رئيس تايوان الجديد لاي تشينغ تي... «استقلالي» يُقلِق الصين من دفعه «الدولة ــ الجزيرة»

وسط تخوّف دولي من تزايد التوتر الإقليمي

ردّت بكين على فوز لاي بزيادة الضغوط الدبلوماسية والعسكرية، بالإضافة إلى محاولة فرض عزلة دولية على تايوان
ردّت بكين على فوز لاي بزيادة الضغوط الدبلوماسية والعسكرية، بالإضافة إلى محاولة فرض عزلة دولية على تايوان
TT

رئيس تايوان الجديد لاي تشينغ تي... «استقلالي» يُقلِق الصين من دفعه «الدولة ــ الجزيرة»

ردّت بكين على فوز لاي بزيادة الضغوط الدبلوماسية والعسكرية، بالإضافة إلى محاولة فرض عزلة دولية على تايوان
ردّت بكين على فوز لاي بزيادة الضغوط الدبلوماسية والعسكرية، بالإضافة إلى محاولة فرض عزلة دولية على تايوان

كما هو معروف، أثمرت الانتخابات الأخيرة التي أجريت في تايوان، الدولة - الجزيرة الواقعة في شرق آسيا، انتخاب الدكتور لاي تشينغ تي، المعروف كذلك باسم وليام لاي رئيساً للبلاد. ومن المقرر أن يتسلم لاي (64 سنة) منصب الرئاسة رسمياً، خلفاً للرئيسة الحالية تساي إنغ ون، التي تعذّر عليها الترشح مرة أخرى بسبب القيود القانونية على عدد فترات الولاية الرئاسية. ولقد حمل فوز الدكتور لاي - في حالة غير مسبوقة - ولاية ثالثة على التوالي للحزب التقدمي الديمقراطي، وأشاد لاي بهذا الإنجاز بعدّه «نصراً لمجتمع الديمقراطيات». وما يُذكر أن لاي، الطبيب السابق الذي تقلد تقريباً جميع المناصب السياسية الكبرى بتايوان، حصل في الانتخابات الأخيرة على أكثر من 40 في المائة من الأصوات، طبقاً لما أعلنته اللجنة المركزية للانتخابات بالبلاد. من جهة ثانية، ما يستحق الإشارة أن عدد سكان تايوان يقدر بنحو 23 مليون نسمة. وعلى الصعيد الجغرافي تقابلها الصين غرباً في البر الآسيوي، وأرخبيل اليابان من الشمال الشرقي، وأرخبيل الفلبين من الجنوب. وتطالب الصين بأحقية سيادتها على تايوان، إذ تعد الدولة - الجزيرة جزءاً لا يتجزأ من «الوطن الصيني» الواحد الكبير، بحجة أنها كانت تحت حكم الأباطرة الصينيين إلى أن استعمرتها اليابان بين عام 1895 وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية (1939 إلى 1945).

بخلاف معظم أفراد النخبة السياسية في تايوان، ينتمي الدكتور لاي تشينغ - تي إلى أصول متواضعة. فقد ولد لاي عام 1959 ونشأ فقيراً في قرية يعمل أهلها باستخراج الفحم في شمال تايوان. ولقي والده، الذي كان عامل منجم، حتفه جراء كارثة وقعت بالمنجم قبل أن يتجاوز ابنه الطفل عمر السنتين من عمره. وبالتالي، تولت أمه مسؤولية تربيته مع خمسة أشقاء آخرين بمفردها في قريتهم الريفية الواقعة على أطراف مدينة تايبيه الجديدة (عاصمة تايوان).

وحول خلفية الرئيس الجديد، قال البروفسور سريكانث كوندابالي، عميد كلية الدراسات الدولية بجامعة جواهر لال نهرو الهندية «يرتبط لاي بعلاقة قوية للغاية بوالدته، ويعي حجم المشقة التي واجهتها لأنها اضطرت إلى تربية ستة أطفال بينما كانت تعيش في منزل صغير بجوار المناجم». وتابع شارحاً أن ميل لاي إلى المثابرة ينبع من البيئة التي نشأ فيها. ذلك أنه بعد حصوله على درجة البكالوريوس من كلية الطب وإعادة التأهيل بجامعة تايوان الوطنية، أكمل دراساته العليا فانخرط ببرنامج ما بعد البكالوريوس في العلوم الطبية بجامعة تشينغ كونغ الوطنية. وبعد ذلك، نال درجة الماجستير في الصحة العامة من جامعة هارفارد الشهيرة في الولايات المتحدة، ما جعله واحداً من الأطباء القلائل على مستوى تايوان الذين يتمتعون بخبرة في مجالات إعادة التأهيل والرعاية السريرية والصحة العامة.

خوض المجال السياسي

عندما أنهت تايوان ما يقرب من 40 سنة من الأحكام العرفية في أواخر الثمانينات وشرعت في تنفيذ إصلاحات سياسية، تخلّى لاي تشينغ تي عن ممارسة الطب والصحة العامة من أجل التفرّغ للعمل السياسي. ونشير هنا إلى أنه، عام 1994، عندما كان لا يزال طبيباً مقيماً في مستشفى جامعة تشينغ كونغ الوطنية، وكانت تايوان تجري أول انتخابات مباشرة لمنصب حاكم مقاطعة تايوان السابقة (ما عادت موجودة رسمياً)، باشر مشاركاته في مجالات الشأن السياسي، داعماً تشن تينغ نان، مرشح الحزب الديمقراطي التقدمي لمنصب الحاكم.

