«بلدان عدم الانحياز» أمام تحديات عالم الغد

اجتمعت في «قمة كمبالا» بعدما عاشت شريطاً زمنياً رافق أحداث العالم منذ 1955

لقطة جامعة للقيادات المشاركة في قمة "حركة بلدان عدم الانحياز" بالعاصمة الأوغندية كمبالا (آ ب)
لقطة جامعة للقيادات المشاركة في قمة "حركة بلدان عدم الانحياز" بالعاصمة الأوغندية كمبالا (آ ب)
TT

«بلدان عدم الانحياز» أمام تحديات عالم الغد

لقطة جامعة للقيادات المشاركة في قمة "حركة بلدان عدم الانحياز" بالعاصمة الأوغندية كمبالا (آ ب)
لقطة جامعة للقيادات المشاركة في قمة "حركة بلدان عدم الانحياز" بالعاصمة الأوغندية كمبالا (آ ب)

شهدت العاصمة الأوغندية كمبالا طوال الأسبوع الفائت انعقاد القمة التاسعة عشرة لـ«حركة بلدان عدم الانحياز»، وذلك بمشاركة ممثلين عن 120 دولة، وحضور لافت للأمين العام للأم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي دعا من منبر القمة إلى إصلاح النظام العالمي والمنظمات الاقتصادية والسياسية التي يقوم عليها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وفي طليعتها مؤسستي «بريتون وودز» و«مجلس الأمن الدولي». غوتيريش قال إن هذه المنظمات لم تعد تعكس الواقع الدولي الراهن والتوازنات الجيوسياسية، كما لم تعد صالحة لمعالجة الأزمات ومواجهة التحديات العالمية. وبالفعل، تكفي مراجعة سريعة لتصريحات زعماء بلدان الحركة منذ القمة الأولى، التي انعقدت في بلغراد عام 1961 إلى اليوم، ليتبيّن أنها ما زالت تسعى وراء سراب الطموحات ذاتها التي حددها الآباء المؤسسون منذ ما يزيد على 65 سنة. بل تتراكم الصعاب على طريق تحقيقها، بدءاً بالنزاعات التي تكاد لا تحصى بين أطرافها، ووصولاً إلى المعادلات الجيوسياسية الجديدة التي تتشكّل على وقع صراعات إقليمية ودولية... غالباً ما تفرض على أعضاء الحركة مواقف وتجاذبات متضاربة مع أهدافها.

أسّست «حركة بلدان عدم الانحياز» بوصفها منظمة دولية للدفاع عن مصالح دول العالم الثالث وطموحاتها مع احتدام «الحرب الباردة» التي شطرت العالم قسمين تحت تأثير، وأحياناً هيمنة، القوتين العظميين: الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

يومذاك كانت بلدان العالم الثالث في أوج نضالها من أجل التخلّص من الاستعمار ونيل استقلالها السياسي والاقتصادي. ولقد وُضع الحجر الأساس للحركة في «مؤتمر باندونغ» (في المدينة الإندونيسية) عام 1955، عندما قرّرت مجموعة من الدول النامية، التي كانت في معظمها قد استقلّت حديثاً، بناء تحالف خارج دائرة نفوذ الدول الكبرى التي كانت تتهمها بالإمبريالية. وتضمّ الحركة حالياً 120 دولة منتشرة في القارات الخمس؛ دفاعاً عن مبادئ السيادة السياسية، وتسوية النزاعات الدولية من دون اللجوء إلى استخدام القوة، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. كذلك تسعى بلدان الحركة منذ عقود إلى إلغاء حق النقض «الفيتو» الذي تحتكره الدول الخمس الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا)، وإحقاق توازن فعلي بين الدول في المنظمات والمؤسسات العالمية.

لمحة تاريخيةعندما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، واحتدمت المواجهة بين القوتين العسكريتين الكبريين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، تشكّلت كتلة الدول الغربية تحت نفوذ واشنطن، وكتلة الدول الشرقية تحت هيمنة موسكو. وعلى الأثر، انطلقت موجة حركات استقلال دول العالم الثالث - تحديداً في آسيا وأفريقيا - التي كانت ما زالت ترزح تحت نير استعمار الدول الأوروبية. وساعد الضعف الذي أصابها بسبب الحرب وتداعياتها على تكاثر الحركات القومية المناضلة من أجل التحرّر، وعلى نجاحها في تحقيق أهدافها.

