عمدتا بلدتين أوكرانيتين يختزلان بأدائهما المتباين الأزمة

أجواء مشحونة في دونيتسك الشرقية.. وقدرة على التعاون مع أوروبا في لفيف الغربية

عمدة لفيف أندري سادوفي يتحدث إلى الصحافيين في مكتبه (نيويورك تايمز)
عمدة لفيف أندري سادوفي يتحدث إلى الصحافيين في مكتبه (نيويورك تايمز)
TT

عمدتا بلدتين أوكرانيتين يختزلان بأدائهما المتباين الأزمة

عمدة لفيف أندري سادوفي يتحدث إلى الصحافيين في مكتبه (نيويورك تايمز)
عمدة لفيف أندري سادوفي يتحدث إلى الصحافيين في مكتبه (نيويورك تايمز)

ألقى عمدة مدينة دونيتسك، التي تشتهر بالتعدين والواقعة في شرق أوكرانيا، خطابا حماسيا أمام نحو مائة ضابط من الشرطة، حثهم فيه على ضرورة تنفيذ القانون وتحقيق الأمن في هذه الأوقات العصيبة للثورة، وبعد ذلك أمسك رجل ملتحٍ الميكروفون، وصاح قائلا: «إذا كنا نريد السلام، ينبغي علينا الاستعداد للحرب!». فرد العمدة ألكسندر لوكيانشينكو (67 عاما)، قائلا «أخبرني فقط من هو الطرف الذي تخطط لقتاله؟».
كانت الإجابة مرتبكة ويكتنفها الحنين إلى حقبة الاتحاد السوفياتي السابقة، والشبح المفترض للقوميين من غرب أوكرانيا المستعدين لسحق الشرق الذي يتحدث اللغة الروسية.
بيد أن تبادل الحديث بين العمدة الذي يشغل منصبه لفترة ولاية ثالثة، والذي يبدو أنيقا مرتديا بذلة جذابة ذات لون أزرق داكن، والمتحدث الذي يتحدث بنبرة حادة وحدد هويته بأنه «قائد» مجموعة غير معروفة سابقا تسمى «الجبهة الشرقية»، كشف عن حالة التشاحن والعصبية في هذه المدينة البالغ تعدادها نحو مليون شخص، فضلا عن المهمة الشاقة التي تواجه قادتها الذين يعرفون أن عليهم الاستمرار في صرف رواتب العمال والمعاشات والإمدادات، حتى لو شعروا أن قبضتهم على السلطة بدأت تتراخى.
وعلى مسافة مئات الأميال إلى الغرب، نجد المخاوف نفسها والقلق لدى أندري سادوفي، عمدة لفيف، مثلما هو الحال مع لوكيانشينكو. فكلاهما يشدد على إبقاء الأمور هادئة عندما يبدأ النظام السياسي بالتفتت، وازدادت مشاعر الكراهية تجاه الشرطة على نطاق واسع بعد مقتل 82 شخصا في كييف الأسبوع الماضي، حيث من الواضح أنهم قُتلوا على يد قناصة الشرطة.
ولكن في حال عقد مقارنة بين عمدة المدينتين، يبدو أن السياسي المستقل سادوفي، البالغ من العمر 45 عاما، الذي جرى انتخابه مرتين منذ عام 2006، لديه خيارات أفضل؛ فمن المؤكد أنه يستمتع بوقته ليشعر بدفء الشمس مع فريق إخباري صغير يتحدث اللغة الإنجليزية وينشر أخباره شبه اليومية على موقع «يوتيوب».
وعلى ما يبدو، ليس لدى سادوفي أي مشكلات لتحقيق الوحدة بين ضباط الشرطة (الذين ما زالوا في مناصبهم) والمتطوعين المدنيين لتشكيل قوة تضم 2000 شخص يقومون بالدوريات في الشوارع ليلا والتعامل مع حركة المرور. وقضى سادوفي وقتا للحداد على روح أحد المتظاهرين الـ13 متظاهر (على الأقل) من أهالي منطقة لفيف الذين قُتلوا في كييف، حيث وضع سادوفي ثلاث ورود حمراء على نعش شخص يبلغ من العمر 28 عاما كان يعمل أستاذا للتاريخ الأسبوع الماضي.
