انطلاق محادثات فيينا.. و«مجموعة باريس» تستبق الاجتماع الموسع بجلسة مغلقة

واشنطن تسعى لدفع طهران وموسكو لقبول قيادة جديدة في دمشق

صورة تذكارية قبل انطلاق الاجتماع الرباعي حول سوريا أمس الخميس في فيينا ويبدو من اليمين وزراء خارجية تركيا والسعودية وأميركا وروسيا (أ.ب)
صورة تذكارية قبل انطلاق الاجتماع الرباعي حول سوريا أمس الخميس في فيينا ويبدو من اليمين وزراء خارجية تركيا والسعودية وأميركا وروسيا (أ.ب)
TT

انطلاق محادثات فيينا.. و«مجموعة باريس» تستبق الاجتماع الموسع بجلسة مغلقة

صورة تذكارية قبل انطلاق الاجتماع الرباعي حول سوريا أمس الخميس في فيينا ويبدو من اليمين وزراء خارجية تركيا والسعودية وأميركا وروسيا (أ.ب)
صورة تذكارية قبل انطلاق الاجتماع الرباعي حول سوريا أمس الخميس في فيينا ويبدو من اليمين وزراء خارجية تركيا والسعودية وأميركا وروسيا (أ.ب)

انطلقت في فيينا مساء أمس، الخميس، محادثات دولية جديدة بشأن التوصل إلى حل سياسي للنزاع في سوريا بمشاركة وزراء الخارجية: الأميركي والروسي والتركي والسعودي، في جولة ثانية من المحادثات الرامية إلى إيجاد حل للنزاع السوري، وستتوسع اليوم لتضم دولا أخرى، بينها للمرة الأولى إيران، الحليف الإقليمي الأبرز للنظام السوري.
واستبق المحادثات لقاء بين وزير الخارجية الأميركي جون كيري والإيراني محمد جواد ظريف في فندق فخم في العاصمة النمساوية، ما يدل على تقدم كبير في موقف الولايات المتحدة التي كانت ترفض منح طهران مكانا على طاولة المفاوضات حول سوريا. وقال مسؤول أميركي رفيع إن المباحثات التي يقودها وزير الخارجية الأميركي جون كيري في فيينا، يومي الخميس والجمعة، حول الأزمة السورية، تهدف في نهاية المطاف إلى إقناع طهران وموسكو الحليفين الرئيسيين لنظام بشار الأسد لقبول فكرة قيادة جديدة في دمشق. هذا في الوقت الذي أرسلت فيه إيران إشارات عبر أمير عبد اللهيان نائب وزير الخارجية الإيراني وبثتها وسائل إعلام إيرانية، بقوله: «إيران لا تصر على بقاء الأسد في السلطة للأبد»، في إشارة محتملة لاستعداد بلاده للتوصل إلى حل وسط.
وعلمت «الشرق الأوسط» في فيينا أن مجموعة الدول التي حضرت عشاء العمل الذي عقد في ذات الخصوص بباريس قبل يومين، سوف تلتقي صباح اليوم الجمعة في اجتماع مغلق، والدول هي: فرنسا والسعودية وقطر والإمارات وألمانيا وإيطاليا.
من جانب آخر، أكدت مصادر لـ«الشرق الأوسط» وجود مساعٍ ومشاورات مكثفة شهدتها العواصم، واستمرت حتى صباح أمس الخميس، وذلك في محاولات حثيثة بهدف الاتفاق على «بنود محددة كأجندة عمل» يطرحها المجتمعون للنقاش، خشية صراع بسبب تفاقم أجندات سورية وأجنبية دولية، تتصارع حول كيفية تسوية الأزمة السورية، لا سيما أن الاختلاف في المواقف عميق جدا ومعلن، إذ تتمسك أطراف برحيل الرئيس بشار الأسد وأن لا دور له في مستقبل سوريا، منددة بالتدخل الروسي والإيراني الداعم لنظام الأسد، ومصرة على أن يتم النقاش فقط حول الكيفية والموعد لرحيله.