خلال «أزمة مضيق تايوان» عام 1996، قرّر الدكتور لاي محاكاة أسلافه في السعي لتحقيق الديمقراطية في الدولة - الجزيرة بمواجهة مطالبات السلطات الصينية في بكين. وبالفعل، تخلى عن مسيرته الطبية ودخل معترك السياسة. وفي أثناء الانتخابات البرلمانية ذلك العام، استحوذ لاي على العدد الأكبر من الأصوات في مدينة تاينان الكبيرة بجنوب غربي البلاد، وانطلق في مهمة تاريخية لإلغاء البرلمان، الذي كان يطلق عليه في حينه «الجمعية الوطنية». ثم إنه كتب في مقال رأي لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، خلال يوليو (تموز) الماضي: «جاءت اللحظة الحاسمة لي، عندما هدّدت المغامرات العسكرية الصينية شواطئنا بتدريبات الذخيرة الحية والصواريخ. حينذاك، قرّرت أنه من واجبي المشاركة في ديمقراطية تايوان، والمساعدة في حماية هذه التجربة الوليدة ممن يتربصون بها».

انتخب دكتور لاي للمرة الأولى نائباً في البرلمان التايواني عام 1998، ثم تولّى منصب عمدة مدينة تاينان عام 2010. ومن ثم، شغل منصب رئيس وزراء تايوان - الذي يعمل بمثابة المستشار الرئيسي لرئيس الجمهورية - ورئيس الحكومة المركزية - من 2017 إلى 2019. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، أعيد انتخاب لاي نائباً للرئيس. وفي الوقت نفسه، أعيد انتخاب الرئيسة تساي إنغ ون رئيسة للجمهورية للمرة الثانية.

«الاستقلاليون» ضد «الوطنيين»

سياسياً، يحظى لاي تشينغ تي بقبول كبير بين مؤيدي الاستقلال المتشدّدين – المعارضين بقوة لفكر حزب «الكومينتانغ» (الحزب الوطني)، الذي يؤمن بالوحدة الصينية، ولكن بعد إسقاط الشيوعية فيها - بينما كان يتمتع في الماضي بشعبية واسعة بين الناخبين الوسطيين.

وبناءً عليه، بسبب تحمّس الرئيس المنتخب لفكرة الاستقلال، لا تثق السلطات الصينية بآرائه ولا بسياساته. وهو، وإن كان وصف نفسه ذات مرة بأنه «عامل من أجل استقلال تايوان»، فقد سبق له أن وعد بالالتزام بالمقولة الدقيقة التي طرحتها سلفته الرئيسة الحالية تساي «بما أن تايوان مستقلة فعلياً فهي ليست بحاجة إلى المزيد من الإعلانات». وفي هذا السياق، أعرب المحلل السياسي الهندي ماكاركاند بارانجبايي عن اعتقاده أن لاي، الذي يخلف الرئيسة رسمياً خلال الربيع المقبل: «سيواصل على الأرجح اعتماد موقف الرئيسة تساي المعتدل ولكن المبدئي أيضاً... المتمثل في رفض فكرة أن تايوان جزء من الوطن الصيني».

من جهة أخرى، ردّت بكين على فوز لاي بزيادة الضغوط الدبلوماسية والعسكرية، بالإضافة إلى محاولة فرض عزلة دولية على تايوان، مع أن فوز الرئيس المنتخب يؤكد مجدداً عبر صناديق الاقتراعات أن غالبية سكان الدولة - الجزيرة يعدون أنفسهم تايوانيين لا صينيين. وفي الخطاب الذي ألقاه لاي بمناسبة فوزه الانتخابي، عدّ النتيجة «انتصاراً لمجتمع الديمقراطيات»، كما أثنى على الناخبين لإحباطهم محاولات «قوى خارجية» التأثير على الانتخابات.

على صعيد آخر، لعب الرئيس التايواني المنتخب في وقت سابق من حياته السياسية، دوراً بارزاً في توسيع صناعة الرقائق العالية التقنية في تايوان، ما ساعد الجزيرة على الازدهار ورفع مكانتها العالمية. كذلك فإنه في أثناء فترة توليه منصب عمدة مدينة تاينان، كان أحد أهم منجزاته الكبرى بناء مصنع جديد لشركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات داخل مجمع تصنيع محلي. والواقع أن لاي عبر كل المواقع والمناصب التي شغلها، على المستويين المحلي والمركزي من الحكومة - بما في ذلك السلطة التشريعية - أثبت أنه على الرغم من هدوئه ولطفه، قادر على اتخاذ مواقف قوية حاسمة. من ذلك أنه في عام 2005 اشتبك مع أحد نواب «الكومينتانغ» داخل المجلس التشريعي، بعد مقاطعة الحزب ميزانية شراء الأسلحة بشكل متكرّر. كذلك ظهر في مقطع فيديو وهو يهاجم النائب ويصرخ: «أنتم تدمّرون الوطن». ولم يجر إقرار سوى جزء صغير من الموازنة التي تزيد قيمتها على 15 مليار دولار خلال السنوات التالية مباشرة. وأيضاً من مؤشرات نجاحه وقدراته أن انتخابه رئيساً يشكّل للمرة الأولى في تاريخ تايوان حصول حزب سياسي واحد على ثلاث فترات رئاسية متتالية.

أكثر من هذا، من المحطات اللافتة التي تعكس حقيقة شخصيته القوية - التي يصفها البعض بالعنيدة - تحديه الرئيسة تساي للمشاركة بالانتخابات السابقة، وكان ذلك خطوة مفاجئة صدمت كثرة من المراقبين الذين عدوها «تمرداً». وفي هذا الشأن، قال تشين جيه هونغ، الذي درّس لاي عندما كان يعمل في مستشفى في تاينان قبل ثلاثة عقود، إن «ما كان يقلقه في ذلك الوقت هو ما إذا كان الحزب الديمقراطي التقدمي سيخسر الانتخابات الرئاسية لعام 2020»... ولكن تساي فازت في تلك الانتخابات بغالبية ساحقة.

الحدود الممكنة للمواجهة

خلال السنوات الأخيرة بنى لاي تشينغ تي سمعته السياسية - ورصيده الشعبي - على دفاعه القوي عن فكرة تايوان المستقلة. ولم يفت هذا الأمر سلطات بكين التي لم تتردد في اتهامه بأنه «محرض على الحرب». والواضح إذن أن تولي لاي الدفة في تايوان أمر لا يروق للقيادة الصينية التي ترى فيه «انفصالياً» متشدداً. ويذهب مراقبون أبعد من ذلك، ليقولوا إن بكين ترى أنه بسبب إيمانه المطلق بـ«سيادة تايوان المستقلة» يحمل «خطراً شديداً» على العلاقات بين الصين وتايوان عبر «مضيق تايوان».

