مارتن كوبلر.. مبعوث أخضر لليبيا الخضراء

الدبلوماسي الألماني السابق.. له سجل حافل بالإنجازات من الكونغو إلى العراق

مارتن كوبلر..  مبعوث أخضر لليبيا الخضراء
TT

مارتن كوبلر.. مبعوث أخضر لليبيا الخضراء

مارتن كوبلر..  مبعوث أخضر لليبيا الخضراء

في يونيو (حزيران) 2013 استقبل الكونغوليون المبعوث الخاص للأمم المتحدة مارتن كوبلر بالحجارة بسبب فشل الأمم المتحدة المتكرر في وضع البلد على سكة الاستقرار، لكنهم ودعوه في أكتوبر (تشرين الأول) 2015 بالقبلات والدموع بعد أن وضع البلد على طريق انتخابات ديمقراطية قد تبعث شيئًا من الاستقرار في هذا البلد المضطرب عام 2016.

مع ذلك قال كوبلر إنه غادر شرق الكونغو في «الوقت المناسب» تتجاذبه مشاعر الفخر بما أنجزه خلال سنتين، ومشاعر الأسف لفراق هذا الشعب الذي يشكل الشباب تحت سن 25 نسبة 75 في المائة من سكانه. ويعترف كوبلر بأن مهمته في الكونغو عسكرية في حين كانت مهمته السابقة في العراق سياسية، لأنه كان عليه أن ينسق الجهد السياسي والإنساني العسكري لوحدات تابعة للأمم المتحدة، بينها قوات عسكرية قوامها 20 ألفًا من ذوي القبعات تقاتل ضد ميليشيات مسلحة وعصابات تحترف القتل والتعذيب والاغتصاب والسرقة والتهريب في الكونغو.
وتبدو المهمة العسكرية في الكونغو غريبة عن رجل من حزب الخضر كان يهتم بحماية الغابات المطرية في البرازيل أكثر مما يهتم بأناقته كدبلوماسي. وذكر في مقابلة معه، عرضت في القناة الثانية من التلفزيون الألماني (زدف)، أن العقل السلمي قد يجد حلولاً للمشكلات حيث لا تنفع العقلية العسكرية، مضيفًا أن «مهمتنا عسكرية لأنه لا سلم في الكونغو نحافظ عليه كي يطلق على مهمتنا اسم (مهمة حفظ السلام)».
لا يعود الفضل في صعود نجم كوبلر في البعثات الخاصة بالأمم المتحدة إلى صعود حزب الخضر إلى الحكم، بالتحالف مع الحزب الديمقراطي الاشتراكي، واستيزار زعيم الخضر يوشكا فيشر على رأس السلك الدبلوماسي ببرلين عام 1998، لأن من طرح فكرة «الرجل» الأخضر للمهمات العسكرية هو خبير الشؤون الأفريقية كريستوف فوغل. وكان فوغل عبر حينها، في مقابلة صحافية، عن اعتقاده بضرورة إرسال شخصية «مسالمة» من حزب الخضر إلى مناطق أفريقيا المضطربة. ويعتبر فوغل أهم الخبراء الألمان في شؤون الكونغو، وهو أستاذ محاضر في جامعة زيورخ، وكان قبلها يحاضر في جامعة كولون.

