أفلام سِيَر شخصيات مع «توابل» لزوم الترويج

بعضها قريب من صحف الفضائح الصفراء

برادلي كوبر عازفاً في «مايسترو» (سيكيليا بردودكنز)
برادلي كوبر عازفاً في «مايسترو» (سيكيليا بردودكنز)
TT

أفلام سِيَر شخصيات مع «توابل» لزوم الترويج

برادلي كوبر عازفاً في «مايسترو» (سيكيليا بردودكنز)
برادلي كوبر عازفاً في «مايسترو» (سيكيليا بردودكنز)

شهدت صالات السينما خلال العام المنصرم ما لا يقل عن 20 فيلماً من نوع «السِّيَر الشخصية» أو «البيوغرافي»، وهو رقم قريب من عدد الأفلام التي عُرضت من هذا الفصيل في العام الأسبق، 2022 (نحو 18 فيلماً). أما عدد الأفلام السيوغرافية المتوقعة خلال العام الحالي، فمن الأرجح ألا تتجاوز الـ10 أفلام؛ لكن سواء تجاوزت ذلك الرقم أو لم تتجاوزه، فإن هذا النوع هو أحد الأنواع السائدة بين الإنتاجات الحالية، وهي مختلفة، من قصّة حياة إلى قصص من الحياة أو لفترة منها. هناك أفلام عن شخصيات مشهورة، وأخرى عن شخصيات لم نكن لنعرف عنها شيئاً لولا الأفلام التي صنعت عنها؛ وتتنوّع كذلك الفترات التاريخية من تلك الآتية من زمن بعيد، إلى تلك التي تنتمي إلى سنوات معاصرة.

عن الحب والحرب

في عداد الأفلام المتبارية للأوسكار هناك فيلمان روائيان من هذه الفئة هما الأميركيان «أوبنهايمر» و«مايسترو». في عداد الأفلام غير الروائية هناك 3 من ألأفلام الـ5 المرشّحة وهي، الفيلم الأميركي «بوبي واين: رئيس الشعب» (Bobi Wine‪:‬ The Peop‪le’s‬ President)، والتونسي «بنات ألفة» (مقدّم باسم Four Daughters)، والتشيلي «الذاكرة الأبدية» (La Memoria Infinita).

هناك فيلمان قريبان من السير الشخصية هما «نابليون» لريدلي سكوت، عن الحب والحرب في حياة نابليون بونابرت و«قتلة ذا مون فلاور» لمارتن سكورسيزي، الذي يعرض لشخصيات حقيقية بدورها.

ما تجتمع عليه هذه الأفلام وسواها هو، البحث في تاريخ بعض الشخصيات وحاضرها، التي تسجلها على أشرطتها. وبطبيعة الحال فإن الفيلم الروائي لديه هامش كبير من الخروج عن سيرة الحياة التي يختارها.

هذا اعتراف غير مباشر بأن قصّة حياة شخص مشهور، لنقل جون ف. كندي، أو سيغموند فرويد، قد تكون مملّة على الشاشة بحيث لا بد من رشّ بعض البهارات عليها لتصبح مقبولة. هذا يتضح جلياً مع فيلم برادلي كوبر عن حياة الموسيقار ليونارد بيرنستين في فيلم «مايسترو».

يلعب كوبر شخصية الموسيقار (1919- 1999)، الذي وضع موسيقى لمئات الأفلام والمسرحيات والأعمال التلفزيونية من بينها موسيقى «عصر البراءة» لسكورسيزي (1992)، و«زيت لورنزو» لجورج ميلر (1992)، ومن قبلهما «بوابة الجنة» لمايكل شيمينو (1980)، و«ويست سايد ستوري» لروبرت وايز (1961)، و«نافذة خلفية» لألفرد هيتشكوك (1954)، على سبيل المثال.

المشكلة هنا هي أن «مايسترو» حاول بيع حياة برينستين للجمهور، وهذا يعني أنه تغاضى عما يمكن اعتباره دراسة حياة أو جاذباً أكثر للجمهور: بعض ملامح الشخصية الاجتماعية، وحديثه عن الموسيقى، ومشهد له وهو منكبّ على تأليفها، ومن ثمّ قصّة الحب التي جمعته مع زوجته (كاري موليغان).

