غزالي عثماني... «الديمقراطي العميق» الطامح إلى ولاية ثالثة رغم المعارضة

رئيس جزر القُمُر رفع شعار «الضربة القاضية»... وتعهّد «مواصلة البناء»

قاد عثماني انقلاباً عام 1999 وبقي على رأس الدولة لمدة 3 سنوات أشرف خلالها على عملية المصالحة الوطنية
قاد عثماني انقلاباً عام 1999 وبقي على رأس الدولة لمدة 3 سنوات أشرف خلالها على عملية المصالحة الوطنية
TT

غزالي عثماني... «الديمقراطي العميق» الطامح إلى ولاية ثالثة رغم المعارضة

قاد عثماني انقلاباً عام 1999 وبقي على رأس الدولة لمدة 3 سنوات أشرف خلالها على عملية المصالحة الوطنية
قاد عثماني انقلاباً عام 1999 وبقي على رأس الدولة لمدة 3 سنوات أشرف خلالها على عملية المصالحة الوطنية

متعهداً بـ«مواصلة بناء البلاد»، اعتلى رئيس جمهورية جزر القُمُر غزالي عثماني مسرحاً في أول مهرجان انتخابي له، أقيم في ملعب لكرة القدم بمسقط رأسه ميتسودغي الواقعة على بُعد بضعة كيلومترات عن موروني عاصمة «القُمُر الكبرى» أكبر جزر الأرخبيل المكون للدولة العضو في جامعة الدول العربية، والواقعة في عمق المحيط الهندي في منتصف الطريق بين جزيرة مدغشقر والساحل الأفريقي. عثماني عقيد الجيش السابق الذي حكم البلاد للمرة الأولى إثر انقلاب عسكري عام 1999، ثم حكمها بزي مدني عقب فوزه في الانتخابات الرئاسية عام 2002، قبل أن يبعد عن السلطة عِقداً من الزمان ليعود رئيساً عام 2016 ويفوز بولاية ثانية عام 2019، يسعى اليوم للفوز بولاية ثالثة في الانتخابات المقرر إجراؤها في 14 يناير (كانون الثاني) الحالي؛ ما يمكنه من البقاء على قمة السلطة حتى 2029.

وقف غزالي عثماني بين أنصاره في ملعب كرة القدم مرتدياً بزة زرقاء بنفس لون حزب «اتفاقية تجديد جزر القُمُر» الحاكم، ليكرّر شعار «الضربة القاضية»، الذي روّجت له أغنية الحملة الانتخابية. وفي الخطاب عن حالة الاتحاد أمام مجلس الأمة، أخيراً، طالب عثماني منافسيه في الانتخابات الرئاسية بالانضمام إليه لـ«الحفاظ على التناوب السياسي السلمي والديمقراطي للسلطة». ودعا إلى «السلام وترسيخ الديمقراطية والتماسك الاجتماعي». ثم تعهد بـ«العمل مع جميع الجهات السياسية الفاعلة والمجتمع المدني؛ لضمان إجراء انتخابات حرة وشفافة وديمقراطية».

نشأة عسكرية

وُلد غزالي عثماني في الأول من يناير (كانون الثاني) 1959 في مدينة ميتسودغي، بجنوب غرب جزر القُمُر. واختار المسار العسكري في سن الثامنة عشرة؛ إذ درس في الكلية الملكية العسكرية المغربية بمدينة مكناس، في جناح المظليين، خلال الفترة من 1977 حتى 1980. وبعد العودة من المغرب، خدم عثماني في القوات المسلحة القُمُرية. وفي نهاية الثمانينات أصبح واحداً من الضباط الكبار بالجيش.

بعدها، عام 1996 التحق عثماني بدورة عسكرية في الأكاديمية الحربية بفرنسا، ورقّي لاحقاً إلى رتبة عقيد، ثم عُيّن رئيساً لأركان الجيش عام 1998. ولقد مكّنه موقعه البارز من الدخول إلى معترك السياسة؛ إذ تُعرف جزر القُمُر بأنها أرض خصبة للانقلابات العسكرية، إذ شهدت عشرين انقلاباً ومحاولة انقلابية في الفترة ما بين عامي 1975 و1999.

غير أن العقيد الطموح تعرّض لانتقادات خلال تلك الفترة، واتُهم بالتخلي عن رجاله، إبان محاولة انقلاب نفّذها المرتزق الفرنسي بوب دينارد عام 1995. ويومها، زعم منتقدوه أنه قال لدينار ورجاله: «انتظروا... سأحصل على تعزيزات»، لكنه بدلاً من ذلك لجأ إلى السفارة الفرنسية في العاصمة موروني. لكن هذه الاتهامات ينكرها عثماني جملةً وتفصيلاً.

الانقلاب على السلطة

يوم 30 أبريل (نيسان) 1999 قاد غزالي عثماني انقلاباً عسكرياً، أطاح الرئيس تاج الدين بن سعيد، وتولّى مقاليد الحكم. وفي حينه برّر عثماني الانقلاب بكونه «ضرورة لمنع اندلاع حرب أهلية»؛ لأن البلاد كانت تشهد أزمة قوية إثر تنامي النزعة الانفصالية بجزيرة أنجوان، ثاني كبرى الجزر الثلاث المكوّنة لاتحاد جزر القُمُر. وبالفعل، بقي عثماني على رأس الدولة لمدة ثلاث سنوات، أشرف خلالها على عملية المصالحة الوطنية وتبني دستور جديد للبلاد يمنح حكماً ذاتياً واسعاً لكل من الجزر الثلاث (القُمُر الكبرى - نكازيجا وأنجوان - حنزوان وموهيلي - موحيلي)، ويضمن تناوب الرئاسة دورياً بينها.

