كارل ياسبرز... نعم للتنوير الروحاني المؤمن

الكهنة في العصور الوسطى حوَّلوا الدين قيوداً وأصفاداً

كارل ياسبرز
كارل ياسبرز
TT

كارل ياسبرز... نعم للتنوير الروحاني المؤمن

كارل ياسبرز
كارل ياسبرز

طيلة سنوات عديدة كنا مبهورين بفلاسفة الإلحاد في الغرب من أمثال ماركس وهيدغر وسارتر وعشرات غيرهم. بل وكنا نعتقد أنه لا يمكن أن تكون فيلسوفاً كبيراً إن لم تكن ملحداً. وكنا نتوهم أن الفيلسوف المؤمن لا يمكن أن يكون إلا شخصاً متخلفاً عقلياً، بل وطائفياً. وذلك لأن التدين كان مرتبطاً طيلة العصور الوسطى بالانغلاق داخل جدران الطائفية والمذهبية. ولكن فيما بعد اكتشفنا أن هناك فلاسفة كباراً مؤمنون فعلاً وليسوا متخلفين ولا طائفيين. من بين هؤلاء كارل ياسبرز الذي كان معاصراً لهيدغر ومنافساً له على عرش الفلسفة الألمانية. أياً يكن من أمر فإن المناقشة الخصبة التي اخترقت الفكر الأوروبي منذ بداية العصور الحديثة كانت هي الخاصة بالعلاقة بين العلم والإيمان، أو الفلسفة والدين. والبعض يحاول أن يحصر هذه المناقشة الكبرى في خيارين متطرفين لا ثالث لهما: فإما أن تكون مؤمناً تقليدياً طائفياً رافضاً للعلم والفلسفة، وإما أن تكون فيلسوفاً ملحداً رافضاً لكل إيمان أو تعالٍ رباني!... أما ياسبرز فيفضل اتباع الخط الثالث: أي خط الوسط الذي يجمع بين العقل والإيمان. إنه يرفض التضحية بالفلسفة مثلما يرفض التضحية بالدين أو لنقل جوهر الدين. وهذا هو الخط الوسطي العقلاني الذي يناسبنا نحن في العالم العربي الإسلامي. ليس لنا أي مصلحة في اتباع الخط المادي الإلحادي المحض السائد في الغرب حالياً.

في مقالة له بعنوان «الإيمان والتنوير» يقول هذا المفكر الكبير ما معناه: يوجد فهمان للدين: الفهم التقليدي الأصولي القائم على التسليم الأعمى أساساً، والفهم الحديث القائم على العلم والعقل والبصيرة الفلسفية. ولكن المشكلة هي أن معظم الناس لا يستطيعون التفريق بينهما. ثم أنهم يعتقدون أن التنوير يؤدي إلى الإلحاد بالضرورة. ولكن هذا مفهوم خاطئ أو ناقص للتنوير. ولكن ما هو التنوير يا ترى؟ ينبغي العلم بأن التنوير يتعارض مع التعصب الأعمى الذي يعتقد بأفكار دوغمائية معينة دون أن يخضعها للتفحص النقدي. التنوير يتعارض مع الأفكار السحرية والشعوذية والخرافية. إنه يرفض الحَجْر على حرية التفكير باسم الإيمان أو العقائد الدينية. كما ويحارب الأحكام المسبقة والأفكار المذهبية العتيقة التي ثبت بطلانها وضررها، بل وخطرها على المجتمع. إنه - أي التنوير - يتطلَّب منا بذل الجهد باستمرار من أجل البحث عن الحقيقة، وعدم تصديق أي شيء إلا بعد غربلته وتمحيصه على ضوء معايير العقل والمنطق. وبالتالي، فهناك فرق كبير بين الإيمان القائم على التسليم الأعمى، والإيمان القائم على التعقل والتنوير. ولهذا السبب قال كانط، فيلسوف التنوير الأكبر، بأن التنوير يعني انتقال الإنسان من مرحلة القصور العقلي إلى مرحلة البلوغ وسن النضج. فالإنسان في العصور المسيحية الأوروبية السابقة كان يطيع الكاهن بشكل أعمى ويصدق كل ما يقوله ويخضع له دون أي مناقشة. وهذا يعني أنه كان يُعَاْمَل معاملة الطفل، أي كالقاصر الذي لا عقل له. بدءاً من عصر التنوير، أي عصر العقل والعلم، أصبح الإنسان مطالباً بأن يفكر بشكل شخصي حر أي متحرر من شيخه أو كاهنه. لقد شب الإنسان عن الطوق في عصر التنوير. لقد بلغ سن الرشد.