وفي هذا الخصوص كان وزير الخارجية السعودي قد استبق الاجتماع بالتأكيد على أن «لا دور للأسد في المرحلة الانتقالية»، داعيا إلى تأسيس هيئة حكم انتقالي بسلطات تنفيذية كاملة، وتحديد خطوات واضحة وفق جدول زمني حاسم لتحقيق مستقبل سوريا. وبالنسبة إلى السعودية فإن هذه المحادثات تشكل فرصة لاختبار مدى «جدية» إيران وروسيا في التوصل إلى حل سياسي في سوريا.
وفي مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية، أمس، قال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير: «لا شك في حقيقة أن الأسد يجب أن يتنحى عن السلطة، وهذه مسألة تثير انقسام اللاعبين في هذا الملف». وأضاف: «سيغادر إما في نهاية عملية سياسية وإما ستتم الإطاحة به بالقوة».
ويشارك في محادثات اليوم دبلوماسيون من دول إقليمية وأوروبية مثل وزراء خارجية لبنان جبران باسيل، ومصر سامح شكري، وبريطانيا فيليب هاموند، وفرنسا لوران فابيوس، ووزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فديريكا موغيريني.
وفي موسكو قال لافروف قبل مغادرته متوجها إلى فيينا: «تمكنّا في النهاية من جمع الجميع حول طاولة واحدة دون استثناء اللاعبين الرئيسيين (في الملف)، والأعضاء الدائمين في مجلس (الأمن) وإيران ومصر ودول الخليج والعراق». ومن المفترض أيضًا أنه التقى ظريف الخميس.
وصرح فابيوس أمس, أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ بأن «المؤتمر مرحب به. إنه لأمر جيد أن نلتقي». وأضاف: «قد يكون هناك اتفاق على الوسيلة، لكنّ اتفاقا حول الجوهر، لسوء الحظ، لا يزال من السابق لأوانه، وسيكون هناك بالتأكيد عدد من الجلسات».
وحتى الآن، ليس من الوارد مشاركة الحكومة السورية والمعارضة في هذه المحادثات.
وفي فيينا، أجرى كيري صباح الخميس عدة مقابلات قبل الاجتماع الرباعي، بما في ذلك مع المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، ستيفان دي مستورا.
وفي واشنطن، قال توماس شانون مستشار وزير الخارجية الأميركية أمام جلسة للجلسة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ أمس، إن «وزير الخارجية يستهدف اختبار ما إذا كانت روسيا وإيران على استعداد لتغيير اتجاههما من مساندة النظام السوري، ودفع الرئيس بشار الأسد إلى ترك السلطة وإلى الالتزام بمحاربة تنظيم داعش وليس استهداف المعارضة».