حياة دبلوماسية حافلة

ولد مارتن كوبلر في مدينة شتوتغارت الجنوبية، عاصمة ولاية بادن فورتمبيرغ، وأنهى دراسته الإعدادية في عام 1972، ثم درس العلوم القانونية في جامعة بون. درس بعدها اللغات الآسيوية في جامعة باندونغ في إندونيسيا، وتخصص لاحقًا في القوانين الدولية الخاصة بالمياه.
عمل في وزارة الخارجية الألمانية بدءًا من سنة 1983 خبيرًا في الشؤون القانونية، وعمل بعدها في سفارتي ألمانيا في القاهرة وفي نيودلهي. وانتدبته وزارة الخارجية الألمانية بين 1994 - 1997 ليترأس الممثلية الألمانية في أريحا، وذلك في أعقاب اتفاقية أوسلو للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين.
وكان عام 1998 حاسمًا في حياته السياسية، لأن حزب الخضر أصبح شريكًا في حكومة المستشار السابق جيرهارد شرودر. عمل منذ ذلك العام نائبًا لرئيس مكتب وزير الخارجية يوشكا فيشر، ثم أصبح رئيسًا لهذا المكتب بين 2000 - 2003.
تم تعيينه بين 2003 - 2006 سفيرًا لألمانيا في العاصمة المصرية، ورافقته زوجته بريتا فاغينير، التي تعمل في الأمم المتحدة في قسم حقوق الإنسان، إلى القاهرة بمثابة نائبة لزوجها السفير. وأثار تعيين زوجته بهذه الطريقة كثيرا من التساؤلات داخل المعارضة (المحافظين) التي اتهمت فيشر وكوبلر باستغلال منصبيهما لأغراض شخصية.
وبعد الحرب على العراق، وسقوط نظام صدام حسين، تم تعيين كوبلر سفيرًا في العراق بين 2006 - 2007، ثم عاد في عام 2007 إلى برلين ليترأس القسم الثقافي في وزارة الخارجية الألمانية. أصبح كوبلر عام 2010 نائب رئيس بعثة الأمم المتحدة إلى أفغانستان (يوناما)، ثم المبعوث الخاص للمنظمة الدولية في العراق بين 2011 - 2013، مهمته تنسيق مهمات مختلف بعثات الأمم المتحدة في هذا البلد المضطرب.
وفي يونيو 2013 كلفه السكرتير العام للأمم المتحدة بان كي مون بقيادة بعثة المنظمة الدولية إلى شرق الكونغو.
شيء من الكونغو في كل جوّال

