لا يزال 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 1969 واحدًا من أهم أيام التاريخ الإنساني، حيث أصبح اثنان من رواد الفضاء كانا على متن مركبة «أبولو 12» ثالث ورابع من تطأ أقدامهم سطح القمر من البشر، في الوقت ذاته الذي أحرز بيليه هدفه الألف في مشواره الكروي.
تسجيل ألف هدف على امتداد المشوار الكروي أمر يتجاوز بكثير قدرة معظم المهاجمين على حتى التخيل، ناهيك بالتنفيذ. وبطبيعة الحال، فإنه نادرًا ما أفلح لاعب في الوصول لهذه النقطة من الإنجاز. ويتطلب تحقيق ذلك العدد الهائل من الأهداف، مشاركة اللاعب في عدد ضخم من المباريات والسعي بكل وسيلة ممكنة لانتهاز كل فرصة سانحة لتسجيل أهداف. والمؤكد أن بيليه استفاد كثيرًا في رحلته نحو الهدف الألف بمركزه القيادي داخل نادي سانتوس الذي كان في حالة تنقل مستمر عبر مختلف أرجاء العالم، حيث شارك بمباريات ودية تتسم بدرجة محدودة من التنافسية والحدة، وفي الوقت ذاته سجل عددا كبيرا من الأهداف. وقد انهمر سيل أهداف بيليه منذ بداية مشواره في الملاعب بمعدل 77 هدفًا سنويًا. وعندما يحرز اللاعب الأهداف بمثل هذه الغزارة وهذا التكرار، فإن ذلك يعني أن بيليه بحلول نهاية عام 1969 كان يقترب من نقطة الذروة الكبرى في تاريخه الكروي: الهدف الألف في جميع المباريات التي خاضها مع ناديه وفريقه الوطني. وكان هذا إنجازا متميزًا لم يسبقه إليه سوى فرانز بيندر وجوزيف بيكان وزميله البرازيلي أرثر فريدينريتش. والواضح أن بيليه لم يبد اهتماما خاصًا قط بإنجازاته الإحصائية، ومع ذلك ظل الجمهور البرازيلي مولعًا بالأرقام الكامنة خلف كل ركلة للكرة من جانبه. وكما هو متوقع، تحو العد التنازلي باتجاه الهدف الألف إلى حدث وطني ضخم سيطر على ألباب البرازيليين على نحو لا يضاهيه سوى مسابقات كأس العالم.
بدأ العد التنازلي بحماس خلال أكتوبر (تشرين الأول) 1969 مع وقوف بيليه على بعد قرابة 12 هدفًا عن الألف المنشود. في 15 أكتوبر، التقى سانتوس نادي بورتوغيزا دي ديسبورتوس وفاز عليه بستة أهداف مقابل هدفين، مع تسجيل بيليه 4 أهداف خلال المباراة ليرتفع إجمالي عدد الأهداف التي سجلها إلى 993 هدفا. وفي غضون أسبوعين، أضاف بيليه هدفين آخرين في مواجهة كوريتيبا، لكنه أخفق في تسجيل أهداف في مرمى فلومينينس، ثم نجح في تسجيل هدف واحد أمام فلامنغو، وبعد ذلك مر بمباريتين لم يسجل خلالهما أي أهداف - الأمر الذي كان يعد بمثابة ظاهرة نادرة في مشواره الكروي. في مطلع نوفمبر، سافر سانتوس إلى شمال