انطلاق تلك الموجة في خمسينات وستينات القرن الفائت أدى إلى «ولادة» العديد من الدول الأفريقية والآسيوية التي أطلق عليها يومذاك لقب «العالم الثالث» أو «البلدان النامية»، وهذا إلى جانب دول أميركا اللاتينية التي نالت استقلالها السياسي عن الدول الأوروبية خلال القرن التاسع عشر. وكان القاسم المشترك الذي يجمع بين كل تلك الدول حاجتها الماسّة إلى تحقيق الاستقرار السياسي، والنهوض من أوضاعها الاقتصادية الصعبة الموروثة من الدول التي كانت تخضع لاستعمارها واستغلالها.

في ذلك السياق، الذي كان يخضع لمقتضيات «الحرب الباردة» وتجاذباتها، أدركت بلدان «العالم الثالث» أهمية تحالفها بغية الدفاع عن مصالحها في مواجهة الدول الكبرى التي كانت تتنازع النفوذ العالمي ومراكزه. وبدأت تنعقد المؤتمرات التحالفية الأولى بفضل مبادرات زعماء كانوا قد نجحوا في صدّ التمدد الاستعماري في بلدانهم، والخروج عن استقطاب الكتلتين الغربية والشرقية، مثل الزعيم الهندي جواهر لال نهرو، واليوغوسلافي جوزيب بروز تيتو، والمصري جمال عبد الناصر، والإندونيسي أحمد سوكارنو، والغاني كوامي نكروما... الذي كان أول زعيم في أفريقيا السوداء يقود بلاده إلى الاستقلال.

مؤتمر باندونغفي عام 1955 تداعى زعماء خمسة بلدان آسيوية نالت استقلالها حديثاً، هي: الهند وباكستان وإندونيسيا وسيلان (سريلانكا حالياً) وبورما (ميانمار حالياً)، بدفع من رئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو، إلى عقد مؤتمر في مدينة باندونغ الإندونيسية. ولقد ضمّ ذلك المؤتمر التاريخي التأسيسي 29 دولة من آسيا وأفريقيا هي: المملكة العربية السعودية وأفغانستان وبورما (ميانمار) وكمبوديا وسيلان (سريلانكا) والصين ومصر وإثيوبيا والفيليبين والهند وإندونيسيا وإيران والعراق واليابان والأردن وليبيا ولبنان وليبيريا ونيبال وباكستان (قبل تقسيمها وولادة بنغلاديش) وسوريا والسودان وتركيا وتايلاند وفيتنام الشمالية وفيتنام الجنوبية (قبل إعادة توحيدهما) واليمن. ومن جهة ثانية، شارك في ذلك المؤتمر مندوبون عن بلدان كانت لا تزال تحت الاستعمار، مثل قبرص ودول المغرب العربي (الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا)، في حين لم يوجّه المؤتمر يومها دعوة للمشاركة إلى الصين الوطنية (تايوان الحالية) ولا إلى إسرائيل، خشية مقاطعة الصين الشعبية والدول العربية، وأيضاً لم يُدع نظام الفصل العنصري السابق في جنوب أفريقيا.

تفاهمات وتبايناتهذا، وخرج مؤتمر باندونغ بإدانة جماعية للاستعمار ونظام الفصل العنصري (الأبارتايد)، وبتعهد للنضال ضد التخلف والفقر في بلدان العالم الثالث. واتفق المجتمعون حول خمسة مبادئ وضعها الرئيسان سوكارنو ونهرو، وتحولت فيما بعد إلى المبادئ المؤسِّسة لـ«حركة بلدان عدم الانحياز»، وهي: احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، والمساواة بين الأعراق والأمم، ومنع الاعتداءات، ومنع التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، واعتماد مبدأ التعايش السلمي.