بعد أن أمطره الكونغوليون بالحجارة أثناء جولته الأولى في شرق الكونغو تفتق «العقل الأخضر» عن سؤال يحيره: ممن ينتظر الكونغوليون الأمان؟ وهكذا، ورغم مهمته الإنسانية العسكرية، بدأ مارتن كوبلر حملة إعادة الاستقرار التدريجي (بحسب تعبيره) للكونغو، باستطلاع للرأي بين الكونغوليين ينتظر الرد على سؤاله المذكور.
تعبيرًا عن ضعف الإيمان ببعثة الأمم المتحدة قالت نسبة 20,7 في المائة من الكونغوليين إنهم ينتظرون الأمان والاستقرار من «الرب»، وقالت نسبة 20,1 في المائة إنهم ينتظرون أن يحقق الجيش الكونغولي الأمان، رغم أن الجيش أحد أهم عوامل عدم الاستقرار في الكونغو بتقدير الأمم المتحدة. وكانت ثقة الناس بالجيش موضع دهشة الدبلوماسي الألماني الذي وصف جنود الجيش الكونغولي بأنهم آخر من يحارب الفساد وأول من يهرب عند هجوم رجال العصابات. فالفساد ينخر صفوف الجيش، ويبقى الجنود لأشهر دون رواتب أحيانا، ويتضح بين فترة وأخرى أن رواتب الجنود تتسرب إلى جيوب الضباط.
وينتظر 19 في المائة من الكونغوليين الأمان من رجال الشرطة رغم أن جهاز الشرطة لا يختلف، من ناحية الفساد وضعف الاستعداد والتسليح، عن الجيش. أما من ينتظر الأمان من بعثة الأمم المتحدة فلم تزد نسبتهم عن 0,2 في المائة، وهو ما يقول كوبلر، في نهاية فترة قيادته للبعثة، إنه رفعه إلى ما فوق الـ20 في المائة.
ولم تكن مهمة كوبلر في الكونغو بالسهلة، لأن الرجل المدني كان يشرف على 20 ألف عسكري من الأمم المتحدة، يتعاونون مع جيش كونغولي جرار، ومنهم قوة تدخل قتالية مشتركة قوامها 3000 رجل من أصحاب القبعات الزرق وأصحاب القبعات الحمراء (الجيش الكونغولي) تقاتل ميليشيات م23 في الأساس، وميليشيات الهوتة المسلحة، وتلاحق عددًا لا يحصى من العصابات الإجرامية المنظمة. وهي أكبر بعثة للأمم المتحدة (مونيوسكو) تثقل المنظمة الدولية بتكاليف ترتفع إلى 1,4 دولار في السنة.
عمل كوبلر في الكونغو مستفيدًا من دروس معسكر أوسشفيتز النازي، بحسب تصريحاته، وبما معناه أن «هناك من ينتظر المساعدة، وعلينا أن نساعده». ويضيف أن الكونغو لا ينقصها سوى الأمان والاستقرار لأن بها من الموارد المعدنية ما يضمن لسكانها العيش الكريم. وتكفي هنا الإشارة إلى 80 في المائة من الكولتان في العالم يأتي من الكونغو، وهي مادة تدخل في صناعة كل جوّال، ويجب أن يذكر كل إنسان في العالم «أن هناك شيئًا من الكونغو في كل جوال».
نال كوبلر في الكونغو ثقة الحكومة وثقة الجيش والشرطة بفضل عقليته الخضراء، وهو ما دفعه للقول إن «الوضع كان بحاجة إلى عقلية خضراء، ولذلك وافقت على الذهاب إلى شرق الكونغو في الحال». نجح في تقليص قوات الأمم المتحدة بمقدار 2000 جندي (10 في المائة)، وهو دليل على تحسن الوضع، لكنه عرف أيضًا كيف «يفرمل» التفاؤل المفرط. وحينما طالب الرئيس جوزيف كابيلا بخفض القبعات الزرق بمقدار 6000 جندي، لم يرفض ذلك تجنبًا للاصطدام مع الرئيس. إنما قام بجولة في 28 منطقة مضطربة ونال تأييد القوات الكونغولية هناك على أن الوضع لا يزال خطرًا في 21 منطقة منها». وفي مقابلة مع مجلة «شتيرن» المعروفة قال كوبلر إن كل شيء يسير نحو الأفضل في الكونغو، لكن ببطء وحذر. وأشار إلى أن مدينة غوما تحولت من خرائب تصول فيها العصابات وتجول، إلى مدينة نظيفة، وشوارع مبلطة، واقتصاد مزدهر. ووصف كوبلر الفرق في وضع المدينة بأنه مثل الفرق بين الليل والنهار.
فعل كوبلر الشيء الكثير خلال سنتين كي تكسب الدولة احترام الناس، واحترام المجتمع الدولي، في الكونغو. عمل كثيرا من أجل الغابات المطرية الغزيرة في الكونغو، وهي غابات واسعة كان يرى كيف تتقلص وتموت وهو يتنقل داخل الكونغو بطائرات الهليكوبتر طوال مئات الساعات من الطيران، بل إنه حقق نجاحًا على صعيد محاربة عصابات تهريب الكولتان عبر رواندا وغيرها، ودعا العالم إلى استخدام «أجهزة جوال» تستخدم الكولتان المصدر رسميًا، ورفض الأجهزة التي يستخدم في تصنيعها الكولتان المهرب.
قبل مغادرته الكونغو، بحسب رده على أسئلة تلفزيون «زدف»، لم ينسَ أن يذكّر الرئيس كوبيلا «بضرورة احترام الدستور» الذي يحدد الرئاسة بفترتين أمد كل منهما 5 سنوات. وكان كابيلا عبر عن رغبته في المشاركة للمرة ثالثة في الانتخابات المخطط لإجرائها في العام المقبل.

