هل ما يزال العمل نبيلاً؟

سر القوة الإبداعية البشرية منذ عصور ما قبل التاريخ

جيل دولوز
جيل دولوز
TT

هل ما يزال العمل نبيلاً؟

جيل دولوز
جيل دولوز

صدرت، عام 2023، عن «دار بوم» ترجمة وتحرير الكتاب الموسوم «التاريخ والذات العنيدة» من اللغة الألمانية (1981)، إلى اللغة الهولندية، للألمانيين المخرج والروائي ألكسندر كلوجه (1932) وعالم الاجتماع أوسكار نيغت (1934)، في خمسمائة صفحة، تحت عنوان جديد «الذاتية المتمردة، العمل والتاريخ» على يد فرنس بركر، وخيرتيان سخولين، ورودي لايرمانس. أما الكتاب الأصلي فيتكون من 1200 صفحة مليئة بالاستطرادات الفلسفية والتاريخية والحكايات الخيالية والصور والجداول. وفقاً لِلايرمانس، الأستاذ الفخري لعلم الاجتماع النظري في جامعة لوفين، فهذا كتاب كلاسيكي حول النظرية النقدية؛ أي النقد الاجتماعي، الذي مارسه كثير من مفكري مدرسة فرنكفورت، وهو مستوحى من تحليل ماركس للمجتمع الرأسمالي.

ويعرف نيغت وكلوجه العمل بأنه هو «قدرة الإنسان على تغيير المادة بطريقة متعمدة». لذلك فهما يتناولان مصطلح العمل على نطاق واسع جدا؛ فالعمل لا يخدم الإنتاج والصناعة فحسب، بل يخلق أيضا علاقات اجتماعية ويطور المجتمع.

ميشيل فوكو

بالنسبة لهما، فإن العناد أو التمرد يحيل على عدم القدرة على التحكم في القدرات البشرية. فيما يخص هذه القدرات، يمكنك التفكير في الحواس، ولكن أيضاً القدرة على التواصل أو الرغبة أو قدرة الدماغ على إجراء اتصالات. إن الذات نفسها لا تتحكم بشكل كامل في قدراتها؛ مثلا على العقل الباطن (فرويد) أو على الجهاز الهضمي. إن كل قدرة لها منطقها الخاص، وديناميكيتها الخاصة. تُستعمل هذه القدرات في العمل. وهذا يعني ضمن الإنتاج الرأسمالي: المصادرة. إن وسائل الإنتاج والتقنيات الجديدة تغير القدرات وتخلق أيضاً قدرات جديدة. وفي النهاية، فهذه السيرورة ترتبط بالتاريخ؛ فمع كل طريقة إنتاج جديدة، تنشأ قدرات جديدة.

لكن نيغت وكلوجه لا يفكران بطريقة حتمية؛ وهنا بالتحديد يكمن تمرد القدرات. على سبيل المثال، إن تمردَ الجسم يتجسَّد في تعبه. يقول الكاتبان إن ماركس لم تكن لديه في الواقع نظرية عن العمل. فماذا يقصدان بهذا، يا ترى؟ يكتب ماركس في كتاب «رأس المال» عن استغلال العمل في الإنتاج الرأسمالي، لكنه يعدّ العمل في حد ذاته أمرا مفروغا منه. لكنهما ينظران إلى كل أشكال العمل الضرورية قبل ظهور العمل في المصنع، والتي تشكل أيضاً شروط العمل في مجتمع ما بعد الصناعة. إنهما يربطان مفهوم العمل بمجالات مثل العلاقات الشخصية والذكاء والحرب والسياسة. ومن خلال القيام بذلك، فإنهما ينتقدان التمييز الصارم للغاية؛ على سبيل المثال، في رؤية حنه أرندت ويورغن هابرماس بين الفعل الذرائعي والتواصلي، بين العمل والسياسة. بحسبهما، هناك مجال سياسي، ولكن هناك أيضاً سياسة في مجالات أخرى.