لكن دعونا ندخل في التفاصيل أكثر:

بعض الكهنة المسيحيين يقولون: لقد قضى عصر التنوير على الاعتقاد الديني في أوروبا. فلعنة الله على التنوير والمتنورين أجمعين! وهذا ما ابتدأ يقوله أيضاً بعض المثقفين في العالم العربي. فكثيراً ما نسمعهم يتهكمون بالتنوير ويسخرون منه كأن يقولوا مثلاً: هذا الشخص تنويري أعوذ بالله! هذا الشخص تنويري أجارنا الله! أوف! أوف! أوف! معظم من يقولون ذلك من المحافظين العرب إن لم نقل الرجعيين... فما هي حقيقة القصة يا ترى؟ يقول لنا كارل ياسبرز ما فحواه: لا ريب في أن التنوير الراديكالي المتطرف أدى إلى تدمير التراث المسيحي الذي كانت ترتكز عليه حياتنا كلها من المهد إلى اللحد، ومن العمادة إلى القبر... لقد فكَّك الإيمان والمعتقدات الموروثة أباً عن جد منذ مئات السنين. لقد تركنا يتامى، مهجورين، وأوصلنا إلى الفراغ، إلى حافة العدمية... فالتنوير إذا ما فُهم بشكل خاطئ ومتسرع وسطحي كارثة.

ولكن الفيلسوف الكبير يرى أن هذه الانتقادات لا تنطبق إلا على التنوير الخاطئ أو الفهم الخاطئ للتنوير. فليطمئن الناس إذن وليهدّئوا من روعهم!... فالفهم الخاطئ للتنوير، أو لنقل الفهم المغرور والمتعجرف والمتغطرس، يعتقد أن كل معرفة ترتكز على العقل فقط. هذا في حين أن العقل ينبغي أن يُستخدم فقط كأداة ضرورية لإضاءة ما يُقدَّم له من مكان آخر يتعالى عليه. ثم أن الفهم الخاطئ للتنوير يحول المعارف الجزئية التي يحصل عليها الإنسان عن طريق عقله التجريبي ثوابت مطلقة أو حقائق يقينية ونهائية. نقول ذلك ونحن نعلم أنها عابرة ومؤقتة، وكل تاريخ العلم يثبت لنا ذلك. فالنظريات العلمية تتوالى وراء بعضها بعضاً وتصحح بعضها بعضاً أو تلغي بعضها بعضاً. يضاف إلى ذلك أن الفهم الخاطئ للتنوير يغري الإنسان ويجعله ينتفخ ويعتقد بأنه يمتلك معرفة كاملة لوحده. يحصل ذلك كما لو أن الإنسان هو وحده الكلّ، وأنه لا ينتمي إلى جماعة كبرى تتجاوزه... إن معنى الكائن الأعظم، أي الله عز وجل، يخفى على المتنوّرين المتسرعين السطحيين، وكذلك معنى الهيبة العليا أو الفوقية. نقول ذلك ونحن نعلم أن كل حياة بشرية ينبغي أن تسلك طريقها على ضوء الإيمان بالله والهيبة الفوقية أو الذروة الأخلاقية العليا التي تعلو ولا يعلى عليها. باختصار، فإن الفهم الخاطئ للتنوير يعتقد بأن الإنسان مكتفٍ بذاته وليس في حاجة إلى أي مساعدة أو هداية من خارجه أو من فوقه. إنه يحثّ على المعرفة، لا على الإيمان.