الأمر نفسه مع تناول كريستوفر نولان شخصية «أوبنهايمر» من حيث إنه جلب بعض المشاهد التي لم تقع فعلياً ولو لأمر لا علاقة له بالزينة مثل ذلك المشهد، الذي جمع بين أوبنايهمر وألبرت آينشتاين؛ إذا ما كان هناك سبب وجيه فهو بقي في نوايا المخرج ولم يظهر على السطح جيداً.

«جاسوس رحيم» (كارتمبكوين)

امرأة حديدية

لا يكترث فيلم نولان كثيراً للحديث عن أوبنهايمر يهودياً، ولو أن ذلك مذكور بطبيعة الحال، لكن «غولدا» حافل بهذا الجانب؛ هو فيلم بريطاني/ أميركي مشترك أخرجه غاي ناتيف عن حياة غولدا مايير خلال حرب 1973. المشهد هنا هو عن كيف تصرّفت رئيسة الوزراء الإسرائيلية خلال تلك الفترة العصيبة من زاوية تخليد ذكراها بصفتها امرأة إسرائيل الحديدية التي أنقذت دولتها من الدمار.

الصدى التجاري للفيلم كان هامداً. جلب 6 ملايين دولار من الدول التي عرضته تجارياً، لكن الصدى النقدي كان أسوأ منه. قال فيه الناقد البريطاني بيتر برادشو في «الغارديان»: «كفيلم حربي ممل على نحو مربك، كدراما سياسية هو بلا روح. أما كصورة شخصية لمايير فهو خامل ومصطنع».

الأميركي جوني ألكسينسكي في «نيويورك بوست» منح الفيلم نجمة واحدة وكتب: «منح المخرج فيلماً رخواً يوفر أسوأ أنواع السّيَر المنسية. هيلين ميرين تؤدي دورها بباروكة شعر على أمل أن يخفي الفيلم أسوأ تمثيل».

الفيلم ليس تماماً بهذا السوء، لكنه يعكس بعض المطبّات الصعبة للأفلام التي تسرد حياة شخصيات معروفة، وهو وضعٌ كاد أن ينجو منه فيلم مايكل مان «فيراري» (عن صانع سيارات فيراري الشهيرة)، لكنه لم يفعل تماماً مثله، في هذا الوضع قصّة حياة برسيليا بريسلي (زوجة المغني الذائع الصيت إلفيس بريسلي) الذي كان الأسترالي باز لورمان قدّم سيرة حياته في فيلم «إلفيس» في العام السابق.

حكاية برسيليا بريسلي في «بريسليا» (أميركان زوتروب)

خلطة

تلك اللمعة التي شوهدت في «مايسترو» و«برسيليا» و«غولدا» ومن قبلها في الأعوام القليلة السابقة «إلفيس»، و«تار»، و«أن نكون ريكاردوس»، و«سيرجيو»، و«حبيبتي فيفيان» جعلت من تلك السّيَر ما يشبه «السوب أوبرا» التلفزيونية (مسلسل تلفزيوني طويل)، وأحياناً، كما الحال في «هيتشكوك»، الذي ادّعى أن المخرج العظيم لم يصوّر «سايكو» بكامله، وكما حال «مانك»، الذي اقترح أن أورسون ويلز لم يكن له أيّ فضل يُذكر حين صنع «المواطن كاين».

الفيلم الذي تحاشى الانحدار بين ما عُرض مؤخراً لهذا المستوى هو فيلم مايكل مان «فيراري»، الذي كانت لديه مشاكل في خانات أخرى منه، لكن ليس من بينها الكثير مما يخرج كثيراً عن التقليد السليم لسرد قصّة حياة في فيلم روائي.

هذا على الصعيد الروائي، لكن عندما يأتي الأمر إلى تقديم شخصيات حقيقية في السينما التسجيلية أو الوثائقية، فإن المشاكل تختلف.

كبداية تختلط المسائل قليلاً بين أفلام تدور عن شخصيات حقيقية، وأخرى في رحى أماكن لا بدّ لها أن تسرد ما له علاقة بشخصيات معيّنة.