ولكن إثر رفض الأحزاب السياسية للحكم العسكري، اضطر عثمان إلى القبول بإجراء انتخابات رئاسية، فترشح وفاز بها، وأُعلن رئيساً مدنياً عام 2002. ومن ثم، ظل في هذا المنصب حتى أُعلن فوز أحمد عبد الله سامبي في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 14 مايو (أيار) 2006. واكتفى عثماني بولاية واحدة ورفض حينها البقاء في السلطة.

وفي كتاب صدر عام 2009 تحت عنوان «عندما كنت رئيساً»، سلّط عثماني الضوء على «هوسه بترك السلطة بكرامة»، كما كتبت يومذاك مجلة «جون أفريك». وقال رداً على منتقديه: إن «الغالبية تؤمن بالديمقراطية فقط عندما يمكن أن تقودهم إلى السلطة». وحقاً، ظل عثماني يتباهى بتلك الفترة من حياته، بكونه «حمى البلاد من الغرق في حرب أهلية، ووضع دستوراً أسّس للتناوب السلمي على السلطة؛ ما أفضى إلى مصالحة وطنية». غير أن معارضيه يتهمونه بالتساهل مع فرنسا بشأن النزاع حول جزيرة مايوت. ومايوت هذه هي رابع جزر الأرخبيل القُمُري الأربع، لكنها رفضت في تصويت شعبي خيار الاستقلال مع «جاراتها»، مفضلة البقاء تابعة لفرنسا وهي اليوم الدائرة الفرنسية رقم 101.

الديمقراطي العميق

الرجل الذي تباهى لفترة بتخليه عن السلطة، قرّر بعد عشر سنوات الترشح في انتخابات رئاسية أجريت يوم 10 أبريل 2016. واستطاع التقدم على منافسيه في الجولة الأولى، وأجريت جولة انتخابية ثانية للحسم بينه والمرشح المدعوم من السلطة محمد علي صويلحي، استطاع فيها عثماني التقدم أيضاً وإن شاب تلك الجولة عنف وفوضى.

بعد ذلك أمرت المحكمة بجولة ثالثة في بعض المناطق، أسفرت عن تأكيد فوز عثماني، لتعلنه المحكمة العليا رئيساً للبلاد في 15 مايو 2016، فيعود مجدداً إلى مقر الحكم «قصر دار السلام». وخلال حملته الانتخابية تلك حرص عثماني على أن يؤم الناس في صلاة الجمعة، مشدداً على نزعته الإيمانية، ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب) عن أحد مستشاريه حينها قوله: إن «عثماني يعتقد أن ما يحدث له أمر إلهي... ويعدّ الإسلام عنصراً مؤسساً للأمة».

لكن عثماني الذي سبق له أن تخلى عن السلطة وقدم نفسه بوصفه «ديمقراطياً عميقاً»، أقدم عقب فوزه بالرئاسة على حل المحكمة الدستورية العليا، وعدّل الدستور عبر استفتاء عام 2018. ومنح الدستور الجديد عثماني فرصة تمديد الحكم إلى فترتين رئاسيتين، مدة كل منهما خمس سنوات، متجاوزاً نص تناوب الحكم بين الجزر الثلاث الكبرى (القُمُر الكبرى وموهيلي وأنجوان)، الذي نص عليه دستور 2002.

إذ كان من المقرر أن يتولى مرشح من أنجوان الرئاسة في عام 2021، ولكن بموجب تعديل الدستور أُنهي مفعول الرئاسة الدورية؛ ما تسبّب وقتها في اضطرابات ومظاهرات في جزيرة أنجوان التي هي ثاني كبرى جزر الأرخبيل. وبالفعل، قاطعت المعارضة الاستفتاء على الدستور، إلا أن ذلك لم يمنع تمريره، ليدعو عثماني بعد ذلك إلى انتخابات مبكرة في مارس (آذار) 2019، فاز فيها بأكثر من 60 في المائة من الأصوات، وسط احتجاجات من المعارضة التي زعمت وجود مخالفات، بما في ذلك منع المراقبين المستقلين وإجراء الاقتراع المسبق.

في تلك الانتخابات أعلنت الحملة الانتخابية للرئيس، نجاته من محاولة اغتيال في أنجوان، خُطط لها بـ«وضع متفجرات فوق قمة جبل لتسبب انزلاقاً حين تنفجر وقت مرور موكب الرئيس». بيد أن المعارضة شككت في أمر الحادث، وقال إبراهيم محمد سولي، المرشح الرئاسي عن حزب «جوا»، وقتذاك: إن حملة الرئيس الحالي «تختلق هجمات وأحداثاً مزيفة لردع الناس عن المشاركة في الانتخابات بحرية».

معارضة منقسمةثم أن عثماني اتُهم باعتقال خصومه السياسيين، ونددت المعارضة بـ«نزعته السلطوية وفساد نظامه وعجزه عن الحد من الفقر المدقع الذي يعاني منه سكان البلاد البالغ عددهم 870 ألف نسمة». وهنا تجدر الإشارة إلى أن الرئيس القُمُري السابق أحمد عبد الله سامبي يقبع في السجن بتهمة «الخيانة العظمى»، وبعد أربع سنوات من الحبس الاحتياطي، حُكم عليه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بالسجن المؤبد، في ختام محاكمة وُصفت بـ«الظالمة». وفي القضية ذاتها حوكم غيابياً نائب الرئيس السابق محمد علي صويلح، المقيم حالياً في باريس.