وأوضح شانون في إجابته على أسئلة المشرعين، في جلسة استماع لتأكيد ترشيحه ليصبح وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية (وهو ثالث أعلى مستوى دبلوماسي بالخارجية)، أن الضربات الجوية الروسية غيرت الظروف في سوريا، وقدمت لواشنطن فرصة لقياس ما إذا كان الروس على استعداد لإقناع الأسد بضرورة تنحيه عن السلطة. وقال شانون: «يعتقد وزير الخارجية الأميركي أنه آن الوقت لجلب الجميع على طاولة الحوار وبشكل فعال، لتحديد ما إذا كانوا مستعدين لالتزام علني لقتال تنظيم داعش ومكافحة الإرهاب، وإلى أي مدى هم مستعدون للعمل على نطاق واسع مع المجتمع الدولي لإقناع الرئيس الأسد أن عليه الذهاب وترك الحكم والبدء في عملية انتقال سياسي بعيدا عن الأسد».
وكان جون كيربي المتحدث باسمه صرح: «يمكننا أن نتوقع أن أشياء مثل دور (الرئيس السوري) بشار الأسد في المرحلة الانتقالية سيتم مناقشتها (...)، وهناك نقاش حول مدة هذا الانتقال. يمكننا أن نسأل كل طرف عن المدة التي ستستغرقها المرحلة الانتقالية بحسب اعتقاده».
من جانبه لمح جون كيربي المتحدث باسم الخارجية الأميركية إلى أن التوقعات حول النتائج التي ستخرج بها اجتماعات فيينا منخفضة، مشيرا إلى سعي واشنطن لتعزيز المعارضة السورية المعتدلة.
وشدد كيربي على أهمية تشكيل حكومة سورية قوية تستجيب لرغبة وطموحات السوريين، مشيرا إلى أن دور إيران مهم في دفع الأسد للتنحي عن السلطة. وقال كيربي: «إيران لم تكن مدعوة من قبل إلى طاولة الحوار حول الأزمة السورية، وقد أدركنا أنه لا بد من وجودها بسبب نفوذها الكبير ومساندتها الطويلة للأسد. ولذا كان لا بد من ضمها للحوار، وسنرى كيف ستكون النتائج من اجتماعات فيينا، وهل الإيرانيون مستعدون للمشاركة بجدية في تحديد مسار ذي مغزى لسوريا».
ويقلل مسؤولون أميركيون من التوقعات بحدوث أي تقدم كبير، وقال دبلوماسي غربي رفيع إن «مجرد استمرار مشاركة الحاضرين في المؤتمر وتجنب انهيار المفاوضات سيمثل مستوى من النجاح المتواضع». وسبق لمساعد وزير الخارجية الأميركي توني بلينكن خلال زيارة إلى باريس أن قال: «لا أعتقد أنه يجب أن نتوقع تقدما كبيرا في المحادثات في فيينا»، مؤكدا أن «هذه خطوة لنرى إذا كنا نستطيع التوصل إلى اتفاق حول شكل عملية الانتقال السياسي».
من جانبه، هوّن وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير من شأن التوقعات بحدوث انفراجة في الاجتماع الدولي لبحث الصراع السوري في فيينا اليوم. وقال خلال زيارة لأثينا أمس الخميس: «لن تحدث الانفراجة غدا». وقال شتاينماير إن «المحادثات ستعتبر ناجحة إذا اتفقت الدول على مبادئ، مثل إبقاء سوريا دولة علمانية وإطلاق عملية لتشكيل حكومة انتقالية».
وستكون هذه أول مشاركة لطهران في اجتماع دولي حول الأزمة السورية، إذ إنها في 2012 لم تشارك في مؤتمر «جنيف1» حول سوريا، ودعوتها للمشاركة في محادثات «جنيف2» في 2014 عاد، وسحبها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إثر اعتراض الولايات المتحدة والسعودية، كما ذكرت الخارجية الإيرانية.



الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.


جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)

في المدن والقرى الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، يتشكل وعي جيل كامل على وقع انقلاب ممتد دخل عامه الثاني عشر، حتى باتت تفاصيل الصراع جزءاً من المشهد اليومي الذي نشأ فيه ملايين الأطفال والشباب، فبالنسبة إلى كثيرين منهم، لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً، بل أصبحت الإطار الذي تشكلت داخله طفولتهم ومراهقتهم وبدايات نضجهم.

هذا الجيل الذي وُلد بعض أفراده بعد اندلاع الحرب، أو كان في سنواته الأولى عندما انفجرت الأزمة، لم يعرف من اليمن سوى صور الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية. وبينما يتحدث الآباء عن سنوات أكثر استقراراً شهدت حياة طبيعية نسبياً، تبدو تلك الحكايات بالنسبة إلى كثير من الشباب أشبه بقصص تنتمي إلى زمن بعيد يصعب تخيله.

ويقول عدد من الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين لـ«الشرق الأوسط» إن أولى ذكرياتهم لا ترتبط بالمناسبات المدرسية أو الرحلات العائلية بقدر ما ترتبط بأصوات الانفجارات وأخبار الجبهات ومشاهد النزوح والقلق الدائم من المجهول.

ويؤكد هؤلاء أن سنوات مراهقتهم مرت بين أزمات معيشية متلاحقة، وانقطاعات متكررة للخدمات، ومخاوف مستمرة من تدهور الأوضاع، في وقت كان أقرانهم في بلدان أخرى يعيشون تجارب أكثر استقراراً وانفتاحاً على المستقبل.

آلاف المراهقين وصغار السن أخضعهم الحوثيون للتعبئة العقائدية والقتالية (إ.ب.أ)

ويصف مروان، وهو اسم مستعار لطالب جامعي من صنعاء يبلغ من العمر 22 عاماً، شعوره تجاه تلك الفجوة الزمنية بين جيله وجيل والده بقوله إن الأحاديث عن اليمن قبل الحرب تجعله يشعر وكأنها تدور حول بلد مختلف تماماً.

ويشير إلى أنه اضطر إلى تعليق مسيرته الدراسية مؤقتاً والعمل لمساعدة أسرته على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة، موضحاً أن سقف أحلام كثير من الشباب لم يعد يدور حول تحقيق إنجازات كبيرة أو مشاريع طموحة، بل حول الحصول على وظيفة مستقرة تضمن دخلاً يكفي للعيش بكرامة.

ويعكس هذا الحديث واقعاً أوسع يعيشه آلاف الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام ضغوط اقتصادية متزايدة أجبرتهم على إعادة ترتيب أولوياتهم. فبدلاً من التفكير في التطور المهني أو استكمال الدراسات العليا، أصبح التركيز منصباً على تأمين الاحتياجات الأساسية ومساندة الأسر التي استنزفتها سنوات الحرب الطويلة.

ورغم استمرار العملية التعليمية بدرجات متفاوتة، فإن التحديات التي واجهها قطاع التعليم خلال سنوات الصراع تركت آثاراً عميقة على جودة المخرجات التعليمية ومستوى التأهيل الأكاديمي. ويتحدث طلاب وخريجون عن نقص الإمكانات التعليمية، وضعف فرص التدريب والتأهيل، وغياب البيئة المناسبة لاكتساب المهارات التي تتطلبها سوق العمل الحديثة.

بطالة متصاعدة

مع تزايد أعداد خريجي الجامعات عاماً بعد آخر، تتقلص في المقابل فرص التوظيف في كثير من القطاعات، الأمر الذي يضع آلاف الشباب أمام واقع معقد يتسم بندرة الوظائف وغياب الاستثمارات القادرة على استيعاب الطاقات الجديدة.

ويقول خريج في كلية الهندسة بجامعة إب إنه يشعر بقلق متزايد من أن تتحول سنوات الدراسة الطويلة إلى مجرد شهادة لا تفتح له باباً حقيقياً نحو الاستقرار المهني أو الاجتماعي.

جانب من سوق شعبية في العاصمة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتتراوح الخيارات المتاحة أمام كثير من الشباب بين أعمال مؤقتة منخفضة الأجر، وانتظار فرص غير مضمونة، والتفكير في الهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل إذا توفرت الإمكانات. كما يواجه بعضهم مخاوف مرتبطة بمحاولات الاستقطاب والتجنيد في ظل استمرار الصراع.

ولا تقتصر الخسائر التي يتحدث عنها الشباب على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية ونفسية أكثر عمقاً. فالكثير منهم فقدوا أقارب أو أصدقاء خلال سنوات الحرب، كما تضررت شبكات العلاقات الاجتماعية نتيجة النزوح والهجرة والانقسامات التي أصابت المجتمع اليمني.