وبالإشارة إلى الصيغة التي يعرّف بها ماركس مفهوم العمل بأنه «استقلاب الإنسان مع الطبيعة» وأنه نشاط إنساني واع وإرادي محدد، لا يعمل من خلاله على الطبيعة لإشباع احتياجاته فحسب، بل بفضله يغير طبيعة الإنسان الذاتية ويجعله يشعر بقيمته، فإن أرندت في مساهمتها تؤكد أن «العمل والاستهلاك ليسا سوى مرحلتين في الدورة الدائمة للحياة البيولوجية. يجب الحفاظ على هذه الدورة من خلال الاستهلاك، والنشاط الذي يوفر وسائل الاستهلاك هو نشاط العمل». ولقد ميزت وبشكل حاد بين العمل السياسي من ناحية، والشغل والعمل من ناحية أخرى. كما أن الكدح والعمل، اللذين عدهما التقليد الفلسفي من بيكون إلى ماركس وسيلة للتحرر من قبضة الطبيعة، كانا في الواقع خضوعا للضرورات وقيود العالم المادي. ولذلك، بحسبها، لا ينبغي للسياسة أن تدور حول القضايا الاجتماعية. وبمجرد محاولة إيجاد حلول للفقر أو عدم المساواة الاجتماعية أو العنصرية أو الثقافية، تتم التضحية بالحرية السياسية من أجل الضرورة الاجتماعية.

مؤلفا الكتاب مهتمان أيضاً بـ«العمل الذكي» أو العمل في التعليم والإعلام والصحافة، ولكن أيضاً في مجال الكومبيوتر. من المحتمل أن تكون هناك قوة مخبأة في كل هذه الأعمال، على وجه التحديد بسبب خصوصيتها وتمردها، أكثر بكثير مما يتم التعبير عنها في ظل علاقات الإنتاج السائدة.

أبعد من نظرية ماركس

لقد اختار المؤلفان مساراً مختلفاً. فبدلاً من الشكوى من انحطاط الحداثة، اتبعا مشروعا بدأ مع ماركس نفسه. لقد تحدث ماركس عن رأس المال، ولكن ما هو بالضبط تاريخ نظيره - العمل؟ فقط اللغة والعمل يرفعاننا عن الطبيعة، كما قالها زميلهما يورغن هابرماس ذات مرة، وفقط من خلال اللغة والعمل يمكن للإنسان أن يفهم ذاته. اختار هابرماس علانية الموضوع اللغوي وودع «مفهوم العمل» الماركسي. من ناحية أخرى، ظل نيغت وكلوجه أكثر ثباتاً في ماديتهما. مثلما كتب ماركس «رأس المال»، أرادا تأليف كتاب عن العمل؛ فهو سر القوة الإبداعية البشرية منذ عصور ما قبل التاريخ.

هكذا يبني نيغت وكلوجه على فكر ماركس، لكنهما ينظران أيضاً إلى أبعد من نظرية المؤسس. بالنسبة لهما، يقتصر العمل، على الأقل، على العمل المأجور في المصنع أو المكتب. بدلاً من ذلك، فإن المجتمع والتاريخ بأكمله هو مختبر يبحث فيه الإنسان باستمرار عن مواد عمل جديدة. «كنشاط كوني يحوّل المادة». ويتساءلان: «هل العمل هو أحد الألغاز التي لم يتم حلها في العالم؟».

ففي هذا الكتاب، نجد العمل الذكي، والعمل البحثي، والعمل المعرفي، وتوجيه العمل وعمل المقاومة، وعمل المرأة، وأعمال الترجمة، والأعمال التجارية، والتاريخ، والعمل النظري، والعمل التشكيلي، وحب العمل، وأيضا العمل الحربي. إن العمل هو التعبير الملون عن حرية الإنسان، ولكنه أيضاً مصدر القمع الصارخ.

إن نظرية الفعل الإنساني التي وضعها نيغت وكلوجه على أساس مفهوم العمل تقوم على خمسة مفاهيم أساسية تُعرض في الجزء الأول «خصوصية القدرات البشرية». ويؤكدان أن لا عمل من دون عمل توجيهي؛ يبذل المرء جهداً لتوجيه نفسه في عمله وحياته ومجتمعه. كما أن هناك، تاريخياً، ثلاثة أشكال من التوجه: الاستبطان، والمحادثة، والتجربة.

يعد مفهوم «Eigensinn» بُعداً مهماً للعمل التوجيهي؛ إذ إن المرء يوجه نفسه من خلال حواسه وبسبب شيء وضعه نصب عينيه. ويستخدم نيغت وكلوجه هذا المفهوم في عدة معانٍ: الخصوصيات، المعنى الخاص للفرد، ملكية الحواس الخمس، القدرة على إدراك كل ما يحدث حولك، وكذلك العناد والتمرد، أو الاشمئزاز، أو الصمود. فيتفحصان أمثلة من فترات تاريخية ويظهران أن الأساطير اليونانية ليست فقط هي التي تقدم رؤى مفيدة، بل أيضاً حكايات الأخوين يعقوب وفيلهلم «غريم - Grimm» الخيالية والتجربة التاريخية المخزَّنة في هذه القصص الخيالية.

