غزة تقسّم المشهد الثقافي الفرنسي

موجة من الإلغاءات طالت التظاهرات الثقافية حول فلسطين

ميشيل ويلبيك
ميشيل ويلبيك
TT

غزة تقسّم المشهد الثقافي الفرنسي

ميشيل ويلبيك
ميشيل ويلبيك

- «كيف بتطلعي على واحد خسر كل شيء؟».

- «بشفق عليه».

- «إحنا ماكنش بدنا شفقة من حدا كان بدنا نرجع على بلادنا».

بوستر" وردي"

هذا الحوار من فيلم التحريك «البرج» أو («وردي» في النسخة الفرنسية)، وهو عمل من إنتاج نرويجي سويدي فرنسي، للمخرج النرويجي ماتس غرود. هذا العمل الفني يجسّد أحلام اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون على أمل العودة إلى وطنهم بعيون فتاة صغيرة تسمى «وردي»، وكان من المفروض أن يُعرض في عدد من المدارس الفرنسية على جمهور من الأساتذة والتلاميذ، في إطار ما يسمى «مهرجان السينما في التكميليات» إلى أن صدر قرار مفاجئ بإلغاء كل العروض المبرمجة عقب هجوم 7 أكتوبر (تشرين الثاني). عميد أكاديمية باريس المسؤول عن هذا الإلغاء برّر القرار «بالسياق الدولي الشّديد التوتر» وهو ما أثار موجة من الانتقادات، على رأسها موقف «المرصد الفرنسي للإبداع» الذي استنكر في بيان رسمي بعنوان «الأعمال الفنية ليست مُذنبة»، جاء فيه ما يلي: «المرصد يستنكر بشدة إلغاء العروض الثقافية، ويناشد المُبرمجين من مسؤولين على مستوى المؤسسات الثقافية والساسة احترام التزاماتهم بنشر الأعمال مهما كانت جنسية المبدعين أو موضوع الأعمال». صحيفة «ليبيراسيون» التي نقلت هذا الخبر أشارت إلى أن قرار الإلغاء سابقة خطيرة لم تشهدها فرنسا منذ 30 سنة من وجود هذه العروض التي يشاهدها سنوياً مليونا تلميذ. الصحيفة نقلت التعليق التالي: «دعونا نسمي الأشياء باسمها، إنها رقابة... وهو أمر مؤسف، خاصة أن (وردي) فيلم غني بالمعلومات والحقائق التاريخية التي يجهلها الجمهور غير العربي، والتي قد تفسر له حيثيات الوضع الحالي». وفي مقال آخر بعنوان «منع عرض فيلم تحريك عن فلسطين»، نقرأ على موقع «كونتر أتاك» أن مشكلة هذا الفيلم هي أنه يضفي على الفلسطينيين طابعاً إنسانياً، أي أنهم ليسوا إرهابيين مُتوحشين، ليس لهم هدف آخر في الحياة سوى قتل الإسرائيليين، وهذه حقيقة قد تزعج البعض. في حوار مع موقع «أنفيستيغ إكسيون» صرحّت الفلسطينية روان عودة، إحدى منظمات «مهرجان سينما فلسطين»، في مقال بعنوان «كل مبادرة ثقافية على صلة بفلسطين أصبحت مهددة»، أن «قرارات رسمية صدرت بقطع المساعدات المادية عن المخرجين الفلسطينيين، وكل التظاهرات الثقافية والسينمائية والموسيقية التي نوّد تنظيمها لشرح الأوضاع في فرنسا تمنع، بل تُلغى تماماً، ليست لدينا أي أخبار عن المشاركين في الطبعة العاشرة من (مهرجان سينما فلسطين) بسبب الأوضاع، كما أن رفض منح تأشيرات السفر عقّد الأمور أكثر، وبالرغم من ذلك نحن نكتب لهم باستمرار، على أمل أن يروا رسائلنا ولا يفقدوا الأمل».

كارولين فورسيت

كما نقلت أسبوعية «تيلي راما»، في موضوع بعنوان «في مرسيليا، وباريس، وتولوز، إلغاء النشاطات الثقافية المرتبطة بفلسطين يثير القلق»، شهادة كثير من مسؤولي المؤسسات الثقافية الذين عبّروا عن استيائهم من موجة الإلغاءات التي أعقبت هجوم 7 أكتوبر. فلورانس مارفين، رئيسة لجنة التوأمة بين مدينة حلحول الفلسطينية (الضفة الغربية) وأنوبون (شمال فرنسا)، عبّرت عن غضبها بعد قرار البلدية إلغاء تظاهرة فنية حول السينما الفلسطينية، مصّرحة للمجلة الفرنسية: «التوأمة تعزز العلاقات بين المدن مع مراعاة جميع الحساسيات، وهي جمعية غير سياسية، ولذا فلا يوجد سبب لإلغاء هذه التظاهرة، هناك من يمنعنا من الحديث عن فلسطين... إنه أمر مُنافٍ للديمقراطية». معهد العالم العربي، على غرار المؤسسات الأوروبية الأخرى، قرر أيضاً إلغاء التظاهرات المبرمجة على هامش فعاليات معرض «ما تقدمه فلسطين للعالم». مارتان غارايان، مساعد رئيس المعهد شرح سبب هذا الإلغاء في بيان صحافي: «نظراً لعدد الضحايا من المدنيين من غير اللائق الاستمرار في الفعاليات، وخاصة الموسيقية»، مذكراً بأن التحاق المشاركين بالمعرض في باريس أصبح مستحيلاً حالياً بسبب الحصار. وسائل الإعلام الفرنسية نقلت أيضاً قرار عمدة شوازي لو روا (ضاحية باريس) بإلغاء عرض مسرحية البريطاني العراقي حسن عبد الرزاق «ها أنا ذا»، المستوحاة من القصّة الحقيقية لأحمد الطوباسي، وهو شاب فلسطيني ولد في مخيم جنين، وتتّبع رحلته من الكفاح المسلح إلى المسرح كأداة للمقاومة.