هناك فيلم رائع لمخرج اسمه حسن فرحاني بعنوان «143 شارع الصحراء»، ينتمي إلى تلك الأفلام التي تتحدث عن شخصيات حقيقية، لكنه ليس بيوغرافياً، بل تسجيلاً حاضراً لحياته. إنه عن امرأة غير متزوّجة (ولا تأبه لذلك)، تعيش وحيدة في دكانٍ يقع في شارع صحراويّ، تبيع فيه الطعام لمن يريد التوقف بشاحنته أو سيارته لتناول الطعام. ما يوفره الفيلم في نحو ساعة ونصف الساعة هو، متابعة الحياة اليومية لهذه المرأة والاستماع إلى الحوارات التي تدور بينها وبين سائقي الشاحنات غالباً، (هناك مسافرة وحيدة من فرنسا تتوقف لبضع دقائق ثمينة)، وتكوين صنفٍ من الحياة في جوٍ خاصٍ ومثيرٍ للاهتمام. لكن الحدود مغلقة أمام هذا الاختيار. لا يستطيع الفيلم الخروج من موقع المرأة مشهدياً كونه مرتبطاً بها وحدها. وهي لا تسافر ولا تنتقل إلا قليلاً. نلحظ اتكالها على الغيب وعدم انشغالها، (ظاهرياً على الأقل)، بما قد يؤول إليه مستقبلها.

هذا الفيلم من نوع أمد أشهر الأفلام التسجيلية في التاريخ وهو «نانوك الشمال»، حققه روبرت ج. فلاهرتي سنة 1922 عن رجل وزوجته يعيشان فوق ثلوج القطب الشمالي متابعاً حياتهما الصعبة.

الجزء المتعلق بحياة أناسٍ على نحو الإبحار في سير حياتهم ولو لفترة معيّنة يتقدّمها في الأشهر الأخيرة «جاسوس رحيم» (A Compationate Spy)، الذي يكشف عن جاسوس أميركي سرّب للاتحاد السوفياتي خلال الخمسينات، أسراراً مكّنت الروس من بناء سلاحهم النووي. عندما سُئل عن السبب قال، إنه أدرك أن السلاح بيد دولة واحدة خطير، أمّا بيد دولتين فهو خطوة للسلام.

للطّرافة ربما، أن الجاسوس ثيودور هول كان يعمل في «مانهاتن بروجيكت»، الذي كان أوبنهايمر أسّسه وأشرف عليه (ويرد ذكره في فيلم «أوبنهايمر»).

المخرج ستيف جيمس لديه فيلم بديع آخر يدور حول شخصية حقيقية التقطها في الوقت المناسب. الفيلم هو «الحياة نفسها» (Life Itself)، وهي عن حياة الناقد السينمائي روجر إيبرت وعن مهنته التي امتدت لأكثر من 30 سنة وجعلته واحداً من أشهر الأسماء النقدية حول العالم.

عشرة أفلام رائعة تداولت شخصيات حقيقية

1- Andre Roublev ★★★★★ رائعة أندريه تاركوفسكي عن حياة فنان الأيقونات في القرن الـ15 (1966)

2- Bound for Glory ★★★★ عن حياة المغني الأميركي وودي غوثري في فترة البؤس الاقتصادي في الثلاثينات (1976)

3- Capote ★★★★ المؤلف ترومان كابوت مستجوباً قاتلين فعليين لوضع كتابه «في دم بارد» (2005)

4- Coal Miner’s Daughter ★★★★ قصة حياة ابنة عامل منجم لوريتا لين، التي تحوّلت إلى مغنية ناجحة. إخراج مايكل أبتد (1980).

5- Danton ★★★★★ معالجة المخرج أندري فايدا لأحداث ما بعد الثورة الفرنسية وإعدام دانتون لوقوفه ضد ما يدور (1983) 6

- Elephant Man, The ★★★★ فيلم ديفيد لينش الداكن حول رجل ولد بخرطوم وعانى مِن معاملته غير الإنسانية (1983) 7

- The Fog of War ★★★★★ فيلم تسجيليّ عن حياة وزير الدفاع الأميركي روبرت ماكنامارا. إخراج إيرول موريس.

8- Malcolm X ★★★★ معالجة سبايك لي للمعارض مالكولم إكس الذي اعتنق الإسلام ودعا إلى دحر العنصرية (2003) 9

- Pat Garrett and Billy the Kid ★★★★★ الأفضل بين عشرات الأفلام عن الشريف غاريت والمجرم كيد. حققه سام بيكنباه بدفق شعري (1973).

10- Raging Bull ★★★★ دراسة درامية - نفسية من إخراج مارتن سكورسيزي عن الملاكم جيك لاموتا في الحلبة وحياته الخاصة (1980)


مقالات ذات صلة

«مالمو» لتكريم رائد السينما السعودية عبد الله المحيسن

يوميات الشرق المخرج السعودي عبد الله المحيسن (موقعه  الرسمي)

«مالمو» لتكريم رائد السينما السعودية عبد الله المحيسن

يحتفي مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد في دورته السادسة عشرة برائد السينما السعودية عبد الله المحيسن بعد اختياره ليكون الشخصية المكرّمة في المهرجان.

أحمد عدلي (برلين)
سينما «مهرجان برلين» في دورته الـ76... هل يستعيد عصره الذهبي؟

«مهرجان برلين» في دورته الـ76... هل يستعيد عصره الذهبي؟

انطلق مهرجان «برلين السينمائي» في دورته الـ76 ليل الأربعاء، وسط تمنيات بأن تتفوَّق هذه الدورة على سابقاتها.

محمد رُضا (برلين)
سينما شاشة الناقد: فيلمان… ورؤيتان متناقضتان للإنسان والنجاح

شاشة الناقد: فيلمان… ورؤيتان متناقضتان للإنسان والنجاح

تطرح المخرجة سودال في فيلمها الثاني تساؤلاً حول ما إذا كان التواصل ممكناً بين الأوروبيين الذين يعيشون حياة رغيدة ويتمتعون بالمكتسبات الثقافية والاجتماعية،

محمد رُضا (برلين)
خاص مي عودة خلال حضورها مهرجان روتردام (الشرق الأوسط)

خاص مي عودة لـ«الشرق الأوسط»: أنحاز لمشروعات الأفلام المتفردة

أكدت المنتجة والمخرجة الفلسطينية مي عودة أنها تشارك في الدورة الـ76 لمهرجان برلين السينمائي بوصفها منتجاً مشاركاً بالفيلم المصري «خروج آمن» لمحمد حمّاد.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

توفيت الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا، المعروفة بأدوارها في مسلسل «شيتس كريك»، وفيلم «وحدي في المنزل»، نتيجة انسداد رئوي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«مهرجان برلين» في دورته الـ76... هل يستعيد عصره الذهبي؟

المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)
المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)
TT

«مهرجان برلين» في دورته الـ76... هل يستعيد عصره الذهبي؟

المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)
المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)

انطلق مهرجان «برلين السينمائي» في دورته الـ76 ليل الأربعاء، وسط تمنيات بأن تتفوَّق هذه الدورة على سابقاتها. ومع عرض مجموعة جديدة من الأفلام واستقبال ضيوفه من المخرجين والممثلين والمنتجين، يبرز حضورٌ ملحوظ للأفلام العربية.

خلال السنوات العشرين الأخيرة على وجه التحديد، تزايد ظهور الأفلام التي يحققها سينمائيون عرب في المهرجانات الدولية. بعض تلك المهرجانات صغير لم يسمع به كثيرون، لكن هناك أيضاً عدداً من مهرجانات الصَّفين الأول والثاني مثل «لوكارنو»، و«كارلوڤي ڤاري»، و«ڤينيسيا»، و«كان»، و«صندانس»، و«تورنتو»، وبالطبع «برلين»، الذي انطلق قبل يومين بدورة نشطة تستمر حتى 22 من الشهر الحالي.

على عكس المهرجان الفرنسي، لم يعكس مهرجان «برلين» اهتماماً كبيراً بالسينما العربية كافّة. نعم، عرض ليوسف شاهين فيلمه «باب الحديد» سنة 1958، وفي عام 1977 عرض للمخرج المغربي سهيل بن بركة فيلم «عرس الدم»، إلى جانب مختارات متباعدة. لكن في العقدين الأخيرين ارتفعت نسبة عروضه من الأفلام العربية أكثر مما كانت عليه سابقاً. شهدنا على سبيل المثال «نحبك هادي» للتونسي محمد بن عطية (2016)، و«بركة يقابل بركة» للسعودي محمود صبّاغ (2016)، و«تحقيق في الجنة» للجزائري - الفرنسي مرزاق علواش (2017).

العام الحالي، هناك ما يقارب 10 أفلام عربية تتوزع بين المسابقة (فيلم واحد) والأقسام والبرامج الرسمية الأخرى. من بين هذه الأفلام ما ينتمي إلى 4 سينمائيين بـ4 تجارب مختلفة تستحق التعليق، وهم ليلى بوزيد (تونس)، ومحمد حمَّاد (مصر)، ودانيال عربيد (لبنان)، وعبد الله الخطيب (فلسطين).

1- ليلى بوزيد

ليلى بوزيد هي ابنة المخرج التونسي نوري بوزيد، وتختلف عنه في أنها توجّهت في معظم أفلامها إلى الموضوعات العاطفية، في حين أن والدها كان أكثر اهتماماً بالقضايا الشائكة، شخصية كانت (مثل «ريح السد»، 1985) أو اجتماعية عامة (مثل «آخر فيلم»، 2006).

فيلمها الجديد «بصوت منخفض» (À voix basse)، يدور حول الفتاة الشابة (آية بوترعة) التي كانت تعيش حياتها الباريسية كما تريد، لكن مع عودتها إلى تونس لحضور جنازة عمها تجد نفسها محاطة بالتقاليد وبكثير من الأسئلة عن حياتها في العاصمة الفرنسية. بطلات أفلام بوزيد عادة ما يطلبن لأنفسهن ما لا ترضاه لهن التقاليد. هذا هو منوال «على حلّة عيني» (2015) و«مجنون فرح» (2021)، وهذا ما سنشاهده في هذا الفيلم.

2- محمد حمّاد

قبل 10 أعوام تعرَّفنا على المخرج المصري محمد حمّاد عبر فيلمه الممتاز «أخضر يابس» (Withered Green). حكاية شقيقتين تعيشان معاً. اختار المخرج الحديث أساساً عن الشقيقة الكبرى: امرأة فاتها سنّ الشباب وما زالت عزباء، تعمل في محل حلويات. يعبر المخرج عن وحدتها في مشاهد حانية وحزينة، سواء في القطار أو وهي تمشي وحدها فوق الجسر صوب الحي حيث تسكن. تدرك أنها لن تجد لنفسها مستقبلاً آخر، لكن ذلك لا يمنعها من محاولة تأمين زفاف شقيقتها الصغيرة ممن تحب. المشكلة أنهما وحيدتان، ولا يوجد سوى عمّين يمكن أن يمثلا «أهل العروس» إذا وافقا أو استطاعا ذلك.

من «خروج آمن» لمحمد حمّاد (نوماديس إيماجز)

بعد تلك السنوات العشر يُقدّم حمّاد فيلمه الثاني «خروج آمن» (Safe Exit). الموضوع مختلف، إذ يدور حول جريمة قتل وظروفها، ويتشعّب التحقيق إلى نقاط تجمع بين الشأنين الخاص والعام، حيث يحاول البطل معرفة السبب الذي دعا القاتل إلى فعلته، وما إذا كانت الدوافع اجتماعية أم دينية.

4 سينمائيين عرب و4 تجارب مختلفة تستحق التعليق

3- دانيال عربيد

إحدى الممثلات المشاركات في دور رئيس في فيلم «بصوت منخفض» لليلى بوزيد هي الفلسطينية هيام عباس، التي سنراها أيضاً في فيلم دانيال عربيد المعروض في قسم «بانوراما» بعنوان «لمن يجرؤ» (Only Rebels Win)، يعرض جديد المخرجة اللبنانية حكاية حب بين أرملة وحيدة (هيام عباس) وشاب سوداني (محمد أمين بن رشيد). تجد في الشاب، الذي يبحث عن عمل ويعيش في لبنان بلا إقامة شرعية، إشباعاً عاطفياً، في حين يجد هو في علاقتهما نوعاً من الاحتواء والملجأ من الفقر والخوف.

هيام عبَّاس في «بصوت منخفض» (أبوت بردكشنز)

اختارت دانيال منذ فيلمها الأول «معارك حب» (In the Battlefields) (2004)، موضوعات الهوية والعلاقات العاطفية المأزومة نفسياً. بطلاتها، عادة، بين علاقتين وهويّتين وبحثين في الحياة، كما نرى ذلك في «بيزوت أويل» (2011) و«باريسية» (2015) من بين أفلام أخرى. كما نرى ذلك في «بيروت أوتيل» (2011)، و«باريسية» (2015)، من بين أفلام أخرى.

4- عبد الله الخطيب

يأتي هذا الفيلم الفلسطيني في الوقت المناسب كونه يتحدث عن القضية الفلسطينية خلال حرب غزة، وبذلك يشكّل إضافة إلى أفلام حققتها مواهب عربية مثل كوثر بن هنية («صوت هند رجب»)، آن ماري جاسر («فلسطين 36»)، وعرب وطرزان ناصر («حدث ذات مرة في غزة»).

يتحدث فيلم الخطيب، وعنوانه «وقائع زمن الحصار»، عن شخصيات تعيش الوضع السائد في غزة عندما كانت الطائرات تدكّ المواطنين الآمنين بوحشية، وما يرافق ذلك من مخاوف وتحديات.

العنوان لافت، إذ إن المخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب كان قد أخرج سنة 2021 فيلماً تسجيلياً بعنوان مشابه هو «فلسطين الصغرى: يوميات حصار» عن مخيم اليرموك في دمشق والعزلة المفروضة عليه أيام الرئيس السابق بشار الأسد. لم يكن الفيلم جيداً، إذ اكتفى بالعرض مع نفحات من الدعاية الذاتية لشخص المخرج وما يستطيع أن يكشفه لمشاهديه. ليس لأن الموضوع لم يكن مهماً، بل لأن المعالجة بدت استغلالاً لغايات أخرى.


شاشة الناقد: فيلمان… ورؤيتان متناقضتان للإنسان والنجاح

«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬
«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬
TT

شاشة الناقد: فيلمان… ورؤيتان متناقضتان للإنسان والنجاح

«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬
«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬

THE LAST ‪RESORT‬ ★★★

• إخراج:‫ ماريا سودال‬

• الدنمارك | نال ذهبية مهرجان غوتنبيرغ الأخير

تطرح المخرجة سودال في فيلمها الثاني تساؤلاً حول ما إذا كان التواصل ممكناً بين الأوروبيين الذين يعيشون حياة رغيدة ويتمتعون بالمكتسبات الثقافية والاجتماعية، والمهاجرين القادمين من مناطق تعاني الفقر والحروب، وكيف يمكن لهذا التواصل أن يتحقق.

تصل عائلة مكوّنة من 4 أفراد (زوجان وابنتاهما) إلى جزيرة غران كناريا الإسبانية لقضاء عطلة، لا أكثر. لكن عندما يصدم الزوج بسيارته، في ليلة مظلمة، رجلاً أفغانياً، تقع المواجهة الأولى بين من يملك ومن لا يملك شيئاً، وكذلك بين ثقافتين يصعب أن تلتقيا. دنماركيون يعيشون، كسائر الإسكندنافيين، كما يُقدِّمهم الفيلم، في رخاء وابتعاد عن المشكلات الإنسانية، في مقابل فقراء يحاولون البقاء على قيد الحياة وسط ظروف صعبة.

مايكل زوج طيب ومتسامح، ينقل الجريح إلى المستشفى، ويكتشف لاحقاً أن المستشفى اكتفى بتنظيف جروحه ظاهرياً ثم تركه دون معالجة الالتهاب. يدافع عن الأفغاني في وجه موظفي الفندق الذين لا يريدون رجلاً فقيراً غير أبيض البشرة الدخول إلى الفندق. تنمو صداقة محدودة بين مايكل وأحمد، لكنها لا تستمر طويلاً؛ إذ يبدأ الأخير بإزعاج مايكل وعائلته بطلباته المادية. تقع مشاجرة، ثم نهاية مأساوية، وسؤال كبير: هل أخطأ مايكل حين تعاطف مع أحمد بوصفه إنساناً يحتاج إلى رعاية، أم أن أحمد استغل سذاجته وطمع في ماله؟

الأزمة هنا مزدوجة: واحدة بين العائلة وأحمد، وأخرى بين الزوجين. لكن الفيلم لا يتعامل مع هذا الطرح بشكل تقليدي أو نمطي، ومخرجته تدير الأحداث جيداً، باستثناء أنه لا يجيب عن السؤال الأهم الذي يطرحه ضمنياً. وفي النهاية يُلقي باللوم على الإسبان، مقابل تصوير الدنماركيين بوصفهم أكثر تفهّماً للحاجات الإنسانية.

MARTY SUPREME ★

• إخراج:‫ جوش صفدي

• الولايات المتحدة | أحد الأفلام المتنافسة على الأوسكار

«مارتي سوبريم» هو أسوأ فيلم بين كل ما يُعرض في مسابقات الأوسكار. يتناول قصة لاعب بينغ بونغ يُدعى مارتي (يؤدي دوره تيموثي شالاميه) يحقق انتصارات متتالية في هذه الرياضة، وكلَّما فاز ببطولة تضخَّمت نرجسيته وازداد غروره.

كان يمكن للفيلم أن يكون شيئاً مختلفاً. المشكلة ليست في تقنية التنفيذ من مشهد إلى آخر، بل في المفهوم الذي يحمله ويسعى إلى فرضه على المشاهد. المخرج جوش صفدي يقدِّم فيلماً أقرب إلى الاستعراض الذاتي، ومعالجته للحكاية تقوم على مبدأ: «انظروا إليَّ. أنا مخرج بارع».

«مارتي سوبريم» (A24)

في الوقت نفسه يُطبِّق المفهوم نفسه في رسم شخصية بطله: لاعب بينغ بونغ خارق المهارة يؤدي ضربات استعراضية غير منطقية، فيضرب الكرة بقدمه أو من أوضاع غريبة. لم يكن ينقصه سوى أن يضربها برأسه، أو وهو يقرأ كتاباً بعنوان: «كيف تكون نرجسياً لا يحبك أحد وتنجح».

المبدأ نفسه حاضر هنا؛ إذ لا يريد صفدي الاكتفاء بالتباهي بقدراته التي لا تدخل في قاموس الفن (ولا ننسى الإشادات التي أطلقها عليه معظم النقاد)، بل يعالج شخصيته الرئيسية على أساس أنها شخصية فظّة وأنانية، تعمل لمصلحتها وحدها، وتعامل الآخرين كما لو كانوا حشرات. هنا يكمن نصف المشكلة. أمّا النصف الآخر فيتمثل في أنه يطلب من المشاهدين أن يحبّوا هذه الشخصية رغم مساوئها، بل وبسببها أحياناً.

يبدأ الفيلم بمارتي صغيراً يملك صفات مميّزة عن أقرانه، ثم ينتقل من عام 1952 إلى السنوات اللاحقة. يعمل في متجر أحذية، ويقيم علاقة عاطفية مع صديقته في غرفة الأحذية داخل المتجر. لاحقاً يسافر إلى لندن ويرفض الإقامة في فندق صغير، مطالباً بالنزول في فندق «ريتز». يتحقق طلبه لأن السيناريو يريد ذلك، لفتح خط درامي بينه وبين ممثلة خفت بريقها (غوينيث بالترو). ترفض في البداية، ثم تلين عندما تراه يستخدم حذاءه في اللعب. ومن هنا يتوزع الفيلم بين نجاحه في كسبها ونجاحه في المباريات التي لا بد أن يفوز بها، لأنه «مختلف» عن الجميع.

شقيق جوش صفدي هو المخرج بيني صفدي الذي قدّم فيلماً أفضل بعنوان «الآلة الساحقة» (The Smashing Machine)، يؤدي فيه دواين جونسون دور مصارع لا يُشق له غبار. كلا الفيلمين مبني على شخصيات حقيقية، لكن فيلم بيني صفدي يخلو من الإفراط في تمجيد شخصية مغرورة، ويركّز على انحدار بطله، بينما يقدّم فيلم جوش شخصية سيئة، ويطلب من الجمهور التعاطف معها.

الفيلم مستوحى من شخصية حقيقية تُدعى مارتي رايزمان، لكنه يكتفي بحدٍّ أدنى من سرد سيرته؛ لذلك لا يقدّم سيرة ذاتية متكاملة، بل يكتفي باستعارتها وتوظيفها ضمن أحداث خيالية. وهذا مقبول من حيث المبدأ، لأن الفيلم لا يدّعي الالتزام بسيرة شخص بعينه، لكن المعالجة المعتمدة هنا لا تطمح إلا إلى تقديم حكاية ذات غايات دخيلة.

وبما أن الفترة التي تجري فيها الأحداث (الخمسينات) قريبة زمنياً من حقبة زُجّ فيها اليهود في المعسكرات ثم أُرسلوا إلى الأفران، كان يمكن، مثلاً، بناء معالجة تلامس تجربة بعض الناجين وهم يروون ما مرّوا به. وبما أن مارتي يهودي، فلم لا نحشد له كل مقوّمات الفرادة رغم تحميله الصفات الأنانية كلها؟!

في المحصلة، كلما حاول المخرج تلميع شخصيته الرئيسية، زاد نفور المشاهد منها، وكلما سعى إلى صنع فيلم أخلاقي ظاهرياً، قدّم صورة كاريكاتيرية لشخص ربما كانت حياته الحقيقية أكثر قيمة مما ظهر على الشاشة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.