غير أنه، على الرغم من الإجماع الأوّلي حول هذه المبادئ الخمسة المشتركة، بدا واضحاً منذ تأسيس الحركة أن ثمّة تيارات ثلاثة قوية تتصارع داخلها:

- التيّار الأول تقوده الهند ومصر، ويُدين سياسة الكتل والمحاور العسكرية ويُعرف بـ«تيار عدم الانحياز».

- التيار الثاني هو تيار الدول الموالية للغرب بقيادة تركيا وباكستان والعراق، الذي يدعم حق كل دولة في الانضمام إلى أحلاف عسكرية إقليمية. وقد سعت تلك الدول إلى أن يوافق المؤتمر على قرار يُدين كل أشكال الإمبريالية، لكنها فشلت في مسعاها.

- التيار الثالث، شيوعي، تقوده الصين وفيتنام الشمالية، ونجح في احتواء المبادرات التي صدرت عن التيار الموالي للدول الغربية.

مؤتمر بلغراد 1961بعدها، في نهاية الأسبوع الأول من سبتمبر (أيلول) 1961، شهدت العاصمة اليوغوسلافية بلغراد انعقاد المؤتمر الرسمي الأول - أو «القمة الأولى» - لـ«حركة بلدان عدم الانحياز»، بمشاركة 25 دولة، وحضور ثلاثة بلدان بصفة مُراقب. وتقرّر في هذا المؤتمر تحديد المبادئ الأساسية للحركة وشروط الانضمام إليها التي كان سبق اعتمادها في مؤتمر باندونغ قبل ست سنوات. ولقد تعهدت الدول المؤسِّسة بالدفاع عن المصالح المشتركة لجميع الأعضاء، وتعزيز تأثيرها في مجريات السياسة الدولية، وتعميق التعاون بينها من أجل تحسين أوضاعها الاقتصادية. وشدّد البيان الختامي الأول لمؤتمر بلغراد على:

- دعم حق الشعوب في تقرير مصيرها.

- مساعدة البلدان التي كانت لا تزال تحت الاستعمار لنيل استقلالها.

- إدانة السياسة العنصرية في جنوب أفريقيا.

- السعي إلى نزع السلاح.

- تعزيز الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة وإصلاح طرائق عملها لمزيد من الديمقراطية.

وأيضاً دعا البيان إلى زيادة حضور الحركة وتقوية تأثيرها في المحافل الدولية، وتوثيق الروابط مع بلدان أميركا اللاتينية، التي لم يشارك منها في ذلك المؤتمر الأول سوى كوبا.

الستينات والسبعيناتوفيما بعد، في ستينات وسبعينات القرن الماضي، عزّزت الحركة حضورها ودورها في المحافل الدولية. وساهمت في تأسيس «منظمة الوحدة الأفريقية» التي أصبحت لاحقاً «الاتحاد الأفريقي». وما يستحق الذكر أنه في عام 1964 استضافت القاهرة «القمة الثانية لبلدان عدم الانحياز»، بمشاركة 47 دولة عضواً وثلاثين ممثلاً عن حركات التحرير في البلدان التي كانت لا تزال تحت الاستعمار. وفي عام 1970، ارتفع عدد الدول الأعضاء إلى 54 في القمة التي استضافتها لوساكا، عاصمة زامبيا. ثم ارتفع العدد إلى مائة قبل حلول عام 1980.

غير أن ازدياد عدد الأعضاء لم يساهم - توازياً - في تعزيز حضور الحركة دولياً وتفعيل دورها، بل غالباً ما كان عائقاً أمام توسيع دائرة نفوذها وتأثيرها على الصعيد الدولي. وبسبب التزامها مبدأ الامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول، أحجمت الحركة عن التوسّط لحل أزمات ومعالجة أوضاع حساسة، مثل نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وحرب فيتنام؛ إذ كانت تكتفي فقط بإصدار بيانات تدعو إلى تسوية النزاعات سلمياً، والدفاع عن حقوق الإنسان.

نهاية «الحرب الباردة»

ولكن الوضع اختلف خلال ثمانينات القرن الفائت، ففي هذه الحقبة مرّت الحركة بأصعب مراحلها وأكثرها حراجة مع تراجع تأثير الكتلة الشرقية، ثم انهيار الاتحاد السوفياتي. ومع هذا، في عام 1992 لعبت إندونيسيا - إحدى الدول المؤسّسة - دوراً بارزاً خلال «قمة جاكارتا» في إعادة توجيه البوصلة الاستراتيجية للحركة وتحديد أهدافها في سياق «العولمة» والمشهد الدولي عقب نهاية «الحرب الباردة» (ولادة «النظام العالمي الجديد»)، وعلى ضوء تراجع اقتصادات بلدان العالم الثالث وضعف أنظمتها السياسية.

التوجه الجديد ركّز على توطيد سبل التعاون بين الدول الأعضاء، والحفاظ على وحدة الحركة بمواجهة الدول الكبرى في المحافل والمنظمات الدولية. ونجحت الحركة فعلياً خلال القمم الأخيرة (عقدت في كل من قرطاجنة بكولومبيا عام 1995، ودوربان بجنوب أفريقيا عام 1998، وكوالالمبور بماليزيا عام 2003، وهافانا بكوبا عام 2006) في تجاوز أزمتها وترسيخ مسارها الاستراتيجي الجديد.

«الحركة» بين العجز عن تسوية الصراعات... والتخوف من السياسات الاقتصادية الحمائية

الرئيس الأوغندي يويري موسيفيني مستضيف القمة (رويترز)

> ركّزت «حركة بلدان عدم الانحياز»، منذ تأسيسها، على الدفاع عن الحقوق السياسية الأساسية للشعوب، وحرية تقرير المصير، وصون السلم، ومنع وقوع حرب نووية. ولكن مع انعقاد «قمة هافانا الأولى» عام 1979 اتجه التركيز إلى تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء؛ بهدف تحسين أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، وذلك عن طريق تنسيق التكامل في استغلال الموارد الطبيعية، وتبادل الخبرات العلمية والتكنولوجية، الذي كان عنوان القمة الثانية، التي استضافتها العاصمة الكوبية أخيراً. كثيرة هي الانتقادات التي تُوجّه إلى «حركة بلدان عدم الانحياز» وعجزها عن تسوية الصراعات والخلافات بين أعضائها منذ سنوات، وضعف تأثيرها في مسار السياسة الدولية. وجاء الغزو الروسي لأوكرانيا ليعزّز مواقف أولئك الذين يعارضون مبدأ «عدم الانتماء» إلى تحالفات عسكرية، لا سيما، بعدما قررت كل من الدنمارك والسويد التخلي عن سياسة «الحياد» التقليدية، وطلبتا الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو)؛ خشية من مصيرٍ على غرار مصير أوكرانيا. أيضاً، مع صعود السياسات القومية الاقتصادية، خصوصاً في الولايات المتحدة إبان ولاية دونالد ترمب لمواجهة التمدّد الصيني، وجدت الدول الأعضاء في «حركة بلدان عدم الانحياز» نفسها في وضع صعب لجهة مواجهة مُغريات ومقتضيات الدخول في تحالفات دولية لصون مصالحها والحفاظ على أمنها. وإزاء احتمال عودة ترمب إلى البيت الأبيض مطلع العام المقبل، وما يرجح أن تحمله ولايته الثانية من عودة إلى السياسات الحمائية ورفض للنظام المتعدد الأطراف، تتجه الصين راهناً إلى تعديل عروضها وشروط تحالفاتها مع الدول النامية. والملاحظ أن هذه الأخيرة تسعى إلى توثيق الروابط مع الصين عن طريق زيادة حضورها بصفتها مراقباً في «حركة بلدان عدم الانحياز» ودورها الفاعل في «قمة الجنوب»، التي جاء انعقادها، في العاصمة الأوغندية كمبالا فور انتهاء أعمال قمة الحركة، بمثابة تكملة أو امتداد لها.

ظلال أحداث غزة... والتنافس الصيني ـ الهندي

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ف.ب)

> بينما تتجه بعض الدول الأعضاء في «حركة بلدان عدم الانحياز» إلى تسويق مبدأ «التحالفات المحدودة» مع الدول الكبرى - مستعينة بحجة استفادة الدول الأوروبية الغربية من تحالفها مع الولايات المتحدة في «الحرب الباردة» لإعادة بناء اقتصاداتها - ترى دول أخرى أن عدم الانحياز يمكن أن يدفع الدول الكبرى والغنية إلى التنافس بين بعضها للاستثمار في البلدان النامية، ونقل التكنولوجيا إليها، ومساعدتها على تحسين أوضاعها الاقتصادية. إلا أن المأخذ الرئيس على الحركة يبقى عجزها عن تسوية النزاعات الثنائية العديدة بين أعضائها. وهذا ما «عوّضه» جزئياً في قمة كمبالا إجماع الحركة حول الموقف من الحرب الدائرة في غزة، ودعم قيام الدولة الفلسطينية، ومحاسبة إسرائيل على انتهاكاتها للقانون الدولي، وتأييد المبادرة التي اتخذتها جنوب أفريقيا بتقديم الشكوى أمام محكمة العدل الدولية. وهنا نشير إلى أن الهند، التي كانت قد عارضت بإصرار استخدام عبارة «إبادة» في البيان النهائي للإشارة إلى العمليات الحربية الإسرائيلية، اضطرت إلى التراجع عن موقفها عندما تيقّنت أنها ستبقى وحدها خارج الإجماع. هذا، ووفق المراقبين، يمكن تفسير موقف الهند لدى النظر إلى التقارب الذي شهدته العلاقات بين نيودلهي وتل أبيب منذ وصول رئيسي حكومتي البلدين ناريندرا مودي وبنيامين نتنياهو إلى الحكم في البلدين، فهما زعيمان ينتميان إلى تيار اليمين القومي – الديني، كلٌّ في بلده. غير أن ثمة بُعداً آخر لتراجع اللحظات الأخيرة في الموقف الهندي، لعله يتمثّل بمخاوف الحكومة الهندية من ازدياد نفوذ الصين وتأثيرها بين أعضاء الحركة عبر دورها الفاعل بوصفها دولة مراقبة، وعن طريق «قمة الجنوب» التي تكاد تتماهى عضويتها مع عضوية «حركة بلدان عدم الانحياز». وكان نائب رئيس الوزراء الصيني ليو غوزهونغ قد شدّد في القمتين على ضرورة تضافر جهود البلدان النامية من أجل إصلاح منظمة التجارة العالمية والمؤسسات المالية الدولية المنبثقة عن اجتماع «بريتون وودز»، وهو الأمر الذي شدد عليه أيضاً أمام القمتين الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش. ولكن في المقابل، لم يتطرق غوزهونغ إلى «إصلاح» مجلس الأمن الذي حضّ عليه الأمين العام، مستغرباً كيف أن القارة الأفريقية ليس لها مقعد دائم فيه. وكان نائب رئيس الوزراء الصيني قد شكّك في قدرة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومواءمتهما على مواجهة التحديات العالمية، ومعالجة الأزمات العالمية الراهنة، كما دعا إلى إعادة النظر في بقاء مقرّيْهما الموجود في واشنطن. ولم يغب عن بال كثيرين من المشاركين في قمة كمبالا ما شدد عليه الرئيس الدوري للحركة، الرئيس الأوغندي يويري موسيفيني، عندما ذكّر في كلمته الختامية بأن الصين «اليوم هي الشريك التجاري الأول لما يزيد على 140 دولة في مختلف أنحاء العالم». وفي انتظار تظهير الصورة النهائية لتوازن النفوذ العالمي التي ستستقر عليها المنافسة المحتدمة بين الصين والولايات المتحدة، وبينما تتواصل جهود بكين الحثيثة لاجتذاب أعضاء الحركة إلى معسكرها، تنبّهت بعض الدول الأعضاء في الحركة إلى أن هاتين القوتين العظميين تواجهان تحديات سياسية داخلية من شأنها أن تؤثر على علاقاتهما الخارجية. وتدعو هذه الدول إلى الثبات على مبدأ عدم الانحياز، ورفض الانجرار وراء القوى الكبرى؛ لأن ذلك هو السبيل الوحيد نحو عالم أكثر إنصافاً.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.