روفائيل أنتوفين

وإضافة إلى موجة الإلغاءات، فإن تفاعل المثقفين الفرنسيين مع الأوضاع المأساوية في غزة تباين بين تأييد مُطلق لإسرائيل، واستنكار لما يتعرض له المدنيون في غزة. ففي صحيفة «لوموند»، في موضوع بعنوان «الحرب بين إسرائيل و(حماس) تقسم النخبة الفكرية» يشرح الفيلسوف بيار شاربونيي أنه بعد هجوم 7 أكتوبر تكوّن لدينا معسكران، من جهة من يُتهمون بمعاداة السامية ممن يؤيد القضية الفلسطينية، ومن جهة أخرى من يُتهمون «بالفاشية»، وهم الفريق الذي يؤيد الحرب التي تشنّها إسرائيل.

صحيفة «لومانيتيه» مثلاً نشرت لائحة من إمضاء مثقفين وفنانين، من بينهم الكاتبة الحاصلة على جائزة نوبل للأدب، آني إرنو، جاء فيها أن «هذه الهجمات تشكل عقاباً جماعياً بغيضاً للشعب الفلسطيني وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، ولا تشكل بأي حال من الأحوال ممارسة لحقّ الدفاع عن النفس». في عمود آخر بصحيفة «لوموند»، بعنوان «للدفاع عن السلام يجب الاعتراف بأن حياة البعض تساوي حياة البعض الآخر...» يحذر مجموعة من المفكرين، منهم الباحث في العلوم السياسية برتران بادي ورجان سيناك والفيلسوف إيتيان باليربار والمؤرخ جيروم سيغل من غياب التوازن في التعامل مع أطراف النزاع الفلسطيني والإسرائيلي، فبينما تتعاطف وسائل الإعلام والجهات السياسية مع ما حدث للإسرائيليين، تتجاهل تماماً آلام ومعاناة الفلسطينيين، وكأنهم مجرد أرقام. المجلة الثقافية «لي زاروكوبتيبل» سألت في عددها الـ26 المفكر المخضرم إدغار موران (102 سنة) عن أكثر حدث استاء منه هذه السنة فقال: «لا أشعر بالاشمئزاز فقط، بل بالرعب، بؤرة حرب جديدة ظهرت بعد هجوم (حماس)، والردّ القاسي والمتوحش لإسرائيل على غزة، القضية النائمة لآخر احتلال في الكون، الذي يستهدف الشعب الفلسطيني، استيقظت، نحن أمام خطر اشتعال الوضع في الشرق الأوسط وحرب عالمية جديدة».

في المقابل، عبّرت شخصيات أخرى عن تعاطفها مع إسرائيل، أحياناً بطريقة صادمة كالكاتبة كارولين فوريست، التي أعلنت في لقاء بقناة «بي إف إم تي في» أن «هناك فرقاً بين الضحايا الإسرائيليين والضحايا الفلسطينيين، لأن إسرائيل لم تقصد قتل الأطفال، لأنها كانت تدافع عن نفسها، عكس (حماس)». تصريحات كارولين فوريست انتقدت بشدة، لأنها توحي بأن أرواح الإسرائيليين أكثر قيمة من أرواح الفلسطينيين. النائبة ماتيلد بانو من حركة «فرنسا الأبية» اليسارية تقدمت بشكوى لهيئة «أركوم»، التي تراقب محتوى وسائل الإعلام للاحتجاج على تصريحات الكاتبة الصادمة.

صحيفة «ليبيراسيون»: قرار إلغاء عرض فيلم «وردي» سابقة خطيرة لم تشهدها فرنسا منذ 30 سنة من وجود هذه العروض التي يشاهدها سنوياً مليونا تلميذ

الفيلسوف رافائيل أنتوفن هو الآخر حاول تبرير جرائم إسرائيل بقوله: «هناك فرق بين المدنيين الذين يُقتلون في الشوارع على يد قوات كوماندوز إسلامية، وبين الضحايا العرضيين للتفجيرات التي أعقبت هذا الهجوم، يجب أن ننوه بهذا الفرق، بل من المهم القيام بذلك». الفيلسوف برنار هنري ليفي ذهب أبعد من ذلك، حين شرح في لقاء صحافي ما مفاده أن «المسؤول عن موت الأطفال الفلسطينيين هم آباؤهم، لأن الجنود الإسرائيليين يحذرون سكان غزة قبل إطلاق القنابل». الكاتب المثير للجدل ميشيل ويلبك أكد مرة أخرى مساندته لإسرائيل، حين صرّح في حوار مع التلفزيون الإسرائيلي بأن الجيش الإسرائيلي يفوز دائماً، وسيفوز هذه المرة أيضاً، منتقداً ردود الأفعال المُعادية لإسرائيل في فرنسا، التي أرجعها لنفوذ اليسار، الذي يحاول كسب أصوات المسلمين من سكان الضواحي.


مقالات ذات صلة

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار
ثقافة وفنون سيرة سينمائية بلا ماكياج

سيرة سينمائية بلا ماكياج

في كتابه «صانع النجوم حلمي رفلة - سيرة سينمائية بلا ماكياج» الصادر عن دار «آفاق» بالقاهرة، يتتبع الشاعر جرجس شكري سيرة واحد من المؤسسين الأوائل لصناعة الفيلم

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية،

فارس الذهبي

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.