عام 2024.. طموحات استكشاف الفضاء

6 بعثات تنطلق نحو أطراف الكون

رسم تصويري لسفينة فضائية ضمن برنامج «أرتميس» (شاترستوك)
رسم تصويري لسفينة فضائية ضمن برنامج «أرتميس» (شاترستوك)
TT

عام 2024.. طموحات استكشاف الفضاء

رسم تصويري لسفينة فضائية ضمن برنامج «أرتميس» (شاترستوك)
رسم تصويري لسفينة فضائية ضمن برنامج «أرتميس» (شاترستوك)

أظهرت سنة 2023 أهميّة كبيرة في مجال البعثات الفضائية بعد عودة بعثة «أوزيريس - ريكس» لوكالة الطيران والفضاء الأميركية «ناسا»، حاملة عيّنة من كويكب، وبانطلاق بعثة «شاندرايان - 3» الهندية لاستكشاف قطب القمر الجنوبي.

بعثات القمر والمريخ

ويبدو أنّنا على موعد مع سنة أخرى «حماسية» على صعيد الاستكشاف الفضائي، إذ تشمل خطّة «أرتميس» ومبادرة الخدمات التجارية للحمولة القمرية التي وضعتها «ناسا»، إرسال عدّة بعثات جديدة إلى القمر.

ومن المقرّر أن يشهد النصف الثاني من العام عدّة إطلاقات بارزة، كبعثة استكشاف الأقمار المريخية في سبتمبر (أيلول)، وبعثتَي «أوروبا كليبر» و«هيرا» في أكتوبر (تشرين الأول)، و«أرتميس 2» و«فايبر» إلى القمر في نوفمبر (تشرين الثاني)، إذا سارت الأمور وفقاً للخطط الموضوعة.

6 بعثات فضائية

وبوصفي عالمة متخصصة في الكواكب، سأعرّفكم أهمّ ستّ بعثات فضائية في 2024.

1. «أوروبا كليبر» Europa Clipper. تعتزم «ناسا» إطلاق بعثة «أوروبا كليبر» التي ستستكشف «أوروبا»، أحد أكبر أقمار المشتري، الذي يصغر قمر الأرض بقليل، ويتميّز بسطحٍ جليدي يغطّي محيطاً من المياه المالحة. ويتوقّع العلماء احتواء هذا المحيط على ضعفَي كمية المياه المتوفرة في محيطات الأرض مجتمعة.

ومع إرسال «أوروبا كليبر»، يسعى العلماء للتحقيق فيما إذا كان محيط «أوروبا» مكاناً ملائماً للحياة خارج الأرض.

تخطّط البعثة لتنفيذ هذه المهمّة بالدوران عبر «أوروبا» لأكثر من 50 مرّة لدراسة قشرته الجليدية، وجيولوجيا سطحه، ومحيطه تحت السطح، بالإضافة للبحث عن احتمال وجود سخانات.

ستغيّر هذه البعثة التصورات بالنسبة للعلماء الذين يأملون فهم عالم المحيطات.

تبدأ نافذة الإطلاق -أي الفترة الزمنية التي سيحصل خلالها الإطلاق وستصل خلالها البعثة إلى طريقها المقرّر- في 10 أكتوبر 2024 وتُقفل بعد 21 يوماً. ومن المزمع أن تُقلع «أوروبا كليبر» على متن صاروخ فالكون تابع لـ«سبيس إكس»، وأن تصل إلى نظام المشتري في 2030.

رواد الفضاء قد يؤسسون لوجود طويل الامد على القمر (شاترستوك)

وجود طويل الأمد على القمر

2. إطلاق «أرتميس 2» Artemis II. وضعت وكالة «ناسا» برنامج «أرتميس» للعودة إلى القمر عبر إرسال بعثات بشرية لأوّل مرّة منذ عام 1972، على أن تضمّ هذه البعثات أوّل امرأة وأوّل شخص من أصحاب البشرة الملوّنة. ويشمل «أرتميس» أيضاً خططاً لوجود طويل الأمد ومستدام في الفضاء، يهدف إلى تحضير الوكالة لإرسال بعثات مأهولة لاحقاً إلى نقاط أبعد، كالمريخ.

وتُعدّ بعثة «أرتميس 2» الخطوة المأهولة الأولى في هذه الخطّة، على أن تشهد إرسال أربعة روّاد فضاء في بعثة مدّتها 10 أيّام.