شرقي البلاد لخوض المجموعة التالية من المباريات المقررة، والتي عادة ما تكون مزيجًا من لقاءات تنافسية وأخرى ودية. في 12 نوفمبر، أحرز بيليه هدفين في مرمى سانتا كروز، وبعد يومين أضاف بيليه هدفه الـ999 من ركلة جزاء في مرمى باريبا ستيت إكس آي. وقد شهدت هذه المباراة تطورًا غريبًا بعض الشيء في مسارها، حيث تقدم سانتوس في المباراة بفارق كبير - 3 أهداف مقابل لا شيء - وبدا بيليه مؤهلاً لأن يضيف هدفًا آخر إضافة لركلة الجزاء التي سجلها ليصل بذلك إلى رقم الألف المنشود. وفجأة عند منتصف الشوط الثاني، تعرض أغوينالدو، حارس مرمى سانتوس، للإصابة ليحل محله.. بيليه! إلا أن هذا الإجراء لم يكن غير مسبوق، حيث سبق وأن حدثت مواقف خلال لقاءات ودية اضطر خلالها بيليه للقيام بدور حارس المرمى بهدف توفير طاقته والترفيه عن الجمهور. ومع ذلك، فإنه في هذه اللحظة تحديدًا كان من الغريب اختيار بيليه لهذا الدور ولم يجد الجمهور الأمر مسليًا على الإطلاق، ذلك أنهم رغبوا في معايشة لحظة يكتب فيها سطر جديد في التاريخ. وبالفعل، سرعان ما أظهر الجمهور غضبه عندما أدرك أنه مع وقوف بيليه على بعد 100 ياردة عن المرمى المقابل، فإن التاريخ لن يكتب اليوم.
واللافت أن سباق الوصول إلى الهدف الألف استحوذ على اهتمام عاشقي كرة القدم خارج حدود البرازيل، وحرص المغرمون بالساحرة المستديرة من شتى أرجاء العالم على متابعة أحدث أنباء الكرة البرازيلية من مباراة لأخرى للتعرف على مدى التقدم الذي أحرزه النجم الأسمر نحو الوصول لغايته. بعد ذلك، سافر سانتوس في 16 نوفمبر إلى سلفادور لمقابلة نادي باهيا، مع وصول التوقعات إلى أوجها بأن تشهد المباراة أخيرا الهدف الألف. وبالفعل، بدأت الاستعدادات للاحتفال الكبير، خاصة وأن المباراة تتزامن مع احتفالات عيد الشكر. بحلول وقت انعقاد المباراة، كان بيليه مستحوذًا على العناوين الرئيسة بوسائل الإعلام وعلى اهتمام العامة. وفي الوقت ذاته، تحديدًا قبل ذلك بيومين، كانت مركبة «أبولو 12» قد انطلقت من مركز كينيدي لأبحاث الفضاء بالولايات المتحدة في طريقها نحو القمر، وذلك في ثاني رحلة يشارك بها بشر ترمي للهبوط على سطح القمر. ومثلما كان الحال مع الكثير من دول العالم آنذاك، أبدى البرازيليون اهتماما بالغًا بالمغامرة الفضائية الأميركية، مما دفع الكثير من البرازيليين إلى الالتصاق بأجهزة الراديو لمتابعة أخبار رحلة «أبولو 12» وذلك بالطبع في الأوقات التي لا يستمعون إلى تعليقات حول أداء بيليه في المباريات.
