الروس يحولون قاعدة {حميميم} السورية إلى خلية نحل عسكرية

عمليات القوات المسلحة الروسية تعكس التطور الكبير في تجهيزها وتأهيلها.. واستفادوا من مرحلة حربي الشيشان الأولى والثانية

طائرة نقل تابعة لسلاح الجو الروسي لحظة هبوطها في قاعدة حميميم الجوية قرب مدينة اللاذقية (أ.ب)
طائرة نقل تابعة لسلاح الجو الروسي لحظة هبوطها في قاعدة حميميم الجوية قرب مدينة اللاذقية (أ.ب)
TT

الروس يحولون قاعدة {حميميم} السورية إلى خلية نحل عسكرية

طائرة نقل تابعة لسلاح الجو الروسي لحظة هبوطها في قاعدة حميميم الجوية قرب مدينة اللاذقية (أ.ب)
طائرة نقل تابعة لسلاح الجو الروسي لحظة هبوطها في قاعدة حميميم الجوية قرب مدينة اللاذقية (أ.ب)

تنطلق الطائرات الحربية الروسية المحملة بالقنابل الخارقة للتحصينات هادرةً في سماء سوريا، في حين يمرّ العسكريون الروس ذوو السترات العسكرية الخضراء بالقرب من صف من المساكن الجميلة في القاعدة العسكرية الروسية، داخل مجمع مطار حميميم العسكري أحد أكبر المطارات السورية في البلاد.
وحسب تقرير أوردته وكالة {أسوشيتدبرس} فإن الحملة الجوية في سوريا، وهي أول عمل عسكري تنفذه روسيا خارج حدود الاتحاد السوفياتي السابق منذ حربه الأخيرة في أفغانستان، تُظهر الجيش الروسي بعد تجديده، وهو هنا يبدو مختلفًا اختلافًا كبيرًا من حيث القدرات والعقلية العسكرية عما كانت عليه الآلة العسكرية السوفياتية القديمة. فلقد صار الجيش الروسي قادرًا على عرض القوة بسرعة كبيرة بعيدًا عن الحدود الوطنية الروسية، وبات يستخدم الطائرات من دون طيار (الدرون) على نطاق واسع مع الأسلحة الدقيقة، في ظل مراعاة راحة الضباط والجنود.
والواقع، أنه لا يمكن سماع هدير الحرب الأهلية السورية في حميميم، تلك القاعدة – المطار التي تطل على البحر في محافظة اللاذقية الساحلية، والتي ظلت إلى حد كبير بعيدة عن الفوضى والدمار على مدار أكثر من أربع سنوات ونصف السنة من القتال الدائر في مختلف أنحاء سوريا.
لقد زارت مجموعة صغيرة من المراسلين الأجانب القاعدة الجوية الروسية خلال هذا الأسبوع وشاهد أفرادها عشرات القاذفات من طراز «سوخوي سو - 24» وهي تقلع أثناء الليل وهديرها يصم الآذان، منطلقة في الظلام مع ألسنة اللهب القرمزية المنبعثة من محركاتها النفاثة. كانت مثل هذه المهام تعد مستحيلة قبل بضع سنوات قليلة. فيومذاك كانت القوات الجوية الروسية لا تملك إلا بضع طائرات معدودة قادرة على ضرب الأهداف أثناء الليل. غير أن سلاح الجو الروسي، كجزء من برنامج التحديث العسكري الكبير، الذي أمر به واعتمده الرئيس فلاديمير بوتين، تسلّم مئات الطائرات الجديدة والحديثة، مزوّدة كلها بأحدث الأجهزة الإلكترونية فباتت هذه الطائرات الحربية المتطورة تقف على قدم المساواة مع نظيرتها الأميركية وتلك التابعة لدول حلف شمال الأطلسي (ناتو).
الجنرال إيغور كوناشينكوف، المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الروسية، يقول شارحًا «كل الطائرات في القاعدة (حميميم) مجهزة بأنظمة الاستهداف التي تسمح بضرب الأهداف بدقة متناهية». وفي مجال آخر، نفى كوناشينكوف ما اعتبره «مزاعم المعارضة السورية بأن الغارات الجوية الروسية تستهدف المدنيين وتلحق بهم إصابات»، ووصفها بأنها «محض هراء وهذيان». وتابع كلامه قائلاً إن «الطائرات لا تستهدف إلا مستودعات الذخيرة والتحصينات وغيرها من الأهداف البعيدة كل البعد عن المناطق المأهولة بالسكان».
من ناحية ثانية (في نطاق الحرب الإعلامية الحالية) أصدرت وزارة الدفاع الروسية مقطع فيديو من قمرة قيادة إحدى الطائرات الحربية لدعم مزاعمها السالفة الذكر، تماما كما فعلت وزارة الدفاع الأميركية أثناء حربي الخليج الأولى والثانية.
