أرخى التوتر في البحر الأحمر بظلاله الثقيلة على الوضع المعيشي المنهك في سوريا، إذ أدى ارتفاع أجور الشحن والتأمين في النقل البحري للبضائع من شرق آسيا بنسبة تتجاوز الـ250 في المائة إلى إرباك حركة الأسواق والتسعير، بحسب تقارير اقتصادية محلية حذرت من مخاطر ازدياد التوتر في البحر الأحمر وتأخر وصول الشاحنات أو عدم وصولها، على الأسعار في سوريا وعلى عملية الإنتاج في الورشات والمنشآت الصغيرة.
الحكومة في دمشق التي تستورد نحو 80 في المائة من القمح اللازم لتصنيع الخبز الحكومي المدعوم، تبدو مرتبكة حيال تأمين القمح اللازم للخبز الحكومي، مع ارتفاع تكاليف النقل وبالتالي التصنيع. وفي اجتماع حكومي مصغر عُقد الخميس الماضي، جرى بحث كيفية توريد وتأمين الكميات المطلوبة من القمح. وقال بيان صدر عن الاجتماع ونشرته وسائل الإعلام الرسمية، إن «الاجتماع ناقش كيفية توفير القمح، في ظل مخاطر ارتفاع الأسعار العالمية وعدم استقرارها، ولا سيما في أسواق المنتجات الغذائية وصعوبات النقل والتجارة العالمية». كما ناقش الاجتماع كيفية سد فجوة النقص الحاصلة، بين الكميات المتوقع استجرارها ومقارنتها مع كميات القمح المطلوبة لتصنيع الخبز على مدار العام، والأعباء المالية المرافقة لإنتاج وتسويق القمح من جهة، وصناعة الخبز من جهة أخرى، مع الأخذ بالاعتبار «العجوزات المالية الكبيرة بالخزينة العامة للدولة في توفير مادة الخبز».

ويستحوذ الخبز على الحصة الكبرى من الدعم الحكومي، بحسب مصدر اقتصادي متابع في دمشق قال لـ«الشرق الأوسط»، إن رغيف الخبز السوري مهدد بالتضخم الناجم عن تدهور قيمة العملة المحلية، وارتفاع تكاليف الإنتاج بسبب ارتفاع تكاليف الشحن الدولي مع ازدياد التوتر الإقليمي، وتعثر وصول سفن الشحن، وصعوبة تأمين المواد الأولية، إضافة إلى مشكلات محلية تتعلق بارتفاع أسعار المحروقات وشح الكهرباء والعجز عن تأمين مستلزمات الصيانة الدورية للمخابز، ونقص حاد في الكوادر العاملة بسبب ضعف الأجور وغيرها من عوامل، تضاعف أعباء الدعم الحكومي.
ولفتت المصادر إلى أن الحكومة تتجه إلى تقليص العجز برفع سعر الخبز، لكن ذلك سيهوي بأكثر من 90 في المائة من السوريين الذين يعانون من الفقر إلى درجة متردية من الفقر، خاصة أن الخبز يعد مادة التغذية الوحيدة التي ما تزال متاحة للفقراء، ورفع سعرها أو تقليل جودتها لا شك سيهدد خط الأمن الغذائي الأخير للغالبية العظمى من السوريين.
أرقام وزارة التجارة الداخلية، التي نُشرت مؤخراً، تشير إلى أن تكلفة ربطة الخبز ارتفعت كثيراً بسبب ارتفاع تكاليف الاستيراد بالقطع الأجنبي لمستلزمات العملية الإنتاجية، لتصل تكلفة الربطة زنة 1100 غرام إلى 8000 ليرة، بينما تباع بـ200 ليرة بسعر الدعم بموجب البطاقة الإلكترونية وغير المدعوم بموجب البطاقة الإلكترونية 1500. وفي السوق السوداء تصل إلى أربعة آلاف ليرة. علماً بأن سعر صرف الدولار الأميركي يعادل 14500 ليرة.
وتصر الحكومة، في معرض تمهيدها لرفع أسعار الخبز المدعوم، على وجود هدر وفساد كبير في عملية تصنيع الخبز سببه استغلال حجم الدعم الكبير، الذي لم تعد الحكومة قادرة على تحمّله. لا سيما أن الفساد يتمثل بتحويل كميات كبيرة من الخبز المدعوم إلى خبز علفي.

وتنتج المخابز السورية يومياً، نحو 5.653 مليون ربطة خبز (نحو 39.6 مليون رغيف خبز يومياً)، وفق تصريح المدير العام للمؤسسة السورية للمخابز، مؤيد الرفاعي، لـصحيفة «الوطن» المحلية المقربة من السلطة، الأسبوع الماضي، مشيراً إلى أن مخصصات المخابز من الطحين تبلغ 5400 طن وفاتورة دعم الرغيف ترتفع يوماً بعد يوم.
وتشير التقديرات الأخيرة إلى أن الأسرة السورية تحتاج شهرياً إلى عشرة ملايين ليرة لتغطية نفقات الغذاء أي ما يعادل 700 دولار، وذلك بينما يتراوح معدل الرواتب والأجور الوسطى ما بين 200 - 500 ألف ليرة، أي ما بين 13 - 20 دولاراً شهرياً.
وقالت صحيفة «الثورة السورية» إن معظم الأسر السورية تعيش حالة ترقب وسط أنباء عن رفع أسعار الخبز المدعوم الذي بات سعره «رمزياً تجاه ما يحدث من ارتفاع وتضخم في الأسعار بلغ أوجه مع بداية عام 2024 رافقه ما يعصف بالمنطقة جراء أزمة البحر الأحمر».