هذا الأسبوع، سارع سادوفي إلى الإعلان عن تاريخ اللغة الروسية في لفيف بعد إقرار البرلمان الأوكراني للقانون الذي تعرض لانتقاد شديد على نطاق واسع، وجرّد اللغة الروسية من صفتها الرسمية، مما أثار حفيظة الأشخاص الذين يتحدثون اللغة الروسية في أوكرانيا. وشرع سادوفي الذي يتحدث اللغة الروسية والأوكرانية وبعض الإنجليزية، والأب لأربعة أبناء، في توزيع كتب توضح تاريخ لفيف على مدار قرون من الزمان، في المدينة ذات الشوارع المرصوفة بالحصى وكنائس الحقبة الباروكية والقصور والقومية المتشددة.
ويعتز سادوفي بتعاون مدينته مع الجهات الأوروبية، كما يتطلع مثل كثيرين من سكان المدينة إلى تحقيق الرقي نفسه الذي تحظى به مدينة كراكوف في الوقت الحالي (الواقعة بدولة بولندا المجاورة)، مع تطبيق هذا النموذج في لفيف التي ما زال الشخص يشعر فيها، بالكاد، بآثار الحكم السوفياتي الذي استمر خمسة عقود من الزمان، بالنظر إلى أنقاض الواجهات الرائعة لهابسبيرغ، أو العمارات التي تبدو مثل الثكنات في ضواحي المدينة.
وعندما علم سادوفي ونظراؤه الأوكرانيون في المنطقة الغربية في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) أن رئيسهم الهارب حاليا فيكتور يانوكوفيتش رفض إبرام اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي، الذي ضخ الأموال في بولندا، التي أسهمت في نهضتها مجددا، اندلعت بينهم شرارة الثورة.
وبحلول نهاية شهر يناير (كانون الثاني)، أعلنوا مدينة لفيف منطقة مستقلة ذات سلطة مركزية «مدينة حرة لشعب حر»، وهو الشعار الموجود الآن على العلم الأوكراني في دار البلدية القديم.
ومع سفر يانوكوفيتش من أوكرانيا في عطلة الأسبوع الماضي، نجحت الثورة في الإطاحة بالشخص الذي يتهمه معظم الأشخاص (حتى في مسقط رأسه هنا، دونيتسك) بأنه قاتل وفاسد بشكل كبير للغاية. بيد أن رحيل يانوكوفيتش تسبب في حدوث فراغ في السلطة مع وصول القادة المتشاحنين في كييف إلى السلطة من خلال موجة ثورية عارمة وإقرار قوانين على عجل، فضلا عن اقتراب الاقتصاد (وفقا للتقارير الواردة) من السقوط في هاوية الإفلاس.
كانت سياسة «الكثير من التركيز على الاقتصاد، والتركيز القليل على السياسة» هي السياسة الوحيدة التي قدمها لوكيانشينكو في دونيتسك يوم الثلاثاء، بعد اجتماعه مع الشرطة. وعلى الرغم من طلبه من وسائل الإعلام بألا تصوره بمظهر قائد الجبهة الشرقية، قبل يوم، فإن العمدة ظهر في اجتماع ضم مئات من الرجال المقنعين والمسلحين بالهراوات. وكان معاون سابق ليانوكوفيتش، عمدة إقليم دونيتسك، أندري شيشاتسكي، قد ظهر في مقطع فيديو يدعو الجماهير إلى الاحتفال بالعيد الذي دخل في طي النسيان، وهو يوم الجيش السوفياتي، الذي يلقى مقاطعة في لفيف.
الاختلاف بين المدينتين لا يكمن في الحاضر فقط، بل في تاريخ الإقليمين أيضا. فإقليم لفيف (لفوف باللغة الروسية، ولمبورغ باللغة الألمانية) محل صراع منذ عدة قرون بين البولنديين وهابسبورغ، والقيصرية، والنازية والحكم السوفياتي قبل انهيار الاتحاد السوفياتي وأوكرانيا، الدولة التي يصل عدد سكانها إلى 46 مليون نسمة، والتي نالت استقلالها في عام 1991. كان الاتحاد السوفياتي، في واقع الأمر، الفترة الفاصلة، مع المقاتلين القوميين السابقين الذين جرى القضاء عليهم فقط في حقبة الخمسينات.
في المقابل، تأسست دونيتسك، التي تبعد ساعة واحدة بالسيارة عن روسيا، عام 1869 فقط. ونشأ الإقليم تحت حكم القياصرة، وكان سكانه في الأغلب يتكونون من آلاف السجناء المفرج عنهم من سيبيريا، الذين جرى جلبهم للعمل في مناجم الفحم هنا.
بُنيت المدينة على الطراز السوفياتي، فلا يزال تمثال لينين الضخم حتى الآن نقطة تجمع للسكان المدخنين، معظمهم من كبار السن، الذين ينفسون عن غضبهم من «الفاشيين» من غرب أوكرانيا. فيما لا تزال الشوارع تحمل أسماء مثل «50 عاما من الاتحاد السوفياتي»، التي قد تعتبر آثارا، حتى في موسكو ذاتها.
لكن دونيتسك توفر نحو 25 في المائة من العملة الصعبة في أوكرانيا، بحسب لنيكولاي زاغوريوكو، زعيم محلي في حزب يانوكوفيتش؛ حزب الأقاليم. وقد عاشت هذه المدينة في السابق لحظة من التمرد قبل ذلك التمرد الأخير، عندما أضرب مئات الآلاف من عمال المناجم ونزلوا إلى الشوارع عامي 1989 و1990.
وتقول ناتاليا كوتشار (38 عاما)، التي تعمل في اتحاد التجارة المستقبل، التي كان والدها أحد قادة عمال المناجم: «كان عمال المناجم القوة الأضخم في ذلك الوقت التي تحرك البلاد».
كان الشخص الأكثر استفادة من الإضراب رينات أخماتوف الملياردير الذي اشترى فريق دونيتسك لكرة القدم، وقام ببناء استاد ضخم جرى اختياره ليستضيف المباراة النهائية في دوري أبطال أوروبا لكرة القدم عام 2012، الذي على عكس يانوكوفيتش، ظل محتفظا بمنصبه. وتقول المتحدثة باسمه إنه بالفعل رجل مشغول للغاية، لا يملك الوقت للقاء الصحافيين الأجانب، ونادرا ما يقوم بزيارة دونيتسك.
وقد أرسل أخماتوف يوم الأربعاء رسالة إلى موظفي شركته، نظام إدارة رأس المال، الذين يقال إن عددهم يبلغ 300 ألف عامل. وكتب أخماتوف، الذي بدا أنه ابتعد عن يانوكوفيتش في الأسابيع الأخيرة: «نحن، كلنا نحب أوكرانيا، ونحاول أن نؤسس دولة جديدة تسود فيها الديمقراطية والقانون، وحماية الملكية والمنافسة الحرة والرفاهية الاجتماعية»، ولذلك لا بد من إجراء إصلاحات موسعة، بحسب نسخة من رسالة حصلت عليها صحيفة «دونسكي نوفوستي».
ربما يكون كيفية تقديم هذه التغييرات أحد أسرار أخماتوف التي يحتفظ بها لنفسه. ولم يقدم لوكاشنكو، ولا الحاكم شيشاتسكي، أدلة كثيرة. وقد أعلن كلاهما ولاءه للبرلمان الذي لا يزال يعمل في كييف، وأعاد التأكيد على ضرورة الحفاظ على تماسك أوكرانيا.
وعلى الرغم من تقديم القنوات التلفزيونية المتنافسة في روسيا وأوكرانيا نسخة متباينة إلى حد بعيد للأحداث، فإن الانقسام يبدو غير متوقع. وتقول كوتشر إن أصهارها لا يفهمون فقط سوى الإذاعات الروسية، وإنها عندما تحاول هي وزوجها عرض وجهة نظرهما عن الأحداث «يقولون أشياء تثير فزعك». ونتيجة لذلك، قالت إنه على الرغم من الارتياح الذي شعرت به وزوجها مع سقوط يانوكوفيتش، فإنهما يبديان حذرا شديدا في إظهار تلك السعادة.
* خدمة «نيويورك تايمز»



الشرطة الفرنسية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج في ليون

عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
TT

الشرطة الفرنسية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج في ليون

عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)

أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع، اليوم (السبت)، لتفريق نحو 150 شخصاً كانوا يحتجون في مدينة ليون بجنوب شرقي فرنسا، وذلك في منطقة يُحظر فيها تنظيم أي مظاهرات، وفقاً لما رصده صحافي في «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستخدمت الشرطة عدداً من قنابل الغاز المسيل للدموع لإبعاد المحتجين الذين تجمعوا بالقرب من إحدى كليات الجامعة ومركز للشرطة في المدينة، في إطار احتجاجات تشهدها البلاد ضد ارتفاع تكاليف المعيشة. وجاء تدخل الشرطة بعد أن حاول المتظاهرون قطع الطريق، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».


فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
TT

فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)

لم تعد الأزمة الفرنسية موجة احتجاجات اجتماعية عابرة، أو تعثّراً اقتصادياً يمكن احتواؤه بإجراءات عاجلة؛ فالتطورات المتلاحقة تكشف أزمة متعددة الأوجه، يتقاطع فيها ضعف المالية العامة مع تصاعد الغضب الشعبي، وشلل المؤسسات السياسية، وتراجع الثقة بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. وبينما تستعد فرنسا لاستحقاق رئاسي حاسم في ربيع 2027، تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه العوامل المتراكمة إلى تهديد خطير لاستقرار الجمهورية الخامسة، ولمكانة البلاد داخل الاتحاد الأوروبي وفي العالم.

زائرون ينتظرون خارج متحف اللوفر في باريس الذي أغلقه محتجون (إ.ب.أ)

في شوارع مدن وبلدات عديدة، تتعدد مظاهر الاحتقان؛ فقد شهدت البلاد احتجاجات صاخبة على تدهور أوضاع المدارس الحكومية ونقص المدرّسين، وانضم موظفون وعاملون في القطاع العام إلى التحركات اعتراضاً على تجميد الأجور. وقبل ذلك، أغلق صيادون موانئ ومحطات للوقود احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل. ولم تتوقف التطورات عند المظاهرات؛ إذ شهدت مدن فرنسية أعمال شغب ونهب وتخريب، أسفرت عن أضرار مادية كبيرة ومئات الإصابات والتوقيفات، في مشهد يعكس اتساع الهوة بين قطاعات من المجتمع ومؤسسات الدولة.

واكتملت الصورة بعودة «السترات الصفر» إلى الساحة، بعد «استراحة» استمرت سنوات، علماً بأن أحداً لا يعلم أين كان هؤلاء الذين عرقلوا الولاية الأولى لإيمانويل ماكرون، ومن هم قادتهم... والمهم أن «تحالف الشارع» في وجه السلطة صار مكتمل الأركان وعلى أتمّ الاستعداد لمواصلة «المعركة».

محتجون مقنعون قرب دراجات تحترق في ساحة الجمهورية بباريس (رويترز)

ووسط فسيفساء المطالب، تجمع التحركات أزمة أعمق تتعلق بتراجع القدرة الشرائية، وتآكل الثقة بالخدمات العامة، والشعور بأن النموذج الاجتماعي الفرنسي لم يعد قادراً على توفير الوعود التي ارتبطت به لعقود؛ فالدولة التي اعتاد مواطنوها الاستفادة من شبكة واسعة من الحماية الاجتماعية، تواجه اليوم سؤالاً صعباً: كيف يمكن الحفاظ على هذه المكتسبات في ظل ارتفاع تكلفة تمويلها وتزايد أعباء الدين؟

* الدَّين يضيّق هامش المناورة

لا شك في أن المالية العامة تحتل موقعاً مركزياً في الأزمة؛ فقد اقترب الدين العام الفرنسي (4 تريليونات دولار) من 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (3.55 تريليونات دولار)، فيما يتباطأ الاقتصاد إلى مستويات نمو تدور حول 0.4 إلى 0.5 في المائة لعام 2026. وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن يتجاوز العجز العام 5 في المائة من الناتج المحلي، الأمر الذي يعقّد مهمة الحكومة في إعادة التوازن إلى الحسابات العامة.

وتزداد المشكلة خطورة مع ارتفاع أسعار الفائدة؛ إذ تصبح خدمة الدين أكثر تكلفة، وتُضطر الدولة إلى تخصيص موارد متزايدة لسداد التزاماتها بدلاً من توجيهها إلى الاستثمار والخدمات. وتشير التقديرات الواردة إلى أن فرنسا ستحتاج إلى إصدار ما قيمته 340 مليار يورو من السندات متوسطة وطويلة الأجل خلال العام المقبل، في وقت يتراجع فيه إقبال المستثمرين على شرائها في ظل المخاطر المالية والسياسية.

مبنى بلدية مدينة ليموج الذي أحرق جزءاً منه مشاغبون (أ.ف.ب)

لكن ذلك لا يعني أن فرنسا تتجه حتماً إلى أزمة شبيهة بما شهدته اليونان (2009 - 2010)، أو إلى انهيار مفاجئ في ثقة الأسواق؛ فحجم الاقتصاد الفرنسي ومكانته داخل الاتحاد الأوروبي يمنحان باريس ثقلاً مختلفاً. لكن هذا الثقل نفسه يجعل الأزمة أكثر أهمية: فأي تدهور حاد في قدرة باريس على إدارة دينها الثقيل، قد ينعكس على الاستقرار المالي الأوروبي برمته.

* أربعون عاماً من التأجيل

الواقع أنه لا يمكن تفسير الوضع الراهن بقرار حكومي واحد، أو تحميل رئيس معيّن المسؤولية الكاملة عنه؛ فقد تراكمت الاختلالات المالية على مدى عقود، وتعاقبت حكومات من اليمين واليسار من دون أن تنجح في وقف الزيادة الهيكلية للدين. ويعود أحد التحولات المهمة إلى عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران في ثمانينات القرن الماضي، حين توسعت السياسات الاجتماعية والإنفاق العام، وأدّت إصلاحات مثل خفض سن التقاعد إلى الستين وتقليص ساعات العمل وتعزيز دور الدولة في الاقتصاد، إلى زيادة الأعباء على المالية العامة.

غير أن اختزال الأزمة فيما حصل في تلك المرحلة سيكون تبسيطاً مضللاً؛ فالحكومات اللاحقة، من عهد جاك شيراك إلى نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، لم تتمكن بدورها من عكس مسار الدين، ويُعزى ذلك في المقام الاول إلى التخوف من رد فعل الجمهور على سلبه قسطاً من الرفاه. كما أسهمت الأزمة المالية العالمية عام 2008، وجائحة «كوفيد-19»، وموجة التضخم التي أعقبتها، في زيادة الضغوط على الموازنات العامة.

الرئيس المأزوم إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

والحقيقة أن النموذج الاجتماعي الفرنسي «الفضفاض» أصبح موضوع مواجهة سياسية متكررة؛ فكل محاولة لإصلاح التقاعد أو التأمين ضد البطالة أو الإنفاق العام، تصطدم بمقاومة شعبية عنيدة، فيما يؤدي تأجيل الإصلاحات إلى تضييق الخيارات المتاحة مستقبلاً. وهكذا تجد الدولة نفسها بين حاجتها إلى ضبط الإنفاق وخشيتها من تفجير احتجاجات جديدة.

* شلل سياسي وصعود اليمين المتطرف

لم يكن مفاجئاً في خضمّ الورطة الاقتصادية أن تتلبد الغيوم السوداء في سماء السياسة. ومنذ حل الجمعية الوطنية عام 2024، لم يتمكن المشهد البرلماني من إنتاج أكثرية مستقرة، وتوزعت القوى بين 3 كتل كبيرة متعارضة يصعب عليها التوصل إلى تسويات دائمة. وأصبح تمرير مشروع الموازنة اختباراً متكرراً لقدرة الحكومة على الصمود، فيما تتراجع ثقة المواطنين بفاعلية المؤسسات.

وليس مفاجئاً أيضاً أن يستفيد اليمين المتطرف، بقيادة مارين لوبن وحزب «التجمع الوطني»، من هذا المناخ؛ فخطابه يربط بين تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان السيطرة على الأمن وأعباء الهجرة، ويقدم نفسه بديلاً قادراً على إعادة الانتظام إلى النظام. وفي المقابل، تستقطب حركة «فرنسا الأبية» اليسارية الراديكالية، بقيادة جان لوك ميلانشون، جزءاً من الغاضبين من السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وبين الطرفين، يتراجع الوسط السياسي الذي شكّل القاعدة السياسية والشعبية لماكرون، فيما تتزايد المخاوف من أن يؤدي تشتت الأصوات المعتدلة إلى تعزيز فرص المتنافسين الأكثر تطرفاً.

