أحمد طيباوي: لا أحب أن تتحول رواياتي إلى جلسة تعذيب للقارئ

الكاتب الجزائري يرى أن الجوائز لا تصنع مبدعاً

أحمد طيباوي: لا أحب أن تتحول رواياتي إلى جلسة تعذيب للقارئ
TT

أحمد طيباوي: لا أحب أن تتحول رواياتي إلى جلسة تعذيب للقارئ

أحمد طيباوي: لا أحب أن تتحول رواياتي إلى جلسة تعذيب للقارئ

يتسم العالم الروائي للكاتب الجزائري أحمد طيباوي بالتنوع والتكثيف الشديد، وتطرح روايته «باب الوادي» الصادرة أخيراً قضايا ملحة على الساحة الجزائرية مثل قضية الهوية والتسامح مع الآخر. وكان قد صدر له من قبل «اختفاء السيد لا أحد»، «موت ناعم»، «مذكرات من وطن آخر». ورغم أنه حاز عدداً من الجوائز مثل «جائزة نجيب محفوظ للأدب» و«جائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي»، فضلاً عن جائزة «رئيس الجمهورية للمبدعين الشباب»، فإنه يرى أن الجوائز لا تصنع مبدعاً وأن ما يصمد أمام الزمن هو القيمة الفنية للعمل.

هنا حوار معه، حول روايته الجديدة وهموم الكتابة:

> في روايتك الصادرة أخيراً «باب الوادي»، يبدو سؤال «الهوية» مهيمناً من خلال رحلة (كمال) الباحث عن جذوره بين بلاده وفرنسا، كيف جاء تناولك لهذه القضية مختلفاً عن التجارب التي تنطلق من السؤال نفسه في السرد الجزائري؟

- لكل كاتب مقاربته لموضوعات قد تكون مشتركة بينه وبين روائيين آخرين، أو هذا ما أفترضه، بمعنى أنه يملك رؤيته الخاصة للحياة وللبشر، ولا بأس أن يكون هناك تقاطع في الرؤى. ما المختلف في مقاربتي لمسألة الهوية؟ لا أعلم تحديداً درجة الاختلاف، لا أحب أن أسقط في الادعاء، لكني انشغلت بوضع المسافات بيني وبين شخصيات روايتي «باب الوادي» على تناقضاتها الفكرية والاجتماعية الصارخة، وقد شكلت مزيجاً غير متجانس، كل ما جمعها هو روابط القرابة أو العاصمة كفضاء تعيش فيه. توخيت ذلك تجنباً لإصدار الأحكام، وطلباً للحياد الذي يتيح لي طرح كل شخصية من شخصياتي بما تمثله من فئة أو تيار طرحاً إنسانياً محضاً.

> إلى أي حد يمكن القول إن أزمة الهوية في الرواية تتجاوز المصير الفردي لتصبح قضية وطن في الجزائر؟

- ليس في الجزائر فقط، فضاؤنا العربي مأزوم في أغلب توجهاته الاجتماعية والثقافية. تظهر الأزمة عند بعض المراحل التاريخية وتتراجع للخلف بعد ذلك، وبطبيعة الحال عند النخب وذوي الوعي أكثر من غيرهم من الفئات المطحونة في السعي للقمة العيش الكريم لها. من ناحية أدبية، مسألة الهوية مطروحة دوماً، كل ما هنالك أن كل كاتب يعالجها بحسب فهمه وتصوراته ولن يأتي بالجديد سوى في الطريقة الفنية التي طرحها بها.

> رغم أن رواية «باب الوادي» ليست رواية مكان، فإن اسمها مأخوذ من اسم أشهر حي شعبي في العاصمة الجزائرية، كيف ترى هذه المفارقة؟

- حاولت أن أختزل الجزائر كلها، اجتماعياً وسياسياً، تاريخاً وحاضراً، في حي باب الوادي. أحببت أن أستفيد من رمزية الحي واسمه ومكانته في المخيال الشعبي لدينا. من جهة التسمية كان باباً من أبواب الجزائر العاصمة يحاذي وادياً يصب في البحر، توسعت الجزائر العاصمة، وكبر الحيّ، ليصبح زمن الاستعمار الفرنسي معقلاً للأقدام السوداء، وهم الأوربيون الذين سكنوا في الجزائر أثناء الاحتلال الفرنسي، ومنه انطلقت منظمتهم الخاصة التي قامت بأعمال إرهابية لإفشال مفاوضات الاستقلال بين جبهة التحرير الوطني والسلطات الفرنسية. بعد الاستقلال صار الحيّ شعبياً بامتياز، وقد شهد أحداثاً كثيرة بداية «العشرية السوداء» في تسعينات القرن الماضي. باعتبار هذا كله، كان مناسباً جداً لرؤيتي في هذه الرواية أن يكون الحي هو الحيز الذي تتم فيه أغلب الأحداث. ولكن لن يجد القارئ حيّ باب الوادي حاضراً بالصورة التقليدية التي عودتنا عليها نصوص عربية وأجنبية، ليست رواية مكان بالمعنى التسجيلي ولم أستعن بوصف معالم باب الوادي والعاصمة إجمالاً من أجل تأثيث روايتي.