وراهناً، تشهد ساحة المعارضة في جزر القُمُر انقساماً واضحاً قبيل الانتخابات الرئاسية، فبينما يؤيد أحمد عبد الله سامبي الانتخابات، يدعم محمد علي صويلح مقاطعتها. وخلال الأيام الأخيرة برزت على الساحة السياسية شخصية «مثيرة للجدل» هي زعيم «الحزب البرتقالي» محمد داود الذي تبوأ منصب وزير الداخلية بين 2016 و2021 إبان عهد عثماني. ونقلت وكالة «أ.ف.ب» عن داود، اقتراحه بـ«توافق مرشحي المعارضة على مرشح واحد فقط»، معلناً استعداده «قيادة الحملة الانتخابية للمرشح الذي سيصار إلى اختياره». وأعلنت حركة «غزالي ارحل» المدعومة من حزب «جوا» الذي يتزعمه الرئيس السابق سامبي، عن مرشحها وهو سليم عيسى عبد الله، الذي يقول إنه «يجسّد العلاج الطبي الذي تحتاج إليه البلاد»، ملمحاً بذلك إلى عمله جراح عظام. وفي المقابل، تعهد بعض أنصار وزعماء المعارضة بمقاطعة الانتخابات؛ لأن «العملية الانتخابية تفتقر إلى الشفافية»، وطالبوا السلطات بالإفراج غير المشروط عن سامبي وجميع السجناء السياسيين الآخرين.

كذلك تريد قوى المعارضة أن تعيد الحكومة تشكيل الهيئة الانتخابية لضمان استقلالها ومنع القوات المسلحة من المشاركة في العملية الانتخابية. وكان عثماني، الذي ترأس بلاده حالياً الاتحاد الأفريقي، قد أقال في مطلع ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عضواً في المحكمة العليا هي حريمية أحمد التي كانت ترأس القسم المعني بالانتخابات.

طموح عثماني الابن

خلال المؤتمر الانتخابي الأول للرئيس عثماني، حضر نجله الأكبر نور الفتح غزالي، البالغ من العمر 39 سنة، مرتدياً قميص بولو أزرق اللون عليه صورة المرشح الرئاسي. وللعلم، يشغل نور الفتح منصب مستشار خاص للرئيس منذ 2019، وعُيّن أخيراً نائباً للأمين العام للجنة المعنية بتمويل الحملة الانتخابية. كذلك تردد اسم نور الفتح بكثرة في أغسطس (آب) الماضي إبان اجتماع الحزب الحاكم الخاص بتعيين أمين عام جديد له، واعتقد كثيرون أن المنصب سيذهب إليه، وهذا دور يبدو نجل الرئيس منفتحاً عليه؛ إذ قال في حديث سابق: «إذا طلب مني الحزب سأقبل قراره».

غير أن حزب «اتفاقية تجديد جزر القُمُر» الحاكم منح في النهاية فترة ولاية جديدة لأمينه العام السياسي المخضرم يوسف محمد علي، وحسب مراقبين ربما يكون تطلع عثماني الأب للبقاء في السلطة السبب وراء تأجيل تولي الابن منصب أمين عام الحزب.

في أي حال، بصفته مستشاراً رئاسياً، غالباً ما يشاهَد نور الفتح عثماني بجوار الوزراء في المؤتمرات الصحافية المتلفزة، وكان له دور فاعل في تنظيم عدد من الأحداث. وهو يقول عن نفسه دائماً إنه «يسعى للكمال». ويرى مراقبون أنه «نظراً لميول عثماني الأب إلى البقاء في السلطة؛ من المتوقع أنه يعد ابنه ليحل محله مستقبلاً».

هذا، وظهر نور الفتح على الساحة السياسية، عقب فوز والده بانتخابات عام 2019، وهو متزوج ولديه ثلاثة أطفال، وحاصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال في التمويل الدولي من الولايات المتحدة، لكن صعوده السياسي لا يحظى برضا الجميع، فبينما يصفه البعض بأنه «زعيم حقيقي، صاحب رؤية»، يرى آخرون أنه «متعجرف، يطبق استراتيجية الأرض المحروقة، ويحاول القضاء على أنصار والده من الساحة السياسية».أخيراً، يأمل أنصار الرئيس عثماني أن تتكرر يوم 14 يناير الحالي نتائج انتخابات 2019 التي فاز عثماني بها من الدورة الأولى، لا سيما في ظل ضعف المعارضة وانقسامها بين فريق مؤيد للانتخابات وآخر يدعو إلى مقاطعتها. وفي حين تخشى المعارضة من «تزوير الانتخابات» وتدعو إلى «ضمان نزاهتها»، يقول مدير حملة عثماني الانتخابية: «يجري الحديث عن تزوير في كل بلد تُجرى فيه انتخابات. وجزر القُمُر ليست استثناءً»، مضيفاً: «أنا متأكد من أننا سنفوز. ونعمل على تعبئة مواطني جزر القُمُر أينما ذهبنا».



لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

انتهت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن، الجمعة، بتوقيع اتفاق إطار قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إنه يمهد «لسلام دائم» بين البلدين. وقال روبيو خلال حفل التوقيع الذي رفعت فيه أعلام الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل جنباً الى جنب «يسرنا الاعلان عن اتفاق إطار بين الحكومة اللبنانية ذات السيادة وبالطبع حكومة إسرائيل، بوساطة ودعم من الولايات المتحدة»، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية». وأشار الى أن هذا الاتفاق يمّهد الطريق «لإطار من أجل سلام دائم وأمن».وتناولت جولة المفاوضات التي رعتها الولايات المتحدة، الانتقال من البحث في وقف النار إلى مناقشة نموذج ميداني يفترض أن تنسحب بموجبه إسرائيل تدريجياً من أراضٍ تحتلها في جنوب لبنان، ليتولى الجيش اللبناني السيطرة عليها ويمنع عودة الوجود العسكري لـ«حزب الله».

الفريق الأميركي في المفاوضات ممثلاً بوزير الخارجية روبيو يحط به السفير الأميركي لدى لدى ميشال عيسى (يمين الصورة) والمسؤول في الخارجية مايكل نيدهام (غيتي/آ ف ب)

وخلف الأبواب وقبيل توقيع الاتفاق وفي غمرة الضجيج الإعلامي الصادر من طهران وأذرعها حول «الانتصارات والمقاومة»، تكشف التفاصيل المسرّبة من غرف التفاوض المغلقة في العاصمة الأميركية واشنطن وسويسرا عن مشهد مغاير تماماً. إنه مشهد تتقاطع فيه الضغوط الأميركية الحازمة مع رغبة إسرائيلية في انتزاع مكاسب أمنية جوهرية، وتنازلات إيرانية هيكلية تعيد صياغة نفوذها الإقليمي من بيروت إلى بغداد.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قال إن الطرفين الإسرائيلي واللبناني أحرزا تقدماً وباتا قريبين جداً من «التزام نيات» (كلامه هذا جاء قبل إعلان الاتفاق الإطاري الجمعة). في حين أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن المفاوضات تتناول الإجراءات الأمنية اللازمة لإعادة الاستقرار وبسط سلطة الدولة حتى الحدود المعترف بها دولياً. غير أن مسؤولين إسرائيليين ولبنانيين نفوا كلاماً أميركياً عن انسحاب من جزء من «المنطقة العازلة» باعتباره «بادرة حسن نية».

هذه الفجوة لا تلغي أهمية الجولة، لكنها تحدد طبيعتها؛ فما تحقق هو تفاهم أوّلي على الاتجاه، لا اتفاق على التنفيذ. لذا تبدو الجولة بداية مسار سياسي وأمني جديد أكثر منها خاتمة لمسار عسكري قائم.

والأهم أن المفاوضات اللبنانية باتت متصلة، من دون أن تكون مندمجة بالكامل، بالتفاوض الأميركي مع إيران؛ إذ تصر واشنطن على أن مستقبل لبنان يناقش مع حكومته، لكنها تحمّل طهران في الوقت نفسه مسؤولية ضبط «حزب الله» ووقف تمويله وتسليحه، بما يجعل الجولة جزءاً من اختبار أوسع لترتيب إقليمي مختلف عمّا ساد قبل الحرب.

من «التزام النيات» إلى اختبار الانسحاب

أبرز ما خرجت به الجولة هو قبول مبدئي بفكرة «المناطق النموذجية» أو «التجريبية». وتقوم الخطة على اختيار مساحة محدّدة تنسحب منها القوات الإسرائيلية بعد التحقق من إزالة البنية العسكرية لـ«حزب الله»، ثم تدخلها وحدات من الجيش اللبناني وتتولّى تأمينها، قبل تكرار النموذج في مناطق أخرى. وهذه صيغة تجمع بين المطلب اللبناني بالانسحاب واستعادة السيادة، والمطلب الإسرائيلي بضمان ألا تتحوّل الأرض المُخلاة إلى منصّة يعيد الحزب منها بناء قدراته.

لكن عبارة «التزام نيات» التي استخدمها روبيو تكشف عن حدود الإنجاز بقدر ما تعكسه؛ فهي تشير إلى توافق على الهدف العام، من دون أن تعني اتفاقاً على الخرائط والجداول الزمنية وقواعد المراقبة.

كذلك، لا يزال الخلاف قائماً حول موقع المنطقة الأولى: هل تبدأ من مساحة تقع شمال الليطاني، كما أفادت معلومات لبنانية، أم من داخل «المنطقة العازلة» التي أقامتها إسرائيل؟

وهل يكون الانسحاب خطوة نحو خريطة شاملة، أم قراراً منفصلاً يخضع في كل مرة إلى تقييم أمني إسرائيلي؟

لقد جاء الالتباس حول الانسحاب ليؤكد أن هذه الأسئلة لم تحسم بعد؛ فالمسؤول الأميركي قال إن إسرائيل «سحبت قوات من جزء من المنطقة»، من دون تحديد مساحته أو موقعه. وفي المقابل، بينما قال مسؤول أمني إسرائيلي إن الجيش لم ينسحب، أفاد مسؤول لبناني كبير بأن بيروت لا تعلم شيئاً عن الخطوة. وقد يعني ذلك أن واشنطن أعلنت عن موافقة سياسية إسرائيلية قبل تنفيذها، أو أن ما جرى إعادة انتشار محدودة لا تعدّها إسرائيل انسحاباً ولا تملك بيروت معلومات عملياتية عنها.

في الحالتين، تحاول الإدارة الأميركية، على ما يبدو، منع انهيار المفاوضات تحت ضغط المناوشات والضربات. فالجنوب لا يزال منطقة حرب فعلية بالنسبة إلى عشرات آلاف النازحين الذين لا يستطيعون العودة، إما بسبب بقاء القوات الإسرائيلية وإما بسبب الدمار الواسع، ولذلك تقاس قيمة الجولة بقدرتها على إنتاج أول تسليم واضح وموثق للأرض إلى الجيش.

«المناطق النموذجية»

تختلف دلالة الخطة باختلاف الطرف الذي ينظر إليها؛ فبالنسبة إلى لبنان، ينبغي أن تكون «المنطقة النموذجية» أول حلقة في مسار ينتهي بانسحاب إسرائيلي كامل، ووقف الغارات والاغتيالات، وعودة السكان، وانتشار الدولة حتى الحدود الدولية.

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فهي «اختبار لقدرة» الجيش اللبناني على إزالة منشآت «حزب الله»، وضبط طرق الإمداد، ومنع عودة عناصر الحزب بصفة مدنية أو عبر هياكل محلية.

