، ويبحث في الإمكانات التي وجدها فيه لصياغة لغة نحتية حديثة. فالآثار، وفق المقاربة التي يطورها المؤلف، تستعيد فاعليتها حين تدخل في علاقة إبداعية مع سياقات جديدة، وحين تصبح مصدراً للاستلهام وإعادة التوظيف. ويتقدم الإبداع عبر هذه العلاقة باعتباره المجال الذي تتشكل فيه الأصالة وتتجدد، وتتفاعل فيه الذاكرة مع أسئلة الزمن الراهن.

وتحمل المقدمة عنوان «التراث ومهمة التبئير الثقافي»، وتناقش اختلاف المواقف من الموروث المصري القديم وموقعه في تشكيل الهوية الفنية الحديثة. ويستعيد بن حمودة آراء عز الدين نجيب وبلند الحيدري وإيمه آزار وغيرهم، متوقفاً عند تصور العلاقة بين الثقافة المصرية والحضور الأوروبي، وعند أثر المرجعيات الأكاديمية في قراءة التجارب المحلية وتحديد قيمتها.

ويمنح الكتاب تمثال «نهضة مصر» مساحة مركزية في هذا النقاش، من خلال بحث بعنوان «الإنسية والتراث: (التأكدم) وحلم (العمل الفني الكبير)». ويقرأ المؤلف ارتباط مشروع مختار بطموح إنجاز عمل يشارك في الحياة العامة، ويبحث في حضور الضخامة والكتلة والرمز، وصلتها بالموروث المصري وبالسياق الذي استقبل التمثال. كما يناقش العلاقة بين استلهام النحت القديم والتحولات التي شهدها الفن الحديث في تعامله مع المرجعيات الكلاسيكية.

وفي فصل «(النابغة) ورهان تعليق انقطاع العرب عن (مسيرة الفنون الجميلة)»، يعود المؤلف إلى خطاب الاحتفاء بمختار، وإلى الجدل الذي أثاره تمثال «نهضة مصر»، مستحضراً رد الفنان على إبراهيم عبد القادر المازني. ويضيء الكتاب تفسير مختار للعلاقة بين الماضي والحاضر في التمثال، ثم يفحص التصورات التي وضعت تجربته ضمن مسار تاريخي للفنون الجميلة، وما يترتب عليها من فهم للتراث المصري وموقعه في ذلك المسار.

ويتوسع البحث في فصل «مختار واستدراج الفن المصري القديم نحو ثورة ثقافية تصالحه مع الموروث الشعبي»، حيث يستعيد بن حمودة مقال طه حسين «مختار ومصر»، ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة. ويضع المؤلف هذه القراءة أمام سؤال الخصوصية الثقافية: كيف تتصل العودة إلى الآثار بالحياة الشعبية، وكيف يمكن للإبداع أن يعيد وصل الموروث بالمجتمع الذي نشأ فيه؟

ويحضر الريف والفلاح والفلاحة ضمن هذا المسار باعتبارهم عناصر أساسية في فهم العالم التشكيلي لمختار. ويتتبع المؤلف ما تتيحه البيئة المحلية من إمكانات للخيال وللتعبير عن الوجدان، ويبحث في قدرة التجربة المتجذرة في محيطها على الانفتاح نحو أفق إنساني أوسع. وتكتسب العودة إلى القرية، في هذه القراءة، أبعاداً تتصل بالمضمون وبالشكل وبطريقة بناء العلاقة مع العالم.

أما فصل «إرث محمود مختار والبداية الثانية: العتاقة الجديدة»، فينتقل إلى مآلات التجربة وإمكانات امتدادها. ويناقش الكتاب أحكاماً تناولت الأجيال اللاحقة لمختار، ويعيد النظر في العلاقة بين إرثه وتيارات التجديد، ومنها جماعة «الفن والحرية». ويبرز ضمن هذا النقاش سؤال قدرة الفنانين اللاحقين على تطوير المراهنة التي حملها منجزه، ومخاطر اختزال هذا المنجز في سمات قابلة للتكرار.

يستعيد المؤلف مقال طه حسين «مختار ومصر» ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة

وتأتي الخاتمة تحت عنوان «مختار والعودة للقرية في زمن تغيّر الطبيعة العامة للفن»، لتربط قراءة تجربته بالتحولات التي طرأت على وظيفة الفن ووسائطه. ويستحضر المؤلف أثر الفوتوغرافيا والسينما في تغيير العلاقة بالمحاكاة والخيال، مستعيناً بمناقشات رمسيس يونان ورولان بارت ووالتر بنيامين، ومتوقفاً عند ما تفتحه هذه التحولات من إمكانات لفهم التجربة النحتية.

وفي هذا السياق، يناقش الكتاب تمثال «الخماسين» من خلال قراءة صبحي الشاروني، متناولاً الحركة التي تولدها الملابس المنتفخة بالرياح، والعلاقة بين الكتلة والتجريد والمرتكز الواقعي المتمثل في حضور الفلاحة. ويبرز هذا المثال إمكان قراءة منجز مختار من زاوية البحث الشكلي والتحرر الإبداعي، إلى جانب دلالاته الثقافية والقومية.

وتتبلور في الصفحات الختامية مساءلة نقدية لمصير المشروع؛ إذ يذهب بن حمودة إلى أن نجاح تجربة مختار سياسياً وفنياً واجه صعوبات في التحول إلى ثورة ثقافية متواصلة. ويناقش أثر بعض المقاربات النقدية في حجب جوانب من مراهنته، ويطرح الفرق بين أعمال تستدعي الحنين إلى زمن مضى، وإرث يحافظ على حيويته عبر تجدد علاقته بالسياقات التي تستقبله.

ويندرج الكتاب ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها منشورات رامينا، في إطار اهتمام الدار بالدراسات الفنية والجمالية، وإتاحة قراءات نقدية تتناول التجارب الإبداعية وعلاقتها بالتراث والحداثة والتحولات الثقافية، وتفتح نقاشاً حول موقع الفن في المجتمع ودوره في تجديد الوعي والذاكرة.

ويضم الكتاب قائمة مراجع عربية وأجنبية وقسماً للصور، بما يتيح متابعة المصادر التي يستند إليها البحث والأعمال المرتبطة بموضوعه.