> إذن، كيف تتعامل مع حضور المكان في فضائك السردي عموماً؟

- كنت مهموماً بذلك في رواية سابقة لي، «مذكرات من وطن آخر» حيث كانت مدينة سطيف وأهم معالمها وأحيائها حاضرة بقوة بما استدعته حاجتي فيها لتقاطع بعض أبطالها مع جغرافية المكان وروحه. هناك روايات كثيرة كانت خلفيات المدن والأحياء حاضرة فيها بقوة، وارتبط عدد كبير من الروائيين الكبار عربياً وعالمياً بكتاباتهم عن المدن، وعن حياة الناس فيها طيلة الفترة الزمنية التي كانت محل اهتمام لديهم، والعلاقات الإنسانية، والعمران، وغير ذلك مما يتعلق بجعل المكان بطلاً حقيقياً في النص. هناك من يتحدث مؤخراً عندنا في الجزائر عن سرديات الصحراء. توظيف المكان يكون بحسب حاجة الكاتب، وهناك أيضاً جانب نفسي حول علاقته بالمكان، ربما حالة حنين أو انتقام أو استذكار أو حياد.

> المتتبع لأعمالك الروائية، يلحظ الميل للتكثيف الشديد والبعد عن الحشو والاستطراد، هل ثمة فلسفة ما وراء هذا، وكيف قاومت غواية الروايات المطولة التي اجتاحت السرد العربي وصارت بمثابة «موضة» في فترة سابقة؟

- ما يمكن للقارئ أن يستنتجه مباشرة، التفاصيل غير المهمة، الاستعراض اللغوي والمعرفي، الخطاب المباشر، الحوارات وكلام الإنشاء وغيرها، كلها زوائد أحرص بشدة على ألا أكتبها، أو التخلص منها عند مراجعة النص إذا حدث ووقعت في الإسهاب. أصبحت قراءة بعض الروايات تحتاج إلى صبر زائد من القارئ، ويحدث أن يضطر إلى أن يحذف فصولاً كاملة أو يقفز عدة صفحات ليصل إلى حيث يمكنه الاستمرار في القراءة. لا أحب أن تكون قراءة رواية لي عبارة عن جلسة تعذيب للقارئ. كُتبت عندنا الكثير من الروايات البدينة، ثم ماذا؟ العبرة بالأثر، الثرثرة لا تعني بالضرورة طول النفس السردي، كلام كثير ومعنى قليل، هذا هو الحال مع أغلب تلك الكتابات المتورمة للأسف. لا يمكننا أن نقول كل شيء في رواية واحدة دون أن يخلّ ذلك بالجانب الفني ودرجة التلقي التي نريدها لنصوصنا.

> حصلت على عدد من الجوائز منها «جائزة نجيب محفوظ للأدب» عن رواية «اختفاء السيد لا أحد» و«جائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي» عن روايتك «موت ناعم»، كيف ترى علاقتك كقارئ ومؤلف، بأدب وتراث نجيب محفوظ والطيب صالح؟

- أنا سعيد بطبيعة الحال بأني حظيت بجائزتين تحملان اسمي ساردين عظيمين في أدبنا العربي الحديث بوزن نجيب محفوظ والطيب صالح، وأشعر في المقابل بالمسؤولية المعنوية لذلك الامتياز. بالنسبة لمنجز كليهما، فأنا أكثر اطلاعاً وتمثلاً لإرث نجيب محفوظ، مقارنة بتأثري بما كتبه الطيب صالح، من حيث الكم ومن جهة طبيعة الموضوعات والتيمات والشخصيات. لكل منهما بلا شك ما يمكننا أن نتعلم منه دائماً، أثريا المكتبة العربية بأعمال خالدة، من يمكنه أن ينسى ثلاثية نجيب محفوظ، وشخصياته مثل (عيسى) في «السمان والخريف» أو (صابر) بطله التائه والباحث عن أصل وجوده في رواية «الطريق»، وكذلك الحال بالنسبة للطيب صالح وأبطاله في روايتَي «موسم للهجرة للشمال» و«عرس الزين».