لذلك تتمسك إسرائيل بمقاربة «منطقة بعد أخرى»؛ لأنها لا تريد الالتزام سلفاً بخريطة انسحاب شاملة قبل أن ترى نتائج المرحلة الأولى. كما أنها تربط أي تراجع بنزع سلاح الحزب أو، في الحد الأدنى، بتجريد المنطقة المعنية من البنية العسكرية والأسلحة القادرة على تهديد مستوطنات الشمال. في المقابل، تخشى بيروت أن تتحوّل الخطة إلى «إعادة تنظيم للاحتلال»، بانسحاب من نقاط ثانوية والإبقاء على شريط أمني أضيق.

هذا الخلاف يترك سؤالاً أساسياً بلا جواب: ما المقصود حقاً بنزع سلاح «حزب الله»؟ هل يقتصر في المرحلة الأولى على إبعاد السلاح والمقاتلين عن المناطق التي ستنتشر فيها الدولة؟ أم يشمل ترسانة الحزب على مستوى لبنان؟

وما الأولوية بين الصواريخ الدقيقة والبعيدة، والطائرات المسيّرة، والدفاعات الجوية، والصواريخ المضادة للدروع، والأنفاق ومراكز القيادة؟

المُعلن حتى الآن لا يثبت اتفاقاً نهائياً على نوع السلاح أو جدول جمعه. والأرجح أن واشنطن تحاول «تفكيك» المشكلة إلى مراحل: تثبيت مناطق خالية من الوجود العسكري أولاً، ثم الانتقال إلى السلاح الثقيل والاستراتيجي، مع ترك ملف السلاح الفردي والبنية التنظيمية إلى عملية لبنانية أطول. لكن بينما تقول إسرائيل إنها تخشى أن يمنح التدرّج الحزب وقتاً لإعادة التموضع، يخشى لبنان صداماً داخلياً يعجز الجيش عن احتوائه.

«الضمانة الأميركية»

هنا تبرز أهمية الضمانة الأميركية؛ فنجاح النموذج يتطلب آلية تحقق تحدّد من يقرّر أن المنطقة أصبحت خالية من السلاح، وكيف ترصد الخروق، وما الذي يحدث إذا حاول الحزب العودة إليها، وما حدود الحق الإسرائيلي في التحرك. ذلك أنه من دون اتفاق على هذه القواعد، قد يصبح كل خرق ذريعة لاستئناف الغارات، وكل غارة سبباً لعودة لقتال.

فصل مسار لبنان ومسؤولية إيران

للوهلة الأولى، تبدو السياسة الأميركية حيال لبنان «مزدوجة».

وزير الخارجية روبيو يؤكد أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل «منفصلة» عن المباحثات مع إيران؛ لأن لبنان دولة ذات سيادة، ولديه حكومة تتعامل واشنطن معها مباشرة. لكن نائب الرئيس جي دي فانس يقود في موازاة ذلك مساراً تفاوضياً مع طهران يتضمّن وقف القتال في لبنان، وبين هذا وذاك، يهدد الرئيس دونالد ترمب بضرب إيران مجدداً إذا لم تمنع «حزب الله» من «إثارة المتاعب».

غير أن هذا «التعدّد» قد يكون توزيعاً للأدوار أكثر منه تناقضاً. فمسار روبيو يحدد صاحب الحق في القرار... أي الحكومة اللبنانية، لا إيران ولا «حزب الله». أما مسار فانس فيتعامل مع الطرف القادر على تعطيل القرار عبر التمويل والتسليح والتوجيه السياسي. وبهذا المعنى، تحاول واشنطن الفصل بين «شرعية» التفاوض و«مسؤولية» التخريب: إنها تتفاوض على مستقبل لبنان مع بيروت، لكنها تتفاوض مع طهران على وقف دعم القوة التي تستطيع إفشال أي ترتيب. ومن ثم، تستخدم الإدارة حاجة طهران إلى تثبيت وقف الحرب وتخفيف العقوبات للضغط عليها في ملف «حزب الله»، من دون منحها وصاية على لبنان.

لذلك تبدو تصريحات ترمب أكثر من تهديد عابر؛ فهي تنقل المسؤولية عن عمليات الحزب من مستوى التنظيم المحلي إلى الدولة الراعية، وتقول عملياً إن استمرار العنف في لبنان قد تكون له كلفة مباشرة على إيران.

بيد أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطرة واضحة؛ فإدراج لبنان في «مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية» يمنح طهران ورقة للقول إن انسحاب إسرائيل تحقق نتيجة ضغطها ومفاوضاتها، لا نتيجة المسار اللبناني. وأيضاً، يثير خشية في بيروت وتل أبيب من أن تصبح تفاصيل الأمن اللبناني جزءاً من مساومات تتعلق بالنووي والعقوبات ومضيق هرمز. ولهذا يصرّ روبيو على الفصل العلني، حتى وهو يقرّ بأنه لا يمكن تجاهل البُعد الإيراني بسبب علاقة طهران بـ«حزب الله».

من هنا، يرى البعض أن واشنطن لا تستطيع الفصل الكامل بين المسارين، لكنها تمنع دمجهما سياسياً، وأن نجاحها يتوقّف على قدرتها على استخدام النفوذ الإيراني لضبط الحزب من دون تحويل إيران إلى شريك في تقرير شكل الدولة اللبنانية أو حدود الترتيبات مع إسرائيل.

من افتتاح جلسة المفاوضات الخامسة في واشنطن (الوكالة الوطنية للأنباء - لبنان)

مخاوف إسرائيل وامتحان الجيش اللبناني

ينطلق القلق الإسرائيلي من أن التفاهم الأميركي مع إيران قد ينقذ «حزب الله» من نتائج الحرب؛ فمسؤولون إسرائيليون يخشون أن تنتقل الأولوية الأميركية من تفكيك الحزب وإخراج النفوذ الإيراني إلى مجرد وقف النار ومنع الاحتكاك، وأن تضغط واشنطن على إسرائيل للانسحاب قبل قيام ضمانات أمنية قادرة على الصمود.