ويجب التنبّه إلى أن استمرار المواجهة بين القوى السياسية قد يعطل الإصلاحات الضرورية، ويطيل حالة عدم اليقين التي تؤثر في الاستثمار والاستهلاك وثقة الأسواق. كما أن ربط الاضطرابات حصراً بالهجرة، والاكتفاء بتشديد الإجراءات الأمنية، لا يعالجان حتماً الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الجوهرية التي تؤجج نار الاحتقان.

محتجون بمواجهة الشرطة في باريس (أ.ب)

* الامتحان الانتخابي الصعب

تواجه فرنسا اليوم معادلة شديدة التعقيد: استعادة النظام من دون تجاهل أسباب الغضب، وضبط الدين من دون تقويض الخدمات العامة، وإعادة بناء الثقة السياسية قبل أن تتحول الانتخابات المقبلة إلى مواجهة «انتحارية» بين قوى متعارضة جذرياً.

فمن سينجح في اجتراح خطة واضحة توزع أعباء الإصلاح بصورة عادلة، وتحدد أولويات الإنفاق، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة، بالتوازي مع استعادة القدرة على اتخاذ القرار داخل المؤسسات السياسية، لا سيما البرلمان؟

لقد وعد ماكرون، عند وصوله إلى السلطة عام 2017، بتقديم صورة متفائلة عن فرنسا قادرة على التجدد واستعادة موقعها الدولي. لكن تراجع شعبيته واتساع الإحساس بالتراجع يكشفان عمق الهوّة بين هذا الوعد والواقع. ومع ذلك جددت غالبية الفرنسيين الثقة به وأعادت انتخابه عام 2022.

ومع اقتراب انتخابات 2027، لن يكون التحدي محصوراً في تحديد هوية الرئيس المقبل؛ بل في تقرير ما إذا كانت فرنسا قادرة على إصلاح ماليتها العامة وتجديد عقدها الاجتماعي، أم إنها ستترك الأزمات المتراكمة تعيد تحديد هويتها السياسية.

جلسة للجمعية الوطنية الفرنسية (مجلس النواب) تحدث فيها رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عن الاحتجاجات (إ.ب.أ)

ولنتذكّر أن فرنسا ليست مجرد اقتصاد كبير يواجه مشكلة ديون؛ بل إحدى ركائز المشروع الأوروبي. وأي إخفاق في احتواء أزمتها ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها. أما نجاحها فلن يتحقق إلا بكسر حلقة التأجيل والانقسام، قبل أن يصبح ثمن الإصلاح أعلى من قدرة المجتمع والدولة على تحمّله.

فرنسا الأنوار والفكر والتقدّم تشعر بأنها ترهّلت، ويُدرك الفرنسيون أن نظامهم السياسي والاجتماعي لم يعد قابلاً للتطور ومواكبة الحياة العصرية... والأدهى أن الاقتصاد لم يعد قادراً على توليد ثروة كافية لاستعادة ما كان، خصوصاً أن «الوجود» في بلاد الغير انتهى أو يكاد...

الزمن يتغيّر!


فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)

استنفرت السلطات الفرنسية قواها الأمنية، واستعانت بالجيش، واتخذت سلسلة إجراءات قضائية وأمنية لمحاولة تجنب تكرار «السبت الأسود» اليوم، بالتزامن مع دعوات جديدة إلى التظاهر في باريس ومرسيليا وليون وغيرها من المدن الكبرى والصغرى.

وأعلن وزير الداخلية لوران نونيز، أمس، عن خطة أمنية تقضي بنشر ما لا يقل عن 70 ألف رجل من الشرطة والدرك، بمؤازرة فرق وحدات النخبة التي لا تتدخل عادة للحفاظ على الأمن في الشوارع، ولا التصدي للمتظاهرين. كما ستتم الاستعانة بوحدات من الجيش التي سبق أن نُشرت في فترة الهجمات الإرهابية التي عرفتها فرنسا في عامي 2015 و2016.

وبعد ساعات من إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون منع «المظاهرات في الأيام المقبلة»، سمحت مديرية الشرطة في باريس بمسيرة واحدة لنقابة «كونفدرالية العمل» القريبة من الحزب الشيوعي.

بينما منعت ترخيص مظاهرة طلبتها مجموعات من «السترات الصفراء» والطلاب. كما طال المنع مدينتي مرسيليا وليون والعديد من المدن الأخرى.