وسائل الإنتاج والتقنيات الجديدة تغير القدرات وتخلق أيضا قدرات جديدة. وفي النهاية، فهذه السيرورة ترتبط بالتاريخ؛ فمع كل طريقة إنتاج جديدة، تنشأ قدرات جديدة

يقول لايرمانس، أحد المترجمين الثلاثة، إن هذا الكتاب الذي يعد جزءا من «شريعة الفلسفة الألمانية»، هو عبارة عن معالجة خاصة لعدد من المواضيع من الجيل الأول لمدرسة فرنكفورت ومن ماركس الشاب، والتي لم تكن واضحة بذاتها في وقت نشرها. إنه، في الواقع، كتاب من دون تكملة، من دون مؤلفين يشرحونه بالتفصيل. وما يجعله في غاية الأهمية هو أنه يحتوي على حوار صريح مع مؤلفين مثل دولوز وغاتاري وفوكو، وأنه في حدته واتساع فكره يُظهر الكثير من أوجه التشابه مع هؤلاء المفكرين الفرنسيين. الكتاب هو نوع من الرابط الخفي بين النظرية النقدية لمدرسة فرنكفورت وما بعد البنيوية. ولا يعبر عن نظرية مكتملة. إنما نشهد ممارسة التنظير، مع كل خصوصيات هذين المفكرين المختلفين تماماً. علاوة على ذلك، فإن هذا أيضاً يلبي حاجة كثير من قدرات القارئ.

وقد تمت كتابة الفصول المختلفة في «التاريخ والذات المتمردة» (النسخة الألمانية) كمقالات يمكن قراءتها بشكل مستقل. وهذا يتناسب مع دعوة القارئ إلى شق طريقه عبر الكتاب. وكمبدأ توجيهي محتمل، حرص المترجمون على عرض خط أحمر يتخلل الكتاب كما اكتشفوه أثناء القراءة والترجمة. فكانت نتيجة قراءة مشترَكة تهدف مرة أخرى إلى تشجيع القراء على التأويل بخصوصيات مختلفة. وللعلم، فإنهم اعتمدوا في الترجمة على الكتاب الأصلي؛ فجرى تقسيم الكتاب المُترجم إلى خمسة عشر فصلا معنونة وموزعة بالتساوي على ثلاثة أجزاء. وحرصوا على شرح وجهة نظرهم العلمية والمهنية وهدف تحريرهم لهذا الكتاب، بالإضافة إلى مشكلات الترجمة المأخوذة بعين الاعتبار والمدرجة في نهاية الكتاب.

* كاتبة مغربية.


مقالات ذات صلة

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

كتب إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

في المفارقة التي ينطوي عليها عنوان رواية «الأمل مرضي المفضل» للروائي المصري مينا ناجي، يتحدد أحد توتراتها الأساسية

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

صدر أخيراً في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديوان «مرآتان لوجه واحد» للشاعر العراقي عدنان الصائغ، ضمن إصدارات سلسلة «الإبداع العربي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني
TT

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي السابق، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه، والبحث عن معنى انتمائه السعودي والعربي والإسلامي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنها سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الذاكرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سعودي عاصر تغيرات كبرى في بلاده والعالم.

الكتاب، الذي صدر أولاً بالإنجليزية بعنوان «A Saudi Tale: Readings and Encounters in Search for Consciousness»، وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتداداً لتجربة مؤلفه الذي تنقل بين الصحافة والعمل العام. فقد تولى رئاسة تحرير «سعودي جازيت»، والإدارة العامة لمؤسسة «عكاظ»، ثم عضوية مجلس الشورى، ووزارتي الحج والثقافة والإعلام، وصولاً إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن هذه المواقع لا تشكل محور الكتاب، وإنما الخلفية التي أتاحت لصاحبه اختبار أفكاره عن المجتمع والدولة والعالم.

من السيرة إلى سؤال الوعي

يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يراه تكويناً شاملاً يحدد علاقة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم».

ثم يقول: «هذه الصفحات جوهرها حوار مع الذات، عن معنى أن يكون المرء سعودياً، وأن يكون أيضاً عربياً ومسلماً».

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؟ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوماً متقادماً؟».

ولا يدعي الكاتب امتلاك إجابات نهائية، بل يصف عمله بأنه «جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه».

