الرسائل الاقتصادية المتضاربة من الصين تشعل القلق العالمي

فيما يشهد ثاني أكبر اقتصاد في العالم تباطؤًا في النمو

الرسائل الاقتصادية المتضاربة من الصين تشعل القلق العالمي
TT

الرسائل الاقتصادية المتضاربة من الصين تشعل القلق العالمي

الرسائل الاقتصادية المتضاربة من الصين تشعل القلق العالمي

شكل قرار تقديم إعانة مالية لإنقاذ سوق الأسهم الصينية المتهاوية انتكاسة كبيرة فيما يتعلق بالجهود التي بذلتها البلاد لعقود طويلة لبناء نظام مالي حديث.
وجاء قرار الصين بتخفيض قيمة عملتها بمثابة صدمة للمستثمرين العالميين، وتسبب في تغيير الحسابات التي تقوم عليها سياسات المصارف المركزية بشتى أرجاء العالم.
ومن المتوقع بقوة أن تقر بكين حزمة من الإصلاحات للشركات الضخمة المملوكة للدولة، الأمر الذي قضى على الآمال بأن تتحرك الصين نحو خصخصة مثل هذه الشركات. وبدلاً من تقليص حصته، أعلن الحزب الشيوعي عزمه تعزيز سيطرته على تلك الشركات.
ويرى الكثير من صناع السياسات والمستثمرين على الصعيد العالمي، أن موجة المفاجآت الصينية تنطلق من حاجة الحكومة لدفع الاقتصاد نحو العودة إلى المسار الصائب.
ويأتي ذلك في وقت تتراجع معدلات النمو، حيث تشير آخر الإحصاءات الصادرة الاثنين إلى أن الاقتصاد الصيني نما بمعدل 6.9 في المائة في الربع الثالث، أبطأ معدل له منذ عام 2009. والواضح أن بكين تناضل للاستجابة للضغوط التي تتعرض لها.
في هذا الصدد، قال فريزر هوي، الذي عمل بالمجال المصرفي في آسيا لفترة طويلة وشارك في وضع كتاب «الرأسمالية الحمراء: الأساس المالي الهش للصعود الصيني الاستثنائي»: «يقول الناس إن الإصلاح قادم، لكنك في الحقيقة تتراجع عن إصلاحاتك».
وأضاف: «هذا يتناقض مع الهدف برمته: فإما أن تحتضن الأسواق أو لا».
على امتداد سنوات، جرت الإشادة بالمسؤولين التكنوقراط المسيطرين على مفاصل الاقتصاد الصيني باعتبارهم يتميزون بالقدرة على التخطيط بعيد النظر، خاصة أن ما وعدوا به، نجحوا بدرجة كبيرة في تحقيقه، بينما نجح النمو الاقتصادي النشط في القضاء على أي شكوك.
إلا أن صورة الاقتصاد الصيني تضررت في الشهور الأخيرة، مع إقدام مجموعة واسعة من الوكالات والمسؤولين بصورة متكررة على إعلان خطط طموحة من دون سابق إنذار أو تفسير. والملاحظ أنه يجري التعامل مع بعض القرارات الاقتصادية داخل الصين باعتبارها من أسرار الدولة، ما يجبر المستثمرين وصانعي السياسات على الساحة العالمية على ضرورة التكيف سريعًا مع المستجدات الصينية.
واعتاد المصرف الشعبي الصيني مفاجأة الأسواق بإعلانات مهمة عن سياساته في المساء وعطلات نهاية الأسبوع. في المقابل نجد أن نظيره داخل الولايات المتحدة، مصرف الاحتياطي الفيدرالي، يحرص على الإعلان عن تحركاته قبلها بفترة طويلة.
والواضح أن الوضع برمته داخل الصين يزداد تعقيدًا جراء المنافسة وغياب التنسيق بين الوكالات الكثيرة المسؤولة عن إدارة الاقتصاد، ذلك أن المصرف المركزي وجهة تنظيم الأوراق المالية ووزارة المالية ووكالة التخطيط الاقتصادي، وغيرها الكثير، كل منها يتبع أجندة وأهداف مختلفة عن الآخر.
وتتمثل المحصلة النهائية لذلك في أنه أصبح من الصعب تفهم ما الذي يجري في الصين على وجه الدقة. من الخارج، يبدو أن المسؤولين يحولون مسارهم حيال الخطط الإصلاحية طويلة الأجل التي يجري النظر إليها على نطاق واسع باعتبارها حيوية لضمان عافية الاقتصاد بوجه عام.
في يونيو (حزيران)، حددت الجهة المعنية بتنظيم الأوراق المالية في الصين معالم خطط كبرى للمعاونة في تحويل الملايين من الشركات الناشئة التي تحتاج للنقد بصورة ماسة إلى كيانات تجارية رائدة ومبتكرة من خلال تيسير جهودها لجمع المال وطرح أسهمها للتداول العام. وعن ذلك، قال تشياو غانغ، رئيس الهيئة الصينية لتنظيم الأوراق المالية، خلال منتدى مالي في شنغهاي، إن تلك المبادرة: «من شأنها تعزيز حيوية الاقتصاد بأكمله».
ومع اهتزاز أسواق الأسهم الصينية بعد ذلك بأسبوع، بدا أنه يضحي بأجندته المرتبطة بالسوق الحرة، حيث حظرت الهيئة التي يترأسها غانغ إدراج شركات جديدة بالبورصة، ومنعت كبار المساهمين من بيع أسهمهم وأمرت شركات السمسرة بالشراء بكثافة.
من جهته، قال ماثيو بي. غودمان، مستشار بارز لشؤون الاقتصاديات الآسيوية لدى «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» والذي تولى وضع دراسة استغرق إعدادها عامين عن صناعة القرار الاقتصادي بالصين نشرت في مارس (آذار): «أحيت جهود إنقاذ سوق الأسهم التساؤلات حول مدى التزام القيادة بالتحرير الاقتصادي، بل وما تعنيه الإدارة بكلمة إصلاح»، مضيفًا «من الواضح تمامًا الآن أن الأمور لا تسير تبعًا للخطة الموضوعة».
وتنبئ الضغوط الراهنة في الصين عن حدوث تغير في الصورة الوردية التي بدت عليها الأوضاع هناك منذ عامين فقط، عندما أقر الرئيس شي جين بينغ مجموعة من الإصلاحات المالية الرامية لإعطاء السوق دورًا «حاسمًا» في توجيه النمو الاقتصادي. في الوقت ذاته، أكد تشي بقوة على سلطته في توجيه السياسات الاقتصادية والإصلاحات الصينية، مجال جرت العادة على تولي رئيس الوزراء مسؤوليته.
في هذا الصدد، قال اندرو باتسون، مدير الأبحاث المعنية بالصين لدى «غافيكال دراغونوميكس»، شركة استشارات مالية في بكين: «شكل الاهتمام بمركزية السلطة قضية مهمة بالنسبة لتشي، علاوة على أن هذه البيئة ذات الطابع السياسي والقومي الأكبر التي دشنها تشي تركت تأثيرات واضحة للغاية على التقدم الذي يحرز على صعيد الإصلاح الاقتصادي».
وأضاف: «هذا الأمر ليس سلبيًا تمامًا بالضرورة، لكنه من المؤكد لا يمثل أجندة عالمية مؤيدة للسوق على النحو الذي توقعه البعض».
والملاحظ أن التخبط والحيرة بخصوص مدى التزام بكين بالإصلاح المالي تسبب في تفاقم التوتر فيما وراء الحدود الصينية.
ورغم أن المصرف المركزي الصيني شرح قراره بتخفيض قيمة العملة في 11 أغسطس (آب) باعتباره تعديلا لمرة واحدة لجعل العملة، التي سيطرت الحكومة بقوة عليها لسنوات، أكثر تماشيًا مع السوق، فإن فجائية القرار أشعلت موجة من القرارات المنافسة لخفض قيمة العملة داخل فيتنام وكازاخستان، بل ودفع القرار مصرف الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لإقرار وقف زيادة معدلات الفائدة خلال اجتماعه في 17 سبتمبر (أيلول).
في هذا الصدد، أعربت جانيت إل. يلين، رئيسة المصرف، خلال حديث لها أمام عدد من الصحافيين عن اعتقادها بأنه: «أعتقد أن التطورات التي عايناها داخل الأسواق المالية في أغسطس بصورة جزئية تعكس مخاوف من تحول الأداء الاقتصادي الصيني نحو التراجع، وربما مخاوف حيال مدى براعة صناعي السياسات المعنيين بتناول هذه المخاوف».
من ناحية أخرى، لم يعلق زهو تشياوتشوان، رئيس المصرف المركزي الصيني، على قرار تخفيض قيمة العملة مباشرة، لكنه أشار خلال مقال نشره مؤخرًا إلى أن الصين حققت تقدمًا مبهرًا على صعيد الإصلاح المالي خلال العقود الأخيرة، فيما اعترف بأن الأزمة المالية العالمية وعوامل أخرى تسببت في إرجاء بعض التغييرات. من جهتها، أشارت وسائل الإعلام الحكومية، الاثنين، إلى أن رئيس الوزراء لي كيكيانغ التقى قادة بعض المصارف الصينية الكبرى، الجمعة، وأطلق وعدًا بدعم الشركات ومساعدتها على الخروج من عثرتها المالية. وتبعًا لما أوردته صحيفة «بكين تايمز»، فإن لي أعلن أن الصين «لن توقف أو تسحب قروضًا من المخصصة للشركات التي تمر بأزمات، لكنها تتميز بإمكانات سوقية جيدة»، وأنها «ستوفر الدعم الرأسمالي المطلوب للشركات التي تمر بحالة إفلاس».
أما أحدث المستجدات التي أشعلت الشكوك حول مدى التزام بكين بالإصلاحات الاقتصادية فجاءت الشهر الماضي، عندما أعلنت الحكومة عن وثيقة السياسة التي ستنتهجها لإصلاح القطاع العام الهائل.
وبعد أيام قلائل، أصدرت اللجنة المركزية التابعة للحزب الشيوعي وثيقة استبعدت بشكل واضح احتمالية تخفيف الدولة لقبضتها المسيطرة على شركات القطاع العام.
* خدمة «نيويورك تايمز»



«هانيويل» أول عملاق صناعي أميركي يعترف بتأثير حرب إيران على الإيرادات

مقر «هانيويل» في نورث كارولاينا (ويكبيديا)
مقر «هانيويل» في نورث كارولاينا (ويكبيديا)
TT

«هانيويل» أول عملاق صناعي أميركي يعترف بتأثير حرب إيران على الإيرادات

مقر «هانيويل» في نورث كارولاينا (ويكبيديا)
مقر «هانيويل» في نورث كارولاينا (ويكبيديا)

دخلت تداعيات حرب إيران مرحلة جديدة من التأثير على الشركات العالمية، حيث أصبحت مجموعة «هانيويل» (Honeywell) الأميركية أول عملاق صناعي خارج قطاعي الطاقة والطيران يحذر من تأجيل في إيرادات الربع الأول بسبب اضطرابات الشحن في الشرق الأوسط.

وأوضح الرئيس التنفيذي للمجموعة، فيمال كابور، أن شلل مسارات التجارة قد يدفع ببعض الإيرادات المتوقعة في مارس (آذار) إلى الربعين الثاني والثالث، في إشارة واضحة إلى عمق الصدمة التي أصابت سلاسل التوريد العالمية.

وكشف كابور، خلال مؤتمر «بنك أوف أميركا» العالمي للصناعة، أن 5 في المائة من مواقع عمل المجموعة في الشرق الأوسط تأثرت بشكل مباشر، حيث أُغلق بعضها جزئياً أو كلياً نتيجة الصراع. ورغم تأكيد الشركة على ثبات توقعاتها لعام 2026، فإن أسهمها تراجعت بنسبة 1.7 في المائة فور صدور التصريحات، لتصل خسائر السهم منذ اندلاع الحرب قبل نحو أسبوعين إلى 3.7 في المائة.

تعدّ «هانيويل»، المورد الرئيسي لوزارة الدفاع الأميركية، أن ما يحدث حالياً هو «تحدٍ تكتيكي» عابر، لكنها أقرت بأن المنطقة التي تساهم بحصة تقترب من 10 في المائة من إجمالي إيراداتها، باتت تعاني من تعطل تدفق المواد الخام وزيادة تكاليف الشحن. ويأتي هذا التحذير ليرفع وتيرة القلق لدى المستثمرين حول مصير هوامش الربح للشركات الكبرى، في ظل قفزة أسعار الطاقة والشكوك المحيطة بموثوقية طرق التجارة الحيوية.


عملاق الملاحة الفرنسي يطلق ممرات برية عبر السعودية والإمارات لتجاوز «هرمز»

ناقلات نفط وسفن شحن تعبر مضيق البوسفور في إسطنبول في ظل تصاعد التوترات في مضيق هرمز (د.ب.أ)
ناقلات نفط وسفن شحن تعبر مضيق البوسفور في إسطنبول في ظل تصاعد التوترات في مضيق هرمز (د.ب.أ)
TT

عملاق الملاحة الفرنسي يطلق ممرات برية عبر السعودية والإمارات لتجاوز «هرمز»

ناقلات نفط وسفن شحن تعبر مضيق البوسفور في إسطنبول في ظل تصاعد التوترات في مضيق هرمز (د.ب.أ)
ناقلات نفط وسفن شحن تعبر مضيق البوسفور في إسطنبول في ظل تصاعد التوترات في مضيق هرمز (د.ب.أ)

أعلنت شركة الملاحة الفرنسية العملاقة «سي إم آيه - سي جي إم» (CMA CGM)، يوم الثلاثاء، تدشين «ممرات برية بديلة» عبر أراضي السعودية والإمارات، لضمان استمرار تدفق البضائع إلى دول الخليج. وتأتي هذه الخطوة الاستراتيجية لمواجهة الشلل الذي أصاب حركة السفن في مضيق هرمز نتيجة الحرب، حيث اعتمدت الشركة «ميناء جدة الإسلامي» قاعدة ارتكاز رئيسية لاستقبال الشحنات القادمة من الصين وآسيا، ونقلها براً إلى الموانئ الشرقية في الدمام وجبل علي.

وأوضحت الشركة، التي تعد ثالث أكبر ناقل للحاويات في العالم، أن الجهاز اللوجيستي الجديد سيربط ميناء جدة (غرب السعودية) بميناء الملك عبد العزيز بالدمام (شرقاً) عبر الشاحنات، مما يسمح بربط التدفقات التجارية نحو المتوسط وآسيا دون التعرض لمخاطر المرور عبر مضيق هرمز. كما أشارت إلى أن الموانئ الحيوية مثل «جبل علي» و«خليفة» و«الشارقة»، التي تقع شمال المضيق، باتت متعذرة الوصول بحراً، ما استوجب تفعيل الحلول البرية لفك الحصار عنها.

توسيع شبكة «الممرات البديلة»

وتتضمن الخطة أيضاً استخدام موانئ «خورفكان» و«الفجيرة» في الإمارات، وميناء «صحار» في سلطنة عمان - الواقعة جنوب المضيق – باعتبارها نقاط وصول بديلة تُربط بشبكة طرق برية لإيصال الحاويات إلى وجهاتها النهائية. كما كشفت الشركة عن ممرات لوجيستية «متعددة الوسائط» تنطلق من ميناء العقبة الأردني باتجاه بغداد والبصرة في العراق، ومن ميناء مرسين التركي لتأمين احتياجات شمال العراق.


«المركزي» المغربي يثبِّت الفائدة عند 2.25 % ويتوقع تضخماً معتدلاً

مقر البنك المركزي المغربي في الرباط (أرشيفية- رويترز)
مقر البنك المركزي المغربي في الرباط (أرشيفية- رويترز)
TT

«المركزي» المغربي يثبِّت الفائدة عند 2.25 % ويتوقع تضخماً معتدلاً

مقر البنك المركزي المغربي في الرباط (أرشيفية- رويترز)
مقر البنك المركزي المغربي في الرباط (أرشيفية- رويترز)

أبقى البنك المركزي المغربي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 2.25 في المائة، مؤكداً أن التضخم سيظل في مستويات معتدلة، رغم تصاعد حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي على خلفية التوترات في منطقة الخليج.

وأوضح البنك، في بيان أعقب اجتماعه الفصلي، أنه يتوقع استقرار معدل التضخم عند نحو 0.8 في المائة خلال عام 2026، مدعوماً بتحسن إمدادات المواد الغذائية، على أن يرتفع تدريجياً إلى 1.4 في المائة في العام التالي.

وخلال الاجتماع، استعرض مجلس بنك المغرب تطورات الأوضاع الاقتصادية على المستويين الوطني والدولي، إلى جانب التوقعات الماكرو اقتصادية على المدى المتوسط. كما تناول تداعيات الحرب في الشرق الأوسط التي فاقمت حالة عدم اليقين العالمية، في ظل استمرار آثار الحرب في أوكرانيا والتوترات التجارية؛ خصوصاً المرتبطة بالسياسة التجارية الأميركية، ما يضع متانة الاقتصاد العالمي أمام اختبار حقيقي. وتظل انعكاسات هذه الحرب التي بدأت تظهر في الأسواق المالية وأسعار السلع -ولا سيما الطاقة- مرهونة بمدى استمرار النزاع واتساعه وحدته.

وعلى الصعيد الوطني، يُرجَّح أن تنعكس هذه التطورات عبر القنوات الخارجية؛ خصوصاً من خلال أسعار الطاقة. وحسب التقديرات الأولية لبنك المغرب، سيبقى التأثير محدوداً نسبياً في حال كان النزاع قصير الأمد، ولكنه قد يتفاقم إذا طال أمده.

في المقابل، يُتوقع أن تواصل القطاعات غير الفلاحية أداءها القوي، مدعومة بالاستثمارات في البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية، بالتوازي مع انتعاش ملحوظ في الإنتاج الفلاحي، مستفيداً من الظروف المناخية المواتية خلال الأشهر الأخيرة.