> كيف ترى مأزق تحول الجوائز الأدبية إلى «حكم قيمة» على الأدباء في الساحة الثقافية العربية وكأن من لم يحصد هذه الجائزة أو تلك يصبح مداناً على نحو ما؟

- مع الأسف، هذا هو الانطباع السائد. الجوائز ليست نهاية المطاف، إنها مجرد علامات، إشارات. وما يصمد حقاً أمام الزمن وتعاقب القراء من أجيال مختلفة باختلاف الذائقة والتأويلات هو النص والقيمة الفنية والإنسانية. الآداب والفنون ذاتية إلى أبعد حدّ، بالنسبة للكاتب وبالنسبة للمتلقي، وبقاء الرواية وتحقيقها لصدى بمرور الزمن هو المحك الحقيقي. الحصول على جائزة ليس علامة جودة أبدية للكاتب ولنصوصه إجمالاً. كما أن عدم الحصول عليها لا يعني أبداً حكماً نهائياً بمستوى الروايات غير المتوجة بجوائز. الرواية في امتحان، فحص حقيقي، فنياً وقيمياً، عند كل قارئ مختلف في كل مرة، يتمتع بحد من التراكم والاستقلالية. لا يمكنني أن أتخيل أن هناك إجماعاً حول رواية ما مهما كان من كتبها. الجوائز الأدبية لا تصنع أديباً أو مبدعاً.

> ماذا عن واقع الرواية الجزائرية حالياً... كيف ترى المشهد بأبعاده المختلفة؟

- هناك طفرة في عدد الإصدارات تحت اسم «الرواية»، والجدل بشأنها قائم، بين من يرى فيها ظاهرة صحية يمكن التعويل عليها والصبر لحين تنضج بعض الأقلام الشابة ويتحول الكم إلى كيف، وبين من يرى أنها موجة نجمت عن شبكات التواصل الاجتماعي وحب الظهور. وقع القادمون الجدد في فخ الاستسهال، وليس لديهم من الرصيد المعرفي ولا الصبر الكافي للخروج بنصوص تتوفر فيها الشروط الأساسية. من جهتي، لا أعرف ما قد تتمخض عنه الحالة في المستقبل، لا أستطيع التوقع، لكن أثرها الحالي سلبي، يتم التعمية على الكتابات الجادة، والكثرة تضع القارئ في حالة ارتباك... لا أحد لديه الوقت ولا الجهد لقراءة كل ما يصدر، ومن بعد ذلك يقوم بالفرز. دور الصحافة الثقافية تراجع كثيراً ومن يقومون بالنقد كذلك.

> هل الرواية الجزائرية بحاجة لفتح آفاق جديدة بعيداً عن المسارات التقليدية مثل وطأة حضور التاريخ وسؤال الهوية؟

- الموضوعات التي يعالجها الروائيون والروائيات في بلدي كثيرة، ولا تقتصر في الوقت الحاضر على التاريخ أو الهوية. كانت لدينا ما تسمى بـ«رواية الأزمة»، ويقصد بها تلك النصوص التي كتبت غداة «العشرية السوداء» والمأساة الوطنية، والآن هناك انفتاح أكبر على «ثيمات» محلية وإنسانية نشترك فيها مع مجتمعات أخرى، كما أن مقاربة الهوية والتاريخ روائياً لا تعني التكرار، طريقة المعالجة والرؤية قبل ذلك مختلفة عما كُتب من قبل.

> كيف ترى شكوى بعض الأدباء المغاربة من تهميش أعمالهم بسبب بعدهم الجغرافي عن مراكز الثقل في المشرق العربي؟

- التكنولوجيا الحديثة ألغت عوائق الجغرافيا والزمن، أظن أننا أكثر اطلاعاً على ما ينجز هنا وهناك، معارض الكتاب لعبت دوراً مهماً في السنوات الأخيرة، والتواصل خلال الفعاليات والتظاهرات الثقافية أفضل بكثير مما كان سائداً من قبل. صراحة لا أرى في الوقت الحاضر أي مشكلة يمكن أن تثير نقاشات غالباً ما تتخذ طابعاً «شوفينياً» بلا معنى، ولا يخدم أحداً في المغرب أو في المشرق العربيين.



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي