أكثر من 100 قتيل بتفجيرين قرب مقبرة سليماني في ذكرى اغتياله

السلطات اتهمت إسرائيل... وخامنئي يتوعد بـ«ردٍ قاسٍ»

TT

أكثر من 100 قتيل بتفجيرين قرب مقبرة سليماني في ذكرى اغتياله

رجال أمن يتفقدون موقع التفجير في الطريق المؤدية لمقبرة كرمان جنوب إيران (التلفزيون الرسمي)
رجال أمن يتفقدون موقع التفجير في الطريق المؤدية لمقبرة كرمان جنوب إيران (التلفزيون الرسمي)

قتل أكثر من 100 شخص وأصيب العشرات في تفجيرين، (الأربعاء)، قرب مقبرة مدينة كرمان جنوب إيران؛ وفق ما ذكرت وسائل إعلام رسمية إيرانية؛ وذلك خلال إحياء ذكرى مقتل مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري» قاسم سليماني عام 2020 بهجوم بطائرة مسيّرة أميركية.

وأفاد التلفزيون الرسمي الإيراني بوقوع انفجار أول ثم انفجار ثان بعد نحو 10 عشر دقائق خلال المراسم في مدينة كرمان بجنوب شرقي البلاد، قائلاً إن التفجيرين أوقعا 103 قتلى على الأقل. وجرح 171 شخصاً.

وقال رئيس «منظمة الطوارئ» في مدينة كرمان، شهاب صالحي، إن «السبب تفجير قنبلتين». وقال عمدة كرمان إن التفجيرين وقعا بفارق 10 دقائق.

وقالت وكالة «إرنا» الرسمية: «وقع الانفجار الأول على بعد 70 متراً من قبر سليماني، والانفجار الثاني على بعد كيلومتر واحد من موقع دفنه».

وأعلنت الحكومة الإيرانية غداً الخميس يوم حداد (مهر) على أرواح ضحايا التفجیرین.

وقال المرشد الإيراني علي خامنئي في بيان إن «المجرمين والأعداء الأشرار للأمة الإيرانية تسببوا مجدداً في كارثة وأسقطوا عدداً كبيراً من السكان الأعزاء في كرمان»، مضيفاً: «هذه الكارثة ستلقى رداً قاسياً».

وقال الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، إن الانتقام ممن يقفون خلف انفجاري كرمان «حتمي وقطعي».

وقال رئيسي في بيان: «لا ريب في أن مرتكبي هذا العمل الجبان سيتم الكشف عنهم قريباً وسيحاسبون من جانب قوات الأمن وقوات النظام على عملهم الشائن».

من جانبه، قال وزير الداخلية، أحمد وحيدي، إن «مؤامرة جديدة كان يسعى وراءها هؤلاء الأشخاص منذ فترة، وحاولوا في مراسم مختلفة تنفيذ أعمالهم الخبيثة».

رجل أمن إيراني يتفقد موقع أحد التفجيرين قرب مقبرة كرمان (التلفزيون الرسمي)

وأوضح أن «انفجاراً أولَ وقع في الساعة 15:00 ظهراً بالتوقيت المحلي، وعندما هرع الزوار لمساعدة الجرحى، وقع انفجار ثانٍ في الساعة 15:20 دقيقة، ما أدى إلى إصابة غالبية الأشخاص في الانفجار الثاني».

لكنه قال: «التحقيق جار في سبب وطريقة التفجير، وعندما نتأكد فسنطلع المواطنين على النتائج».

ووصف وحيدي الأوضاع في مدينة كرمان بـ«العادية». وقال: «كل شيء تحت سيطرة قوات الشرطة والأجهزة الأمنية، والهدوء قائم». وتوعد «الجناة» بـ«الرد الحازم والقوي» من الأجهزة الأمنية الإيرانية.

وقال المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية، أبو الفضل عمويي، إن وفداً من نواب البرلمان سيتوجه لتفقد موقع التفجيرين، للوقوف على أبعاد الحادث.

الروايات الأولى

وفي اللحظات الأولى؛ أفادت وكالة «مهر» الحكومية بأن انفجار أسطوانات غاز وقع قرب الطريق المؤدية إلى مدفن سليماني في محافظة كرمان الإيرانية. وقالت وكالة «نورنيوز» التابعة لـ«مجلس الأمن القومي الإيراني» إن «عبوات غاز عدة انفجرت على الطريق المؤدية إلى المقبرة».

وبعد الهجوم الأول، بثت قناة وكالة «دانشجو (إس إن إن)» التابعة لقوات «الباسيج» فيديو يظهر حشوداً من الناس وتصاعد الدخان، وقالت إنه ناجم عن أسطوانات غاز، وإنه لم يسفر عن إصابات، لكنها نشرت بعد دقائق فيديو يسمع فيه دويّ انفجار.

سيارات متضررة في تفجير الطريق المؤدية لمقبرة كرمان اليوم (التلفزيون الرسمي)

وفي البداية، نقلت وسائل إعلام رسمية عن مسؤول محلي قوله إنه «لم يتضح بعد ما إذا كانت الانفجارات ناجمة عن أسطوانات غاز، أم إنها هجوم إرهابي». وفي وقت لاحق؛ قال مساعد الشؤون الأمنية لحاكم لمحافظ كرمان إن «الهجوم إرهابي».

ولاحقاً نقلت وكالة «رويترز» للأنباء عن التلفزيون الرسمي الإيراني أنه سُمع دوي انفجار ثانٍ في مقبرة مدينة كرمان الإيرانية، وأنه قد أصيب عدة أشخاص.