والآن نطرح هذا السؤال: ما هو إذن المعنى الصحيح للتنوير؟ وعليه يجيب ياسبرز بما معناه: إنه الفهم الذي لا يحدد بشكل مسبق للعقل حدوداً من خارجه. إنه الذي لا يحصره مسبقاً بفرضيات دوغمائية طائفية متحجرة. فالعقل ينبغي أن يظل حراً، منطلقاً، من دون قيود أو حدود تعسفية. والفهم الحقيقي للتنوير لا يكتفي بتفكيك الأفكار التعصبية، والخرافات، والأساطير الطائفية وإنما يضع نفسه على محك الشك والنقد أيضاً. فالعقل التنويري ليس معصوماً. وحده العقل الدوغمائي المتحجر يعتقد أنه معصوم. ولكن عقل التنوير لم يُطِح بمعصومية العقل اللاهوتي السابق لكي يحِل محلها معصومية جديدة. فحرية البحث والتمحيص تظل مفتوحة. وينبغي أن تُطبَّق على التنوير ذاته لأنه ليس فوق النقد ولا فوق الفحص. والفهم الصحيح للتنوير لا يخلط بين مجريات العقل وبين القيم الأخلاقية العليا. فهذه القيم يمكن إضاءتها عن طريق المجريات الفكرية للعقل، ولكن لا يمكن أن تجد في العقل أساسها أو قاعدتها التي ترتكز عليها. إنها تتجاوز العقل البشري أو تعلو عليه، إنها إلهية لا بشرية.

إذا ما فهمنا التنوير على هذا النحو فإنه لن يقضي على الإيمان بالمعنى الجوهراني، الداخلي، الحر، للكلمة. على العكس؛ فإنه سيؤدي إلى اتساع الإيمان واستضاءته كلما اتسعت معارف الإنسان وزادت علومه. نقول ذلك بشرط ألا نخلط بين الإيمان الداخلي والإيمان الخارجي القائم على الطقوس الكنسية والشعائر والقوالب الشكلانية ذات الطابع الإكراهي والقسري بالضرورة. ثم يوضح ياسبرز الفرق بين الفهم الصحيح للدين والفهم الخاطئ ويقول: هناك فرق بين جوهر الدين وبين التأويلات الدوغمائية المتعصبة الطائفية التي قدمها الكهنة عنه على مدار القرون. فإذا فهمنا أن جوهر الدين هو الحرية وأن الله ذاته لا يتجلَّى للإنسان إلا من خلال الحرية فإننا نعرف عندئذ سبب انصراف الناس في أوروبا عن المسيحية وسبب نجاح حركة التنوير. فالمسيحية تحولت في بعض المراحل قيوداً مرهقة وعبودية. بل وتحولت محاكم تفتيش. وضد كل ذلك نهض التنوير.

نعم، إن الكهنة حوَّلوا الدين قيوداً وأصفاداً، إكراهاً للضمائر والعقول، مجرد طقوس وشكلانيات... فأنت أصبحت مجبراً على الإيمان ببعض العقائد والطقوس إجباراً غصباً عنك. بمعنى آخر، فإنهم حولوا الدين إلى عكسه، إلى إكراه في الدين. هذا في حين أن الدين محبة وعقلانية وحرية. وأعطوا عن الله تصوراً مضاداً لطبيعته وجوهره. فالله هو الخير المطلق والحق المطلق والعدل المطلق ولا يريد بعباده إلا خيراً (بين قوسين: لاحظوا كيف أن كلامه هنا يتطابق حرفياً مع كلام المعتزلة في الإسلام دون أن يكون مطلعاً عليه). ولكن الكهنة في العصور الوسطى قدموا عن الله صورة مخالفة تماماً لجوهر الله عز وجل. لقد قدموه على هيئة جلاد لا هم له إلا تعذيب الناس وتخويفهم! وبما أن هذا التصور ساد طيلة قرون وقرون فإنه تحول حقيقة واقعة لا تقبل النقاش. وأصبح يصعب علينا أن نقدم تصوراً آخر عن الدين والله، تصوراً أقرب ما يكون إلى أصوله الأولى وجوهره. والناس الذين يظهرون العداء للتنوير هم أولئك الذين لا يستطيعون الخروج من التصور القديم الموروث عن الأسلاف. لقد تعودوا عليه، أي على العبودية إلى درجة أنهم أصبحوا ينكرون طعم الحرية. فهم يشعرون بحاجة نفسانية للخضوع للكهنة الذين يقدمون أنفسهم وكأنهم الناطقون الرسميون باسم الله على وجه الأرض! ولكن إذا ما فهمنا الله على أساس أنه مطلق الحرية والخير والعدل والحق فإنه لا يعود هناك أي تناقض بين التنوير والإيمان. وسوف يظل الإيمان مستمراً حتى بعد انتصار التنوير. بل إنه سيصبح أقوى إشعاعاً بكثير. سوف يصبح نوراً على نور: نور الإيمان ونور العقل، نور الدين ونور الفلسفة! فاطمئنوا أيها الناس ولا تخافوا من التنوير.



«ليون الأفريقي»... ناقل المعرفة بين الشرق والغرب

هواري تواتي
هواري تواتي
TT

«ليون الأفريقي»... ناقل المعرفة بين الشرق والغرب

هواري تواتي
هواري تواتي

نجح الكاتب اللبناني أمين معلوف، من خلال روايته الشهيرة «ليون الأفريقي»، في تقديم شخصية حسن الوزّان إلى العالم بوصفه بطلاً عابراً للحدود ورحّالةً كبيراً كان شاهداً على سقوط غرناطة وتقلّبات المتوسط. غير أنّه لم يسعَ إلى كتابة سيرة تاريخية وثائقية بالمعنى الصارم؛ فقد أخذ من حياة الوزّان عناصرها الكبرى، ثم أعاد بناءها داخل عملٍ أدبي.

اليوم تكتمل الصورة بصدور كتابٍ جديد في نحو ثلاثمائة صفحة، عنوانه «يوحنا ليون الأفريقي: إنسانيٌّ عربي في النهضة الأوروبية»، لصاحبه المؤرّخ والأنثروبولوجي الجزائري هواري تواتي، مدير دراسات في «المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية» بباريس وعضو أكاديمية أوروبا. والكتاب ليس سيرةً ولا عملاً روائياً، بل هو ثمرة بحثٍ دام سنوات من أجل إبراز الدور الفكري لحسن الوزان المعروف في أوروبا بليون الأفريقي بوصفه وسيطاً بين التراث العربي والفضاء الأوروبي.

وُلد الحسن بن محمد الوزّان على الأرجح قرب غرناطة في أواخر القرن الخامس عشر، ثم حملته أسرته إلى فاس بعد سقوط المدينة سنة 1492. هناك تلقّى علومه في مدارسها، فتعلّم الفقه وأصول الدين، وتذوق التاريخ والشعر. وفي سنٍّ مبكرة، بدأ رحلاتٍ دبلوماسية حملته إلى الريف والسوس وأطراف الصحراء، ثم إلى تونس والقاهرة والقسطنطينية. وفي 1518، بينما كان عائداً من مهمّة، اعترض سفينتَه قرصانٌ صقلّي من فرسان القديس يوحنا، فاقتيد إلى روما وحُبس في قلعة سانت أنجلو. وما جرى بعد ذلك هو موضوع كتاب هواري تواتي. فالبابا لم يعرض أسيره على الزوّار كأعجوبة، بل منحه راتباً ومهمّة: أن يعلّم العربية، وأن يُستشار في اللغة والفقه وشؤون المتوسط.

يشرح الباحث أنّ روما التي نزل بها الوزّان لم تكن مدينةَ باباواتٍ فحسب، بل كانت ورشةً محمومة يُعاد فيها رسم صورة العالم. كان فيها الكاردينال إيجيديو دا فيتربو، المولع باللغات الشرقية، الذي طلب من ضيفه الأسير أن يعلّمه العربية ليقرأ القرآن في لغته الأصلية. وفيها كان الأمير ألبرتو بيو دا كاربي يبني مكتبةً شرقية، إضافةً إلى أنجلو كولوتشي (1474 – 1549)، العالِم الإيطالي وأمين أسرار البابا، وجامع المخطوطات والآثار.

في هذا الوسط، وجد الوزّان موقعه. فأقام سنة 1525 في دار الكاردينال بفيتربو بصفته معلّماً له، وراجع هناك ترجمةً لاتينية للقرآن الكريم، وعلّم العربية في بولونيا، ونسخ نصوصاً عربية لمكتبات الأمراء، وجالس المترجمين والأطباء والشعراء.

ومن هنا يبدأ الانقلاب الذي يقترحه الكتاب. فالثقافة العامة، عربيةً كانت أم أوروبية، اختزلت حسن الوزّان في عمله الشهير «وصف أفريقيا»، ذلك الكتاب الذي أنجزه سنة 1526 وظلّ قروناً مرجعَ أوروبا الوحيد عن المغرب وأفريقيا. أما تواتي فينقل مركز الثقل إلى ثلاثة أعمال أخرى أقلّ شهرة لكنها أبعد أثراً: مجموعة تراجم، ومعجم، ورسالة في العَروض.

حين وصل الوزّان إلى روما، كانت جامعات أوروبا تدرّس ابن سينا والرازي وابن رشد منذ ثلاثة قرون، وهي تجهل عنهم كلّ شيء تقريباً. لم يكن في المكتبات اللاتينية سيرةٌ واحدة لأيٍّ من هؤلاء. كان طالب الطب في بادوفا أو مونبلييه يحفظ «القانون» ويجهل متى عاش صاحبه وأين. وما تداولته أوروبا عنهم لم يكن أكثر من حكاياتٍ متناقَلة: أنّهم عاشوا جميعاً في الأندلس في زمنٍ واحد، وأنّ ابن رشد «دسّ السمّ لابن سينا بدافع الحسد».

ويتوقّف تواتي عند هذه الثغرة ليشرح سببها. فالعرب حين نقلوا علوم اليونان، نقلوا معها سِيَر أصحابها وقوائم كتبهم: «التاريخ الفلسفي» لفرفوريوس، وسيرة أرسطو المنسوبة إلى بطليموس، ورسالة جالينوس في ترتيب مؤلفاته. لقد عرفوا مَن يقرأون، وأقاموا على هذه المعرفة فنّاً كاملاً في الكتابة. أما الترجمة من العربية إلى اللاتينية فأخذت النصوص وتركت أصحابها في الظلّ. في هذا الظلّ كتب الوزّان مؤلفه «بعض الرجال المشاهير عند العرب والعبرانيين»، في روما سنة 1527.

وهو أوّل عمل أوروبي يقول للقارئ اللاتيني بوضوح: هذه الكتب التي بين يديك لها مؤلفون، ولهم مدنٌ وأساتذة ومدارس وتواريخ. فيها الفارابي والغزالي وابن رشد وابن سينا، وإلى جانبهم أعلامٌ يهود.

ولم يكن أثر هذا العمل عابراً، فقد ظلّ مرجعاً لا ينازع حتى منتصف القرن التاسع عشر. بل إنّ «الموسوعة» التي أشرف عليها ديدرو ودالمبير، وهي أشهر عملٍ فكري في عصر الأنوار الفرنسي ورمزه الأكبر، نقلت عن كتاب الوزّان أكثر من نصف ما أوردته عن أفريقيا، وأدرجت تراجمه ووصفه كما وردت، من غير تغيير يُذكر. ثلاثة قرون كانت أوروبا تروي فيها تاريخ العقل العربي بكلمات رجلٍ من فاس، من غير أن تذكر اسمه في الغالب، كما يشير الباحث الجزائري.

كانت أوروبا تروي لثلاثة قرون تاريخ العقل العربي بكلمات رجلٍ من فاس من غير أن تذكر اسمه في الغالب

أطرف ما في الكتاب بابه الخاص بـ«رسالة العَروض». فقد كان أنجلو كولوتشي من أوائل من درسوا بنية اللغات الرومانسية وأوزان الشعر في العامّيات الإيطالية، يجمع مخطوطات شعراء بروفانس وصقلّية ويقارن بينها، باحثاً عن جوابٍ لسؤالٍ شغل أدباء عصره: من أين جاءت القافية إلى الشعر الأوروبي؟ فالشعر اللاتيني القديم لم يعرفها، ثم ظهرت فجأةً عند التروبادور. فهل أخذها شعراء بروفانس عن الأندلسيين، جيرانهم من وراء البرانس؟ كان الجواب يقتضي معرفةً بالعَروض العربي من الداخل: بالبحور والزحافات والعلل، وبالفرق بين الرويّ والقافية. وهي معرفة لم تكن متاحة لأحدٍ في إيطاليا، فوجدها كولوتشي عند الوافد الجديد. ومن هذا اللقاء وُلد واحد من أوائل نصوص الوزّان اللاتينية: «رسالة في فنّ العَروض العربي»، وصلتنا في نسخةٍ نقلها ناسخ إيطالي سنة 1527.

وفي بولونيا، في يناير (كانون الثاني) 1524، فرغ الوزّان من معجمٍ عربي – عبري – لاتيني وضعه لصديقه الطبيب والمترجم اليهودي يعقوب مانتينو. ويشير الباحث إلى أنّ العمل، وإن كان مشتركاً، فإنّ الوزّان هو من حمل عبأه الأكبر: نحو خمسة آلاف وخمسمائة مادة عربية بقلمه، لا يقابلها من قلم شريكه سوى مائة وسبعين مادة عبرية ومائتين وثلاثين لاتينية. وقد بقي هذا المعجم مخطوطاً في مكتبة الإسكوريال، ولم يُطبع إلا سنة 1664 على يد المستشرق السويسري يوهان هاينريش هوتينغر؛ أي أنّ الاستشراق الأوروبي انتفع بمادّته قرناً ونصف قرن قبل أن ينسب الفضل إلى واضعه.

يرى هواري تواتي أنّ ليون الأفريقي لم يكن مجرّد جغرافي نقل إلى أوروبا أخبار أفريقيا، بل كان مثقفاً عربياً اضطلع بدور محوري في نقل المعارف بين الحضارتين العربية والأوروبية، وهو ما يدعو إلى النظر إلى النهضة لا بوصفها ظاهرة أوروبية خالصة، بل باعتبارها فضاءً تفاعلت فيه روافد حضارية متعدّدة. فالفكر الإنساني لم يكن حكراً على أوروبا، بل نشأ من تفاعل حضاري واسع أسهم فيه مفكّرون عرب. وفي الأخير، يدعو الكاتب إلى إعادة الاعتراف بهذا التراث الذي واصلت أوروبا استثماره بينما تراجعت الثقافة العربية عن بعضه.


«أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي

«أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي
TT

«أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي

«أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي

للشاعر السعودي، إبراهيم زولي، صدر مؤخراً كتاب «أبناء قوقل وأحفاد المتنبي - بين ذاكرة الورق وإغواء المنصات»، عن مجموعة «متون للنشر والتوزيع» بالقاهرة.

ويعتبر المؤلف أن كتابه الجديد ليس مرثيةً للورق، ولا لائحةَ اتهامٍ للشاشة، ولا خطاباً متوتراً يندب زماناً انقضى ثم يتعامل معه كأنه الفردوس المفقود، بل يرى أن الأزمنة لا تعود، والتاريخ لا يسير إلى الوراء، والحياة لا تنتظر الحالمين بالرجوع كي تستأنف حركتها. «ما يعنيني هنا ليس الدفاع عن ماضٍ ضد حاضر، ولا الانتصار لجيلٍ على آخر، بل محاولةُ النظر فيما جرى لنا، نحن الذين عبرنا من ضفةٍ إلى أخرى، أو وجدنا أنفسنا عالقين بين ضفتين: ضفةٍ كان للكتاب فيها زمنُه الخاص، وللقراءة طقسُها، وللكلمة مهابتها، وضفةٍ صار العالم فيها يُستهلك من خلال شاشة، وتُختصر الخبرة الإنسانية في تمريرٍ سريع، وتُقاس القيمة بكمّ الظهور لا بعمق الأثر».

وفي مقدمة الكتاب يضيف المؤلف: «القضية، في جوهرها، ليست قضية أدوات فحسب. ليست المسألة أن الشاشة حلّت محلَّ الورق، أو أن المكتبة انزوت قليلاً أمام المنصات. المسألة أعمق من ذلك بكثير؛ إنها تمسّ بنية الإدراك نفسها، شكل الانتباه، إيقاع الزمن، صلة الإنسان بلغته، علاقته بأسرته، طريقته في بناء صورته عن نفسه، ومفهومه للمعرفة، والنجاح، والظهور».

ويقول أيضاً: «هنا لا نتحدث عن جهاز جديد دخل حياتنا، بل عن بيئة كاملة أخذت تعيد ترتيب الحواس والأولويات، وتعيد كتابة اليومي على نحو يكاد يبدو طبيعياً، بل بديهياً، حتى لكأن ما حدث كان قدراً لا تاريخاً، وطبيعةً لا صناعةً بشرية».

وبحسب الكاتب، فإن فكرة هذا الكتاب، تنبع، من أن «أخطر ما في الثقافة الحديثة ليس ما تقوله بصوت عالٍ، بل ما تمرره همساً، عبر الصورة، والتكرار، والإيقاع اليومي، والعادة التي لا نشك فيها».

ويستشهد بما كتبه رولان بارت، في كتابه الشهير «أسطوريات»، حين صاغ هذه الفكرة بعبارة كثيفة قائلاً إن الأسطورة «تحوّل التاريخ إلى طبيعة»؛ أي إنها تجعل ما هو مصنوع، وتاريخي، وقابل للنقد، يبدو كأنه أمرٌ طبيعي لا يُسأل عن أصله ولا عن مصلحته. وهو يرى أن «ما تفعله المنصات اليوم، في كثير من وجوهها، قريبٌ من هذا السحر الناعم: إنها لا تفرض رؤيتها علينا بالعصا، بل تجعلنا نألفها حتى نظنها هي العالم نفسه».

وبالنسبة لعنوان الكتاب، فالمؤلف يرى أنه لا يقسم العالم بقدر ما يكشف صدعه، ويقول: «(حين اخترتُ عنوان أبناء قوقل وأحفاد المتنبي) لم أكن أبحث عن مفارقة لفظية جذابة فحسب، ولا عن مقابلةٍ بلاغية بين رمزٍ رقمي وآخر تراثي. كنت أبحث عن استعارتين تلتقطان تحوّلاً عميقاً في الإنسان العربي المعاصر». فـ(أبناء قوقل) ليسوا فئة عمرية محددة، وليسوا المراهقين وحدهم، ولا الشباب وحدهم، بل هم كل الذين أخذتهم المنصات إلى داخل نمط جديد من الوعي: وعيٍ سريع، متشظٍّ، يتغذى على التدفق، ويعيش تحت سطوة الإشعار، ويجد نفسه في مرايا الآخرين أكثر مما يجدها في عزلته الخاصة. هم أبناء عالم لا يذهب فيه المرء إلى المعرفة كما كان يذهب إلى مكتبة، بل تنهال عليه المعرفة، أو ما يشبهها، في هيئة مقاطع، وملخصات، وصور، واقتباسات مبتورة، ورأيٍ يجاور نكتةً، وخبرٍ يجاور إعلاناً، وفضيحةٍ تعلو فوق كتاب».

لكن ماذا بشأن «أحفاد المتنبي»؟، يضيف: هؤلاء «ليسوا حراساً لمتحف اللغة، ولا جماعة تعيش خارج التاريخ، ولا كائنات ورقية ترفض الزمن لأنها تخشاه. إنهم أبناء تكوين آخر: تكوين صاغته القراءة البطيئة، والإنصات الطويل، ومشقة البحث عن الكتاب، وفتنة الانتظار، والرهبة التي كانت ترافق إرسال النص إلى صحيفة أو مجلة ثم ترقب الرد بعد أيام أو أسابيع. إنهم أبناء زمنٍ لم تكن المعرفة فيه فورية، ولذلك كانت أعمق أثراً وأشد رسوخاً؛ زمنٍ كان على القارئ فيه أن يذهب إلى الكتاب، لا أن يهبط عليه الكتاب في شظايا متناثرة وسط ضجيج لا ينتهي».

يحتوي الكتاب رغم مساحته القصيرة على مقدمة واثني عشر فصلاً، حمل الفصل الأول عنوان: الآيديولوجيا في ثياب اليومي، والفصل الثاني، عنوان: أبناء قوقل: الإنسان الذي تعلّم العالم عبر الشاشة، أما الفصل الثالث، فكان عنوانه: أحفاد المتنبي: ذاكرة الورق وبطء التكوين، والفصل الرابع: من القارئ إلى المتصفّح: كيف خسرنا القراءة الطويلة؟، والفصل الخامس: اللغة بين الفصاحة والاختزال: ماذا فعلت المنصات بالكلام؟، والفصل السادس: العائلة في البيت الواحد والغربة الواحدة، والفصل السابع: اقتصاد الشهرة الفارغة: حين يسبق المؤثر الموهبة.

وحمل الفصل الثامن عنوان: الخوارزمية بوصفها محرراً: من يقرر ما نقرأ وما نرى؟ والفصل التاسع: الصورة أقوى من السيرة: تشكّل الهوية المرئية، والفصل العاشر: الأدب في عصر السرعة: ماذا تبقّى للكلمة؟ والفصل الحادي عشر: الوجه المضيء للتقنية: ما الذي أعطته المنصات ولم نكن نملكه؟ والفصل الثاني عشر: بين أبناء قوقل وأحفاد المتنبي: هل المصالحة ممكنة؟ أما خاتمة الكتاب فضمت مقالاً بعنوان: تحوّل في صورة الإنسان.


رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر