«في الطريق إليك»... مقاومة محو الذاكرة بفعل الزمن

أحمد خلف في لعبة سردية فيها كثير من التجريب

«في الطريق إليك»... مقاومة محو الذاكرة بفعل الزمن
TT

«في الطريق إليك»... مقاومة محو الذاكرة بفعل الزمن

«في الطريق إليك»... مقاومة محو الذاكرة بفعل الزمن

يؤكد الروائي أحمد خلف في روايته «في الطريق إليك» الصادرة عام 2023 أنه صانع ماهر للشخصيات الروائية في أغلب أعماله الروائية والقصصية؛ فهذه الرواية تتمحور حول شخصية بطلها وساردها «سعيد»، وهو صحافي وقاص أمضى في الصحافة 35 عاماً، وينتظر بلهفة إنجاز معاملته التقاعدية، بعد أن أدرك من لقطة دالَّة أنه لم يعد قادراً على التلاؤم مع المناخ الجديد، من خلال رؤيته لرئيس التحرير الجديد، وهو يبسمل ويحوقل، مما دفعه للخشية من أن يفرض عليه لوناً من الاشتراطات التي لا تتوافق ومزاجه الشخصي.

حركة الزمن بصورة عامة أفقية، في مقابل محدودية الحركة الأفقية؛ إذ تكاد الحركة الأفقية تهيمن على أحداث الرواية من خلال توظيف الذاكرة لاسترجاع صور الماضي، وإعادة تنضيدها وتركيبها سردياً، أو من خلال لعبة ميتا سردية بارعة يبتكر فيها المؤلف بعض الحكايات والمرويات التي يخلقها أو يستلهما من أعمال سردية سابقة، مثل «ألف ليلة وليلة»، ومنها على سبيل المثال حكاية الملكة زبرجد، وما حصل لها مع زوجها الملك الجبار، كما قد يلاحق الراوي وقائع حقيقية وقعت لشاعر عراقي معروف هو آدم الذي هو كناية عن اسم الأديب (حاكم محمد حسن) الذي أعدمه النظام الصدامي بتهمة الهروب من الخدمة العسكرية، كما يلجأ المؤلف أحياناً إلى إدراج قصص كاملة، مثل قصة «بئر الآبار». (ص 82)

يستهل الروائي السرد بتوظيف ضمير الغيبة (هو) وهو كناية عن «أنا» المتكلم الذي يطلق عليه الناقد تودوروف «أنا الغائب الحاضر»، وهو شكل من أشكال المونولوغ المروي.

«اعتاد سعيد أن ينهض في الصباح باكراً. لديه عزم شديد أن يواصل الحياة، باختياره، لا باختيارٍ مِن غيره». (ص 7)

لكن المؤلف يخلط بين هذا اللون من المونولوغ السردي المبَأَّر فنياً والسرد العليم أو كليّ العلم، من خلال إدراج اسم البطل سعيد في السرد الذي يفضل حذفه، وكان بالإمكان إرجاء ذلك إلى مناسبة حوارية لاحقة، من خلال مخاطبه أحد معارفه باسمه هذا.

نكتشف منذ البداية أننا أمام شخصية روائية إشكالية ينتابها إحساس بأنها لا تستطيع أن تتلاءم مع العالم الجديد، لذا يبدو لها العالم صعباً وقاسياً لا يمكن أن يتجانس معها. (ص7)

ويعترف البطل بأنه يقاوم فعل المحو الذي تتعرض لها ذاكرته بفعل الزمن: «لكنه غالباً ما يضحك من أعماقه كلما تداخلت لديه المشاهد والصور في سنوات متفاوتة من ذكريات محاها الزمن بفعله القاسي». (ص 8)

ونجد ارتباط تحفيز خزين الذاكرة بمنشطات معينة، مثل تناوله للقهوة أو الشاي الأحمر، لأنه «كان يجد في تناوله لهذه المنبهات متعة كبيرة يتذكر فيها بعض فصول حياته». (ص 10) وكان الراوي يدرك أهمية أن يخلق لوناً من التوازن بين الذاكرة والمخيلة، لأنه يجد أن المخيلة تواقة دائماً لخلق المزيد من الصور والمشاهد الحيوية المؤثرة». (ص 20)

وتشغل اللعبة الميتا سردية مكانة متميزة في البنية الروائية، بدءاً من عنوان الرواية «في الطريق إليك»، الذي هو صدى لصوت يتناغم رخياً يخاطبه مباشرة: «في الطريق إليك، ها أنا في الطريق إليك، لا تتعجل في إصدار الحكم عليَّ» (ص 20)، ورغم أهمية العنوان بوصفه بنية دالة مؤثرة، خصوصاً أنه سبق أن سمعه في صباه وهو يتجه إلى مدرسته، فإن المؤلف، وللأسف، لا يمنحه الاهتمام الكافي ليكون جزءاً مؤثراً في المتن الروائي وفي بناء شخصية البطل، لذا سرعان ما غطَّت عليه حركة الأحداث المتدافعة، فسقط في بئر النسيان.

رغم أهمية العنوان بوصفه بنية دالة مؤثرة فإن المؤلف لا يمنحه الاهتمام الكافي ليكون جزءاً مؤثراً في المتن الروائي وفي بناء شخصية البطل

ويكمن فهم مفتاح شخصية البطل في ارتباطه بعالم القراءة والكتابة وولعه بعالم الأساطير والخرافات؛ فهو ظِل ينسج مرويات خيالية ويؤثث بها عالمه الروائي، حتى يُخيَّل للقارئ أن الراوي قد تحول، نفسه، إلى كائن ورقي؛ ليس بالمعنى الذي أسبغه عليه رولان بارت من خلال مؤلَّفه «موت المؤلف»، وأن المؤلف مجرد كائن ورقي ليس إلا، بل بمعنى الانغماس في عالم المرويات والحكايات والأساطير، حتى ليكاد يتحول هو نفسه إلى كائن أسطوري وخيالي يشعر فيها بأنه أحد شهود العصر على ما يجري، خصوصاً بعد الاحتلال الأميركي:

«أنا شاهد على ما جرى، وما حصل من خراب ودمار وقتل واغتيال وتغييب». (ص 4)

ولذا فهو لا يكف عن تقديم المزيد من الحكايات والمرويات:

«قل ولا تتردد، فأنت كما يبدو خزين لحكايات لن تنضب وليس لها من نهاية؛ إذ كلما دعوناك إلى أن تختم حكايتك الأخيرة ما تلبث أن تلقي علينا بحكاية أمضّ وأقسى منها». (ص 24)

وهكذا تنثال مرويات الراوي، وهو يعود ثانية إلى كتابه الذي فتحه على إحدى صفحاته المزدانة بالصور والسرادق والقصور، ومن هذه الكتب قفزت إلى المتن الروائي حكاية الملكة زبرجد التي زاحمت المتن، بعد أن كانت حبكة ثانوية وهامشاً، فأصبحت مركزاً. ويبدو لي أن حكاية الملكة زبرجد إعادة إنتاج للحكاية الإطارية الأولى التي تستهلّ بها حكايات «ألف ليلة وليلة»، وتحديداً في حكاية الملك شهريار وأخيه الملك شاه زمان؛ إذ يكتشف الملك شهريار أثناء مغادرته القصر زوجته في أحضان أحد عبيده، فيقوم بقتلهما معاً. وهو ما حدث تماماً بالنسبة للملكة زبرجد، عندما اكتشف الملك الجبار علاقتها بأحد عبيده، المسمى عبد الواحد، فقتل العبد، وأمر بدفن الملكة سراً في الباحة الخلفية للقصر، بعد أن قُتِلت خنقاً، كما يعتقد.

