مثقفو العرب على أبواب «نوبل».. الانتظار المر

هل اكتفت الجائزة عربيا بنجيب محفوظ؟

علاء الجابري، علياء الداية، ديانا رحيل، أحمد اللاوندي
علاء الجابري، علياء الداية، ديانا رحيل، أحمد اللاوندي
TT

مثقفو العرب على أبواب «نوبل».. الانتظار المر

علاء الجابري، علياء الداية، ديانا رحيل، أحمد اللاوندي
علاء الجابري، علياء الداية، ديانا رحيل، أحمد اللاوندي

يبدو اليوم أن عددًا من الأدباء العرب يترقبون كل عام جائزة «نوبل» ثم لا تأتي، وتدور أحاديث همسًا وعلنًا أن هذا الأديب أو ذاك يتصرف بما يرضي توجهات القائمين على «نوبل» مثل أن يكون مهادنًا يتملق ثقافة ضد أخرى، أو أن يهاجم ثقافته وتراثه ويمتدح غيرها على سبيل: «التفتوا إلي»، أو يكون متناقضًا ما بين كتاباته وما هو عليه في أرض الواقع. وهذا يفضي إلى تساؤل آخر: هل اكتفت جائزة «نوبل» من بين العرب بالأديب نجيب محفوظ منذ عام 1988 ثم غيرت مسارها بعيدًا عن الوطن العربي؟ هل يعقل أن أحدًا من الأدباء العرب البارزين لم يستطع أن يلفت أنظارهم مرة أخرى إلى العرب؟ لندع الأكاديميين والأدباء الذين التقينا بهم يقيّمون هذا الموقف ويجيبون عن هذه التساؤلات، ولكن قبل ذلك أذكر بمقولة أحد أبرز الذين رفضوا هذه الجائزة، الكاتب الآيرلندي الساخر برناردشو الذي قال عن الجائزة: «جائزة (نوبل) تشبه طوق النجاة الذي يتم إلقاؤه لأحد الأشخاص بعد أن يكون قد وصل إلى الشاطئ».
* بيع المبادئ القومية
الأكاديمي الناقد الدكتور علاء الجابري، من مصر، يرى أن هناك شغفًا من الأدباء العرب تجاه «نوبل»، ويقول: «بعضهم يريد (نوبل) بأي ثمن، وفي سبيل ذلك بذل بعضهم ماء وجه قوميته وعروبته تارة أو ثوابت مجتمعه تارة أخرى لينتظر كل عام مكافأته. وهؤلاء تجد بعضهم يبيع دم إخوانه منتظرا عطايا السلطان، حيث يتحكم فيهم سيف السلطان وذهب الجوائز، بمعنى أنه شخص غير سوي إنسانيا، وفي أي سياق لا يأتي بخير فليست (نوبل) وحدها التي سال لها لعابه. وبعضهم يظن أن مجرد الإغراق في المحلية، كما فعل محفوظ، سيجعله يستحق الجائزة». ويضيف الجابري: «والحق أن صدق محفوظ وصبره وتجدد إبداعه لا مثيل له. والغريب أن بعضهم تبرأ من الظن بكون أولاد حارتنا وإغارتها على بعض ثوابت الأديان طبقا لبعض وجهات النظر كانت سببا في منح (نوبل) لمحفوظ، ثم تراه يعمل بعكس ذلك في مغازلة للجائزة من جهة، وبيع لمبادئه من جهة أخرى».
لا تخلو فكرة الدكتور الجابري من الميل لنظرية المؤامرة التقليدية فيقول: «لنتفق بداية على أن الجائزة، أي جائزة، ليست دليلا على اتفاق على المبدع أو العمل الفني، فما يحكمها هو توجهات لجنة التحكيم التي يتغير حكمها بين فترة وأخرى وتشكيل وآخر، وليس أدل على ذلك من فوز البلاروسية بجائزة (نوبل) وهي المغمورة عند كثيرين، والتي ينظر لها أغلب النقاد بكون أعمالها أشبه بعمل محررة صحافية». ويكمل: «وربما لم تكن (نوبل) حاضرة في أذهان أغلبية المبدعين العرب قبل نجيب محفوظ، ولعل سعيهم لها وحلمهم بها ليثبتوا لأنفسهم أنهم ليسوا أقل من محفوظ بدرجة أكبر من استحقاقهم لها، وفي سبيل ذلك بذل بعضهم ماء وجه قوميته وعروبته تارة، أو ثوابت مجتمعه تارة أخرى لينتظر كل عام مكافأته. بالطبع يوجد مستحقون لـ(نوبل) على الأقل قياسا لبعض الفائزين من غير العرب، وهو ما يحدث مع جنسيات أخرى غير أن الأمور لا تسير بهذه الآلية. ونحن ننسى أن ترجمة أعمال محفوظ منذ زمن قد طرحته بقوة، ونحن قوم لا نجيد تسويق أعمالنا بالشكل المناسب».
* حالة احتفالية طقسية