يتوزع الكتاب على خمسة أقسام، تبدأ بـ«مكونات وأطر»، حيث يتناول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبروز النظام العالمي الجديد. ويناقش القسم الثاني: «منظومة مجتمعية مثلى» لقضايا الإرادة العامة والفرد والعلاقات الاجتماعية. ثم ينتقل في «الجنوب العالمي، في أثر الأصالة» إلى أسئلة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث في «الآفاق اللصيقة» الرؤية الإسلامية للعالم ومعضلة العرب والسردية السعودية، وصولاً إلى قسم «الحصيلة».

المدينة المنورة... نقاش الحداثة

من أكثر صفحات الكتاب دلالة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شبابه، حيث كانت النقاشات الفكرية والسياسية تتسع بين طلاب المدارس خلال الستينات ومطلع السبعينات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمراً مستهجناً أو نادراً، بل كانت «جزءاً من الحراك الفكري اليومي».

وهنا يستعيد أسماء مثل محمد حسن عواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رموز ذلك الحراك. ويتوقف عند كتاب «خواطر مصرحة» للعواد، الذي يرى أنه أسهم في كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند التحولات الفكرية لعبد الله القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد الموروث والدعوة إلى التحرر من سلطة التاريخ والعقائد الجامدة.

ولم تتوقف اهتمامات الشباب عند الفكر العربي. فقد حضرت الوجودية من خلال جان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، إلى جانب دوستويفسكي، وآرثر ميلر، وإميلي برونتي، كما حضرت قضايا القومية والتحرر من الاستعمار والاشتراكية العلمية، وأفكار محمد إقبال، وعلي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي.

ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعة المصرية إلى تجمعات الشباب تحت النخيل، في مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش.

ولا يبالغ مدني في تصوير نضج تلك التجربة، إذ يعترف بأن النقاشات لم تكن دائماً عميقة، لكنها جاءت ضمن «محاولات دؤوبة لخلق شعور داخلي بفهم الذات، وفي الوقت نفسه الانتماء إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الأفكار والهويات وتتشابك الأسئلة».

وتقدم هذه الشهادة جانباً من تاريخ الثقافة السعودية، يكشف أن أسئلة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة في أوساط شبابية قبل عقود.معنى أن تكون سعودياً

تحتل الهوية السعودية موقعاً محورياً في الكتاب. ويرفض مدني اختزال السعوديين في هويتهم العربية أو الإسلامية وحدها، داعياً إلى فهم خصوصية تجربتهم التاريخية والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة».

ويشير إلى أن السعوديين لم يخضعوا للاستعمار الغربي، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن تأثيراته الثقافية والمعرفية. ولذلك لا يرى أن مواجهة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم.

يقول: «ليست الهُويّة السعودية محض قشرة تحمل قيماً دخيلة، كما أنّ السعوديين لم يخضعوا يوماً لاستعمار أو استعباد الرجل الأبيض. ومع هذا، لا ينكر وجود صراع، صراع مع غرب يُعد متفوقاً. وتفوقه هذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر البحث والتطوير والإعلام الجماهيري العابر للحدود، على فرض تصور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» (ص 39).

ويطرح سؤالاً: «وإذا لم يعِ السعوديون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكيف يصيغون إدراكهم لهوية وطنية مدنية متفردة؟».

وهنا ينتقل الكتاب من نقد نظرة الآخرين إلى السعوديين، إلى مساءلة الطريقة التي يفهم بها السعوديون أنفسهم، ومدى قدرتهم على صياغة سرديتهم الوطنية.

سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية

الهوية والسرديات المهيمنة

يمتد البحث عن الهوية إلى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المؤلف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحضارية، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، التي اختزلت الإسلام في التطرف وأغفلت إسهاماته الفكرية والحضارية.

أما في هويته العربية، فيستحضر أثر الاستعمار والروايات الغربية عن التاريخ العربي، ويناقش الرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية.

ويضع مدني هذه الأسئلة ضمن نقد أوسع للسردية الغربية التي تجمع الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والفردانية في نموذج واحد للتقدم، متسائلاً عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية.

الحصيلة... مراجعة المسلمات

في خاتمة الكتاب، يعود مدني إلى السؤال الذي انطلق منه: كيف يتشكل الوعي؟ وما علاقة الفرد بمجتمعه والعالم؟

ويؤكد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازاً ثقافياً غربياً، قائلاً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بأن مبدأ امتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكراً على الثقافة الغربية».

كما يرفض الانغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكداً أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي».

وتبدو خلاصة تجربته أقرب إلى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عن جذورها، ولا تجعل منها عائقاً أمام التقدم. هوية تقبل الحوار وتراجع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله.

وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالاً يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب ليس حكاية رجل فحسب، بل قراءة في تشكل الوعي السعودي، وفي العلاقة بين الخصوصية الوطنية والانتماء الإنساني، وبين الذاكرة والحداثة، وبين ما ورثه الإنسان من أفكار وما يختار أن يكون عليه.


الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي
TT

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟... تطرح الكاتبة الكورية لي سو يون هذا التساؤل على قرائها في روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم «الأكثر مبيعاً»، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب.

تتمتع الرواية بلغة شديدة الرهافة، وحوارات مثيرة للشجن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتدور درامياً حول الموت، والفقد، ولماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن يرحلوا عنا، وكيف نتعايش مع موجات الندم التي تلاحقنا بعد الرحيل، لكن النص يقطع شوطاً أبعد ليسأل: ماذا يمكن أن يقال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟

تدور الحبكة حول فكرة غريبة ومؤثرة تتمثل في مقصورة هاتف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة التواصل مع أحبائهم الذين رحلوا، والبداية تنطلق في الحكاية مع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله.

وعندما تعثر على الهاتف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، في تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عن سر المقصورة، ومساعدة أشخاص آخرين يعيشون ألم الفقد، يساعدها في ذلك أنها تعمل بمركز متخصص في «التشريح النفسي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنهوا حياتهم، خصوصاً حالات الانتحار.

ومن خلال عملها يتقاطع مصيرها مع ستة أشخاص، يحمل كل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والحيرة، عبر مشاهد تجمع بين أجواء الأدب النفسي ودراما المشاعر المؤثرة، حتى تتحول المقصورة تدريجياً إلى رمز للوداع الأخير.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في زمن كانت أعمدة الإنارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقاً بفضل الجداريات التي رُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُسدل الليل ستاره كانت تلك الرسوم تتحول إلى أشكال باهتة تشبه سراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة.

في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كل مساء، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كلما رأت ملامح والدها، فيتوهج وجهها أكثر من ضوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تتسارع كلما تأخر في العودة إلى المنزل.

أبي!

كانت جي - آن تنتظره دائماً في المكان نفسه أمام مقصورة هاتف عمومي يقع في زاوية زقاق مظلم يعلوه مصباح صغير نُصب خصيصاً لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الضوء الباهت كانت ابنته تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقترب أسرع الخطى حتى لم تعد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الحُلم».


الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع
TT

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر» للباحثة ومصممة الجرافيك الدكتورة بهية شهاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة.

تقوم فكرة الكتاب على استخدام الإعلانات التجارية عبر 100 عام بوصفها أداة مسكوتاً عنها من أدوات كتابة التاريخ الشعبي، غير الرسمي، بما فيه من جوانب مجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغير تقليدية لتطور المجتمعات على مستويات مختلفة.

ويستند الكتاب إلى أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية في الفترة من 1880 إلى 1980، حيث يكشف عن كيف عكست الأفكار الترويجية ملامح مجتمع كان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته.

واعتمدت المؤلفة في إعداد العمل على بحث أرشيفي واسع شمل آلاف الإعلانات المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انطلاقاً من رغبتها في أن يفهم أبناء الجيل الجديد تطور مجتمعهم من زاوية تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة.

يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عبر خمس مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل عام 1920، حين لعبت الصحف والمطبوعات المختلفة دوراً في وضع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في حركة النشر، وانعكس ذلك بصورة واضحة على شكل الإعلانات ومضامينها.

وفي أربعينات القرن العشرين، توقفت المؤلفة أمام مرحلة «التمصير»، وما صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم تأتي ثورة 1952 لتحدث تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها.

ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانفتاح، فتبدلت طبيعة المنتجات المطروحة في السوق، وظهرت معها تطلعات ورغبات جديدة لدى الناس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلى الثمانينات، متابعاً التحول الذي أحدثه انتشار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره.

واللافت أن قراءة الإعلانات المصرية على امتداد مائة عام لم تكن وسيلة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيضاً عن الكثير من ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات.

وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة في الإعلانات، سواء من خلال إعلانات التهنئة والدعم، أو تلك التي روجت لأفكار المرحلة وتوجهاتها، إلى جانب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية.

ومع تغير المرحلة السياسية، ظهر أنور السادات أيضاً في سياقات إعلانية تعكس طبيعة الحقبة وتوجهاتها الجديدة من حيث الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة، كما سبق أن ظهرت صور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية في مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز).