النزوح يفاقم أزمة مياه بورتسودان

المواطنون يشربونها ملوثة... والأوبئة تحاصرهم

لاجئون فارّون من الصراع في السودان يصطفّون مع صفائحهم للحصول على مياه الشرب من نقطة التوزيع التابعة لمنظمة «أطباء بلا حدود» (أ.ف.ب)
لاجئون فارّون من الصراع في السودان يصطفّون مع صفائحهم للحصول على مياه الشرب من نقطة التوزيع التابعة لمنظمة «أطباء بلا حدود» (أ.ف.ب)
TT

النزوح يفاقم أزمة مياه بورتسودان

لاجئون فارّون من الصراع في السودان يصطفّون مع صفائحهم للحصول على مياه الشرب من نقطة التوزيع التابعة لمنظمة «أطباء بلا حدود» (أ.ف.ب)
لاجئون فارّون من الصراع في السودان يصطفّون مع صفائحهم للحصول على مياه الشرب من نقطة التوزيع التابعة لمنظمة «أطباء بلا حدود» (أ.ف.ب)

تظهر ابتسامة كبيرة على وجه طفل صغير عندما يستجيب أحد المارة لطلبه، ويمدّه بقارورة يتأرجح داخلها ماء قليل... عادةً يلوح الأطفال بأيديهم الصغيرة لأصحاب السيارات، ليس طلباً لنقود، ولكن طمعاً بأن يجدوا عندهم أكثر من قارورة ماء... على الأقل واحدة منها مليئة.

... ويستمر البحث عن جرعة الماء منذ الصباح وحتى قبل مغيب الشمس.

ما يقوم به ذلك الطفل، ليس في طريق صحراوية أو منطقة خلوية، بل هو وعدد من أقرانه، منتشرون في طريق تربط القادمين من شمال ولاية البحر الأحمر إلى حاضرتها بورتسودان، حيث مواقع عملهم أو عائدين من رحلات ترفيهية.

فالمدينة الساحلية التي تتكئ على البحر الأحمر، تعاني أزمة مياه مزمنة. ومنذ سنوات تعلو الأصوات الرسمية بوعود حلها من دون جدوى. وزادت الأزمة تعقيداً بعد أن أصبحت عاصمة بديلة للخرطوم غداة الحرب، ولجأ إليها مئات الآلاف من النازحين، الفارين من القتال في مناطقهم.

امرأة وأطفال نازحون من ولاية الجزيرة السودانية ينقلون المياه (أ.ف.ب)

ولا تصل شبكات المياه إلى عدد كبير من منازل المدينة، ولا تعرف أطرافها «صنبور الماء»، وتعتمد بشكل أساس على الماء المجلوب بواسطة عربات نقل المياه (تعرف محلياً بـتانكر) وتقوم بتخزينها في خزانات تحت الأرض، بينما تعتمد المجموعات الأكثر فقراً، على الماء المجلوب بواسطة الدواب (عربات الكارو)، مقابل 1000 – 1500 جنيه سوداني، أي ما يوازي دولاراً أميركياً إلى دولار ونصف الدولار، يومياً.

ووفقاً لإحصائيات غير رسمية، يبلغ عدد سكان مدينة بورتسودان نحو نصف مليون نسمة، يعانون أصلاً شح المياه، ويعتمدون على مياه الأمطار الموسمية التي تخزن في خزانات مثل «خور أربعات»، وعادةً لا تكفي فترة الجفاف. ووعدت حكومات عدة بتزويد المدينة بمياه من نهر النيل من دون جدوى. وتفاقمت الأزمة بعد الحرب ونزوح مئات الآلاف إليها، مائة ألف منهم على الأقل قرّروا الاستقرار فيها، والباقون هم من الذين يطلبون الخدمات الحكومية، أو مغادرة البلاد؛ لأنها المنفذ الوحيد الذي ظل مفتوحاً جواً وبحراً.

مرفأ بورتسودان واجهة السودان على البحر الأحمر (سونا)

ويقول بائع الماء، علي، الملقب بـ«أدروب» في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إنه امتهن بيع الماء منذ 3 سنوات. يستيقظ باكراً لشراء الماء الصالح للشرب من خزانات تجارية، ومن ثم يبيعها لزبائن معتمدين لديه، ويجوب شوارع منطقة القادسية حتى المساء.

ويقول المختص في المياه، محمد أحمد: إن المدينة تعتمد في المياه على «سد خور أربعات»، الذي تبلغ سعته التخزينية نحو 3 ملايين متر مكعب، و«سد خور موج»، لكن في الفترة الأخيرة لم تخزن فيه أي مياه، والخيران هي أنهر موسمية الجريان، وبالمدينة نحو 50 بئراً، تعمل منها الآن 33 لتغذي الخطوط الرئيسية.

وقال نازحون في الولاية يعتمدون على المياه التي تجرّها عربات الدواب (كارو) لـ«الشرق الأوسط»: إن المياه التي يشترونها غير صالحة للشرب، ويميل لونها إلى الأخضر، وفيها أعشاب صغيرة، يمكن استخدامها لأغراض النظافة وغسل الملابس، في حين يضطر آخرون إلى شربها؛ ما يسبب لهم آلاماً في البطن وإسهالات عصية على العلاج.

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان وسط قواته في شرق البلاد (سونا)

وأكدت مسؤولة الطوارئ بوزارة الصحة، ليلي حمد النيل، مزاعم النازحين، وحضّت المواطنين على غلي الماء قبل الشرب، وتابعت: «المياه المنقولة عبر العربات التي تجرها الدواب، تعتمد على المصدر الذي جلبت منه، ومدى نظافة وسيلة النقل، لذلك لابد من مراقبة دورية ورفع الوعي الصحي، والتأكد من معالجة المياه بالكلور».

أما أحمد عمر، وهو من سكان بورتسودان، فقد قال لـ«الشرق الأوسط»: «إن اسم ولاية البحر الأحمر مرتبط بأزمة ماء الشرب، وإن المياه الموجودة فيها صالحة لكل شي إلاّ الشرب». ويتابع: «الولاية عانت وتعاني مشكلة مياه الشرب، رغم أن الحصول على الماء الصالح يعدّ من حقوق الإنسان الأساسية، لكن ولايتنا ظلت ولعهود طويلة تحلم بمياه النيل، وأن تتدفق عليها مثلما يصلها البترول من أقاصي البلاد، وينقل ثانية بعد تصفيته إلى كل ولايات السودان».

وأشار عمر، إلى أن أنظمة الحكم المتعاقبة قدمت لأهل بورتسودان الكثير من الوعود بتوفير المياه، لكنها لم تفِ بوعودها. وأوضح، أن المواطنين يحصلون على المياه من «سد أربعات»، وهي لا تكفي حاجة الولاية، وأضاف: «موجة النزوح الكبيرة التي شهدتها بورتسودان بعد الحرب، ضاعفت من مشكلة عدم توفر المياه».

ويقول خبراء تحدثوا للصحيفة: إن الدراسات العلمية لحل مشكلة مياه بورتسودان لم تجد الاهتمام الكافي؛ لذلك ظلت حبيسة أدراج المسؤولين؛ ما جعل من «مشكلة المياه» عقدة في العلاقة بين الولاية والمركز الحكومي في الخرطوم، وتابعوا: «حين انتقل المركز إلينا، فاقم الأزمة ولم يقدم حلولاً».

أنظمة الحكم المتعاقبة قدّمت لأهل بورتسودان الكثير من الوعود بتوفير المياه... لكنها لم ِبوعودها

مواطن في بورتسودان


مقالات ذات صلة

«قوات الدعم السريع» تتحدث عن تقدمها في معارك بالنيل الأزرق

شمال افريقيا نازحون سودانيون في إقليم وادي فيرا بشرق السودان يوم 27 نوفمبر 2025 (رويترز)

«قوات الدعم السريع» تتحدث عن تقدمها في معارك بالنيل الأزرق

قالت «قوات الدعم السريع» إنها سيطرت على بلدة مقجة بمحلية باو في إقليم النيل الأزرق، بينما اعترفت حكومة الدمازين بتغيُّر في مناطق السيطرة.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا موجات النزوح إلى تشاد تزداد بوتيرة حادة فراراً من الحرب في كردفان والنيل الأزرق (مفوضية اللاجئين)

اشتعال محاور القتال مجدداً في شرق السودان وغربه

سيطر الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه على منطقتي كازقيل وأبو قعود في شمال كردفان، في حين سيطرت «قوات الدعم السريع» على بلدة الكيلي في إقليم النيل الأزرق.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

يعاني كثير من السودانيين صعوبات بالغة في الحصول على الخبز بعد أن أقفلت معظم المخابز أبوابها بسبب ارتفاع أسعار القمح ونقص الوقود

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)

إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

قال ‌مسؤول إثيوبي كبير، الأربعاء، إن إثيوبيا أمرت 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد، في خطوة تعكس مزيداً من ​التدهور في علاقات البلدين.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
شمال افريقيا نساء يصطففن في الطابور قبل بدء عملية توزيع الطعام (الشرق الأوسط)

توقف المطابخ الخيرية يهدد آلاف الأسر بالجوع في الخرطوم

اضطرت عشرات التكايا (مطابخ خيرية) التي توفر الوجبات لآلاف الأسر في الخرطوم، إلى التوقّف عن العمل كلياً، أو تقليص نشاطها؛ بسبب نقص الدعم من المنظمات والخيِّرين.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

مصر تعيد فتح سفارتها في العاصمة الليبية بعد 12 عاماً من إغلاقها

جانب من مراسم إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)
جانب من مراسم إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)
TT

مصر تعيد فتح سفارتها في العاصمة الليبية بعد 12 عاماً من إغلاقها

جانب من مراسم إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)
جانب من مراسم إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)

أعادت مصر، السبت، فتح سفارتها في العاصمة الليبية طرابلس بعد إغلاقها في عام 2014 على وقع الانقسام السياسي وأعمال العنف المرتبطة به.

وافتتح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مقر السفارة، عقب وصوله إلى طرابلس في وقت سابق من اليوم حيث شارك أيضاً في دورة لتجمع دول الساحل والصحراء.

وقال عبد العاطي، في مؤتمر صحافي، إن إعادة فتح مقر السفارة «يعكس عمق العلاقة والترابط التاريخي والجغرافي الذي يجمع بين الشعبين الشقيقين».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي لدى إعادة افتتاح مقر سفارة بلاده في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)

وتسعى ليبيا إلى التعافي من الفوضى التي أعقبت إطاحة حكم معمر القذافي عام 2011.

وتتنافس حكومتان حالياً على السلطة، إحداها في طرابلس تحظى باعتراف الأمم المتحدة ويقودها رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، وحكومة منافسة لها في الشرق مدعومة من المشير خليفة حفتر.

ووفق بيان للمتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، أشار عبد العاطي خلال الاحتفال إلى ما تحمله إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية التاريخي في طرابلس من دلالة تاريخية ودبلوماسية، منوهاً بأن مواصلة استخدامه كمقر للسفارة المصرية يمنح تاريخه امتداداً حياً، يجمع بين أصالة المكان ومتطلبات الحاضر وتطلعات المستقبل، وبشرى لاستئناف أداء رسالته كأحد جسور التعاون والتنسيق المتواصلين بين الدولتين الشقيقتين.

جانب من مراسم إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)

وأضاف عبد العاطي أن هذا المبنى التاريخي يمثل جزءاً لا ينفصل عن ذاكرة مدينة طرابلس بما تتمتع به من عمق تاريخي ومكانة ثقافية، فهو شاهد على تاريخها السياسي والدبلوماسي، كما تلتقي قيمته التاريخية مع ما تحمله العلاقات المصرية - الليبية من أواصر إنسانية وثقافية راسخة. وأوضح أن المباني التاريخية لا تحفظ ملامح الماضي فحسب، بل تستحضر أيضاً ما شهدته من أحداث، وما احتضنته من لقاءات، فضلاً عما تمنحه للأجيال المتعاقبة من فرصة للتعرف على محطات من تاريخ بلادها، وعلاقاتها بالعالم.

تأتي إعادة فتح السفارة بعد أسابيع من مصادقة البرلمان الليبي في بنغازي بشرق البلاد، على اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع تركيا، وهو ما أثار غضب القاهرة التي اعتبرت أن الاتفاقية تنتهك منطقتها البحرية.

وأعرب وزير الخارجية المصري عن الشكر والتقدير للدعم الذي قدمته الدولة الليبية وأجهزتها لإتمام أعمال صيانة وتجديد المبنى، منوهاً بأن العلاقات بين مصر وليبيا علاقات تاريخية وأخوية، لطالما استندت إلى روابط الجوار المباشر، والتشابكات الاجتماعية والثقافية، ووشائج الأخوة والمصاهرة، والمصالح المشتركة.


مصر تجدد تمسكها بموقفها القانوني من «مذكرة التفاهم» الليبية - التركية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس (الخارجية المصرية)
TT

مصر تجدد تمسكها بموقفها القانوني من «مذكرة التفاهم» الليبية - التركية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس (الخارجية المصرية)

جددت مصر تمسكها بموقفها القانوني من «مذكرة التفاهم البحرية»، الموقعة بين ليبيا وتركيا، مؤكدةً ضرورة مراعاة شواغلها بشأن ترسيم الحدود البحرية، وفق قواعد القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وبما يحفظ مصالح البلدين.

وجاء الموقف المصري على لسان وزير الخارجية بدر عبد العاطي، خلال لقائه رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، في طرابلس، السبت، على هامش مشاركته في أعمال الدورة الثانية والعشرين للمجلس التنفيذي لتجمع دول الساحل والصحراء.

وترفض مصر مصادقة مجلس النواب الليبي على الاتفاقية البحرية مع ‌تركيا، وأكدت عبر مواقف وتصريحات متعددة أن ‌التصديق ⁠على الاتفاقية ​لا يترتب عليه «أي ⁠آثار قانونية بالنسبة لمصر».

وحسب بيان لوزارة الخارجية المصرية، شدد عبد العاطي على أهمية مراعاة الشواغل المصرية في مسألة ترسيم الحدود البحرية، انطلاقاً من «العلاقات التاريخية والأخوية بين البلدين الشقيقين، ووفق قواعد القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وبما يحقق مصالح البلدين الشقيقين، وهو ما تم التوافق عليه».

من جهته، أعلن الدبيبة أن «اللجنة المشتركة الليبية - المصرية» ستجتمع لمناقشة ملف الحدود البحرية، وقال في تصريحات لقناة «القاهرة الإخبارية»: «من يمتلك خرائط يقدمها، وهذا أمر صحي أن نتحاور ونتناقش، أما القرارات الفردية والتعنت فلن يصل بنا إلى أي نتيجة تخدم مصالح البلدين المشتركة».

وتأتي التصريحات في أعقاب موافقة مجلس النواب الليبي، خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، على مذكرة التفاهم الموقعة بين طرابلس وأنقرة عام 2019، وهي الخطوة التي أثارت اعتراضات مصرية ويونانية وقبرصية، إلى جانب مواقف أوروبية منتقدة للاتفاق في مراحل سابقة.

وسبق أن أكد الدبيبة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي حرص حكومته على مراعاة الشواغل المصرية بشأن المذكرة، وذلك بعد أيام من إعلان القاهرة رفضها تصديق مجلس النواب الليبي على الاتفاق، بما يعكس استمرار حضور الملف في العلاقات بين البلدين.

وفي سياق متصل، تناولت مباحثات عبد العاطي والدبيبة تطورات الأزمة السياسية الليبية، إذ جدد الوزير المصري تمسك بلاده بالحل السياسي باعتباره المخرج الوحيد للأزمة، من خلال حوار شامل بملكية وقيادة ليبية، يستند إلى توافق وطني واسع.

وأكد عبد العاطي، حسب البيان، ضرورة الالتزام بمرجعيات الحل السياسي، في مقدمتها اتفاق الصخيرات، بعيداً عن الإملاءات والتدخلات الخارجية، وصولاً إلى تسوية سياسية تحفظ وحدة ليبيا وتصون مؤسسات الدولة وتدعم توحيدها، بما يضع حداً للانقسام القائم.

وتشهد ليبيا انقساماً سياسياً بين حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة، ومقرها طرابلس، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد، التي تدير مناطق في شرق البلاد وأجزاء من جنوبها، ضمن نطاق نفوذ الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر.


الأمم المتحدة تُمهد لحوار سياسي موسّع في ليبيا

المبعوثة الأممية لدى توقيع اتفاق «4+4» بين أطراف الصراع في ليبيا نهاية أغسطس الماضي (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى توقيع اتفاق «4+4» بين أطراف الصراع في ليبيا نهاية أغسطس الماضي (البعثة الأممية)
TT

الأمم المتحدة تُمهد لحوار سياسي موسّع في ليبيا

المبعوثة الأممية لدى توقيع اتفاق «4+4» بين أطراف الصراع في ليبيا نهاية أغسطس الماضي (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى توقيع اتفاق «4+4» بين أطراف الصراع في ليبيا نهاية أغسطس الماضي (البعثة الأممية)

وضعت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا مسار الحوار السياسي المصغر أمام اختبار مهم، بعد التلويح بإمكانية توسيع دائرة المشاركين في العملية السياسية، إذا لم تحقق لجنة «4+4» تقدماً ملموساً في تنفيذ تفاهماتها، وسط استمرار الانقسام المؤسسي، وتعثر التوافق على الانتخابات.

ويعكس هذا التوجه تمسّك المبعوثة الأممية هانا تيتيه بالاتفاق، الذي توصلت إليه اللجنة المصغرة في 30 أغسطس (آب) الماضي، لكنه يكشف في الوقت ذاته عن «استعداد البعثة للبحث عن بدائل سياسية، إذا أخفقت الأطراف المعنية في تحويل التفاهمات إلى خطوات عملية».

وكانت اللجنة قد توصلت، بعد أشهر من المشاورات، إلى تفاهمات بشأن المسار الانتخابي، حظيت بدعم أطراف ليبية ودولية، غير أن تنفيذها لا يزال يواجه تحديات مرتبطة بمواقف المؤسسات السياسية، واستمرار الخلافات بشأن القواعد المنظمة للانتخابات والحكومة الموحدة.

وفي ختام زيارة إلى بنغازي، قالت تيتيه، في تصريحات متلفزة، مساء الجمعة، إن البعثة تعمل مع الأطراف المعنية لاتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذ الاتفاق، والتوصل إلى حكومة موحدة تمهد لإجراء الانتخابات، مؤكدة مواصلة متابعة مسار «4+4»، باعتباره المدخل الحالي للعملية السياسية.

وربطت المبعوثة الأممية الخطوات المقبلة بتقييم مدى التقدم المحرز في تنفيذ التفاهمات، محذرة من أن «عدم تحقيق النتائج المطلوبة قد يدفع البعثة إلى البحث عن مسارات أخرى، من بينها عقد اجتماع سياسي موسع، يضم أطرافاً تتجاوز المشاركين في الحوار المصغر».

من جلسة مجلس الأمن الأخيرة حول الأزمة السياسية في ليبيا (المجلس)

وحسب مراقبين «يحمل هذا التلويح رسالة إلى المؤسسات والقوى الليبية بأن استمرار الرهان الأممي على اللجنة المصغرة ليس مفتوحاً بلا سقف زمني أو سياسي»، وأن تعثر تنفيذ التفاهمات «قد يُعيد طرح فكرة توسيع قاعدة المشاركة في المفاوضات، بحثاً عن مخرج للأزمة».

وجاءت تصريحات تيتيه بعد قرار مجلس الأمن تمديد ولاية البعثة الأممية عاماً إضافياً، حتى 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2027، في خطوة أكدت «استمرار الدعم الدولي للمسار السياسي، وشجعت البعثة على تعزيز حضورها واتصالاتها في شرق ليبيا وجنوبها، دعماً لتوحيد المؤسسات».

وفي هذا السياق، أجرت تيتيه سلسلة لقاءات مع قيادات سياسية وعسكرية في بنغازي، ركزت على فرص تنفيذ التفاهمات الأخيرة، وتوحيد مؤسسات الدولة، ودعم إجراء الانتخابات، في مسعى لتوسيع قاعدة التأييد السياسي والمؤسسي للاتفاق.

وناقشت المبعوثة الأممية مع الفريق صدام حفتر، نجل ونائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، ما وصفته بالتقدم المحرز في إطار الحوار المصغر، والخطوات المطلوبة لتنفيذ اتفاق اللجنة المعروفة باسم «4+4»، وفق بيان صادر عن البعثة.

تيتيه خلال لقاء مع رئيس مجلس النواب الليبي الصالحين عبد النبي الأسبوع الماضي (مجلس النواب)

كما التقت رئيس مجلس النواب الصالحين عبد النبي، في أول لقاء بينهما، وهنأته على انتخابه، مؤكدة استعداد الأمم المتحدة للعمل من كثب مع المجلس، ومختلف المؤسسات الليبية لدفع العملية السياسية وإجراء الانتخابات.

وكان رئيس مجلس النواب قد دعا الأمم المتحدة إلى الاضطلاع بدور أكثر فاعلية في التعامل مع الأطراف المعرقلة، مشيراً إلى أهمية توحيد المؤسسات السيادية والرقابية والقضائية، باعتبار ذلك جزءاً أساسياً من أي تسوية سياسية مستدامة.

وفي موازاة المسار السياسي، شملت لقاءات تيتيه اجتماعاً مع المدير العام لصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، بلقاسم حفتر، تناول فرص التعاون في مجالات التنمية المستدامة، وإعادة بناء البنية التحتية، في ظل ارتباط مشروعات الإعمار باستقرار المؤسسات وتوحيد إدارتها.

كما زارت تيتيه جامعة بنغازي، واطلعت على جهود إعادة إعمار المؤسسة التعليمية، وبحثت فرص التعاون مع الأمم المتحدة والأوساط الأكاديمية الليبية. ووضعت إكليلاً من الزهور على ضريح عمر المختار، مشيدة بإرثه بوصفه رمزاً للوحدة الوطنية.

صدام حفتر (أ.ف.ب)

وتأتي تحركات تيتيه في بنغازي امتداداً لمشاورات أممية شملت لقاءات مع أطراف سياسية ومؤسسات ليبية، واجتماعات الحوار المصغر في لندن أخيراً، التي تناولت توسيع المشاورات بشأن توحيد المؤسسة القضائية، بما يعكس اتساع الملفات المطروحة أمام مسار التسوية السياسية.