تعتمد هذه البعثة على نتائج بعثة «أرتميس 1» التي أرسلت كبسولة غير مأهولة إلى مدار القمر في أواخر 2022.

وستحمل «أرتميس 2» روّاد الفضاء إلى المدار المحيط بالقمر قبل العودة بهم إلى الأرض. من المزمع أن تنطلق البعثة في نوفمبر 2024، ولكن قد تؤجّل إلى 2025، بناءً على جهوزية المعدّات كالبذّات الفضائية ومخزون الأكسجين.

3. «فايبر» VIPER للبحث عن المياه على القمر. «فايبر» هو روبوت بحجم عربة الغولف ستستخدمه «ناسا» لاستكشاف قطب القمر الجنوبي في أواخر 2024.

كان من المقرّر إرسال هذا الروبوت إلى وجهته في 2023، ولكنّ الوكالة عادت وأجّلت البعثة لاستكمال المزيد من الاختبارات على نظام سفينة الهبوط، الذي طوّرته شركة «أستروبوتيك» الخاصّة في إطار مبادرة الخدمات التجارية للحمولة القمرية.

صُممت هذه البعثة الآلية للبحث عن المواد المتطايرة، وهي عبارة عن جزيئات سهلة التبخّر، كالمياه وثاني أكسيد الكربون، في درجة حرارة القمر. وقد توفّر هذه المواد موارد للاستكشافات البشرية المستقبلية على القمر.

وخلال رحلة المائة يوم، سيتزوّد «فايبر» بطاقته من بطاريات، وأنابيب حرارية، ومشعّات تتيح له الصمود في كلّ الأوضاع، من الحرّ المتطرّف خلال النهار القمري -إذ يمكن أن تصل درجة الحرارة إلى 107 مئوية- إلى مناطق القمر الشديدة البرودة والظلّ، حيث تنخفض درجات الحرارة إلى -240 درجة مئوية.

يشير برنامج البعثة إلى أنّ إطلاق «فايبر» مقرّر في نوفمبر 2024.

مهمّتان قمريتان منخفضتا التكلفة

4. بعثتا «تريل بلايزر» Lunar Trailblazer و«برايم - 1» PRIME – 1 القمريتان. استثمرت «ناسا» أخيراً في مجموعة من البعثات الكوكبية الصغيرة غير المكلفة التي تحمل اسم «سيمبل إكس». تخفّض هذه البعثات تكلفتها من خلال مرافقة إطلاقات أخرى بأسلوب يشبه مشاركة العربات في التنقّل البرّي، أو كحمولة ثانوية.

تحمل إحدى هذه البعثات اسم «تريل بلايزر». وكـ«فايبر»، تستهدف هذه البعثة البحث عن المياه على القمر.

ولكن الفارق أنّ «فايبر» ستهبط على سطح القمر وتستكشف منطقة محدّدة بالقرب من قطبه الجنوبي، في حين أنّ «تريل بلايزر» ستدور حول القمر لقياس درجة حرارة السطح وتحديد مواقع وجود جزيئات المياه.

تفيد التقارير الحالية بأنّ «تريل بلايزر» ستصبح جاهزة في بداية 2024.

ولكن لأنّ إطلاقها سيكون على شكل حمولة ثانوية، سيتوقّف توقيتها على جهوزية إطلاق الحمولة الأولية، أي بعثة «برايم - 1»، المزمع إطلاقها في منتصف 2024.

ستحفر «برايم - 1» طريقها إلى داخل القمر وستكون بمثابة اختبار للاختراق الذي سينفّذه «فايبر»، إلّا أنّ موعد إطلاقها يتوقّف على الإطلاقات التي ستسبقها.

كانت بعثة سابقة من مبادرة الخدمات التجارية للحمولة القمرية مقرّرة بالتنسيق مع شريك الهبوط نفسه، قد تأجّلت إلى فبراير (شباط) 2024، ما يرجّح مزيداً من التأخير في إطلاق «برايم - 1» و«تريل بلايزر».

مهمات يابانية وأوروبية

5. بعثة استكشاف الأقمار المريخية من «جاكسا» JAXA’s Martian Moon eXploration mission. بينما يتوقّع قمر الأرض استقبال عدّة «زائرين» -صغاراً وكباراً، وروبوتات، وبعثات مأهولة- خلال عام 2024، ينتظر قمرا المرّيخ، «فوبوس» و«ديموس»، زائراً أيضاً. إذ تعتزم وكالة استكشاف الفضاء الياباني (جاكسا) إطلاق بعثة آلية (لا تزال حالياً قيد التطوير) باسم «استكشاف القمر المريخي» (MMX)، في سبتمبر (أيلول) 2024.

هدف البعثة الأساسي هو تحديد أصل أقمار المريخ لأنّ العلماء لا يزالون غير متأكدين ما إذا كان «فوبوس» و«ديموس» كويكبين سابقين جذبهما المريخ إلى مداره بقوّة جاذبيته، أو تشكيلاً من الحطام الذي يدور في مدار المريخ.

ومن المخطّط له أن تُمضي السفينة ثلاث سنوات حول المريخ لتنفيذ إجراءات علمية لمراقبة «فوبوس» و«ديموس». ومن المزمع أنّ تهبط MMX أيضاً على سطح «فوبوس» لجمع عيّنة قبل العودة إلى الأرض.

قد تشهد 2024 إطلاق سفينة من «أسترو فورج» الأميركية العاملة بمجال تنقيب الكويكبات في بعثة تستهدف كويكباً صخرياً بالقرب من مدار الأرض (أرشيفية)

6. بعثة «هيرا» Hera التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية. صُممت «هيرا»، البعثة التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، للعودة إلى نظام كويكبي «ديمورفوس» و«ديديموس» الذي زارته بعثة «دارت» التابعة لـ«ناسا» عام 2022.

لم تكتفِ «دارت» بزيارة هذين الكويكبين فحسب، بل ارتطمت بأحدهما لاختبار تقنية دفاعية كوكبية اسمها «التأثير الحركي» -اصطدمت البعثة بـ«ديمورفوس» بقوّة ونجحت فعلاً في تغيير مداره.

قد تلعب هذه التقنية، التي تضرب شيئاً ما بجسمٍ بهدف تغيير مساره، دوراً بالغ الأهمية في حال واجهت البشرية خطر ارتطام جسمٍ ما بالأرض وأرادت إعادة توجيهه.

من المزمع أن تنطلق «هيرا» في أكتوبر 2024، لتصل إلى الكويكبين في 2026، إذ ستدرس خصائصهما الفيزيائية.

* أستاذة مساعدة في علوم الأرض والغلاف الجوي والكواكب في جامعة بيردو، مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

عودة كبسولة فضاء إلى الأرض على متنها 4 رواد أحدهم مريض

الولايات المتحدة​ مركبة «دراغون إنديفور» الفضائية التابعة لشركة «سبيس إكس» بعد وقت قصير من هبوطها وعلى متنها رواد الفضاء التابعون لوكالة ناسا... في المحيط الهادئ قبالة ساحل لونغ بيتش ولاية كاليفورنيا الأميركية 15 يناير 2026 (أ.ف.ب)

عودة كبسولة فضاء إلى الأرض على متنها 4 رواد أحدهم مريض

عاد أربعة رواد فضاء بسلام إلى الأرض، فجر الخميس، قبل بضعة أسابيع من موعد انتهاء مهمتهم في محطة الفضاء الدولية، وذلك بعد أن تعرّض أحدهم ​لوعكة خطيرة.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
يوميات الشرق لقطة تُظهر محطة الفضاء الدولية (رويترز)

بيئة الفضاء تغيّر سلوك الفيروسات… والعلماء يبحثون عن السبب

كشفت دراسة حديثة عن أن الفيروسات التي تصيب البكتيريا، والتي يتم بحثها على متن محطة الفضاء الدولية، تتصرف على نحو مختلف عن نظيراتها على الأرض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق رواد الفضاء الأربعة سيعودون إلى الأرض (أ.ف.ب)

«ناسا» تعيد طاقماً من محطتها الفضائية بسبب مشكلة صحية

أعلنت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) أن أربعة رواد فضاء سيعودون إلى الأرض من محطة الفضاء الدولية قبل أكثر من شهر من الموعد المقرر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق جبل جليدي أيقوني يدخل مرحلته الزرقاء الأخيرة (ناسا)

جبل جليدي أيقوني عملاق يقترب من «التفكك الكامل»

أحد أكبر الجبال الجليدية وأقدمها التي رصدها العلماء على الإطلاق قد تحوَّل لونه إلى الأزرق، وأصبح «على وشك التفكك الكامل».

«الشرق الأوسط» (لندن)

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».