ونقل التلفزيون الرسمي الإيراني لاحقاً عن نائب محافظ كرمان أن الانفجارين ناجمين عن «هجوم إرهابي». ونسب التلفزيون إلى «رئيس الطوارئ الطبية» في كرمان القول إن التفجيرين وقعا خارج بوابة التفتيش، وأن الانفجارين ناجمان عن عبوتين مفخختين في منطقتين على مَسير زوار مرقد سليماني.

ونقلت وسائل إعلام إيرانية مشاهد من التدافع بين المواطنين خلال إحياء الذكرى الرابعة لمقتل سليماني.

ونقلت وكالة «دانشجو» التابعة لـ«الباسيج» عن مصدر أمني في محافظة كرمان أن التفجيرين سببهما «عمل انتحاري». وقالت وكالة «تسنيم» إن حقيبتين تحملان قنابل انفجرتا في مدخل المقبرة. ووفق رواية «تسنيم»؛ فإن «منفذي الهجوم استخدموا على ما يبدو جهاز تحكم عن بُعد».

ونقل موقع البرلمان الإيراني عن ممثل محافظة كرمان في البرلمان، النائب حسین جلالي: «على ما يبدو؛ فإن التفجيرين إرهابيان؛ باستخدام حزام ناسف». وفي وقت لاحق، تراجع جلالي، وقال في تصريح لموقع «جماران»: «لا توجد لدينا معلومات دقيقة حول ما إذا كان الهجوم بحزام انتحاري أم بحقيبة انتحارية أم بسيارة انتحارية».

حالة من الهلع بعد لحظات من انفجار في مدخل مقبرة كرمان (مهر)

ونقلت وكالة «إيسنا» الحكومية عن رئيس الطوارئ بمدينة كرمان أن «4 قنابل انفجرت، و20 شخصاً قُتلوا، وأُصيب أكثر من 40 شخصاً، في الطرق المؤدية إلى مدخل مقبرة كرمان».

بدورها، ذكرت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» أن تفجير مدينة كرمان خلّف 30 مصاباً على الأقل. وأظهر التلفزيون الرسمي عمال الإنقاذ التابعين للهلال الأحمر وهم يعالجون الجرحى في موقع المراسم، حيث تجمع مئات الإيرانيين لإحياء ذكرى مقتل سليماني. وقال بعض وكالات الأنباء الرسمية الإيرانية؛ منها «إرنا»، إن «50 شخصاً على الأقل أُصيبوا».

وقال رضا فلاح، رئيس الهلال الأحمر في إقليم كرمان، للتلفزيون الرسمي: «فرق الاستجابة السريعة لدينا تُجلي المصابين... لكن هناك موجات من الحشود تسد الطرق»؛ وفق «رويترز».

ونفى «الحرس الثوري» الإيراني الأنباء عن مقتل أحد قياداته في التفجير. وقالت وكالة «تسنيم» إن «التقارير كاذبة. لم يوجد أحد من القادة الكبار في محيط التفجير».

وشهدت مقبرة كرمان حالة تدافع في يوم تشييع سليماني قبل 4 سنوات، ما أدى إلى مقتل 56 شخصاً وإصابة 231 شخصاً، وفقاً لإحصائية نهائية قدمتها «منظمة الطوارئ الإيرانية» حينذاك.

رجال أمن يتفقدون موقع التفجير في الطريق المؤدية لمقبرة كرمان جنوب إيران (التلفزيون الرسمي)

اتهامات لإسرائيل

ووجه المدعي العام الإيراني، محمد موحدي آزاد، تعليمات إلى المدعي العام في محافظة كرمان بالتعامل بشكل حاسم ومدروس وتحديد هوية منفذي الهجوم بمساعدة جميع الأجهزة الأمنية.

ونقلت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن موحدي آزاد قوله إن «هذا العمل الإرهابي دليل على الضعف والعجز والهزائم المتتالية لأعداء إيران» وأضاف: «وصل الأمر بالغطرسة العالمية بقيادة أميركا وإسرائيل إلى حد يخافون فيه من زوار قاسم سليماني».

وكتبت قناة «فيلق القدس» على «تلغرام»: «ما بدأ باغتيال رُضَيّ موسوي على يد إسرائيل في دمشق، واغتيال صالح العاروري في بيروت، ووصل إلى عمل إرهابي في مقبرة كرمان، يشير إلى تغيير ميدان تحرك إسرائيل من غزة إلى المنطقة».

كما وجه مشرعون إيرانيون أصابع الاتهام إلى إسرائيل. وقال نائب رئيس البرلمان، النائب مجتبى ذو النوري: «نظراً إلى نوعية العمل الذي لم يكن انتحارياً؛ فعلى ما يبدو: إنه من أعمال إسرائيل». وقال: «سنعاقب إسرائيل بانتقام ستكون له قيمة عملياتية عالمية».

وقال ممثل محافظة كرمان، النائب حسين جلالي، إن «هذا العمل الإرهابي من المؤكد من فعل الإسرائيليين، وهذه الخطوة تشبه اغتيال رضي موسوي (مسؤول إمدادات الحرس الثوري في سوريا) وصالح العاروري (نائب رئيس حماس في بيروت) وقادة القسام».

وأعلن مندوب إيران الدائم لدى الأمم المتحدة، سعيد إيراوني إن بلاده وجهت رسالة إلى رئاسة مجلس الأمن، إن «الجمهورية الإسلامية تتعهد باستخدام جميع الأدوات الموجودة لضمان محاسبة المسؤولين والمتواطئن معهم في هذا العمل الإرهابي الشنيع» حسبما أوردت وكالة «أرنا».

وكتب وزير الخارجية، حسين أمير عبداللهيان على منصة إيكس : «بناء على المعلومات الأولية التي حصلنا عليها من المصادر الرسمية، باشرت وزارة الخارجية إجراءاتها القانونية والدولية عبر الأمم المتحدة».

إدانات

وأدانت «حركة الجهاد الإسلامي» تفجير كرمان؛ بشدة. ووصفت جماعة «الحوثي» التفجير بـ«الإجرامي». واستنكر «حزب الدعوة الإسلامية» التفجير في مدينة كرمان، موجهاً «أصابع الاتهام نحو إسرائيل».

وقال الحزب، في بيان صحافي: «الأصابع الصهيونية الممتدة عبر المرتزقة الأجراء والتي تقف وراء هذا الفعل الإجرامي البشع لن تستطيع تحويل هزيمتهم النكراء إلى نصر مهما تمادوا في غيهم وعدوانهم هنا أو هناك، بل ستتوالى يوماً بعد آخر هزائمهم على أيدي المجاهدين والمقاومين، وإن النصر حليف أصحاب الحق والقضية العادلة».

وأدانت الحكومة العراقية تفجير كرمان، معلنة تضامنها مع إيران حكومةً وشعباً، واستعداد العراق لتقديم جميع أنواع المساعدة.

من جانبه؛ أدان رئيس وزراء حكومة إقليم كردستان، مسرور بارزاني، التفجير، وعزى شعب وحكومة إيران، وتمنى الشفاء العاجل للجرحى.

بدوره؛ تقدم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الأربعاء، بالتعازي إلى الشعب الإيراني في ضحايا «الهجمات الإرهابية» وفق ما أوردت وكالة «الأناضول».

وقال إردوغان في تدوينة عبر منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي: «شعرنا بحزن عميق إزاء الهجمات الإرهابية الدنيئة التي وقعت بمحافظة كرمان الإيرانية».

وأضاف: «أسأل الله الرحمة لمن فقدوا أرواحهم جراء الهجمات، وأتمنى الشفاء العاجل للمصابين».

وذكرت وكالة أنباء «ريا نوفوستي» الروسية، نقلاً عن بيان للكرملين، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قدم تعازيه للقيادة الإيرانية.

واستنكر بوتين «الإرهاب بجميع أشكاله»، وقال إن الهجوم على أناس مسالمين «صادم في قسوته واستخفافه» وفق وكالة «رويترز».

من جهته، ندد الاتحاد الأوروبي بأشد العبارات بتفجيري كرمان، مؤكداً على ضرورة محاسبة الجناة. وعبر الاتحاد في بيان عن «تضامنه مع الشعب الإيراني» بعد «هذا العمل الإرهابي الذي أدى إلى حصيلة مروعة من القتلى والجرحى من المدنيين»، داعياً إلى «ضرورة محاسبة الجناة».

الخارجية الأميركية

هذا، وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية أن الولايات المتحدة ليست ضالعة بأي شكل من الأشكال في التفجيرين اللذين هزا إيران الأربعاء، مؤكدة عدم وجود سبب للاعتقاد بضلوع إسرائيل في الحادث.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية، ماثيو ميلر، للصحافيين إن «الولايات المتحدة ليست ضالعة في أي حال من الأحوال (في التفجيرين)، وأي قول يعاكس ذلك هو أمر سخيف»، مضيفاً «لا سبب لدينا للاعتقاد أن إسرائيل ضالعة في هذا الانفجار».
وتابع «نعرب عن تعاطفنا مع الضحايا واحبائهم الذي قضوا في هذا الانفجار المرعب».


مقالات ذات صلة

واشنطن تلجأ لـ«الضغط الاقتصادي الأقصى» على طهران

شؤون إقليمية الدخان يتصاعد خلال حريق في سوق جنت آباد بطهران 3 فبراير (أرشيفية - رويترز) p-circle

واشنطن تلجأ لـ«الضغط الاقتصادي الأقصى» على طهران

أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب نشر تصريحات وزير الخزانة سكوت بيسنت لشبكة «نيوزماكس»، في إشارة سياسية واضحة إلى تبنيه التهديد الذي أطلقه الوزير.

هبة القدسي (واشنطن)
شؤون إقليمية طائرة مقاتلة «إف 18» تقلع من سطح الطيران على حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» (سنتكوم) p-circle

طهران وواشنطن تتنازعان السيطرة على مضيق هرمز

قال حسين طائب القائد الجديد لجهاز «الباسيج» إن مضيق هرمز «تحت إدارة وسيطرة» إيران فيما حذر وزير الخارجية عباس عراقجي واشنطن من «خطأ حسابي أكبر» بشأن الممر

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران - واشنطن)
العالم العربي لقاء سابق بين وزير الخارجية المصري ونظيره الإماراتي في أبو ظبي (الخارجية المصرية)

مصر والإمارات تدعوان أميركا وإيران للعودة إلى «مذكرة التفاهم»

دعت مصر والإمارات إلى العودة للالتزام بـ«مذكرة التفاهم» بين أميركا وإيران، بما يهيئ المجال لاستئناف المسارات السياسية والدبلوماسية، ويحُول دون اتساع النزاع.

شؤون إقليمية  محسن رضائي يلتقي وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي في طهران الأربعاء (التلفزيون الرسمي الإيراني)

باكستان تتمسك بمذكرة السلام بين واشنطن وطهران

وصفت وزارة الخارجية الباكستانية مذكرة التفاهم التي توسطت فيها إسلام آباد والدوحة بين إيران والولايات المتحدة بأنها «نموذج للسلام»

«الشرق الأوسط» (لندن - إسلام آباد)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يخاطب الصحافيين خلال مؤتمر صحافي على هامش قمة «الناتو» في أنقرة يوم 8 يوليو (أ.ب) p-circle

مسؤولان أميركيان: إيران كانت على علم بمكان إقامة ترمب في أنقرة

كشف تقرير صحافي أن إيران كانت على علم بمكان إقامة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أنقرة، خلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الشهر الماضي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

واشنطن تلجأ لـ«الضغط الاقتصادي الأقصى» على طهران

الدخان يتصاعد خلال حريق في سوق جنت آباد بطهران 3 فبراير (أرشيفية - رويترز)
الدخان يتصاعد خلال حريق في سوق جنت آباد بطهران 3 فبراير (أرشيفية - رويترز)
TT

واشنطن تلجأ لـ«الضغط الاقتصادي الأقصى» على طهران

الدخان يتصاعد خلال حريق في سوق جنت آباد بطهران 3 فبراير (أرشيفية - رويترز)
الدخان يتصاعد خلال حريق في سوق جنت آباد بطهران 3 فبراير (أرشيفية - رويترز)

أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عبر منصته «تروث سوشيال»، نشر تصريحات وزير الخزانة سكوت بيسنت لشبكة «نيوزماكس»، في إشارة سياسية واضحة إلى تبنيه التهديد الذي أطلقه الوزير بفرض إجراءات على إيران قال إنها ستكون غير مسبوقة في تاريخ العزل الاقتصادي للدول.

من جانبه، قال نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، إن الأولوية الرئيسية للولايات المتحدة في الحرب ضد إيران هي الحفاظ على أسعار النفط منخفضة للأميركيين، فيما تأتي مسألة منع طهران من حيازة سلاح نووي في المرتبة الثانية.

وتتباين هذه التعليقات مع تصريحات ترمب السابقة التي كرر فيها أن الهدف الوحيد من دخول الحرب هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي، حتى لو تطلب ذلك تضحيات اقتصادية قصيرة الأجل من الأميركيين.

كما أكدت تعليقات فانس على حقيقة أن الحرب تتمحور الآن حول السيطرة على مضيق هرمز، وهي القضية التي فرضتها إيران على رأس جدول أعمال المفاوضات.

وأضاف فانس في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»: «أعلم أن أسعار النفط منخفضة هذه الأيام، وأكثر انخفاضاً من المستويات المرتفعة التي سجلتها في الأيام الأولى للنزاع»، متابعاً: «هذا هو الهدف الأول؛ الحفاظ على أسعار رخيصة للنفط والغاز للأميركيين في جميع أنحاء بلادنا». وأردف: «وبعد ذلك من الواضح أن الهدف الثاني هو ضمان ألا تحصل إيران أبداً على سلاح نووي».

النهج الأكثر حذراً

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» تَعبر بحر العرب في وقت سابق ضمن دعمها الحصار الأميركي المفروض على إيران (سنتكوم)

وكان نائب الرئيس من بين أعضاء الإدارة الأميركية الأكثر تشكيكاً في جدوى الهجوم ضد إيران في أواخر فبراير (شباط).

غير أن تصريحاته الأخيرة تبدو وكأنها تؤكد النهج الأكثر حذراً الذي يفضله الرئيس الأميركي حالياً، والقائم على مواصلة الضغط الاقتصادي القوي على إيران في ظل استمرار المواجهة العسكرية في مضيق هرمز.

وقال فانس أيضاً: «في بعض الأحيان نركز على الجانب المتعلق بالطاقة لأننا نريد أن يكون الأميركيون قادرين على تحمل أسعار النفط والغاز. وفي أحيان أخرى، نركز بوضوح على الجانب العسكري... وعلى البرنامج النووي».

وأكد فانس أن ترمب هو «في ذروة سلطته ويمتلك أدوات عديدة؛ دبلوماسية وعسكرية واقتصادية».

ويأتي قرار التركيز على الضغط الاقتصادي في وقت يبدو فيه المسار الدبلوماسي مسدوداً؛ حيث تتمسك كل من واشنطن وطهران بشروطهما الخاصة بإعادة فتح المضيق.

وفيما يتعلق بالخيارات العسكرية، تشير تقارير إعلامية أميركية إلى أن ترمب يواجه تحدي النفاد السريع لمخزونات معينة من الصواريخ والطائرات المسيّرة.

خنق القنوات المالية

مبنى بنك تضرر جراء حريق خلال الاحتجاجات المناهضة للحكومة في طهران يناير الماضي (إ.ب.أ)

ولم يكشف بيسنت تفاصيل الحزمة الجديدة التي قال إنها ستُعلن الأسبوع المقبل، لكنه رسم ملامح استراتيجية تتجاوز جولة تقليدية من العقوبات، تقوم على الجمع بين خنق القنوات المالية الإيرانية واستمرار الحصار البحري، بما يجعل المال والتجارة والطاقة أجزاء من جبهة ضغط، ما يشير إلى أن واشنطن قررت اللجوء إلى «الضغط الاقتصادي الأقصى» على طهران.

وتتركز الأنظار في واشنطن حالياً على مدى استعداد إدارة ترمب للذهاب بالعقوبات إلى الحلقة الأكثر حساسية: المؤسسات المالية الصينية التي تمر عبرها أموال النفط الإيراني. فإذا أقدمت واشنطن على استهدافها، ستكون إدارة ترمب قد انتقلت عملياً من سياسة «الضغط الأقصى» التي اتبعها ترمب خلال ولايته الأولى إلى ما يمكن وصفه بـ«العزل الأقصى».

أما إذا اقتصرت الإجراءات الجديدة على ناقلات النفط وشركات الصرافة والمحافظ الرقمية وشبكات الوساطة، فقد تكون الحزمة مؤلمة لطهران، لكنها لن ترقى بالضرورة إلى مستوى «العزل غير المسبوق» الذي وعد به بيسنت.

«المعادل المالي» للعمليات العسكرية

وكان بيسنت قد قال، على قناة «نيوزماكس»، إنه سيعلن رسمياً الأسبوع المقبل استراتيجية جديدة تقوم على نهج مزدوج يجمع بين «عزلة اقتصادية غير مسبوقة» وحصار بحري مستمر عبر مضيق هرمز.

وأوضح أن الهدف من الضغوط المالية والبحرية هو منع دخول البضائع والشحنات التجارية إلى الموانئ الإيرانية أو خروجها منها، واصفاً التصعيد الاقتصادي المرتقب بأنه «المعادل المالي» للعمليات العسكرية.

وكشف بيسنت أن وزارة الخزانة أبلغت شركات ودولاً بأن شراء النفط الإيراني أو الاحتفاظ بأموال إيرانية في مصارفها قد يعرّضها لعقوبات ثانوية أميركية. كما قال إن مصارف صينية تلقت بالفعل رسائل تحذير مباشرة من واشنطن، وإن الولايات المتحدة مستعدة لفرض عقوبات ثانوية عليها إذا ثبت مرور أموال إيرانية عبر حساباتها.

وتشير هذه التصريحات إلى أن الحزمة المنتظرة قد تتحرك عبر دوائر متصاعدة تبدأ بالنفط الإيراني ومشتريه، مروراً بـ«أسطول الظل» الذي ينقله، وشركات التأمين والموانئ والوسطاء، وصولاً إلى شبكات الصرافة والبنوك الموازية والعملات المشفرة، ثم، في الدائرة الأكثر حساسية، المؤسسات المالية الأجنبية التي تسمح بتسوية المدفوعات.

وقد تمتد الإجراءات أيضاً إلى شبكات شراء المكونات العسكرية في الصين وهونغ كونغ.

خمس جبهات للعقوبات

وتشير مؤشرات عدة إلى خمسة مجالات رئيسية قد تستهدفها الحزمة الجديدة في إطار حملة وزارة الخزانة التي تحمل اسم «الغضب المالي».

أولاً: النفط الإيراني إلى الصين. ويبدو هذا القطاع الأكثر أهمية؛ إذ قد تضع واشنطن المؤسسات المالية والبنوك الصينية التي تموّل مشتريات النفط الإيراني أمام خيار صعب: الاستمرار في تسهيل التجارة مع طهران، أو المخاطرة بفقدان الوصول إلى النظام المالي الأميركي.

ثانياً: أسطول الظل والشحن والتأمين. ومن المتوقع أن توسع وزارة الخزانة العقوبات المفروضة على شبكات نقل النفط الإيراني. وكانت واشنطن قد استهدفت شبكة مرتبطة بحسن شمخاني، شملت أكثر من 50 فرداً وكياناً وسفينة مرتبطة بتجارة النفط والشحن. وقد تمتد الجولة المقبلة إلى ملاك السفن وشركات التصنيف والتأمين وإعادة التأمين والموانئ والوسطاء الذين يتيحون استمرار حركة «أسطول الظل».

ثالثاً: البنوك الموازية وشبكات تحويل الأموال. وترى واشنطن أن إيران طورت شبكة واسعة من الشركات الموازية وشركات الصرافة لتجاوز النظام المصرفي التقليدي. وقالت وزارة الخزانة إن بعض هذه الشبكات تنقل مليارات الدولارات من العملات الأجنبية سنوياً. ولذلك قد تتجه العقوبات إلى الأطراف الأجنبية التي تستضيف الحسابات أو تتولى تحويل الأموال، وليس إلى الشركات الإيرانية وحدها.

رابعاً: العملات المشفرة والذهب. وتتحرك الخزانة الأميركية بالفعل في هذا الاتجاه منذ فترة. فقد استهدفت في يونيو (حزيران) الماضي منصة «نوبيتكس»، التي تعد أكبر بورصة للأصول الرقمية في إيران، إلى جانب ثلاث بورصات أخرى. ومن المتوقع أن تتوسع الإجراءات لتشمل الذهب والأحجار الكريمة والأصول الرقمية، باعتبارها وسائل بديلة لنقل الأموال خارج النظام المصرفي التقليدي.

خامساً: شبكات المشتريات العسكرية في الصين وهونغ كونغ. وقد سبق لوزارة الخزانة أن فرضت عقوبات على شركات في الصين وهونغ كونغ بتهمة مساعدة «الحرس الثوري» ووزارة الدفاع الإيرانية في الحصول على مكونات عسكرية. ومن المرجح أن تتوسع الإجراءات لتشمل شبكات شراء مرتبطة ببرامج الصواريخ والطائرات المسيّرة وغيرها من المعدات العسكرية.

الصين... الحلقة الحاسمة

وزير الخارجية الصيني وانغ يي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي قبيل اجتماعهما في بكين يوم 6 مايو 2026 (أ.ب)

لكن الصين تبقى الحلقة الحاسمة والأكثر خطورة في استراتيجية «العزل الأقصى».

فقد أثبتت إيران قدرتها على التعايش مع العقوبات ما دام النفط يجد طريقه إلى السوق الصينية، التي تستوعب نسبة كبيرة من صادراتها، عبر مصافٍ مستقلة وشركات وسيطة وشبكات معقدة للشحن والتمويل. ولذلك يرى خبراء أن استهداف الناقلات وشركات الواجهة يرفع كلفة الالتفاف على العقوبات، لكنه لا يغلق الشريان المالي الإيراني. أما الوصول إلى البنوك الصينية التي تسوّي مدفوعات النفط، فقد يغيّر المعادلة جذرياً.

وسبق لواشنطن أن فرضت عقوبات على شركة «هينغلي بتروكيميكال» الصينية وعشرات الشركات والناقلات المرتبطة بالنفط الإيراني. وردت بكين باستخدام قانونها لمكافحة العقوبات، بما يكشف المعضلة التي يواجهها بيسنت: فكلما أصبحت العقوبات على طهران أكثر فاعلية، اقتربت واشنطن أكثر من مواجهة اقتصادية مع الصين.

ويحذر دانيال بيكارد، المتخصص في العقوبات، من التداعيات الدبلوماسية والاقتصادية للعقوبات الثانوية، خصوصاً على الصين، في ظل التوترات التجارية القائمة بين واشنطن وبكين.

في المقابل، يرى برايان بانر، المحقق السابق في مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، أن الولايات المتحدة تستطيع خفض صادرات إيران النفطية، لكن من الصعب عليها تصفيرها بالكامل.

الاختبار الحقيقي لبيسنت

وفي هذا السياق، يرى خبراء أن لائحة أسماء الشركات والكيانات المستهدفة في الحزمة الجديدة ستكون أهم من حجمها أو عدد العقوبات التي ستتضمنها.

فإذا شملت العقوبات مؤسسة مالية صينية ذات وزن، فسيكون ذلك مؤشراً إلى أن إدارة ترمب مستعدة للمخاطرة بمواجهة مع بكين في سبيل ضرب الشريان المالي الإيراني. أما إذا بقيت البنوك الصينية الكبرى خارج القائمة، فسيكون البيت الأبيض قد احتفظ بأقوى أوراقه لاستخدامها في المساومة لاحقاً.

وفي الحالتين، لا يكمن الاختبار الحقيقي لسياسة بيسنت في قدرته على إلحاق الضرر بالاقتصاد الإيراني فحسب، بل في قدرته على تحويل هذا الألم الاقتصادي إلى تنازل سياسي من طهران، من دون أن ترتد كلفة «العزل الأقصى» على أسعار النفط، أو العلاقة مع الصين، أو الحسابات السياسية لإدارة ترمب في الداخل الأميركي.


أميركا تهدد إيران بتصعيد الضغوط الاقتصادية... وهجوم على سفينتين في «هرمز»

سفن في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
سفن في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

أميركا تهدد إيران بتصعيد الضغوط الاقتصادية... وهجوم على سفينتين في «هرمز»

سفن في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
سفن في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

بدا أن حركة العبور عبر مضيق هرمز توقفت تقريباً، الجمعة، بعد تعرض سفينتين أخريين لهجمات هناك، بينما قالت الولايات المتحدة إنها قد تُبقي حصاراً بحرياً على إيران إلى أجل غير مسمى.

ونقلت وكالة «رويترز» للأنباء عن مصدر إيراني كبير قوله، الأربعاء، أن المحادثات الرامية إلى البناء على اتفاق يونيو (حزيران) لإنهاء الحرب لم تُحرز تقدماً.

وبعد تمديد وقف إطلاق النار ثم انهياره، استأنفت إيران الهجمات على سفن تتهمها بمحاولة عبور المضيق دون إذن منها.

وأفادت «وكالة أنباء الإمارات الرسمية» بأن سفينتين تابعتين لشركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) تعرضتا لهجوم في أثناء عبورهما المضيق، مساء الخميس. وأشارت حكومة الإمارات بأصابع الاتهام إلى إيران التي لم تُصدر تعليقاً حتى الآن.

مصدر نفوذ رئيسي

ووفقاً لبيانات شركة «كبلر» لتتبع السفن، عبرت 9 سفن الممر المائي عند مدخل الخليج، الخميس، ارتفاعاً من 5 سفن يوم الأربعاء، لكنها ظلت دون المتوسط المسجل في أغسطس (آب) والبالغ 12 سفينة.

ولم تظهر بيانات تتبع السفن عمليات عبور يمكن رصدها في الساعات الأولى من اليوم الجمعة.

وربما تعبر بعض السفن دون رصدها مع إغلاق أجهزة الإرسال والاستقبال بها، لكن هذه الأرقام لا تقترب مطلقاً من معدل تجاوز 130 سفينة كانت تعبر مضيق هرمز يومياً قبل الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في فبراير (شباط).

وقال توربيورن سولفيدت كبير محللي شؤون الشرق الأوسط لدى شركة «فيريسك ميبلكروفت» المتخصصة في استخبارات المخاطر: «إلى جانب التهديد الذي تتعرض له البنية التحتية للطاقة في المنطقة، فإن قدرة إيران على تقييد حركة الشحن عبر المضيق تمثل مصدر نفوذها الرئيسي في المفاوضات».

توعد بإجراءات جديدة

وقال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث للصحافيين إن جيش بلاده قادر على الإبقاء على وجود بحري في المنطقة لمواصلة الحصار على إيران الذي ألحق أضراراً اقتصادية جسيمة بإيران.

وأضاف هيغسيث للصحافيين خلال زيارة إلى بنما: «يمكن للبحرية الأميركية مواصلة فرض حصار كهذا إلى أجل غير مسمى؛ لأننا سنقوم بعملية تناوب بين السفن داخل وخارج المنطقة، كما فعلنا من قبل، وسنواصل القيام بذلك».

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الخميس، إن الولايات المتحدة تعتزم إلحاق المزيد من الضرر المالي بإيران.

وأضاف في مقابلة مع برنامج «روب شميت تونايت» على محطة «نيوزماكس»: «ترقبوا المزيد من القرارات الأسبوع المقبل، لأننا سنطبق إجراءات لم يسبق لها مثيل في تاريخ العزلة الاقتصادية لأي دولة».

ويتعرض الرئيس دونالد ترمب لضغوط داخلية لإنهاء حرب يعارضها معظم الأميركيين. ويتسبب ارتفاع أسعار الوقود في انخفاض معدل تأييده وهو ما قد يقوض فرص الحزب الجمهوري في الاحتفاظ بالأغلبية في الكونغرس عند إجراء انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

حظر عبور

وزاد اعتماد الهند على النفط الخام الروسي إلى مستوى قياسي في يوليو (تموز).

وقال ترمب مراراً إن الولايات المتحدة لديها «سيطرة كاملة» على المضيق، الذي كان يمر عبره 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية قبل اندلاع الحرب، وهو ما تنفيه إيران.

وقالت طهران إنها لن تسمح بإعادة فتح الممر المائي حتى تتم تلبية شروطها. وتشمل هذه الشروط رفع العقوبات الاقتصادية والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة.

ووافقت لجنة برلمانية إيرانية على خطة بشأن المضيق. وقالت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» إن الخطة تشمل بنداً يحظر عبور الأصول والمعدات التابعة للولايات المتحدة وإسرائيل ودول «معادية» أخرى.

ورفعت الولايات المتحدة حصارها عن الشحنات والموانئ الإيرانية لمدة شهر في منتصف يونيو (حزيران)، لكنها أعادت فرضه لاحقاً مما قطع مصدر طهران الرئيسي للعملة الصعبة وزاد من الخسائر السابقة الناجمة عن الضربات التي تعرضت لها بنيتها التحتية للطاقة خلال الحرب.

وذكرت واشنطن في وقت سابق أنها سترفع الحصار بمجرد توصل إيران وعمان، الواقعة على الجانب الآخر من المضيق، إلى اتفاق لاستئناف الملاحة التجارية.

تهديد وإحجام

هدد ترمب مراراً بتصعيد العمليات العسكرية و«ضرب إيران بقوة» رغم أنه يحجم حتى الآن عن نشر قوات برية والسيطرة على الجزر الاستراتيجية، وقصف محطات تحلية المياه.

وفي وقت سابق من الأسبوع، أشار ترمب إلى أنه سيعتمد على الضغط الاقتصادي بدلاً من العمل العسكري.

وشددت الولايات المتحدة العقوبات الاقتصادية على إيران وأفراد وكيانات أخرى تقول إنهم يساعدون طهران في الحصول على أسلحة، لكن حملة الضغط أخفقت حتى الآن في إعادة طهران إلى طاولة المفاوضات.

وتوقع خبراء الاقتصاد انخفاضاً حاداً في النمو العالمي ودخول بعض الدول في حالة ركود، محذرين من أن التأثير سيتفاقم إذا لم تنته الحرب قريباً.


كوشنر في المنطقة... اختبار أميركي لنتنياهو بين غزة والضفة والانتخابات

جاريد كوشنر يتحدث في الكنيست الإسرائيلي (أرشيفية - رويترز)
جاريد كوشنر يتحدث في الكنيست الإسرائيلي (أرشيفية - رويترز)
TT

كوشنر في المنطقة... اختبار أميركي لنتنياهو بين غزة والضفة والانتخابات

جاريد كوشنر يتحدث في الكنيست الإسرائيلي (أرشيفية - رويترز)
جاريد كوشنر يتحدث في الكنيست الإسرائيلي (أرشيفية - رويترز)

لا تبدو زيارة المفاوض الأميركي، جاريد كوشنر، صهر الرئيس دونالد ترمب، إلى إسرائيل ومصر، الأسبوع المقبل، مجرد جولة جديدة لإنعاش خطة متعثرة في غزة. فالوفد الذي يضم الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، وعضو مجلسه التنفيذي رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، توني بلير، يصل في لحظة يتسع فيها التباعد بين ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وتدخل فيها حسابات الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر (تشرين الأول) على خط الملفات الإقليمية.

وفي موازاة الخلاف حول نزع سلاح «حماس» والانسحاب الإسرائيلي، تحولت اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية إلى اختبار آخر لقدرة حكومة نتنياهو والجيش الإسرائيلي على ضبط الأرض والاستجابة لمطالب واشنطن.

تفاهم قبل التنفيذ

ومن المقرر أن يصل كوشنر وملادينوف وبلير إلى إسرائيل، الأحد، قبل الانتقال إلى القاهرة، وفق ما أفادت به وكالة «أسوشييتد برس». وفي إسرائيل، سيجري الوفد محادثات مع نتنياهو ومسؤولين كبار، فيما تشمل لقاءات القاهرة وسطاء من مصر وقطر وتركيا، بالتوازي مع الاجتماعات التي تعقدها المجموعة الفلسطينية التكنوقراطية المرشحة لتولي إدارة غزة.

ترمب مع ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر ونيكولاي ملادينوف في دافوس (أرشيفية - رويترز)

الهدف المباشر هو إيجاد صيغة تسمح بالانتقال إلى المرحلة التالية من خطة ترمب: نزع سلاح «حماس» والفصائل الأخرى، ونقل الإدارة المدنية والأمنية إلى حكومة فلسطينية من التكنوقراط، بالتزامن مع انسحاب إسرائيلي تدريجي ودخول قوة دولية للمساعدة في تثبيت الأمن.

وقال مصدر مطلع لـ«رويترز» إن واشنطن وإسرائيل متفقتان على هدف نزع سلاح «حماس»، لكن لدى الإسرائيليين مخاوف «مشروعة» يعمل الطرفان على معالجتها.

المشكلة أن ترتيب الخطوات لا يزال موضع نزاع. فـ«حماس» وافقت على الخطة، لكنها ربطت التنفيذ بقيام إسرائيل أولاً بالوفاء بالتزاماتها، وفي مقدمها وقف الهجمات والانسحاب. أما نتنياهو فأعلن أنه لن يسحب القوات قبل اكتمال نزع السلاح، رافضاً عملياً الصيغة المتدرجة التي تطرحها واشنطن.

وكشف موقع «أكسيوس» أن الخلاف العلني لا يعكس كل ما يجري خلف الأبواب المغلقة. فقد وعد نتنياهو كوشنر، في اتصال سابق، بمنح الخطة فرصة، والحد من الضربات على غزة لتهيئة الظروف لعملية نزع السلاح. ومنذ ذلك الحين، تراجعت وتيرة الغارات، وانسحب الجيش إلى «الخط الأصفر» المنصوص عليه في التفاهمات. لذلك تنظر الإدارة إلى رفض نتنياهو العلني بوصفه، جزئياً، خطاباً انتخابياً أكثر منه قراراً نهائياً بإسقاط الخطة.

نتنياهو يتوسط المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنر خلال اجتماع الحكومة الإسرائيلية بالقدس (أرشيفية - إ.ب.أ)

الانتخابات تعمّق التباعد

لا تريد إدارة ترمب أن تتحول انتخابات أكتوبر إلى ذريعة لتجميد ملف غزة أشهراً إضافية. لكن نتنياهو لا يستطيع، في المقابل، أن يظهر أمام قاعدته اليمينية كأنه يقدم تنازلات تحت الضغط الأميركي، وخصوصاً بعدما هاجمه حلفاؤه وخصومه على السواء بسبب احتمال القبول بانسحاب إسرائيلي قبل تسليم «حماس» جميع أسلحتها.

وقال مسؤول أميركي لـ«أكسيوس» إن واشنطن تتفهم «الاحتياجات السياسية» لنتنياهو ما دام يواصل تنفيذ ما تطلبه، ولا سيما كبح الهجمات على غزة. ويختصر تعليق مسؤول آخر بأن «الانتخابات تجعل الجميع في حال من الهلع»، مقدراً التوتر الذي يحيط بالمحادثات.

فنتنياهو يخوض الانتخابات من موقع صعب. وتظهر الاستطلاعات التي أوردها موقع «أكسيوس» حصول ائتلافه على ما بين 49 و53 مقعداً، بعيداً من عتبة الـ61 اللازمة لتشكيل حكومة، مقابل 67 إلى 70 مقعداً لأحزاب المعارضة. وفي هذه الظروف، يكتسب موقف ترمب أهمية خاصة؛ إذ امتنع، رغم سؤاله أربع مرات، عن إعلان تأييد نتنياهو، بعدما كان دعمه له شبه محسوم في مراحل سابقة.

اتساع الخلاف في المصالح السياسية بين ترمب ونتنياهو (أ.ف.ب)

هذا الامتناع لا يعني قطيعة شخصية، خصوصاً أن ترمب يؤكد أن علاقته بنتنياهو «جيدة جداً»، لكنه يعكس اتساع الخلاف في المصالح السياسية. فالرئيس الأميركي يريد إنجازاً في غزة وتحريك ملفات لبنان وسوريا والتطبيع، بينما يرى نتنياهو أن التشدد الأمني والقدرة على تحدي الضغوط الخارجية قد يكونان أكثر فائدة انتخابياً. ومن هنا تحمل زيارة كوشنر رسالة مزدوجة: لا رغبة في صدام علني، لكن لا استعداد أيضاً لترك الأجندة الإسرائيلية الداخلية تعطل خطة ترمب الإقليمية.

الضفة جبهة ضغط ثانية

يزداد هذا الاختبار تعقيداً مع انفلات الوضع في الضفة الغربية. ففي قرية قصرة قرب نابلس، حاصر مستوطنون منازل فلسطينية وقطعوا عنها المياه والكهرباء، وبينها منزل يملكه فلسطيني يحمل الجنسية الأميركية. ورغم تدخل الجيش وتفكيكه منشآت أقامها المستوطنون واحتجازه أحدهم، عاد عدد منهم بعد ساعات، ما أثار أسئلة عن قدرة المؤسسة العسكرية، أو إرادتها، في منع الاعتداءات.

مستوطنون يقذفون الحجارة في بلدة قصرة بالضفة الغربية يوم الأربعاء في لقطة مأخوذة من مقطع فيديو (رويترز)

وأفادت «رويترز» بأن واشنطن تضغط على نتنياهو لإدانة حصار قصرة علناً، فيما لا يزال رئيس الوزراء ملتزماً الصمت. أما السفير الأميركي مايك هاكابي، المعروف بتأييده التاريخي للمستوطنات، فاستخدم لغة غير مألوفة، واصفاً ما جرى بأنه عمل إرهابي وإجرامي، ومعتبراً المسؤولين عنه «إرهابيين إسرائيليين».

ووفق بيانات أممية نقلتها «نيويورك تايمز»، نفذ مستوطنون متطرفون ما لا يقل عن 1380 اعتداءً شملت 250 تجمعاً فلسطينياً خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، مع مستوى شبه كامل من الإفلات من العقاب. ونقلت الصحيفة عن العميد الإسرائيلي المتقاعد غاي حازوت، الذي سبق أن تولى مسؤوليات في الضفة، قوله إن الجيش «فقد السيطرة» هناك.

لذلك، تبدو رحلة كوشنر أوسع من محاولة ترتيب الانسحاب ونزع السلاح في غزة. إنها اختبار لما إذا كانت واشنطن قادرة على انتزاع تعاون عملي من نتنياهو من دون منحه تأييداً انتخابياً، وما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية تستطيع ضبط حلفائها المتشددين في غزة والضفة معاً. والنتيجة ستحدد إن كانت خطة ترمب قابلة للتحول إلى مسار سياسي، أم أنها ستظل تفاهمات هشة تحاصرها حسابات الانتخابات وفوضى الميدان.