ولهذا تتمسّك إسرائيل بحرية العمل ضد ما تعتبره إعادة تسلح أو تهديداً وشيكاً، وترفض حتى الآن تقديم التزام غير مشروط بالعودة إلى الحدود. وبالفعل، باتت «المنطقة العازلة» ورقة تفاوض وضمانة أمنية؛ وبالتالي، فإن التخلي عنها بلا نزع للسلاح يعرّض نتنياهو لانتقادات داخلية.

في المقابل، يواجه الجيش اللبناني امتحاناً يتجاوز دخول الأرض التي تنسحب منها إسرائيل؛ إذ عليه أن يثبت قدرته على البقاء فيها وضبطها، وأيضاً منع عودة الحزب، والتعامل مع مخازن السلاح والأنفاق، من دون الانجرار إلى مواجهة أهلية. يضاف إلى ذلك أنه يحتاج إلى عديد وتجهيز وتمويل وغطاء سياسي، لا تزال كلها موضع سؤال، خصوصاً مع اتساع الدمار والحاجة إلى حماية عودة السكان وتأمين الحدود.

في هذه الأثناء، تبحث الولايات المتحدة تدريب الوحدات اللبنانية والتحقق من جاهزيتها وموثوقيتها. ولقد تداولت تقارير دوراً محتملاً للقيادة الوسطى الأميركية (سينتكوم) في الإشراف أو المراقبة، لكن لم يصدر حتى الآن أي إعلان نهائي يحدّد ما إذا كانت الـ«سينتكوم» ستتولى تدقيقاً مباشراً في العناصر... أم ستكتفي بالدعم والتنسيق.

محللون يرون أن المشكلة الأعمق هي أن انتشار الجيش ليس مرادفاً لنزع السلاح؛ إذ يمكن للجيش أن يتولى الإشراف على منطقة محدّدة إذا انسحبت إسرائيل منها وتوافرت له المساعدة، لكن تفكيك منظومة «حزب الله» في أنحاء لبنان يحتاج إلى قرار سياسي وطني وآلية تدريجية وضمانات للطائفة الشيعية، إضافة إلى منع إيران من إعادة بناء قنوات التمويل والتسليح.

وإذا حمّلت واشنطن الجيش وحده أكثر مما يستطيع تحمّله، فقد يتحول النموذج من اختبار لسيادة الدولة إلى اختبار يكشف عن حدودها.


عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)
TT

عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)

تضع إيران نتائج الحرب الحالية في إطار «انتصار» أجبر إسرائيل على بحث الانسحاب. وجاء تهديد قائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني بأن إسرائيل ستنسحب طوعاً أو «تفرّ مهزومة»؛ في محاولة واضحة لتقديم المسار التفاوضي باعتباره ثمرة صمود محور طهران.

ومع أن تصريح قاآني لا يخفي بأنه خطاب تعبوي موجّه إلى الداخل ولأذرع إيران في المنطقة، لا يمكن تجاهل حقيقة أن إيران نجحت في إدراج وقف القتال في لبنان ضمن تفاهماتها مع واشنطن، وأنها حافظت على النظام وعلى ورقة تفاوض إقليمية رغم الضربات.

في المقابل، صورة القوة الإيرانية تبدو مختلفة عند قياسها بما اضطرت طهران إلى قبوله. فلبنان يخوض «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل حول انتشار الجيش ونزع سلاح أبرز حلفائها. وواشنطن تحمّل إيران علناً مسؤولية سلوك «حزب الله»، في حين تواجه الفصائل الموالية لطهران في العراق ضغوطاً للاندماج في مؤسسات الدولة أو تقليص مظاهر سلاحها المستقل. وهذا، بجانب أن التفاوض على العقوبات والملف النووي بات مرتبطاً بدرجة ما بقدرة إيران على ضبط شبكتها الإقليمية.

هنا، يرى السفير الأميركي السابق جيمس جيفري في «فورين أفيرز» أن الإخفاق في تحقيق الأهداف القصوى لا يعني انتصار إيران؛ لأن المواجهات منذ 2023 أضعفت قدراتها وشبكة وكلائها وعززت موقع واشنطن. غير أن هذا التقييم يظل موضع نقاش، خصوصاً أن «حزب الله» لم يختف، والفصائل العراقية لم تُنزع أسلحتها، وإيران أظهرت قدرة على استخدام هرمز وملفات المنطقة لفرض تفاوض مباشر.

بناءً عليه، قد يكون من الأدق القول إن المنطقة تدخل «مرحلة انتقال»، لا نهاية مكتملة لمحور إيران. إذ تنتقل طهران من الاعتماد على تنظيمات كبيرة ومعلنة تملك ترسانات واسعة إلى شبكات أصغر وأكثر سرّيّة، أو تقبل بدمج شكلي لبعض الفصائل مع احتفاظها بنفوذ داخل مؤسسات الدولة.

لذلك؛ سيكون نجاح النموذج اللبناني مهماً أبعد من حدوده: فإذا انسحبت إسرائيل، وانتشر الجيش، ومُنع الحزب من استعادة وجوده، يصبح هذا الواقع سابقة لحصر السلاح بيد الدولة. وعندها فقط يمكن القول إن الجولة الخامسة دشّنت مرحلة مختلفة في لبنان والمنطقة. أما إذا بقي الانسحاب معلقاً أو عاد الحزب إلى المناطق المُخلاة، فستتحول الجولة الخامسة هدنة تفاوضية أخرى.


آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
TT

آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!