من جانبه، طرح صحافي برازيلي تساؤلا نصف جاد عندما تساءل أيهما سيحدث أولاً: وصول بيليه للهدف الألف أم وطأ أقدام كل من تشارلز كونراد وريتشارد جوردون والآن بين سطح القمر. وبالصدفة مس هذا التعليق أذهان وقلوب الرأي العام وتحول الأمر لما يشبه سباقًا جانبيًا غير رسمي حول أي من الجانبين سيسطر اسمه في كتاب التاريخ أولاً. في الواقع، مسألة الهبوط على سطح القمر تحيطها عدد لا حصر له من القضايا اللوجيستية والبيئية التي يمكنها التأثير على النتيجة النهائية. واتفقت غالبية التقديرات على أن 18 نوفمبر أول موعد محتمل لهبوط «أبولو 12» على القمر. أما بيليه الذي كان مقررًا مشاركته في مباراة في سلفادور، ففي حدود علمنا كان في مواجهة عقبات أقل بكثير في طريق الوصول لحلمه. وخلال المباراة، توافرت لبيليه أكثر من 10 فرص لتسجيل هدف، لكنه أهدرها. أما الفرصة الكبرى فجاءت في وقت متأخر عندما نجح في اختراق صفوف الخصم ومراوغة حارس المرمى، لكن الكرة اصطدمت بالعارضة. ومع ارتداد الكرة، نجح زميله جير بالا من تسجيل هدف. الواضح أن بيليه لم يكن سعيدًا بتركز الأنظار بشدة على زحفه باتجاه الهدف الألف. وبعد سنوات كثيرة، تحدث خلال إحدى المقابلات عن هذه المباراة بقوله: «عندما دخلت إلى أرض الملعب، كنت متوترًا. كانت أمنية تسجيل الهدف الألف قد ظلت تراودني منذ فترة طويلة، لكنها لم تلح علي كثيرًا ذلك اليوم. فجأة سيطر علي شعور بالفتور وبأنه أصبح مقدرا لي أن أمضي في الملاعب سنوات من دون تسجيل هدف آخر». وجاءت الفرصة التالية بعد ثلاثة أيام في 19 نوفمبر، عندما سافر سانتوس إلى ماركانا واحتشد 80 ألف شخص لمتابعة مباراة الفريق أمام نادي فاسكو دا غاما. ونجح ريني، مدافع فاسكو دا غاما، في فرض رقابة وثيقة على بيليه على امتداد الدقائق الـ30 الأولى. وأخيرا تمكن بيليه من الفرار منه ليطلق قذيفة باتجاه المرمى، لكن الحارس الأرجنتيني أندرادي نجح في دفعها بأطراف أصابعه لفوق العارضة. وفي غضون دقائق معدودة، وجه بيليه ركلة قوية أخرى باتجاه المرمى، لكن الكرة ارتدت في ريني الذي أسكنها عن طريق الخطأ في مرمى فريقه.
وبدا أن الجمهور في طريقه لقضاء أمسية أخرى مخيبة للآمال، حتى احتسب الحكم ركلة جزاء لصالح سانتوس. حينئذ تراجع لاعبو الفريق إلى نصف الملعب للسماح لبيليه بالاستعداد، وبعد فترة سكون طويلة، صوب الكرة إلى يسار الحارس. ورغم تحرك الحارس باتجاه الكرة، فإنه عجز عن منعها من دخول الشباك. وهرول بيليه خلف الكرة داخل الشباك وقبلها، بينما اقتحم المشجعون الملعب وانطلق في السماء الألف بالون ابتهاجًا بالحدث.
في اليوم التالي، سيطرت على الصحف البرازيلية أنباء حدثين بارزين في تاريخ البشرية شهدهما 19 نوفمبر: إحراز بيليه للهدف الألف وهبوط مركبة «أبولو 12» بنجاح على سطح القمر، لكن أيهما حدث أولاً؟ تشير التسجيلات إلى أن هدف بيليه جاء قرابة الـ6 مساء بتوقيت غرينتش، بينما هبطت المركبة على سطح القمر قرابة 11.45 دقيقة صباحا بالتوقيت ذاته، أي قبل الهدف بنحو ست ساعات. وبذلك فاز رواد الفضاء الأميركيون بفارق ضئيل في مسابقة لم يكونوا يعلمون بأمرها!
إحراز بيليه الهدف «الألف» تزامن مع هبوط «أبولو 12» على سطح القمر
في الذكرى الـ44 لإنجازه الذي جاء في أحد أهم أيام التاريخ الإنساني
بيليه يحتفل بهدفه الـ1000
إحراز بيليه الهدف «الألف» تزامن مع هبوط «أبولو 12» على سطح القمر
بيليه يحتفل بهدفه الـ1000
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