وحقاً، لا ينسى القادة الصينيون أن لاي إبان شغله منصب رئيس الوزراء كان أكثر صراحة ومباشرة من تساي بخصوص قضية الاستقلال. وهنا، يقول مراقبون إن هذه القضية باتت تثير قلق كبار الحلفاء؛ مثل الولايات المتحدة - المورِّد الرئيسي للأسلحة لتايوان - بخصوص كيفية تعامل الرئيس المنتخب مع العملاق الصيني. ولهذا لا يستغرب متابعو هذا الملف الحساس أنه من نواحٍ عديدة، أن يكون خطاب بكين تجاه لاي أكثر تشدداً وعدائية منه إلى خطابها تجاه الرئيسة تساي. والحال، أن الحكومة الصينية - ووسائل الإعلام الرسمية الصينية على حد سواء - تتعمد في مختلف المناسبات «توبيخ» لاي، ووصفه بـ«الانفصالي الخطير» و«مثير المشكلات»، و«صانع الحرب»، وترفض عروضه المتكرّرة لعقد مباحثات.

الحياة الشخصية

على الصعيد الشخصي، الرئيس المنتخب متزوج من وو مي جو منذ عام 1986. ورزق الزوجان بولدين، إلا أن زوجته حرصت على البقاء بعيداً عن الأضواء، حتى بعدما اقتحم لاي معترك السياسة في تسعينات القرن الماضي. ووفق تقارير أوردتها وسائل إعلام محلية، تقدمت وو بطلب للانتقال من مكتب شركة الطاقة التايوانية في تاينان إلى محطة هسينتا للطاقة في كاوشيونغ، بعد انتخاب زوجها عمدة لمدينة تاينان عام 2010 تجنباً لأي تضارب مصالح قد يحصل. وفي المقابل، على الرغم من حرص وو على التدخل بعمل لاي، فإنها ظلت حريصة على مرافقته ودعمه منذ التقيا إبان مرحلة الدراسة الجامعية. كما أنها عبرت وتعبر دائماً عن اعتزازها بمسيرة زوجها وما حققه. ثم إنها وإن كانت قد وصفته ذات يوم بأنه شخص «ليس رومانسياً كثيراً»، فهي تراه في المقابل «جديراً بالثقة» ويتمتع «بإحساس قوي بالمسؤولية... ولن يأبه لشيء عندما يتعلق الأمر بحماية الناس».

أخيراً، من شريط ذكريات الرئيس التايواني المنتخب، قوله خلال فعالية شارك بها في مارس (آذار) من العام الماضي: «كنت صغيراً للغاية على نحو يجعلني عاجزاً عن تذكر أبي، لكنني أدركت فجأة أن أكبر الأصول التي تركها لي أن عائلتي كانت فقيرة». واستطرد «عندما تنشأ في مثل هذه الأسرة، تصبح أكثر نضجاً، وتملك مزيداً من قوة الإرادة والشجاعة، ما يعينك على تجاوز الصعوبات». واختتم بالقول «أيضاً راودني اعتقاد بأنه في هذه الحياة، إذا تمكنت من العثور على مشروع يجعلني أشعر بالشغف للشروع فيه، فستكون لي حياة تستحق أن تعاش حقاً». ردّت بكين على فوز لاي بزيادة الضغوط الدبلوماسية والعسكرية، بالإضافة إلى محاولة فرض عزلة دولية على تايوان


مقالات ذات صلة

خمس محطّات بارزة في قمّة شي وترمب

العالم  ترمب يصافح شي في قاعة الشعب الكبرى ببكين (أ.ف.ب) p-circle

خمس محطّات بارزة في قمّة شي وترمب

عقد الرئيس الصيني شي جينبينغ ونظيره الأميركي دونالد ترمب محادثات رفيعة المستوى في بكين، الخميس، تناولت حربَي إيران وأوكرانيا والتعاون الاقتصادي الثنائي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
آسيا إشارات ودية وتقارب جسدي متبادل بين الزعيمين خلال المراسم في «قاعة الشعب الكبرى» (أ.ف.ب) p-circle 00:16

15 ثانية من الرسائل الخفية... ماذا تكشف لغة الجسد في مصافحة ترمب وشي؟

خلال زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى بكين تحولت مصافحته مع نظيره الصيني شي جينبينغ إلى لحظة رمزية قصيرة حملت دلالات سياسية تتجاوز البروتوكول الرسمي

لينا صالح (بيروت)
آسيا الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جينبينغ يقفان أثناء عزف النشيدين الوطنيين لبلديهما خلال حفل استقبال في قاعة الشعب الكبرى في بكين (أ.ف.ب) p-circle

قمة ترمب وشي... ما الذي يمكن أن يخرج به الطرفان فعلياً؟

من المتوقَّع أن تركز القمة بين ترمب وشي بدرجة أقل على تحقيق اختراقات كبرى، وبشكل أكبر على تثبيت العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم.

الولايات المتحدة​ المواطن الأميركي لو جيان وانغ المتهم بإدارة مركز الشرطة (رويترز)

إدانة مواطن أميركي بإدارة مركز شرطة صيني سري في نيويورك

أُدين مواطن أميركي بتهمة إدارة ما وُصف بأنه «أول مركز شرطة سري معروف» في الولايات المتحدة لصالح الحكومة الصينية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
آسيا الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى وصوله إلى بكين (رويترز)

ترمب يصل إلى بكين تمهيداً لقمة مع نظيره الصيني

وصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأربعاء إلى الصين تمهيدا لقمة تنطوي على تحديات عدة مع نظيره الصيني شي جينبينغ، من التجارة الدولية إلى الحرب في إيران.