من جانب آخر، تختلف الضربات الجوية الدقيقة هذه المرة في سوريا، عن ضربات سلاح الجو الروسي إبان حربي الشيشان الأولى والثانية، فحينذاك كان الجيش الروسي يستخدم بشكل عشوائي الأسلحة غير الدقيقة التي عفا عليها الزمان، مما أدى إلى دمار كبير في العاصمة الشيشانية غروزني.
هنا، توفر محافظة اللاذقية، وهي معقل عائلة الرئيس السوري بشار الأسد العلوية، بيئة آمنة للجيش الروسي - وكذا يلقى العسكريون الروس ترحيبًا حارًا من المواطنين الذين يطلقون نفير سياراتهم ابتهاجًا وفرحًا ويهتفون «شكرا» باللغة الروسية إلى الضباط والجنود في القاعدة. وفي معسكر للاجئين في اللاذقية، يضم الآلاف من اللاجئين من الطائفة العلوية النازحين من محافظات سوريا أخرى، يهتف الأطفال السوريون الصغار «شكرًا بوتين!» ويرحب السكان بحرارة وعلى مسافة آمنة من حدود القاعدة بالعسكريين الروس العاملين في القاعدة الجوية بحميميم، التي تبدو هادئة ومريحة.
مع هذا، لا يزال الجيش الروسي يدير نقاط التفتيش مع قوات الأمن السورية فيتفحص المركبات المارة، وتتولى القوات الخاصة حراسة المرافق المهمة، وتحوم سفن «إم 24» الحاملة للهليكوبترات حول القاعدة في دوريات منتظمة رصدًا لأي نشاط مشبوه. كذلك شهدت المنطقة نصب نظام الدفاع الجوي «بيتسار» على أطراف مهبط الطائرات لتكتمل فقاعة الأمن. ومن جهة ثانية، يزهو العسكريون الروس داخل القاعدة بزيهم المموّه الجديد وأحذيتهم المرتفعة ذات اللون القريب من لون الرمال، في تضارب شديد مع اللون الرمادي الفاقع الذي يميّز الزي السوفياتي الذي ظل مستخدما حتى زمن قريب.
هذا، وتدعم القوات الجوية الأطقم التي تعمل على وضع القنابل الثقيلة والصواريخ تحت أجنحة الطائرات، ويرتدي جنودها سراويل قصيرة وأحذية رياضية حديثة مريحة في طقس حار يختلف كليا عن طقس روسيا الذي يقترب من 30 درجة مئوية. مع الإشارة إلى أنه في الأيام الاعتيادية، تقوم الطائرة الواحدة بعدة غارات على مدار الليل والنهار.
كوناشينكوف، بما يخصه، لم يبد اهتماما يذكر بالانتقادات الأميركية التي ركزت على انتقاد استهداف الروس الجماعات المعارضة المعتدلة المناهضة للأسد بدلاً من استهداف تنظيم داعش، الذي كان الهدف الرئيس الذي أعلنه الكرملين. وقال كوناشينكوف في تصريح صحافي «لا يوجد فرق بين هذا العدد الوافر من الجماعات المسلحة التي تمتلك قدرات لتصنيع الأحزمة الناسفة وقنابل لتفجير الشاحنات في العمليات الانتحارية، كلهم يعتبرون أهدافا للطائرات الروسية».
ولكن بعيدًا عن المواقف السياسية، وفي تحديث جديد للتقاليد العسكرية الروسية القديمة، يراعى المخططون في قاعدة حميميم الجوية توفير الراحة للجنود، على غير المعتاد في العسكرية الروسية التي لا تبالي كثيرا براحة جنودها. وتشتمل الوحدات السكنية المتراصة التي يسكنها من شخصين إلى ثمانية أشخاص، حسب الرتبة، على أجهزة تكييف للهواء، الذي يعتبر ضروريًا في مثل هذا الطقس الحار، بالإضافة إلى وحدات للاستحمام. وبدا المطبخ والمقصف نظيفين إلى حد كبير، وهذا أيضًا مشهد غير مألوف لكل من يعرف الأسلوب القديم الفظ الذي طالما اتصفت به العسكرية الروسية.
المقدم آلكساندر يوفيكيموف تحدث بحماسة عن نظام تنقية الماء المتعدّد الذي يقوم بتنقية ماء الصنبور السوري ليصل إلى أعلى المعايير القياسية ليمنع أي تهديد بعدوى بكتيرية أو كيميائية. وقال للصحافيين «تذوقوها من فضلكم، فطعمها جيد». وبالنسبة للطعام، يتولى مخبز القاعدة العسكرية بعمل الخبز للجنود ويقوم المطبخ بطهي وجبات بسيطة لكنها تحاكي تقاليد المطبخ الروسي. كذلك يعرض متجر الجيش الهدايا، ومستحضرات التجميل، والملابس، بينما يبيع مقهى قريب الحلوى والكعك والمثلجات (الآيس كريم) المجلوبة من روسيا.
كوناشينكوف، المحارب القديم الذي حارب في الشيشان وفى مناطق أخرى شهدت صراعات ما بعد الاتحاد السوفياتي، يحرص على الإشارة إلى التطور الذي حققته العسكرية الروسية. فيوضح «تَذَكّر الشيشان، حيث تغطى كل شيء بالأوساخ»، مشيرا إلى أراضي القاعدة المرصوفة حديثًا التي تحافظ على نظافة الزي الرسمي والوحدات السكنية.
أما الضباط الآخرون في القاعدة فيبدون مرتاحين لتصميمها الهادئ وخدماتها اللوجيستية المدروسة جيدًا، التي تعكس العناية الشخصية من جانب وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، الذي يبدو أنه يحظى بشعبية واسعة النطاق في صفوف الجنود، بعكس سلفه أناتولي سيرديوكوف.
وللعلم، سيرديوكوف، الذي تلقى أوامر بوتين بتنظيم الجيش المتضخم، والذي كان يعاني من نقص التمويل بعد الحرب الروسية – الجورجية عام 2008، اضطر لإجراء تقليصات واقتطاعات حادة مؤلمة بجانب بعض التغييرات الجذرية الأخرى، لكنه أُقيل في نهاية المطاف وسط تذمر أفراد الجيش. وبعدها، رحب الجيش بتعيين شويغو، الذي كان قد شغل منصب وزير الطوارئ الروسي لعقدين من الزمن، وحاز على سمعة بأنه واحد من ضمن عدد قليل من المسؤولين الذين يمكنهم إنجاز الأمور على أرض الواقع.
وحقًا، طوّر شويغو، الذي انضم أخيرًا إلى «دائرة بوتين الداخلية»، علاقات شخصية قوية مع الرئيس، حتى أنهما ذهبا في رحلة صيد معًا. ويبدو أن وزير الدفاع الحالي هو الآن أحد المسؤولين القلة الذين يثق بوتين بهم بشكل خاص.
الإنفاق على الجيش ازداد تحت قيادة شويغو، بتمويل المئات من الطائرات والصواريخ الحربية الجديدة، والتكليف بتصنيع الكثير من الأسلحة الجديدة الأخرى. وأجرت القوات المسلحة الروسية سلسلة من المناورات الضخمة، تضمنت إشراك مئات الآلاف من القوات، ومئات الطائرات الحربية، في مناطق شاسعة، تبدأ من البلطيق إلى المحيط الهادي، ومن بحر قزوين إلى القطب الشمالي. أتت تلك المناورات ثمارها عندما تحرّك بوتين نحو ضم شبه جزيرة القرم. ففي غضون ساعات، نقل سرب من طائرات النقل الروسية القوات الخاصة التي حاصرت سريعًا القوات الأوكرانية في قواعدها دون الاضطرار لإطلاق رصاصة واحدة. واندهش الغرب من هذه العملية السريعة.
وبعكس الماضي، عندما دفع انهيار الجيش في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفياتي الكرملين للاعتماد على الأسلحة النووية بشكل متزايد، تزداد ثقة الكرملين اليوم في قدرات قواته التقليدية. ولقد كان الهدف من الانتشار السريع لقوة كبيرة العدد عن طريق البحر والجو – وهي حملة جوية قصفت العشرات من الطائرات خلالها الأهداف بلا هوادة على مدار الساعة لمدة أسابيع، بجانب إطلاق صواريخ «كروز» بعيدة المدى من بحر قزوين – هو إرسال رسالة واضحة مضمونها «يمكن للجيش الروسي أن ينافس القدرة التشغيلية لمنافسته الولايات المتحدة».
وخلال تصريحات أخيرة، أوضح بوتين أن إطلاق 26 صاروخ «كروز» (تسياري) من القطع البحرية الروسية في بحر قزوين على أهدف في سوريا التي تبعد 1500 كيلومتر، بمثابة إشارة للولايات المتحدة بأن روسيا قادرة أيضًا على شن ضربات قوية مماثلة. وحول قول وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إن أربعة صواريخ من الصواريخ الـ26 سقطت في إيران، تجاهل الجنرال كوناشينكوف الأمر، لكنه رد مع ابتسامة تهكمية «إذن لا بد وأن كل تلك الأهداف (في سوريا) انفجرت جميعها من تلقاء نفسها»، مُصرًّا على أن كل تلك الصواريخ أصابت أهدافها.



هل يعزز حديث السيسي والشرع «الودي» في قبرص تقارب البلدين؟

السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

هل يعزز حديث السيسي والشرع «الودي» في قبرص تقارب البلدين؟

السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

أعاد حديث وصفته وسائل إعلام مصرية وسورية بأنه «ودي» بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره السوري أحمد الشرع، مسار علاقات البلدين للواجهة مجدداً.

وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن «العلاقات التي شهدت تفاهمات اقتصادية ومساعي مصرية للمشاركة في إعادة إعمار سوريا، سيدفعها اللقاء (الودي) خطوة للأمام في مسار الشراكة، ويعزز فرص التقارب بصورة أكبر». وأشار الخبراء إلى «وجود تحديات يجب تجاوزها لتوسيع العلاقات».

وأفادت وسائل إعلام بالقاهرة ودمشق بأن «حديثاً ودياً» جرى بين الرئيس المصري ونظيره السوري، في «قمة قبرص»، الجمعة، لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون العربي الأوروبي.

وتقدم ذلك المشهد على لقطات أخرى حاولت حسابات بمنصات التواصل وصفها بأنها «تجاهل»، بعدما ادعت أنه «لم يبادر أي منهما بالتحدث إلى الآخر على الرغم من جلوسهما جنباً إلى جنب في الاجتماع».

في حين بادر الإعلامي المصري، عمرو أديب عبر برنامجه على قناة «إم بي سي مصر»، مساء الجمعة، بنفي «هذه الادعاءات حول التجاهل»، قائلاً: «جرت الأمور بشكل طبيعي، وتحدثا الرئيسان معاً، لا سيما عند التقاط الصورة التذكارية».

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد حجازي، يرى أنه «في لحظة إقليمية شديدة السيولة، لم يكن الحديث الودي الذي جمع بين الرئيس السيسي ونظيره السوري على هامش لقاء قبرص مجرد لقطة بروتوكولية عابرة، بل يمكن قراءته باعتباره تعبيراً دقيقاً عن دبلوماسية الإشارة الإيجابية التي تلجأ إليها الدول حين تكون المسارات مفتوحة، ولكنها لم تنضج بعد إلى مستوى التحولات الاستراتيجية الكاملة».

القادة عقب «الاجتماع التشاوري» في قبرص الجمعة (الرئاسة المصرية)

وبحسب حجازي، فإن «الانتقال من صورة يُفهم منها التباعد أو التجاهل إلى مشهد حوار مباشر وودي، يعكس وجود إرادة سياسية لتفادي أي انطباع عن العزلة أو القطيعة، ويؤكد أن قنوات الاتصال بين القاهرة ودمشق مفتوحة وتسير إيجاباً نحو الأمام، وأنها لم تنقطع يوماً، بل تعمل بهدوء وإيجابية بعيداً عن الأضواء».

ويتابع: «قد لا يكون الحديث الودي نهاية المطاف؛ لكنه بالتأكيد ليس تفصيلاً هامشياً، بل خطوة وإشارة إيجابية محسوبة في طريق طويل نحو إعادة صياغة علاقة تاريخية، تظل قابلة للتقدم؛ ولكن وفق إيقاع الحذر الاستراتيجي».

ووفق رأي أستاذ العلاقات الدولية السوري، عبد القادر عزوز، فإن «الحديث الودي الذي جرى في قبرص، كان تعبيراً عن إدراك ووعي كبيرين من القيادة السياسية في كلا البلدين بأهمية العلاقات السورية - المصرية المشتركة، خاصة أنها كانت، عبر التاريخ، بمثابة صمام أمان للأمن القومي العربي والأمن الإقليمي على حد سواء».

ويوضح أن «التنسيق السوري - المصري يلعب دوراً كبيراً في تحقيق استقرار المنطقة، خاصة في ظل ما تشهده الساحة الإقليمية حالياً»، ويتوقع أن «يؤدي ذلك إلى تعزيز التقارب والعمل على معالجة أي خلافات أو مشكلات قائمة بين البلدين».

ومنذ سقوط بشار الأسد، بدت العلاقات المصرية - السورية في التحرك نحو اتصالات ثنائية وتعاون اقتصادي في قطاع الغاز، قبل تفاعلات الحديث الودي في قبرص بين رئيسي البلدين.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، استضافت دمشق «ملتقىً اقتصادياً واستثمارياً» مشتركاً بين البلدين، بعد أيام من توقيع البلدين مذكرتي تفاهم في مجال الطاقة، «للتعاون في توريد الغاز المصري إلى سوريا، بهدف توليد الكهرباء».

الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

كما التقى السيسي، الشرع، على هامش القمة العربية الطارئة بالقاهرة في مارس (آذار) 2025، بعد سلسلة خطوات اتخذتها القاهرة تجاه دمشق، أبرزها دعوة من الرئيس المصري لنظيره السوري لحضور القمة، عقب تهنئته بالمنصب الرئاسي في فبراير (شباط) 2025، بخلاف اتصالات ولقاءات متكررة بين وزيري خارجية البلدين.

ويرى حجازي أن «هذا التطور لا يأتي من فراغ، بل يندرج ضمن مسار تدريجي شهد خلال العامين الماضيين مؤشرات متراكمة على إعادة اختبار العلاقة بين البلدين، سواء عبر الاتصالات الرسمية أو بوادر التعاون الاقتصادي المحدود».

غير أن هذا المسار، وفق حجازي، «يظل محكوماً بجملة من التحديات المعقدة، في مقدمتها طبيعة التحولات داخل سوريا نفسها، كما يظل ملف التنظيمات المسلحة والتوازنات الأمنية داخل سوريا عنصراً حاسماً في أي انفتاح مصري أعمق؛ إذ لا يمكن فصل التقارب السياسي عن ضمانات الاستقرار الأمني».

ورغم هذه التحديات، شدد حجازي على أن «معادلة الفرص تبدو حاضرة بقوة، مع إدراك متزايد بأن إعادة دمج سوريا في الإطار العربي تمثل مصلحة مشتركة، ليس فقط لسوريا، بل أيضاً لإعادة التوازن إلى الإقليم وتقليص أدوار القوى غير العربية، بخلاف ملف إعادة إعمار سوريا بوصفه مدخلاً عملياً للتعاون بما تمتلكه مصر من خبرات».

وبحسب عزوز، فإنه «لو لم يصل البلدان بعد إلى مرحلة تصفير المشكلات من خلال الحوار المباشر، فعلى الأقل يجب أن يكون هناك نوع من تحييد الخلافات، خاصة أنها ليست جوهرية في مسيرة العلاقات السورية - المصرية المشتركة، في ظل وجود فرص كبيرة للتطوير رغم التعقيدات الدولية بعد حرب إيران».

ودعا إلى «تجسير مزيد من التواصل بين أجهزة الدولة في كلا البلدين، بما يخدم الأمن والاستقرار في المنطقة ومصلحة الشعبين السوري والمصري، وتطوير هذه العلاقات في مختلف المجالات، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادية».


مصر تُشدد على وقوفها مع دول الخليج لمواجهة أي تحديات تستهدف أمنها

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُشدد على وقوفها مع دول الخليج لمواجهة أي تحديات تستهدف أمنها

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

شدّدت مصر على وقوفها مع دول الخليج في مواجهة أي محاولات تستهدف أمنها، وأكدت تطلعها لأن تصل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إلى تفاهمات تراعي الشواغل الأمنية لدول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.

جاء ذلك خلال اتصالات هاتفية أجراها وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظرائه في الكويت والبحرين وسلطنة عمان وباكستان، وفقاً لبيانات صادرة السبت، عن «الخارجية المصرية».

وتأتي الاتصالات المصرية بالتزامن مع بوادر لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان، وترقب لما ستؤول إليه المفاوضات، وفي ظل أوضاع مضطربة في المنطقة، وتهديدات متصاعدة للملاحة البحرية في مضيق هرمز.

وأجرى عبد العاطي اتصالاً هاتفياً مع الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية دولة الكويت الشقيقة، للتشاور حول التطورات في المنطقة، وتنسيق الجهود لخفض التصعيد.

تبادل الوزيران الآراء بشأن مستجدات المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية عقد الجولة الثانية لتثبيت وقف إطلاق النار واستدامة التهدئة وإنهاء الحرب، لتجنيب المنطقة تداعيات خطيرة، وشدّد عبد العاطي في هذا السياق على ضرورة مراعاة الشواغل الأمنية لدول الخليج، وفقاً لبيان «الخارجية المصرية».

وجدد عبد العاطي إدانة مصر الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية البرية الشمالية الكويتية، الجمعة، باستخدام طائرات مسيّرة، مؤكداً «تضامن مصر الكامل مع حكومة الكويت وشعبها وسائر دول الخليج الشقيقة في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها»، ومشدداً على دعم مصر لكل الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطات الكويتية لحماية حدودها وصون مقدراتها.

وكذلك أجرى اتصالاً هاتفياً مع وزير خارجية سلطنة عمان، بدر البوسعيدي، تناول التطورات المتسارعة في المنطقة وتنسيق الجهود المشتركة لخفض التصعيد.

وتبادل الوزيران الرؤى حول أهمية دعم مسار التفاوض للتوصل إلى تفاهمات تُسهم في تثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب وإرساء دعائم الاستقرار بالمنطقة، وتعزيز الحلول السياسية بعيداً عن التصعيد العسكري.

وجدّد الوزير عبد العاطي التأكيد، خلال الاتصال، على تضامن مصر الكامل ودعمها لسلطنة عمان الشقيقة وسائر دول الخليج العربي، مشيراً إلى أن أمن الخليج يُمثل جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.

وأجرى عبد العاطي اتصالاً مع وزير خارجية مملكة البحرين، عبد اللطيف بن راشد الزياني، جدّد خلاله تضامن مصر الكامل مع البحرين في مواجهة أي تحديات تستهدف أمنها واستقرارها.

وسبق أن أدانت مصر مراراً الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وزار الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، عدداً من الدول الخليجية في رسالة دعم وتضامن.

وبالتزامن مع بوادر استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، أجرى عبد العاطي اتصالاً مع وزير خارجية باكستان، محمد إسحاق دار، أكد خلاله ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة الدولية، ومراعاة الشواغل الأمنية لدول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.


السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، أن بلاده تدعم «الحقوق العربية بلا مواربة أو مهادنة»، مؤكداً أن التضامن هو السبيل الوحيد لتجاوز المحن، وحذر «من مساعٍ مدبرة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط»، ما عده خبراء بمثابة رسائل توضح استراتيجية القاهرة ورؤيتها بشأن مختلف الأزمات وسبل مواجهتها.

وقال السيسي، في كلمة مسجلة، السبت، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء، إن «منطقة الشرق الأوسط تمر بظروف دقيقة ومصيرية، حيث تشهد مساعي مدبرة لإعادة رسم خريطتها، تحت دعاوى آيديولوجية متطرفة»، مؤكداً أن «الطريق الأمثل لمستقبل المنطقة لا يقوم على الاحتلال والتدمير وسفك الدماء، بل على التعاون والبناء والسلام».

وشدد السيسي على «ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، ووقف محاولات تقسيم دول المنطقة وتفكيكها، والاستيلاء على مقدرات شعوبها، وإذكاء أسباب الاقتتال الداخلي والحروب الأهلية والدولية»، مؤكداً أن «الحلول السياسية والمفاوضات هي السبيل الأمثل لتجنيب المنطقة مزيداً من الكوارث والدماء والدمار».

وفي هذا الصدد، أشار السيسي إلى «إدانة مصر بكل وضوح وحزم الاعتداءات التي تعرضت لها بعض الدول العربية مؤخراً، ورفضها القاطع لأي مساس بسيادة تلك الدول، أو انتهاك سلامة أراضيها»، وقال: «تتخذ مصر مواقف سياسية مشهودة لدعم الحق العربي أمام المنظمات الدولية دون مواربة أو مهادنة». وأضاف الرئيس المصري أن «التضامن هو السبيل الأوحد لتجاوز المحن، وأن بلاده ستظل السند والركيزة لأمتها، تدافع عن قضاياها، وتعمل بإخلاص من أجل تحقيق مصالحها العليا».

وسبق وأدانت مصر مراراً الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وزار الرئيس المصري عدداً من الدول الخليجية في رسالة دعم وتضامن.

فيما أدان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال اتصاله مع الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية دولة الكويت، الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية البرية الشمالية الكويتية، أمس، باستخدام طائرات مسيرة.

وأكد «تضامن مصر الكامل مع حكومة وشعب الكويت وسائر دول الخليج الشقيقة في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها، مشدداً على دعم مصر لكافة الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطات الكويتية لحماية حدودها وصون مقدراتها».

وحدة الصف العربي

رأى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير رخا أحمد حسن، أن خطاب السيسي تضمن رسالة مهمة تضمنت التأكيد على «أهمية وحدة الصف العربي باعتباره السبيل لمواجهة التحديات»، وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطاب عبّر عن «موقف مصر المبدئي بعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وأنه لا تنازل عن الحقوق العربية في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة».

وجدد السيسي خلال كلمته التي تطرقت لملفات عديدة، التأكيد على «أهمية التطبيق الكامل للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بما يشمل إدخال المساعدات الإنسانية دون معوقات، والشروع الفوري في إعادة إعمار القطاع»، مشدداً على «رفض مصر القاطع؛ الذي لا يقبل تأويلاً أو مساومة، لأي مسعى يرمى إلى تهجير الفلسطينيين، تحت أي ظرف كان»، ومؤكداً «ضرورة وقف الاعتداءات المتكررة، ضد أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية».

الرئيس المصري يؤكد الدفاع عن الحقوق العربية بلا مواربة (الرئاسة المصرية)

وأعاد السيسي التأكيد على أن «خيار مصر دائماً هو السلام». وقال إن هذا «خيار ينبع من قوة وحكمة وقناعة ثابتة، لا من ضعف أو تردد أو خوف»، مشدداً على أن «القوات المسلحة المصرية؛ بعقيدتها وجدارتها، قادرة على حماية الوطن والدفاع عنه، والتصدي لكل من يحاول المساس بأمنه القومي، أو تهديد استقراره».

طريق التنمية

وأشار إلى أن بلاده «اختارت، بإرادة صلبة وعزم لا يلين، أن تسلك طريق البناء والتنمية، دون توقف أو تأجيل، رغم ما واجهته من تحديات جسيمة خلال العقد الأخير»، لافتاً في هذا الصدد إلى «الحرب على الإرهاب، وجائحة (كورونا)، والحرب الروسية - الأوكرانية، وحرب غزة، وأخيراً الحرب الإيرانية»، وقال إن هذه التحديات «ترتب عليها تداعيات ثقيلة، منها خسارة مصر نحو عشرة مليارات دولار، من إيرادات قناة السويس... ولجوء نحو عشرة ملايين وافد إلى مصر... فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وسبق أن أشارت مصر مراراً لما تعرضت له من خسائر اقتصادية بسبب الاضطرابات الجيوسياسية، واتخذت أخيراً إجراءات تقشفية لترشيد الاستهلاك ومواجهة تداعيات أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الإيرانية.

وتضمن خطاب الرئيس المصري في ذكرى تحرير سيناء رسائل عدة؛ أبرزها بحسب الخبير العسكري اللواء سمير فرج «التأكيد على السلام باعتباره خياراً استراتيجياً»، وقال فرج لـ«الشرق الأوسط»، إنه في ظل تأكيد السيسي على خيار السلام، «تحتفظ مصر بالقوة العسكرية اللازمة للدفاع عن الوطن»، ما «يجعل الجيش قوة ردع لا هجوم واعتداء».

وأضاف فرج أن الرئيس المصري أكد «أهمية تنمية سيناء باعتبارها السبيل لتأمينها ضد أي محاولات اعتداء مستقبلية»، مشدداً على أن الرئيس المصري كان حريصاً على التحذير من محاولات تقسيم المنطقة، أو المساس بسيادة دولها، والتأكيد على رفض التهجير، وأن الخطاب في مجمله تضمن توضيحاً لرؤية مصر واستراتيجيتها في مواجهة الأزمات ودعم الحقوق العربية.