ويؤرخ المؤلف لتاريخ كتابة روايته هذه خلال فترة الاحتلال الأميركي للعراق، وتحديداً يوم 11/ 2/ 2003، وهو تاريخ شروعه في كتابة هذه الرواية:

«يعلم أنه يعيش في بلد محتل منذ أكثر من عقدين من الزمن وأن الأميركان هم مَن يحتلون هذه البقعة الغنية بالثروات». (ص 35)

ولذا كان البطل قلقاً على مستقبل العراق «وما يخطط له الأميركان لتحطيم البلد». (ص 45)

ويسجل لصالح الرواية هنا إدانة الاحتلال الأميركي للعراق، وفضح أشكال الخراب التي حدثت في البنى التحتية للمجتمع ولمنظومة القيم الاجتماعية القويمة، لكن ما أثار استغرابَنا استياؤه الشديد مما شاهده على شاشات التلفزيون من إسقاط تمثال صدام حسين أرضاً ليقتص منه، والناس حوله تصفق:

«لكن لماذا تصرَّف الجندي بهذه الطريقة التعسة مع تمثال رجل كان قبل أيام رئيس دولة أرعبت العديد من دول الجوار؟!». (ص 83)

ومن الجهة الأخرى، اغتنت الرواية بحكايات ومرويات ثانوية، لكنها مهمة ومؤثرة، منها حكاية الشاعر آدم. وقد استطاعت هذه الحبكة إضفاء كثير من الحيوية في البنية السردية، وأنقذتها من حالة الركود النسبي الذي كاد يشلّها. وكانت ملاحقة بطل الرواية سعيد لصديقه (آدم) ودفاعه عنه أمام رئيس التحرير، وذهابه إلى موقف الحارثية الذي يحتجز أولئك المتهمين بالهروب من العسكرية، ريثما يصدر الحكم النهائي بشأنهم. وبدا حرص البطل على إنقاذ بعض مخطوطات صديقه (آدم) السردية إنسانياً ومؤثراً:

«كانت أصابعه قد التقطت ورقة قصيرة مما كتبه آدم له قبل إعدامه بأسابيع». (ص 57)

وتمثل حكاية آدم ومصيره المأساوي إدانة واضحة للنظام الديكتاتوري الذي أعدم المئات وربما الآلاف من المجنَّدين الشبان بتهمة الهروب من ساحة حروب مجانية ومجنونة شنَّها الديكتاتور صدام حسين لإرضاء نزواته النرجسية الدموية، وكان ضحيتها الشباب العراقيين، فضلاً عن تدمير المجتمع العراقي وإفقاره، ووضعه أمام تحديات جسيمة، ما زال حتى اليوم يعاني من عواقبها المدمرة.

ومن الحبكات الثانوية المهمة، علاقة البطل بإحدى الشابات المعجبات بكتاباته القصصية التي كان ينشرها في الجريدة، واسمها ناهد، وقد قامت بزيارته في مقر الجريدة، والتقت به مراراً، وكانت تحلم بأن يتزوج منها، لكنه صدمها بأنه لا يفكر بالزواج إطلاقاً، وهي ثيمة إنسانية كان يمكن لها أن تتطور وتنمو، لكن البطل سرعان ما قمَعَها بإصرار، مما حرم السرد من أفق للامتداد والتوسع العاطفي. ومن الجهة الأخرى فقد كانت ناهد مشروع قاصة واعدة، لكنه لم يمنحها الفرصة الكافية لتحقيق طموحها، حيث أكدت له أنها كانت معجبة بقصته «بئر الآبار» التي نشرها في الجريدة التي يعمل بها، وأنها تنوي كتابة قصة على غرار ما يكتبه. (ص 83)

وبشكل عام يمكن القول إن اللعبة الميتا سردية هي المهيمنة على البنية السردية؛ سواء من خلال التلميح والتصريح بكتابة رواية تغطي مرحلة الاحتلال الأميركي، يكون فيها الراوي شاهداً على أحداث عصره وبلاده، أو من خلال العتبة النصية التي استهل بها المؤلف الرواية، والتي عبَّر فيها عن فهمه لمشروع الكتابة «بوصفها محاولة لحفظ توازن مفقود». (ص 5)، أو من خلال الإشارات المتفرقة المبثوثة هنا وهناك عن فن السرد، مثلما كان يبين لناهد عن شروط الكتابة القصصية:

«أنا أكتب القصة على مراحل ثلاث؛ في الأولى أخطط لها، بعد أن أقرر الكتابة، ثم مرحلة الشروع بالعمل، والمرحلة الأخيرة هي الأهم: العنوان، ثم المراجعة النهائية». (ص 72)

لكن ضربة المعلم التي قدمها المؤلف في مجال اللعبة الميتا سردية تتمثل في خاتمة الرواية، وربما في التذييل الذي اختتم به السرد الروائي، والذي دعا فيه القارئ للمشاركة في اختيار نهاية للأحداث الروائية، وقدَّم في ذلك عدة خيارات وضعها أمام القارئ لمساعدته في الاندماج بمشروع إيجاد معنى للرواية من خلال رسم نهاية لرواية تمتلك كثيراً من عناصر النص المفتوح، القابل لتأويلات لا تنتهي؛ فقد جاء في التذييل الذي يحمل عنوان «هامش يخص القارئ» هذه الدعوة الموجَّهة من المؤلف إلى القارئ:

«يقترح مؤلف الرواية على قارئها أن يختار نهاية ملائمة له، شرط ألا تخرج عن السياق الكلي للرواية». (ص 27)

ويشير المؤلف إلى أن هذا نص مفتوح، وأنه يترك للقارئ فرصة التعبير عن حاله، فيما يقرأ من تعابير. (ص 211)

ولكي يساعد المؤلف القارئ في اختيار نهاية محددة، ينفي الثيمة المتعلقة بصديقه (آدم)، والخيارات المفتوحة لوضع نهاية مقبولة لحكايته. ويرى المؤلف أن هذه الطريقة التي يتبعها قد استعارها من المسرح و«تُسمَّى بسقوط الجدار الرابع، أي إلغاء الفاصل الوهمي بين المنتوج والممثّل». (ص 217)، وهي إشارة ذكية وعميقة تفتح أمام الرواية منحى تجريبياً جديداً من خلال «توريط» القارئ بالكتابة الروائية. ويعترف المؤلف بأن هذا المنحى يقابله مفهوم الميتا سرد، الذي أطلق على حركة التجديد الروائية، أي الخروج على الأنظمة السردية أو البناء الروائي التقليدي وتهديم بنيته الكلاسيكية.

وبهذا تكتمل كثير من عناصر اللعبة الميتا سردية من خلال عدد من المحاور والاشتغالات التي أشرنا إليها، مثل الإعلان عن الرغبة في الكتابة الروائية، وإدراج نصوص ومخطوطات قصص ومرويات داخل المتن الروائي الأكبر، والتبشير بلون جديد من السرد القصصي له شروطه الخاصة التي حددها مراراً، وأخيراً من خلال تحفيز القارئ ليكون طرفاً فاعلاً ومنتجاً في اختيار نهاية ملائمة لهذه النص الذي يفترض فيه أن يكون مفتوحاً.

رواية أحمد خلف «في الطريق إليك» لعبة سردية فيها كثير من التجريب والمغامرة ومحاولة الخروج على المألوف والشائع في بناء النص الروائي، وهي تجربة تُحسب له إبداعياً.


مقالات ذات صلة

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار
ثقافة وفنون سيرة سينمائية بلا ماكياج

سيرة سينمائية بلا ماكياج

في كتابه «صانع النجوم حلمي رفلة - سيرة سينمائية بلا ماكياج» الصادر عن دار «آفاق» بالقاهرة، يتتبع الشاعر جرجس شكري سيرة واحد من المؤسسين الأوائل لصناعة الفيلم

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية،

فارس الذهبي

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.