ويقول أحد الشباب من محافظة عمران (شمال صنعاء) إنه كان في العاشرة من عمره عندما بدأت الحرب، بينما أصبح اليوم على وشك إنهاء دراسته الجامعية، مشيراً إلى أن كامل مسيرته التعليمية جرت في ظل ظروف استثنائية. ويضيف أن أكثر ما يخشاه هو الوصول إلى لحظة التخرج دون أن يجد فرصة عمل تمنحه القدرة على بناء حياة مستقرة.

السلام... الحلم المشترك

في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، تقول أسماء، وهي طالبة في المرحلة الثانوية تبلغ من العمر 17 عاماً، إنها لا تتذكر يوماً لم تكن فيه الحرب أو الأزمة الاقتصادية جزءاً من الأحاديث اليومية. وتوضح أن التفكير في المستقبل بات يرتبط أولاً بالسؤال عما إذا كانت البلاد ستتمكن من استعادة الاستقرار الذي يسمح للأجيال الجديدة بالتخطيط لحياتها بصورة طبيعية.

ويرى باحثون اجتماعيون أن سنوات الحرب الطويلة أوجدت لدى قطاع واسع من الشباب قدرة ملحوظة على التكيف مع الظروف المتغيرة والتعامل مع الأزمات المتكررة، إلا أنها في الوقت نفسه تركت آثاراً نفسية عميقة مرتبطة بحالة القلق المستمر وعدم اليقين تجاه المستقبل.

عناصر أمن حوثية تجوب شوارع صنعاء (رويترز)

وعند سؤال الشباب عن أحلامهم المستقبلية، تتباين التفاصيل لكن تتشابه المضامين. فمعظمهم لا يتحدث عن الثراء أو الشهرة أو الطموحات الاستثنائية، بل عن أمور تبدو بديهية في المجتمعات المستقرة، مثل الحصول على وظيفة دائمة، وتوفر الكهرباء والمياه والخدمات العامة، والقدرة على التخطيط للمستقبل دون خوف.

ويقول حميد، وهو شاب عشريني من محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، إن حلمه لا يتجاوز العيش في بلد طبيعي يستطيع فيه الناس العمل والدراسة وبناء حياتهم بعيداً عن الحروب والمخاوف اليومية.

ويؤكد مختصون اجتماعيون أن الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين يمثلون اليوم شريحة واسعة تشكلت هويتها في ظل الحرب والانقسام والأزمات المتراكمة. ورغم اختلاف تجاربهم الفردية، فإنهم يتشاركون شعوراً عاماً بأن سنوات مهمة من أعمارهم مضت في ظروف لم يكن لهم دور في صنعها.

ومع ذلك، لا يزال كثير منهم يتمسكون بفكرة أن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً. فبالنسبة إلى جيل لم يعرف السلام إلا عبر روايات الآباء، يبدو السلام أكثر من مجرد مطلب سياسي؛ إنه الشرط الأساسي لاستعادة الحياة الطبيعية، والفرصة الأولى لبناء ما حرمته الحرب من فرص وأحلام ومسارات كان يمكن أن ترسم ملامح جيل كامل بصورة مختلفة.


«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)

قالت شركة (إم إس سي)، أكبر مجموعة شحن حاويات في العالم، اليوم الثلاثاء، إن قذيفتين أصابتا سفينتها (ساريسكا 5) أثناء وجودها في ميناء أم قصر بالعراق أمس الاثنين، مضيفة أن جميع أفراد الطاقم بخير ولم يصابوا بأذى.

وذكرت الشركة أن «الحرس الثوري» الإيراني أعلن مسؤوليته عن الواقعة التي وصفتها بأنها هجوم غير مبرر على ناقلة تجارية محايدة لا علاقة لها بالولايات المتحدة أو إسرائيل، وفقا لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت المجموعة في بيان «تشعر (إم إس سي) بقلق بالغ إزاء هذه الهجمات غير المبررة والمخاطر التي تشكلها على بحارتها الأبرياء والتجارة البحرية الحيوية في المنطقة».