«الشرق الأوسط» (بكين)

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
TT

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً» بينما يراه كثيرون «إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي نفسه... فالقصة لا تتعلق بتفصيل قانوني معزول بل موازنة دقيقة بين المنافسة والضبط وبين حماية الحقوق وتسريع الاقتصاد وبين الوحدة التشريعية التي تريدها بروكسل والتباينات السياسية داخل الدول الأعضاء... في العمق تكشف هذه المراجعات عن سؤال أوروبي كبير هو: هل لا يزال الاتحاد قادراً على الجمع بين المعايير الصارمة والمرونة الاقتصادية في زمن يتغير بسرعة؟ أم أن الضغط العالمي من واشنطن إلى بكين يدفعه الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته على نحو أكثر برغماتية وإن كان ذلك على حساب الصورة المثالية التي طالما عرفته بها الديمقراطيات الغربية؟

لا يمكن فهم ما تشهده بروكسل من انقلاب تشريعي دون العودة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين سلّم ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيسةَ المفوضية الحالية أورسولا فون دير لاين تقريره الضخم عن «مستقبل تنافسية أوروبا».

جاء التقرير الواقع في 400 صفحة بمثابة صرخة إنذار وجودية: أوروبا تتخلّف عن الركب، والفجوة مع الولايات المتحدة والصين تتّسع بصمت، والنموذج التنظيمي الذي طالما اعتُبر مصدر قوّة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبء يُعيق الابتكار. وكشف دراغي فيه أن أوروبا تخسر ما يعادل 300 مليار يورو سنوياً من مدّخرات أسرها المُوظَّفة في الخارج، وأن أسعار الكهرباء تتجاوز نظيراتها الأميركية بنسبة تراوح بين 150 و300 في المائة. وخلص إلى أن «الاتحاد» يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية تناهز 800 مليار يورو سنوياً للحفاظ على مكانته، واصفاً الوضع بأنه «تحدٍّ وجودي» قد يُفضي الإخفاق في مواجهته إلى «الأفول التدريجي» للقارة.

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (آ ب)

وأمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حذّر دراغي من أن أوروبا «فشلت في تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية قابلة للنمو»، وأن شركاتها الرائدة تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال نحو السوق الأميركية كي تنمو، لأن السوق الأوروبية المُجزّأة، وتعقيدات الامتثال، لا تمنحانها الحجم الكافي للمنافسة العالمية. وتبعاً لهذا التقرير استجابت المفوضية في يناير (كانون الثاني) 2025 بإعلان «بوصلة التنافسية»، وهي مخطط استراتيجي لخمس سنوات يضع تخفيف الأعباء التنظيمية في صدارة الأولويات، مع التمسك بالأهداف المناخية الكبرى، ومنها «الحياد الكربوني» بحلول 2050.

عوامل الضغط المتراكمة من الداخل والخارج

في الواقع، لا يمكن عزل هذه المراجعات عن مُناخ سياسي داخلي وخارجي بالغ الاضطراب. ففي الداخل، أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024 عن صعود ملموس للتيارات اليمينية والقومية المتطرفة التي طالما انتقدت ما وصفته بـ«التضخم التشريعي» الصادر عن بروكسل، ولا سيما «الصفقة الخضراء الأوروبية». وشكّلت موجة احتجاجات المزارعين التي اجتاحت عواصم أوروبية عدة في مطلع 2025 رافداً شعبياً مباشراً لهذا التحوّل، إذ رفع المحتجون الصوت ضد تضخّم القواعد والاشتراطات التي يرون أنها تُثقل كاهلهم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد وضعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعلانه رزمة رسوم جمركية واسعة طالت الصادرات الأوروبية، المفوضيةَ أمام معادلة بالغة الدقة: إذ كيف تحافظ أوروبا على تنافسيتها في مواجهة شريك يرفع الجدران الجمركية من ناحية، ومنافس صيني من ناحية أخرى يضخ دعماً حكومياً هائلاً في صناعاته، في حين تلتزم هي بمنظومة تنظيمية صارمة تُثقل كاهل شركاتها؟

تقرير دراغي يُلخّص هذه المفارقة في جملة واحدة: «أوروبا قادت سباق القواعد، بينما خسرت سباق السوق».

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (رويترز)

أصوات المسؤولين بين الاعتراف والوعد

لقد أطلقت رئيسة المفوضية فون دير لاين منذ اليوم الأول لولايتها الثانية خطاباً تجديدياً صريحاً، ففي «منتدى دافوس» خلال يناير 2025 أعلنت الانطلاق نحو «تبسيط جذري لقواعد التمويل المستدام، والعناية الواجبة». وفي لقائها مع الصحافة الألمانية لاحقاً أقرّت بأن «كثرة القواعد وإلزامات إعداد التقارير تُقيّد مسيرة النشاطات الاقتصادية، والتجارية، ولا سيما تلك التي تخصّ الشركات الصغيرة»، مستندةً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي تُشير إلى أن العوائق الداخلية في السوق لأوروبية الموحّدة تعادل في أثرها رسوماً جمركية بنسبة 45 في المائة.

وأيضاً حدّدت هدفاً كمياً واضحاً هو خفض الأعباء الإدارية بما لا يقل عن 25 في المائة على جميع الشركات، و35 في المائة على المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، بما يُوفّر 37.5 مليار يورو سنوياً، وطالبت البرلمانَ الأوروبي والدولَ الأعضاء بإقرار الحزم التبسيطية من دون إبطاء.

هذه الدعوة وجدت صدىً في العواصم الكبرى، إذ دعمت ألمانيا وفرنسا مسار التبسيط صراحةً، ووصفت برلين الحزمة الأولى بأنها «خطوة لازمة للتوفيق بين التحوّل المستدام والقدرة التنافسية». وانضمت بولندا، التي ترأست مجلس «الاتحاد» في مطلع 2025، إلى هذا التوجه، واصفةً إياه بـ«المبادرة الضرورية لتعزيز تنافسية الاتحاد».

كذلك كان رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا قد أضفى على هذا التوجّه طابعاً سياسياً رفيعاً، حين أكد في رسالة وجّهها إلى قادة «الاتحاد» قُبيل القمة غير الرسمية في فبراير (شباط) 2026 أن «التبسيط ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لجعل أوروبا تُنجز ما وعدت به مواطنيها»، مضيفاً أن المواطن الأوروبي «بات يقيس صدقية مؤسساته لا بعدد اللوائح التي تُصدرها، بل بالنتائج الملموسة التي تُوفرها على أرض الواقع».

وفي السياق ذاته، دعا كوستا -وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية- القادة الأوروبيين إلى «تسريع المفاوضات حول الحزم التبسيطية المعلّقة»، محذّراً من أن التأخر سيُضعف صدقية «الاتحاد» أمام شركائه التجاريين قبل أن يُضعفها أمام ناخبيه.

ومن العاصمة الفرنسية باريس، رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صوته في هذا الملف بلهجة تجمع بين الطموح الأوروبي والحرص على السيادة الاستراتيجية. إذ قال في خطاب أمام منتدىً اقتصادي في برلين إن «أوروبا لا تستطيع أن تكون القارة الوحيدة التي تطبّق قواعدها على نفسها بصرامة، بينما يُنافسها الآخرون في ظل قواعد مختلفة تماماً»، مطالباً بأن يرافق التبسيط التشريعي سياسةٌ صناعية أوروبية متماسكة تحمي القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير المتكافئة.

استقلالية التشريع

ومن جهة ثانية، دعا ماكرون صراحةً إلى تطوير ما وصفه بـ«استقلالية التشريع»، بمعنى أن تمتلك أوروبا القدرة على تكييف قواعدها بسرعة، استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية، ومن دون الانتظار سنوات في مسارات تشريعية مضنية.

أما المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس، فقد تبنّى موقفاً أكثر مباشرةً حين صرّح إبان مناقشات «مجلس الاتحاد» بأن «الاقتصاد الأوروبي لا يحتاج إلى مزيد من القواعد، بل إلى مزيد من الحرية للابتكار، والنمو»، مستنداً إلى معاناة الصناعة الألمانية في مواجهة منافسة صينية مدعومة حكومياً، بينما تتصاعد أعباء الامتثال في الداخل. وفي السياق ذاته، حرص شولتس على الإشارة إلى أن التبسيط لا يعني التخلي عن أهداف الحياد المناخي، لكنه يعني تحرير الطاقة الإنتاجية للشركات كي تنجز هذا التحول.

في المقابل، حمل الصوت الإيطالي مقاربة مغايرة، إذ اعترضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في قمة القادة غير الرسمية ذاتها، على ما رأت فيه تسرّعاً في إقرار بعض الحزم من دون تقييم كافٍ لأثرها على الصناعات التقليدية، ولا سيما قطاع السيارات الذي يُمثّل ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من دول الجنوب الأوروبي.

وأردفت ميلوني أن «التبسيط مطلوب، لكن ينبغي ألا يكون ذريعةً للتخلي عن قطاعات بأكملها في مواجهة منافسة آسيوية يدعمها المال العام»، مطالبةً بأن تتضمّن كل حزمة تبسيطية تقييماً صريحاً لانعكاساتها على التوظيف، والنسيج الصناعي في الدول الأعضاء، وكشف هذا الخلاف عن توتر حقيقي داخل الاتحاد بين من يرى التبسيط أداةَ تحرير اقتصادي، ومن يخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للأعباء على حساب الدول الأقل قدرةً على إدارة المرحلة الانتقالية.

ماذا تحت المراجعة؟

منذ فبراير 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية عشر حزم تشريعية تبسيطية تحت مسمّى «أومنيبوس»، تُعدَّل بموجبها قوانين متعدّدة في آنٍ واحد عبر توفيرات إدارية مقدَّرة بـ15 مليار يورو سنوياً. وتنصبّ أبرز هذه المراجعات على أربعة محاور:

- في مجال الاستدامة المؤسسية، خُفِّض عدد الشركات الملزمة بالإفصاح البيئي، والاجتماعي من 50 ألفاً إلى نحو خمسة آلاف فقط، أي إعفاء 80 في المائة من الشركات مما يُوفّر 4.4 مليار يورو سنوياً، مع تأجيل موعد الإبلاغ بسنتين لشريحة واسعة أخرى.

- على صعيد سلاسل التوريد، ضُيِّق نطاق «العناية الواجبة» ليقتصر على الشركاء التجاريين المباشرين، بدلاً من امتداده عبر سلسلة التوريد بأكملها.

- أما الملف الأكثر إثارةً للجدل، فهو قانون الذكاء الاصطناعي، إذ اقترحت المفوضية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تأجيل اشتراطات الأنظمة عالية المخاطر -ومنها تلك المستخدمة في التوظيف، والرعاية الصحية، والقضاء- من 2026 إلى 2028 على أبعد تقدير.

ولقد صوّت البرلمان الأوروبي بغالبية الأصوات لصالح هذا التمديد، بيد أن المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس والمفوضية لا تزال تراوح مكانها حول مسألة جوهرية هي: هل تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في منتجات مثل الأجهزة الطبية والسيارات لقانون الذكاء الاصطناعي؟ أم تكتفي بالتشريعات القطاعية القائمة؟

وتُضاف إلى ما تقدم ذكره حزم بيئية ودفاعية وزراعية تستهدف مجتمعةً خفض أعباء الامتثال في قطاعات بالغة الأهمية.

ما يكمن وراء الخطاب التبسيطي

إذا كانت الحجج الرسمية تستند إلى ضرورة تعزيز «تنافسية» الشركات، فإن الدوافع الأعمق أكثر تعقيداً. إذ ثمة خشية حقيقية من تسرّب الشركات الأوروبية الناشئة نحو الولايات المتحدة، حيث البيئة التمويلية أيسر، والاشتراطات التنظيمية أخفّ، في حين لا تلتزم الإدارة الأميركية بمعايير مناخية مماثلة، ولا الصين بمستوى مماثل من الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك ثقل الضغط الانتخابي الذي كشفت عنه الانتخابات الأوروبية، وضغط جماعات الأعمال الكبرى التي يُشير تحليل منظمة «كوربورت يوروب أوبسرفاتوري» إلى أنها استأثرت بـ69 في المائة من اجتماعات المفوضية عام 2025، مقابل 16 في المائة فحسب لمنظمات المجتمع المدني. وهذا ما دفع أكثر من 360 منظمة مدنية إلى إصدار بيان مشترك، محذّرةً من أن «الأومنيبوس» يُعيد تأطير الشفافية والمساءلة البيئية بوصفهما عبئاً بيروقراطياً بدلاً من اعتبارهما ركيزةً للحوكمة. وذهب باحثون إلى أن الجزء الأكبر من التوفيرات المُعلنة لا يأتي من تبسيط الإجراءات، بل من تقليص النطاق، وإعفاء الشركات من الالتزام أساساً، وثمة فارق جوهري بين التبسيط الحقيقي والتراجع المُقنَّع.

بين السيادة الأوروبية... والبرغماتية

هذه المراجعات تُظهر، حقاً، أن أوروبا لم تعُد تتصرف كما لو أنها تملك رفاهية التشريع المثالي. فهي اليوم تُدير مرحلة برغماتية هدفها حماية وحدة السوق، وتخفيف الضغط على الصناعة، ومنع الانقسام بين دولها الأعضاء، غير أن البرغماتية ليست بلا ثمن. ذلك أن الاتحاد بنى نفوذه الدولي على كونه «حارس معايير» عالمياً في البيئة، وحماية البيانات، وحقوق العمال، والذكاء الاصطناعي. وهذه السمعة رأسمال دبلوماسي واقتصادي حقيقي يتآكل في كل مرة تتراجع فيها أوروبا عن مبدأ راسخ.

في المقابل، يرى المدافعون عن التبسيط أن أي «قاعدة لا تُطبَّق ليست قاعدة»، بل إنها وهم، وأن المعيار الذي تعجز الشركات والجهات الرقابية عن الامتثال له في مواعيده يُفضي إلى فوضى قانونية لا إلى حماية فعلية. ولقد عبّرت فون دير لاين عن هذه المعادلة الصعبة حين دعت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى «التبسيط وإزالة القواعد الزائدة» جاعلةً حزم «الأومنيبوس» النموذجَ المرجعي، في حين يرى المنتقدون أن الخط الفاصل بين إزالة البيروقراطية الزائدة وتفكيك الحماية الجوهرية أرقّ مما توحي به الخطب.

مرحلة جديدة تكتب بروكسل معادلتها الصعبة

في أي حال، المراجعات الجارية في المفوضية الأوروبية ليست مجرد تحديثات تقنية، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون، والاقتصاد، والسيادة في لحظة تاريخية فارقة... لحظة تتراجع فيها العولمة الليبرالية، وتتصاعد فيها الحماية الاقتصادية، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذين التكنولوجي والتجاري على مستوى العالم.

وعليه، فالنتيجة الأرجح هي دخول أوروبا مرحلة جديدة أقل مثالية، وأكثر حساباً، وربما أكثر تناقضاً بين ما تريده بوصفها قارةً معيارية تُصدّر قيمها إلى العالم، وما تسمح به باعتبارها قوةً اقتصادية تسعى إلى البقاء بتنافسية في عالم يزداد صلابة.

وبين هذين القطبين المتوترَين، تنسج بروكسل يومياً معادلتها الصعبة، لأن شكل القاعدة القانونية في المركز يُحدّد في نهاية المطاف شكل الحياة اليومية في باريس، وروما، وبرلين، ومدريد، وأثينا. وحينئذٍ تتحوّل السياسة من نصٍّ تفاوضي فوقي إلى تجربة ملموسة في الأسواق، والمصانع.


علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»
TT

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس» لم يكن علي الزيدي قد بلغ سن «الرشد السياسي» آنذاك. إلا أن ذلك الشاب تحوّل فيما بعد إلى واحد من كبار أغنياء رجال المال والأعمال في «عراق ما بعد عام 2003»، مع أن سجلّ ولادته يشير إلى أنه ولد في إحدى قرى محافظة ذي قار بجنوب العراق يوم 1/5/1985. منظر تلك الدبابة الأميركية «استفز» قائد «القيادة الوسطى الأميركية» - آنذاك - الجنرال تومي فرانكس، الذي كان يراقب المشهد من قاعدة العُديد في قطر، بعدما شاهد جندياً أميركياً يلف سارية العلم العراقي بالعلم الأميركي. وهذا تصرّف رفضه فرانكس فوراً، فأمر بإنزال العلم الأميركي وتعويضه بالعلم العراقي الذي لا يزال حتى الآن مُختلفاً عليه مع أنه لا يزال يحمل عبارة «الله أكبر» التي كتبت بخط يد صدام حسين.

كان منظر اقتلاع التمثال مدهشاً سواءً للموالين لصدام حسين، الذين شاهدوا سقوط نظامه السريع بينما لا يزال البديل مجهولاً، أو لمعارضيه.

يومذاك كان المعارضون ينقسمون إلى «معارضات» حسب الدول التي أقاموا فيها بين الشرق والغرب. أيضاً لم يكن لبعضهم أي وزن سياسي بعد ما عرف مرة بـ«السقوط» ومرة بـ«التحرير» وثالثة بـ«الاحتلال»، وهو الوصف الذي اتفق عليه لأول مرة مع اختلاف المنطلقات والأهداف مؤيدو صدام ومعارضوه.

طالب الصفوف الثانوية

بين المؤيدين والمعارضين، لم يكن الشاب علي الزيدي في عام 2003 قد أكمل الدراسة الثانوية بعد. وكذلك ما كان قد تشكل طموحه السياسي في ظل فوضى «المحاصصة»، التي سرعان ما دمغت النظام السياسي المتشكل بعد عام 2003، وذلك عن طريق طبقة سياسية لم تكن من الناحية العملية بمثابة «آباء مؤسسين» لهذا النظام. وهذا، مع أنه يجري تداول هذا المصطلح على مستوى التوارث السياسي للسلطة بين الأجيال.

وحقاً، لم تكن ثمة فرصة للأجيال الجديدة في تولي السلطة في العراق، بعدما احتكرتها طبقة الجيل الأول من السياسيين العراقيين. وكان هؤلاء قد انتظموا أول الأمر فيما عُرف بـ«مجلس الحكم»، الذي تألف من 25 قيادياً سياسياً، طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية والدينية والمذهبية بقيادة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

لذلك اتجه علي الزيدي ومعه عدد كبير من «مجايليه» الشبان بعد إكمال دراساتهم الأولية والجامعية إلى عالم المال والأعمال.

الدولة «مدينة» له!

ونجح الزيدي في عالم المال والاقتصاد والتجارة أيّما نجاح؛ إذ غدا، بمساعدة عائلته، من كبار الأثرياء في البلاد، وهذا إلى الحد الذي وجد معه أن الدولة التي يحتلّ المنصب التنفيذي الأول فيها - أي منصب «رئيس مجلس الوزراء» - مدينة له شخصياً بنحو ملياري دولار أميركي.

مع ذلك، حرص الزيدي على إكمال تحصيله الدراسي، فحصل على درجة الماجستير في تخصّص المالية والمصرفية، في أعقاب إنهائه المرحلة الجامعية الأولى بحصوله على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب الإجازة في القانون. ومنذ ذلك الحين عرف علي الزيدي بخبرته المهنية التي شملت تدرّجه في عدد من المناصب الإدارية والقيادية، منها تولّيه رئاسة مجالس إدارة كلٍّ من «الشركة الوطنية القابضة»، و«جامعة الشعب»، و«معهد عشتار الطبي»، إضافة إلى «مصرف الجنوب».

الزيدي... الشاب الذي اقتحم الحلبة

لقد وقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبناء «الجيل الأول» من السياسيين العراقيين في حقبة ما بعد 2003، وهو ينظر إلى علي الزيدي، الذي لم يكن عام 2003 - وهي حقبة ما بعد سقوط صدام حسين ونظامه - قد بلغ سن الرشد السياسي بعد.

بيد أنه اليوم، وبحضور المالكي ومن معه من قيادات الصف الأول، يقف مكلّفاً بتشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003، بموجب مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية نزار آميدي.

في هذا السياق، الجميع يعرف أن إسقاط صدام حسين ما كان ليحصل لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي - مع هذا - لم يستمر «شهر عسلها» مع القوى السياسية التي سلمتها واشنطن السلطة على طبق من فضة بعد مقتل أكثر من 5000 آلاف جندي أميركي وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات. ذلك أن هذه القوى سرعان ما قلبت ظهر المِجَنّ لواشنطن، وبدأت عملية تداول «سلمي» وغريب للسلطة... تُدار عبر انتخابات يقتصر الاعتراف بنتائجها على تقاسم الوزارات، بينما يجري توزيع باقي المناصب طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية.

وللعلم، طوال العقدين الماضيين من الزمن، بدت الكفة الإيرانية التي تؤيد الطبقة السياسية الشيعية التقليدية هي الأكثر أرجحية مقابل «هزيمة» للأميركيين!

بطبيعة الحال، هذه المعادلة لم ترض الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الذي رفض ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لنوري المالكي، الذي سبق له أن ترأس الحكومة العراقية لدورتين، بينما لم ينجح في نيل الثالثة بسبب «فيتو» المرجعية آنذاك، ثم واجه هذه المرة «فيتو» ترمب.

دور «فيتو» ترمب في ترئيس الزيدي

ترمب، فرض «الفيتو» أخيراً؛ لأنه أعرب دائماً عن ضيقه من الخسائر الأميركية التي ترتّبت على إسقاط صدام، وأيضاً غضبه من إحجام القيادات السياسية العراقية - لا سيما الشيعية منها - عن تقديم الشكر لواشنطن على ما يعدّه ترمب «عملاً كبيراً» قامت به القوات المسلحة، وكذلك المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، لصالحها.

وبالتالي، فإنه بعد «الفيتو» على تولي المالكي رئاسة الحكومة، عجزت القوى السياسية الشيعية عن الإتيان ببديل من داخلها، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ما بات يسمى في العراق بـ«الإزاحة الجيلية»، الذي تقدَّمه هذه المرة رجل المال والأعمال علي الزيدي، الذي بات يحظى بقبول أميركي واسع النطاق، بينما تحاول إيران مُرغمة على الترحيب به.

وفي الحقيقة، الزيدي ليس فقط من خارج توليفة «الجيل الأول»، الذي يضم إلى جانب المالكي أشخاصاً كإياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي. بل، هو أيضاً ليس حتى من «الجيل» الذي تلاهم، ومنه مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. إلا أنه يصطف مع الجيل الأول الذي تعامل مع مُرسي النظام السياسي الحالي؛ أي الحاكم الأميركي بول بريمر.

أكبر من إزاحة جيلية

مهما يكن من أمر، اقتحم علي الزيدي الحلبة متسلّحاً برؤية اقتصادية ومالية هي أهم ما يحتاج إليه العراق الآن، ولا سيما في أعقاب فشل ما يمكن تسميته تجاوزاً «جيل التأسيس» في بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية والتنموية.

إذ إن العراق لم يتمكن بعد من الخروج من «عنق زجاجة» المماحكات السياسية التي أثقلته بالمديونية، وبملايين الموظفين الذين يعتمدون على مبيعات النفط فقط. مع ذلك، فإن الزيدي، الذي اقتحم الحلبة بصورة مفاجئة، لا يبدو «طارئاً» على الجسم السياسي، وبالأخص بعد كل المباركات الداخلية والإقليمية والدولية التي حصل عليها.

ولا يبدو هذا التبادل للسلطة قسرياً من الظاهر، بل كل شيء جرى أمام كاميرات التلفزيون وسط تبادل للابتسامات والنظرات، وربما الحسرات المُضمرة، التي لم تكشف عنها «فلاشات» التصوير التي تطايرت أضواؤها في تلك اللحظة عند أول انتقال سلمي للسلطة، وهي التي لم يتداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الآيديولوجيات الحزبية... ببُعديها السياسي القومي والديني.

كسر القواعد والسياقات

بلا شك، هناك من يرى أن ما حصل تحوّل كبير كسر كل القواعد والسياقات، بل أيضاً القوالب التي بدت صامدة وصلدة ومحمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي.

وطبقاً للنتائج والمعطيات، فإن ما حصل لانتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار آيديولوجيّي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية، بدا مفاجئاً. لكنه جاء أيضاً سلساً إلى جيل الأبناء، وإن كان هذه المرة من خارج «النموذج» السياسي.

ليس هذا فقط. بل هناك ما هو لافت أكثر؛ فمن المعروف أن واشنطن هي التي جاءت بـ«الجيل الأول» - أو «جيل الآباء» - من الطبقة السياسية التي أخفقت في تأسيس نظام خارج «المحاصصة» وتوزيع المغانم. ولكن الرئيس ترمب، الذي لديه ملاحظات على طريقة «تحرير» العراق أيام كانت مفردة «التحرير» تحتل كل القواميس، أو «احتلال» العراق التي باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، يرى أن التغيير الحالي من «جيل الآباء إلى جيل الأبناء إنما تحقق بمساعدته أيضاً».

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أكبر من مجرد «إزاحة جيلية»، بل يثبت أن واشنطن... هي اللاعب الأساسي في تقرير من يحكم العراق. أنها، كما جاءت بـ«الجيل الأول» ها هي نفسها تأتي بـ«جيل الأبناء»، وهذه المرة خروجاً من خارج دهاليز السياسة... إلى قلب مصالح المال والأعمال.


الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
TT

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي، هذا الأسبوع، تأكيدات راسخة من البرلمان العراقي حيال ترؤس الحكومة العراقية التاسعة بعد عام 2003.

هذا، وفي حين أقرّت الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، بعد مرور أقل من شهر على غزو العراق واحتلاله يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، بأنهما «قوتا احتلال» وفق القانون الدولي، تغير الحال؛ إذ بعد ذلك، فرغت إيران من ترتيب أوراقها في العراق، وأحكمت سيطرتها على جميع مفاصل السلطة عن طريق قوى المعارضة - الشيعية، بالذات - التي تسلّمت السلطة. وسرعان ما بات يطلق على الوجود الأميركي في العراق مسمى «احتلال» يتطلب المقاومة لإخراجه.

في ضوء ذلك، تشكلت «قوى السلاح»، التي لا تزال ترفع شعار المقاومة رغم تغير الحكومات وخروج القوات الأميركية من العراق عام 2011، ثم عودتها إلى عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد احتلال تنظيم «داعش» ثلث الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من استمرار الجدل والخلاف بين واشنطن وطهران في شأن العراق، وانقسام القوى السياسية العراقية بين مؤيد بالكامل لإيران، وهي «قوى السلاح» وعدد كبير من القوى الشيعية، فإن الكرد والسنّة ما زالوا في مرحلة انعدام الوزن نتيجة عجزهم عن الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران مرة، وبغداد مرة ثالثة، حتى اليوم.

ولكن الواضح أنه بدأت ملامح علاقة جديدة تترسم في الأفق على صعيد العلاقة بين واشنطن وطهران بعد حربي «الـ12 يوماً» عام 2025 والحرب الراهنة مع الوقف الهشّ لإطلاق النار. فللمرة الأولى تلوح في الأفق ملامح «حالة جديدة» تتشكل داخل العراق... جوهرها تراجع النفوذ الإيراني لصالح واشنطن في عهد دونالد ترمب.

ترمب (آ ب)

ويتمثل هذا من ناحية في رجحان كفة الحرب الراهنة لصالح واشنطن على أذرع طهران في المنطقة - ومنها «قوى السلاح» في العراق - التي بدأت تتلقى ضربات عنيفة، ومن ناحية ثانية في عجز القوى الشيعية القريبة من طهران من تشكيل حكومة عراقية على هواها أو هوى العاصمة الإيرانية... وبخاصة بعد «الفيتو» الذي فرضه الرئيس الأميركي على نوري المالكي لتشكيل الحكومة.

بالتالي، في حين بدا وصول شاب في الأربعينات من عمره، أي الزيدي، إلى منصب رئيس الوزراء - أهم منصب تنفيذي في العراق، وهو الذي احتكرته منذ عام 2003 وإلى اليوم القيادات الشيعية - أمراً مفاجئاً، فإن الأمور لا تزال قليلة الوضوح. فالزيدي، وفق مراقبين، في حالة من انعدام الوزن تتمثل بكون تكليفه «فرصة» له للنجاح بسبب خلفيته الاقتصادية، وبكون التكليف «تحدّياً» تؤكّده الرسائل الموجّهة إليه من الرئيس ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

طهران، كما يبدو، اختارت خوض «معركة دبلوماسية» مع واشنطن عبر بغداد برسائل «شديدة الانفجار»، بعدما كشفت الرئاسة الإيرانية عن مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها بزشكيان مع الزيدي بعد نحو أسبوعين على ترشيحه. وبينما سارع ترمب إلى تهنئة الزيدي بعد أيام قليلة على تكليفه، فإن بزشكيان لم يكتف بتهنئة الزيدي، بل كتب في تدوينة على منصة «إكس» عبارة «نحن المسلمين قد خضعنا سابقاً؛ خضعنا للقدير المتعال، ولا أحد غيره يستطيع أن يُخضعنا». وأضاف في حديث هاتفي مع الزيدي، «شددتُ على ضرورة نصح المسؤولين الأميركيين بسحب التهديد العسكري من منطقتنا؛ لأنه لا يمكن إخضاع أتباع المذهب الشيعي».