أطلق على نفسه اللقب الذي بات يعرف به اليوم: El Tigre (أي النمر)، ويقول إنه يتوكّل على الله والشعب وإن الحقيقة العارية نبراسه في السياسة. وعندما فاجأ القاصي والداني بفوزه في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية في كولومبيا قال إن انتصاره يعني «الهزيمة الكاملة لجميع السياسيين والأحزاب التي حكمت البلاد إلى اليوم». ولكن على الرغم من خطاب آبيلاردو دي لا اسبيريلّا، الذي أكّد فيه على امتداد حملة الانتخابات الرئاسية بأنه «نزل إلى الميدان» ليطوي صفحة الماضي إلى غير رجعة، جاء فوزه بفارق صغير جداً على منافسه اليساري، ليضع بلاده كولومبيا ضمن المعسكر اليميني المتطرف الذي انضمت إليه 12 دولة في أميركا اللاتينية خلال السنوات الثلاث الماضية.

عندما ظهرت النتائج النهائية للدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية في كولومبيا، معلنة فوز المرشح اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا اسبيريلّا بنسبة 49.66 في المائة من الأصوات مقابل 48.70 في المائة لمنافسه اليساري إيفان سيبيدا المدعوم من الرئيس الحالي غوستافو بترو، خرج الرئيس المنتخب أمام أنصاره في مدينة بارّانكيّا، ليقول: «أرث بلداً صعباً، بلداً منقسماً على ذاته، مثقلاً بالديون وفي حاجة إلى إعادة الإعمار. لن أعدكم بالمعجزات ولن أخادع الشعب بحلول سحرية. النهوض من الهاوية يقتضي جهداً وتضحيات وانضباطاً ومثابرة». ثم أضاف: «أعرف أننا قد ورثنا كارثة، لكن ما إن أتولى السلطة في السابع من أغسطس (آب) المقبل، سأكشف النقاب عن تسعين مرسوماً في الأمن والاقتصاد والصحة والتعليم، من شأنها أن تغيّر ملامح البلاد إلى الأبد».

وبالمناسبة، فإن بارانكيّا، ميناء البلاد الأول، دارت فيه أحداث رائعة غابرييل غارسيّا ماركيز «وقائع موت معلن»، التي تروي قصة حقيقية بطلها مهاجر متحدر من أصول لبنانية يدعى سانتياغو نصّار.

سياسياً، على رغم التأييد الشعبي الواسع الذي ناله دي لا اسبيريلّا في هذه الانتخابات وناهز 13 مليوناً من الأصوات، أي ربع عدد السكان تقريباً، فإنه كان يعلم أن منافسه اليساري حصد هو أيضاً نسبة عالية من الأصوات تقارب ما حصل عليه هو. ومن ثم، فبرنامجه لتحقيق «المعجزة الكولومبية» الموعودة وتعهده بإحداث تغيير جذري في كل القطاعات، ستكون دونهما عقبات كثيرة ليس أقلّها أن نصف البلاد تقريباً يعارض سياسته بشدة.

البداية والمسيرة

ولد آبيلاردو دي لا اسبيريلّا في بوغوتا عاصمة كولومبيا قبل 47 سنة، وبعد نيله شهادة الحقوق من جامعة بوغوتا أسّس مكتباً للمحاماة سرعان ما اكتسب شهرة واسعة بعدما تولّى الدفاع في قضايا عدة عن متهمين بأعمال احتيال ضخمة واغتيالات تعرّض لها زعماء نقابيون وسياسيون. وكذلك تولّى أيضاً الدفاع عن رجل الأعمال المعروف أليكس صعب الذي كان الذراع المالية لنظام الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو.

وإلى جانب نشاطه في المحاماة، خاض دي لا اسبيريلّا أيضاً مجال الأعمال، حيث أسس مؤسسات عدة للملابس الرجالية الفاخرة والمشروبات والمطاعم، إلا أنه بعد فشلها، قرّر إقفالها جميعاً مطالع العام الماضي في أعقاب تسجيلها خسائر تقدّر بملايين الدولارات. كذلك، سبق للرجل دخول مجال الغناء كمغنٍ يؤدي وصلات من الأغاني الشعبية الإيطالية المشهورة والأوبرا.

الترشّح للرئاسة

مطلع الصيف الماضي أعلن دي لا اسبيريلّا عن نيّته الترشّح للانتخابات الرئاسية، علماً بأنه لم يسبق أن تولّى أي وظيفة رسمية، ولم يشارك في أي نشاط سياسي. ولم يطل الوقت حتى أطلق حملة لجمع التواقيع دعماً للتيّار الذي ترشّح باسمه «المدافعون عن الوطن»، وتحالف مع الوزير السابق خوسيه مانويل رستريبو، الذي يحظى بتأييد واسع في الأوساط اليمينية، كمرشح لمنصب نائب الرئيس.

والواقع، أنه عندما أعلن دي لا اسبيريلّا ترشحه الرسمي وكشف عن برنامجه السياسي الذي يتضمّن مقترحات راديكالية لم يسبق أن طرحها أي حزب أو زعيم سياسي في كولومبيا، لم تكن شعبيته تتجاوز 10 في المائة من الناخبين وفق استطلاعات الرأي الأولى. وكان من مقترحات برنامجه: إنهاء جميع عمليات السلام مع الجماعات المسلحة وإلغاء الاتفاقات الموقّعة في إطارها، وترخيص حمل السلاح للمدنيين، وإلغاء عدد من الوزارات والانسحاب من منظمات دولية مثل محكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة، وترميم العلاقات مع إسرائيل بعدما كان قرّر قطعها الرئيس الحالي غوستافو بترو... بل وفتح سفارة لكولومبيا في مدينة القدس.