شلل الطائفية في العراق

كان على مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى العراق مارتن كوبلر أن ينسق جهود 16 منظمة مختلفة تابعة للمنظمة الدولية في العراق، لكنه لم يحقق النجاح المرجو منه في هذه المهمة التي وصفها بالـ«سياسية». وبحسب تصريحاته نفسه، قضى أقل من سنتين في بعثة الأمم المتحدة في بغداد، لكنه فشل في الخروج من بغداد طوال سبعة أشهر بسبب تدهور الوضع الأمني. وقضى معظم وقته، أثناء فترة إقامته كسفير ألماني ببغداد، بين 2006 - 2007 في إدارة مفاوضات معقدة مع منظمات إجرامية اختطفت عدة ألمان كانوا يعملون في المنظمات الإنسانية ومنظمات إعادة البناء، أو كصحافيين.
عبر عن تشاؤمه تجاه مستقبل الوضع في العراق بعد أن غادره عام 2013، وقال إن الطائفية البغيضة تتعاظم، ويتعاظم معها العنف المتبادل. فالحرب الطائفية الدائرة في العراق، بحسب رأيه، تصيب كل محاولات إعادة البناء وتعزيز الأمن والاستقرار بالشلل. وأضاف أن «انعدام الحوار بين الأطراف المتقاتلة يقود العراق إلى الكارثة».
وحينما توجس العالم من مجزرة محتملة قد تحصل في معسكر أشرف لقوات مجاهدين خلق المدعومة من حكومة البعث السابقة، عرف نشطاء مجاهدين خلق إلى من يتجهون. تظاهروا أمام وزارة الخارجية الألمانية وهم يرفعون شعارًا موجهًا مباشرة إلى مارتن كوبلر: «سيد كوبلر.. امنع المجزرة في معسكر أشرف». وفعلاً أبلغ الرجل مجلس الأمن بخطورة الموقف مرددًا ما تعلمه من معسكر أوسشفيتز: «حياة أناس في خطر وينبغي أن نحميهم». وكان لكوبلر دور مهم في التوصل إلى حل «سلمي» لمشكلة المعسكر، كما دفع الدبلوماسية الألمانية إلى التدخل في محاولة لإيجاد مأوى أمين لأكثر من 3300 مقاتل من مقاتلي مجاهدين خلق كانوا يعيشون محاصرين في معسكر أشرف.
ومعروف أن قوات الولايات المتحدة في العراق سلمت القوات العراقية المسؤولية عن معسكر أشرف في عام 2009، ورفع الاتحاد الأوروبي اسم منظمة مجاهدين خلق من قائمة المنظمات الإرهابية في نفس العام.

مهمة مزدوجة

بعد خبرة كوبلر في العراق وأفغانستان والكونغو، يقع عليه الآن التصدي بعقله الأخضر لمشكلة ازدواجية السلطة في ليبيا في بعثة جديدة مزدوجة الهدف، إذ يبدو أن بعثته إلى ما تبقى من خضار في ليبيا تنطوي على شقين أحدهما «سياسي»، كما هي الحال في العراق، والثاني «عسكري» قد يذكر بمهمته في الكونغو.
عليه أن يوحد جهود المجتمع الدولي لإنهاء ازدواجية الحكم في ليبيا بعد سقوط معمر القذافي، وعليه أن يتصدى للحرب الجارية بين مختلف العشائر المتحاربة، فهناك برلمان يعترف به المجتمع الدولي في شرق ليبيا، وحكومة إسلامية تنطلق من طرابلس وتحاول السيطرة على مزيد من المدن وتوسيع «أراضيها».
وكان برناردينو ليون، المبعوث الدولي الذي سبق كوبلر في ليبيا، قد طرح مقترحًا لتقريب وجهات النظر وتوحيد الحكومتين، إلا أن خطة ليون جوبهت بانتقاد شديد من قبل طرفي النزاع. ويضع بان كي مون ثقته الآن بالدبلوماسي الألماني لرسم خريطة طريق قد تنهي الفوضى القائمة في ليبيا.
وجعلت الفوضى، وغياب الدولة، ليبيا ممرًا لسيل لا ينقطع من اللاجئين الراغبين في قطع البحر الأبيض المتوسط وصولاً إلى إيطاليا. ولا تقتصر مصادر طالبي اللجوء إلى أوروبا على بلدان وسط أفريقيا فقط، لأن الحرب الدائرة في ليبيا، وسيطرة «داعش» على جزء من ليبيا (على البحر) يدفع مئات الآلاف من الليبيين إلى البحث عن حياة أفضل في أوروبا، وخصوصًا ممثلي الطبقة الوسطى التي يمتلك أفرادها ما يكفي من مال لإرضاء المهربين.
والمعتقد أن وقف الهجرة من وعبر ليبيا سيرتبط إلى حد كبير بنجاح كوبلر في إحلال الأمن والاستقرار فيها. ويمكن لاستقرار الوضع في ليبيا أن يوقف بقعة الدم المتمددة في الصحراء الكبرى، لأن منظمة الهجرة العالمية، رغم عدم وجود أرقام تتحدث بها، تعتقد أن ضحايا تهريب البشر عبر الصحراء الكبرى في أفريقيا لا يقل عن عدد ضحايا قوارب اللاجئين في البحر الأبيض المتوسط.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.