الأكاديمية والقاصة الدكتورة علياء الداية من سوريا تستبعد أن تكون جائزة «نوبل» للأدب اكتفت بنجيب محفوظ بوصفه. وتستدرك بقولها: «لكن من الملحوظ تحول هذه الجائزة مع الزمن وفي عصرنا هذا إلى حالة احتفالية طقسية، تثير تنبه القراء إلى الحضور الإعلامي للأدب والكتابة واستمرار أهميتهما في حياة الناس. مع أن الفروع العلمية لجائزة (نوبل) صارت تنافس الجائزة الأدبية في استقطاب الاهتمام حتى لدى المشتغلين بالأدب». وتضيف علياء الداية: «من الطبيعي أن لكل كاتب معجبين يقدّرون إبداعه الذي يترك أثرًا في حياتهم ونفوسهم، وهذه هي الجائزة الحقيقية، (نوبل) ليست نهاية المطاف. وكل ما يحتويه أدب الكاتب من نزعات منفتحة أو انتقاد أو أفكار للتصالح أو دهشة تجاه العرب أو الغرب، هو سمة من سمات العمل الأدبي، وبقدر ما تكون أصيلة وصادقة فهي تعبير عن المعاناة وآفاق الحياة أو الموت، أما إن كانت مخصصة لاستمالة الجائزة فهي تطفو على السطح ولا أثر لها».
* ليحلموا ولكن لا يتنازلون
أما الأكاديمية الناقدة الدكتورة ديانا رحيّل من الأردن فتقول إنّ «حلم الفوز بجائزة (نوبل) للآداب يراود كثيرا من الأدباء والشعراء العرب، وهذا حقهم، ولا أنكر أنها تتويج لمسيرة كاتب أو شاعر واعتراف بكفاءة إبداعه، لكن لا يحق لهم أن يَقصُروا إبداعهم على ما يحاكي الغرب ويجد أصداء عندهم للفت الانتباه.. شخصيًا لا أؤمن بأن الجائزة اكتفت بالأديب نجيب محفوظ، ربما لا يوجد كاتب عربي أقنع القائمين على الجائزة به، رغم إبداعه، لكن لا بد من أسباب حالت دون فوز كاتب عربي غير نجيب محفوظ بالجائزة». وتفسر الحالة بقولها: «صحيح أن المبدعين كثر في وطننا العربي، لكن الكاتب الذي يكتب لنيل جائزة ما سيبتعد عن وطنه وأمته وهمومه، فنجيب محفوظ الفائز بالجائزة سنة 1988 لم يكتب لأي جائزة، وعبّرت كتاباته عنه وعن بيئته وحارته، فكانت (نوبل) تقديرا لإبداعه. وعلى سبيل المثال لا الحصر، عبر آندريتش الفائز سنة 1961 عن مدينته وقريته والنهر. جائزة (نوبل) تريد مَن يعبر عن أمته وليس مَن يغازلها ويكتب استجداءً، فالاهتمام يكون بالكاتب الذي يشكل قيمة في مجتمعه وليس ذلك المنسلخ عنه».
وتتابع: «عندما نجد أن كاتبا عربيا واحدا فقط حاز على هذه الجائزة يجعلنا نرى بوجود أسباب أخرى تتحكم بالجائزة، ولو جزئيا، مثل الموقف السياسي للكاتب، فلا يعقل أن البلاد العربية لم تنجب مبدعا سوى نجيب محفوظ، مع اعترافي المطلق بإبداعه. وأيضا لا يجب أن نغفل أهمية الترجمة، فهي تلعب دورا مهما في الموضوع، لأن انتشار العمل الأدبي باللغات الأجنبية يلفت إليه الأنظار، ويضع كاتبه في دائرة الضوء.
وتختتم ديانا رحيّل رؤيتها للموضوع بقولها: «قد يتأثر بعض الكتاب بالحضارات الغربية فيلجأ أحدهم لفضح المجتمع العربي، والتركيز على قضايا تخدم الغرب، وقد يتجرأ آخر ويخوض بالمعتقدات الإسلامية مستغلا موقف الغرب من الإسلام والمسلمين، ومستغلا أيضا إلصاق تهمة الإرهاب به، ساعيا في قرارة نفسه للشهرة في المجتمعات الغربية وبالتالي التركيز على أعماله، وهؤلاء يشكلون خطرا حقيقيا على الوعي الثقافي، لأنهم على أتم الاستعداد لتبني أي موقف يعادي العرب، ويتصدى للهجوم على الدين والثقافة العربية بالمجمل، مغازلا بموقفه هذا الجوائز العالمية وعلى رأسها جائزة (نوبل)».
* مجرد مرشحين حتى الآن
الشاعر أحمد اللاوندي، من مصر، ينظر إلى الموضوع من زاويته التاريخية وصولاً إلى الحاضر فيقول: «في عام 1988 حصل الكاتب المصري نجيب محفوظ على جائزة (نوبل) في الآداب، ومنذ ذلك العام فإن المحافل الثقافية الدولية تغفل الإبداع والمبدعين العرب، فلم يحصل أي كاتب أو مبدع عربي على هذه الجائزة بعد محفوظ، وكثيرا ما رشح الشاعر السوري أدونيس، والكاتبة الجزائرية آسيا جبار، والكاتب الصومالي نور الدين فرح وغيرهم للجائزة، لكن كل هؤلاء ما زالوا مجرد مرشحين فقط».
وأضاف: «وأنا هنا أريد أن آخذ أدونيس مثالا، فرغم أنه من الشعراء العرب الكبار، وأنه قد ساهم بشكل كبير في إيصال الحداثة الغربية إلى الشرق، وأنه نقل كثيرا من المفاهيم النقدية الغربية إلينا، فإنه لم يستطع إدخال ثقافتنا اليومية كوننا شرقيين إلى كتاباته، على عكس نجيب محفوظ الذي قدم الحياة اليومية المصرية بكل تفاصيلها في كتاباته، فأخرجها من المحلية للعالمية.. فاستحق (نوبل) عن جدارة».
ويضيف: «أشعر أن أدونيس قد شغل بـ(نوبل) كثيرا فصار شاعرا غربيا وكاتبا غربيا ومثقفا غربيا، ومن وجهة نظري كنت أتمنى أن يحصل الشاعر الفلسطيني محمود درويش على الجائزة قبل وفاته، فهو أحق من أدونيس الذي ما زال مرشحا وسيظل».
ويرى الشاعر أحمد اللاوندي أن كل من فاز بـ(نوبل) يستحقها؛ لأنه قد تفوق علينا إبداعيا، نحن العرب، وعلينا أن نعترف بذلك، لكن كل عام يخرج علينا من يقول إن «كتابات من فاز بـ(نوبل) تافهة، ولا ترقى لنيل الجائزة»، وهذا هراء بالطبع، والحقيقة أن كتابات من فاز بالجائزة لم تترجم إلى العربية، ولو كانت مترجمة من قبل لتغيرت أقوالنا بالتأكيد.
ويؤيد أحمد اللاوندي فكرة أن بعض الأدباء والكتاب العرب ما زالوا يغازلون «نوبل» بكتابات وسلوكيات معينة، مثل الحديث عن الغرب بدهشة، والتصالح مع الآخر، وانتقاد الشخصية العربية بأطروحات منفتحة جدا على كل المستويات كي يستميلوا القائمين على «نوبل»، ومع ذلك لم يفلحوا.. لماذا؟ لأن الوصول للعالمية يحتاج من الكاتب ومن المبدع أن ينقل واقع بلاده بكل إشكالياته وتفاصيله، مهما كانت دقيقة وصغيرة، وهذا ما فعله نجيب محفوظ، ولم يفعله أحد من المبدعين والكتاب العرب حتى الآن.
* أين تلعب السياسة؟
قال الدكتور مصلح النجار، أستاذ الأدب الحديث في الجامعة الهاشمية في الأردن: «من الصعب أن نحكم بأنّ جائزة (نوبل) قد اكتفت من الوطن العربي بنجيب محفوظ، فلا يغلق حصول أديب على الجائزة الباب أمام ثقافة حاضرة في الحضارة الإنسانيّة مثل الثقافة العربية. وقد يشعر كثير من المثقّفين العرب أنّ هذه الجائزة تتأثّر بعوامل سياسيّة، كما تتأثر بالمركزيّات، وموقف الأدباء منها. وقد تردّدت مجموعة من الأسماء أشيع أنّها تمّ ترشيحها لـ(نوبل) في الآداب، ورأيت بعض الاحتجاجات، ومراسلات بين إدارة الجائزة وبعض المثقفين العرب حول بعض هذه الترشيحات. لكن ما أؤمن به أن أدونيس الذي أشيع ترشيحه مثلا، رغم سرّيّة الترشيحات، يستحقّ (نوبل) للآداب، لما يتّسم به من حضور، وتأثير في الأدب العربي والثقافة العربية، زيادة على اتّسام أدبه بالعالمية، عن جدارة، رغم كل ما ثار حوله من لغط. وقائمة الأسماء ليست قصيرة بين أدباء العربية، مثل صنع الله إبراهيم، وإبراهيم عبد المجيد، وبهاء طاهر. أو مثل محمود درويش حين كان حيّا، ومثله عبد السلام العجيلي، ورضوى عاشور، وتوفيق الحكيم. وربّما كان المراقبون في سياق الثقافة العربية يفسّرون بعض سلوكيات ومواقف أدباء معيّنين على أنها من باب الرياء سعيا إلى (نوبل)، ومحاولة لإظهار حسن النيات، وهي الملاحظة التي أسرف بعض النقاد في شرحها حول نجيب محفوظ، وأدبه، ومواقفه، وهو الكلام الذي قيل مثله عن توفيق الحكيم. وأنا أؤمن أن كثيرا من المواقف والمضمونات التي تنطوي عليها أعمال الأدباء ليست بريئة، لكنّ الملاحظة تصبح جديرة بالتوقف عندها حين ندرك أنّ عددا غير قليل من الأدباء كانوا يضعون المطامع بالجوائز العالمية نصب أعينهم وهم يصوغون إبداعاتهم، وبذلك نتج من هذا الطمع أو الطموح تأثير طال عددا غير قليل من الأدباء والأعمال الأدبية، مما قد يكون مؤثرا في الفكر الأدبي للمرحلة التي امتدت لعقود حتى يومنا هذا».



هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود
TT

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

رحل قبل أيام ديفيد هيندرسون، الشاعر الذي برز اسمه مع «حركة الفنون السوداء» الرائدة في ستينات القرن الماضي، والذي مضى ليؤلف سيرة ذاتية حققت أعلى مبيعات عن حياة جيمي هندريكس غيّرت الطريقة التي فسر بها الكثيرون حياة هندريكس وموسيقاه ونهايته المأسوية المفاجئة، في 14 مايو (أيار) في لينكون بارك بولاية نيوجيرسي، عن عمر يناهز 83 عاماً.

وقالت ابنته، ناجوما هيندرسون، إن وفاته في إحدى دور الرعاية كانت ناتجة عن مضاعفات مرض الخرف.

في عام 1962، كان هيندرسون، المولود في حي هارلم، شخصية محورية في تأسيس «جمعية أومبرا»، وهي تجمع أدبي رائد للسود كان مقره في منطقة إيست فيليج في مانهاتن. وعلى غرار كالفن هيرنتون، وتوم دينت، ولورينزو توماس، وأسكيا توري، وستيف كانون، وغيرهم من المنتسبين لهذه المجموعة، فقد سعى إلى صياغة حساسية جمالية جديدة ذات طابع أسود خالص، ومتحررة من المقاييس الفنية الغربية البيضاء.

تذكر هيندرسون تلك الحقبة في مقابلة أُجريت معه عام 2009 مع موقع «أفريكالتشرز»، وهو موقع إخباري وثقافي فرنسي، قائلاً: «لقد كنا مستبعدين من الخطاب الثقافي. وهذا الاستبعاد هو ما كان يحاربه ريتشارد رايت، ورالف إليسون، ولانغستون هيوز، وغويندولين بروكس، وروبرت هايدن، وجيمس بالدوين».

وغدت جمعية «أومبرا» حجر أساس لحركة الفنون السوداء الأوسع نطاقاً، التي برزت في منتصف ستينات القرن الماضي بقيادة كتاب ثوريين من أمثال ليروي جونز (الذي عُرف لاحقاً باسم أميري باراكا)، ولورانس نيل، والسيد توري، وضمت أيضاً شخصيات من مجالات الفنون البصرية، والمسرح، والرقص، والموسيقى.

وقال إشمائيل ريد، الشاعر والكاتب المسرحي المثير للجدل الشهير في مقابلة معه: «لقد كنا الثوريين. إن الكُتّاب السود لم يعودوا يرون ضرورة لاتباع التقاليد السردية لكُتّاب مثل إرنست هيمينغوي أو هنري جيمس. لقد كسرنا ذلك النمط، وتوجهنا نحو الفولكلور ونبض الشارع».

وجسدت «التنسيقات التجريبية» لهيندرسون - كما وصفت منصة «كيركس ريفيو» أعماله - الأمل والغضب اللذين اتسم بهما عصر الحقوق المدنية، مستمدة من التقاليد الشفهية للسود وإيقاعات موسيقى الروك آند رول، والموتاون، والجاز.

وكما كتب في القصيدة الرئيسية التي حملت عنوان مجموعته الشعرية الصادرة عام 1970 «عمدة هارلم»:

سكان أصليون صامتون يصرخون

عبر بنادق وسيوف وفؤوس الغرب

آلات ساكسفون تينور طويلة

بوق أسود يصدح

صفحات من السيوف

وُلد هيندرسون في 19 سبتمبر (أيلول) عام 1942، وهو الابن الأكبر بين ولدين لـ«رايموند هيندرسون»، الذي كان يشغل رتبة رقيب أول في خفر السواحل، و«ميرتل (براون) هيندرسون».

وفي مرحلة المراهقة، غادر منزله وانتقل إلى وسط المدينة وتحديداً إلى حي إيست فيليج ليتفرغ للشعر. وتذكر هيندرسون ذلك لاحقاً قائلاً: «كان هذا في أوائل ستينات القرن الماضي. وكان التغيير يحدث أمام أعيننا، لكنني لست متيقناً من أنني لاحظته حينئذ».

وآنذاك، بدأ في الاختلاط بالوسط الإبداعي الأسود في نيويورك، بما في ذلك فنانو الجاز مثل عازف الساكسفون «أرتشي شيب»، وعازف البيانو «سيسيل تايلور»، وقائد الفرقة السريالية «صن را»، الذي تعاون معه في وقت لاحق.

وفي أوائل سبعينات القرن الماضي، عُيّن للتدريس في جامعة كاليفورنيا بفرع بيركلي، وهي الأولى من بين عدة مناصب أكاديمية شغلها على مر السنين. وكانت ترافقه زوجته «باربرا كريستيان»، التي أصبحت لاحقاً أستاذة للدراسات الأميركية الأفريقية في جامعة بيركلي، ومرجعاً بارزاً في النسوية الأدبية الأميركية المعاصرة.

وانتهى زواجه من كريستيان بالطلاق عام 2000، وذلك بعد انفصال دام 20 عاماً.

بعد فترة وجيزة من وصوله إلى كاليفورنيا، شرع السيد هيندرسون في رحلة استغرقت 5 سنوات لإنجاز كتاب عن هندريكس، الذي توفي في لندن في 18 سبتمبر عام 1970 عن عمر ناهز 27 عاماً.

لم يكن هيندرسون صحافياً موسيقياً على الإطلاق، ولكنه كتب عن حفل أحياه هندريكس عام 1968 لصالح مجلة الروك «كراودادي». وتذكر هيندرسون ذات مرة في مقابلة مرئية قائلاً: «لقد تعرفت على هندريكس قليلاً في أثناء التسكع بالنوادي في مانهاتن، وأخبرته أنني سأكتب شيئاً عنه».

وقد ساعدت صداقته مع هندريكس في فتح الأبواب أمامه، مما دفع كثيرين ممن كانوا مقربين من أسطورة الغيتار إلى التحدث بوضوح وانفتاح، بمن فيهم والده، آل هندريكس. كما تمكن هيندرسون من الوصول إلى يوميات هندريكس الشخصية، ومراسلاته الخاصة، وتسجيلاته المنزلية.

نُشر كتاب «جيمي هندريكس: طفل الفودو في العصر الدلوي» عام 1978 (ثم نُقّحَ الكتاب لاحقاً وتغير عنوانه إلى «اعذرني حال تقبيل السماء: جيمي هندريكس: طفل الفودو»).

وكان هذا الكتاب أول سيرة كبرى عن هندريكس، ووفقاً لكاتب موسيقى الروك غريل ماركوس: «هو بالتأكيد المحاولة الأكثر جدية حتى الآن لفهم حياة أحد رموز الستينات». ووصفه السيد ريد ذات مرة بأنه «مزيج بين الإثارة والرثاء لبعض الشخصيات المأسوية التي أحيت عقداً مثيراً من الحياة».

وتميز الكتاب بين السير الذاتية لموسيقيي الروك بأسلوبه السردي الذي ينتمي إلى المدرسة «الصحافية الجديدة»، والذي تضمن مقاطع شعرية منمقة - مما أثار استياء بعض النقاد - وحوارات داخلية مُعاد صياغتها وأساليب أخرى تذكرنا بالأدب الروائي والقصصي.

ووفقاً لكاتب موسيقى الروك غريل ماركوس، فإن سيرة هندريكس الذاتية التي ألفها هيندرسون ونُشرت لأول مرة في عام 1978، كانت «بالتأكيد المحاولة الأكثر جدية حتى الآن لفهم حياة أحد رموز الستينات».

بيد أن الأمر الأكثر إثارة للدهشة تَمثَّل في الاستنتاجات التي توصل إليها الكتاب بشأن وفاة هندريكس. إذ دحض الكتاب بشدة الرواية المقبولة على نطاق واسع، التي طرحتها في البداية صديقته «مونيكا دانيمان»، وتكررت لاحقاً في سير ذاتية أخرى، مثل كتاب تشارلز كروس الشهير «غرفة مليئة بالمرايا» الصادر عام 2005، ومفادها أن هندريكس تناول كمية كبيرة من الحبوب المنومة القوية في فندق واختنق بقيئه.

كتب هيندرسون: «نتيجة لذلك، ظن الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم أن هندريكس فارق الحياة بالطريقة التقليدية لنجوم الروك: جرعة زائدة من المخدرات وسط الشهرة، والنساء الشقر، والترف، والجنس».

واستناداً إلى وثائق قانونية كُشف عنها لاحقاً، إلى جانب مقابلات مع طواقم المستشفيات والإسعاف وآخرين ممن وجدوا خلال تلك الأيام الأخيرة، خلص السيد هيندرسون إلى أن هندريكس «لم يمت بسبب جرعة زائدة من المخدرات، وإنما مات غرقاً».

وافتُرضت النسخة المحدثة من الكتاب أن هندريكس قد اختنق بكمية «هائلة» من النبيذ الأحمر، إلى الحد الذي جعلها تتلبد في ملابسه وشعره وتتدفق من أنفه وفمه حتى بعد وفاته، وذلك رغم انخفاض نسبة الكحول في دمه نسبياً.

وكتب هيندرسون أن قوى غامضة مختلفة كانت لديها دوافع لإيذاء هندريكس، بما في ذلك الجريمة المنظمة والوكالات الفيدرالية التي تسعى إلى إلحاق الضرر بحركة الثقافة المضادة ذات التوجه اليساري المتطرف.

وبالنسبة للمعجبين، سيما البيض منهم، فقد كان هندريكس يعد لفترة طويلة شخصية بارزة في العصر السيكيديلي، متجاوزاً حدود العِرق بفضل شخصيته التي تمثل النموذج البدائي للهيبيز، ودوره الرائد في مهرجان «وودستوك».

غير أن هيندرسون يرى أن هذا التصور مجانب للصواب. فبالنسبة له، كان هندريكس فناناً أسود خالصاً تجذرت موسيقاه بعمق في موسيقى «البلوز» وصُقلت في «شبكة تشيتلين» الجنوبية، وهي شبكة من المسارح وأماكن العرض التي كانت تلبي احتياجات الفنانين السود في المدن التي تطبق سياسة الفصل العنصري.

وبعيداً عن كونه غير مبالٍ بالتمييز على أساس اللون، كما صوّره كثير من كتّاب الروك البيض، فقد أقبل هندريكس على تبني حركة «قوة السود» تماماً، كما أقبل على ثقافة «قوة الزهور» - إلى الحد الذي جعل دعمه المتنامي لحركة «الفهود السود» يضعه في مرمى نيران مكتب التحقيقات الفيدرالي.

وكتب هيندرسون: «كان جيمي هندريكس نموذجاً كلاسيكياً للشاب الأنيق والبارع المنتمي لأحياء السود الفقيرة، وتجسدت عبقريته في الغيتار الكهربائي. إذ حقق أسلوباً بارعاً لا يُضاهَى وصار موسيقياً للموسيقيين، وعازفاً للعازفين، وكاهناً للعصر الجديد في الموسيقى الاحتفالية الأفرو - أميركية».

*خدمة «نيويورك تايمز»

كتب ديفيد هيندرسون أول سيرة كبيرة عن أسطورة الغيتار هندريكس


سيرة شعرية لذات ممزقة

سيرة شعرية لذات ممزقة
TT

سيرة شعرية لذات ممزقة

سيرة شعرية لذات ممزقة

في ديوانه الأحدث «فضائل الضغينة»، يسعى الشاعر المصري مؤمن سمير لكتابة سيرة شعرية لذات ممزقة بين التاريخ، والأحلام، والعائلة، في جدل هذه الذات مع امتداداتها في الزمان، والمكان، فيبدو الديوان كله حالة متصلة، وليس مجرد قصائد متشابهة جمعها الشاعر بين دفتي كتاب، إذ إن كل قصيدة بمثابة فصل يضيف جانباً من جوانب هذه السيرة المفعمة بالأحلام، والرؤى الأسطورية، والسريالية، والأسئلة الوجودية المشرعة على الموت، والحب، والغياب، والحروب، وغيرها، إذ تقع الذات الشاعرة في تقاطع هذه المتناقضات، لتدرك في الأخير ضآلتها وسط عالم مضطرب خارجياً، وصراعات نفسية داخلية في لا وعي هذه الذات، وتفجرها من داخلها.

صدر الديوان عن «دار العين» بالقاهرة، ويتكون من ثلاث عشرة قصيدة، تتراوح ما بين كتابة السطر الأفقي في القصيدتين الأولى والأخيرة، والسطر الرأسي في بقية القصائد تقريباً. كما أن طريقة عنونتها تشير إلى ترابط النصوص في وحدة عضوية واحدة. القصيدة الأولى «تباشير الحياة» مختلفة عن هذه العنونة، حيث تتوسل بطاقة هائلة من الحس السردي، والحكائي، كي تؤرخ للذات، وأصولها، لذلك فهي أقرب إلى مقدمة أو تمهيد عن التاريخ البعيد لهذه الذات، وانتسابها العائلي، وهو ما تؤكده دلالات العنوان بتلك التباشير التي كانت بذرة للحياة التي تحققت بعد ذلك، وأرست مواضعات العالم في هذا المكان.

أما بقية القصائد فعناوينها كلها بدأت بمفردة «صندوق»، ثم تنوع المضاف إليه في كل عنوان، مثل «صندوق النار»، و«صندوق النوم»، و«صندوق التراخي» و«صندوق القنص» و«صندوق الشغف»... وهكذا تتوالى الصناديق التي تفتحها الذات الشاعرة، كاشفة عن رؤيتها لسيرتها، ومسيرتها. فعلى مدار الصناديق/ القصائد، تحاول استكشاف نفسها، وأحلامها، وذكرياتها، وتضع كل شيء تحت مجهر شعري، ويحاول الإمساك بأبعاد المشهد، وبتفاصيل التاريخ الشخصي، والاجتماعي، ومتكئة على تشكيل جمالي مفعم بالسريالية، والغرائبية، إنها عبر إبحارها في هذه الصناديق تفتح أبواباً ضخمة ترى منها، ويرى المتلقي معها، كيفية تشكل هذه الذات، وتغوص في طبقات اللاوعي الشخصي، والجمعي، ومحاولة استخلاص ملامح رؤية متماسكة لتحولات وتقلبات هذه الذات.