«إيمان» متأخر... وتقارب مع إسرائيل

أيضاً، أعلن المرشح اليميني المتطرف أنه سيقارب العلاقات مع «الجارة» فنزويلا، ولكن عن طريق وزارة الخارجية الأميركية لا عن طريق حكومة الرئيسة دلسي رودريغيز. وكان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»، مع الإشارة إلى أنه كان ملحداً حتى عام 2021 عندما أعلن اعتناقه الكاثوليكية. وأيضاً، هناك توعّده الضرب بيد من حديد لمكافحة الجريمة، والدفاع عن الأسرة التقليدية والملكية الخاصة، ومنع الإجهاض والموت الرحيم والسماح للمثليين بالتبنّي، كما تعهد إقفال محكمة السلام التي أسّست لمحاكمة الثوار والعسكريين السابقين الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية.

من ناحية ثانية، ملفّات كثيرة حول علاقات دي لا اسبيريلّا بأشخاص ضالعين في قضايا فساد وجرائم، أثارت جدلاً واسعاً حول أهليته للترشح في الانتخابات الرئاسية، وأيضاً حيازته الجنسية الأميركية التي نالها خلال فترة قصيرة عندما أقام في ميامي؛ ما أثار شبهات حول الأسباب وراء حصوله عليه بسرعة وسهولة. وتقدّمت جهات عدة بطعون في ترشيحه، لكن القضاء بتّ لصاح أهليته للترشح.

حليف طبيعي لترمب ... ولليمين التقليدي

النتائج النهائية بيّنت أن دي لا اسبيريلّا حصل على تأييد واسع بين الناخبين الذين كانوا دعموا المرشحة المحافظة بالوما فالنسيا في الدورة الأولى. والأخيرة كانت مدعومة بدورها من القيادات اليمينية التقليدية، وبخاصة، الرئيس الأسبق مانويل أوريبي، وأيضاً من مجتمع الأعمال والنخب الاقتصادية الذي كان يخشى ولاية يسارية ثانية بعد الرئيس الحالي بترو.

ولكن، بناءً على كل ما سبق ذكره، لم يكن مستغرباً أبداً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان أول مهنئي الرئيس الكولومبي الجديد. وللعلم، غرّد ترمب على حسابه «تشرّفت كثيراً بدعم (النمر)، وأتطلع إلى العمل معه لبناء علاقة وطيدة بين كولومبيا والولايات المتحدة تعود بالخير والعظمة على البلدين». أيضاً الرئيس الأرجنتيني اليميني المتطرف خافيير ميلاي، الذي يطلق هو أيضاً على نفسه لقب «الأسد»، صرّح قائلاً: «الأسد والنمر يُسمع زئيرهما الآن في أرجاء أميركا اللاتينية».

أما الرئيس المنتخب نفسه، فقد عرض في تصريحاته الأولى بعد الفوز على منافسه اليساري إيفان سيبيدا توقيع «اتفاق وطني» عوضاً عن فتح جبهة سياسية واجتماعية بينهما، بيد أنه حذّر في الوقت نفسه من أنه لن يتهاون في التعاطي مع التعبئة الشعبية والاحتجاجات والإضرابات التي هددت بها النقابات العمالية والتنظيمات الاجتماعية.

وعود انتخابية ومصاعب معيشية

للتذكير، كان دي لا اسبيريلّا قد وعد بخفض الضرائب وتقديم محفّزات مالية للشركات المنتجة؛ بهدف تسريع وتيرة النمو الاقتصادي وخفض العجز المالي الذي سجّل ارتفاعاً ملحوظاً خلال ولاية بترو. كان العجز قد ارتفع خصوصاً بسبب المشاريع الاجتماعية التي أقرَّتها حكومة بترو دعماً للطبقات العاملة والفقيرة والمناطق الريفية التي يقطنها السكان الأصليون.

بالتوازي، كان بين التدابير التي وعد بها الرئيس الجديد في برنامجه الانتخابي، ولقيت ترحيباً واسعاً في الأوساط المحافظة، القضاء على زراعة الكوكايين بواسطة رشّ 330 ألف هكتار من المساحات الزراعية بالمبيدات. إلا أنه من المتوقع، في حال تنفيذه هذا الوعد، أن يواجه معارضة شديدة من سكان الريف الذين يعيشون بنسبة كبيرة على هذه الزراعة، ويطالبون بتحويلها إلى الاستهلاك الطبي.

أيضاً، تعهّد دي لا اسبيريلّا في برنامجه ببناء 10 سجون ضخمة في مناطق نائية عن المدن الكبرى، واعتقال 10 من كبار زعماء التنظيمات المسلحة في البلاد وإحالتهم إلى القضاء، واستعادة سيطرة الأجهزة الأمنية ومؤسّسات الدولة على ما أسماه «الأراضي الضائعة»، أي تلك التي تقع تحت سيطرة الجماعات المسلحة منذ عقود.

ومن الأزمات الأخرى المستعصية منذ سنوات في كولومبيا تراجع الخدمات الصحية، خاصة في الأرياف، ونقص الأدوية الأساسية في مرافق كثيرة، ناهيك من هجرة الأطباء سعياً وراء رواتب لائقة. ولقد تعهّد دي لا اسبيريلّا بـ«ضخ ما يلزم من أموال» في القطاع الصحي لإنهاضه، بل وقال إن لديه خطة لتحويل كولومبيا مركزاً إقليمياً لصناعة الأدوية.

المراقبون يرون أن دي لا اسبيريلّا نجح، كما فعل دونالد ترمب في الولايات المتحدة، في تسويق أسلوب عيشه الفاخر كعلامة للنجاح، لكنه سيصطدم قريباً - على الأرجح - بواقع اجتماعي مختلف جداً، وبنقابات عمالية في حال من التعبئة والجهوزية للدفاع عن المكتسبات التي حققتها خلال ولاية بترو.