تعتمد الذات الشاعرة في كثير من القصائد على صيغة المخاطب، ما بين مخاطب فردي، كالحبيبة، أو الصديق، أو شيخ محدد «يا شيخنا/ أفصح عن مقاصدكَ/ حتى لا يغادرَ السامعونَ المقهى». وأحياناً مخاطبة سامعين مفترضين: «الحكايةُ يا سامعين/ ترقد عند السِّحر المسمى بالأحلام...»، متخذاً سمت الراوي الشعبي الذي يقص حكايته وسيرته -على الربابة- لمجموعة من جمهور المستمعين المتحلقين حوله. وفي أحيان ثالثة يخاطب جماعة كاملة غير محددة، كما في قصيدة «صندوق الفراشات»، إذ يقول: «أنا أيضاً مثلكم، أمتلكُ صناديق تشبهني، وأشبهها، لكنَّ صندوقي الأخير مجرد صندوق فراشات، بسيطٌ ولا يدعو للتباهي»، فهو هنا يتماهى مع الجماعة التي يخاطبها بوصفه جزءاً منها، ولا ينبو عن قوانينها، ومواضعاتها، فيما يتعلق بامتلاكه -مثل جماعته- صناديقه السرية التي لا يعرف أحد مكنونها، لكن موضع اختلافه عن هذه الجماعة هو محتوى هذه الصناديق المملوءة بالفراشات، بما يتناغم مع كونه ذاتاً حالمة، ويتعمق هذا الاختلاف بين الذات والجماعة في القصيدة نفسها، حين يصف نفسه قائلاً:

«أنا طائر ولستُ طائرة

أنا فراشة ولستُ قذيفةً

أنا خيالكم المرتعش وسط الحروب...».

ففي السطرين الأولين ثنائيتان ضديتان، يمثل الطرف الأول منهما الذات بشكل واضح (طائر، فراشة) بكل ما يتعلق بهما من دلالات الرقة، والرهافة، في حين أن الطرف الثاني من الثنائيتين (طائرة، قذيفة) يمثل الجماعة الإنسانية التي تنتمي لها هذه الذات، لكنهما يتقاطعان بنيوياً، فالمسافة بين الذات وجماعتها هي نفسها المسافة بين دال الفراشة ودال القذيفة، بين الجمال، والقسوة، الرهافة، والغلظة، وحين تندغم الذات وجماعتها -في السطر الثالث- فإن الذات تحافظ أيضاً على تركيبتها الرهيفة، وتكون هي الخيال المرتعش، والمخفي، والمسكوت عنه، لتلك الجماعة التي تدخل معمعة الحروب بقسوة، وبشجاعة مدعاة.

هذه الذات الرهيفة هي صنيعة الغياب، والموت، وصنيعة الفقد الذي جعلها تبدو عجينة طيعة، وتخشى التورط في قسوة العالم، وخاصة مع فقد الأب، والحبيبة، وتوالي الموت الذي اقتنص كل من حولها، وحاصرها على مدار مسيرتها الحياتية، فباتت بلا غطاء، ولا حماية، مثقلة بالندوب الروحية، والجسدية، ففي قصيدة «صندوق الغياب» يقول مفككاً تركيبته النفسية:

«أخلعُ ردائي وأقول

هذا غيابُ أبي الذي جعلني

أعمى

وهذا غيابُ حبيبتي

ينقشُ جلدي بالبثور...».

إن هذه الذات، بعد فتح صناديقها المخفية، وخلع الرداء الذي تتستر خلفه أمام الآخرين، بعد التعري التام أمام الذات، ومصارحتها، أصبحت قادرة على التصالح مع أعطابها، أو بالأحرى مع خصائصها، وصفاتها التي لا تملك لها رداً، ولا تعديلاً، والتعاطي معها بوصفها نتاجاً لمعطيات واضحة، يمكنها أن تشير إليها بوضوح، باستخدام اسم الإشارة «هذا»، كأحداث قريبة، ولصيقة بها، وفاعلة في تكوينها، فغياب الأب أفقدها خاصة البصر، وغياب الحبيبة شوّه جلدها بالبثور، ويظل النص مفتوحاً، ليضيف إليه وعي القارئ غيابات أخرى، وتشوهات إضافية.

وتتنامى رهافة هذه الذات بتناغمها مع الطبيعة، ومفرداتها، حتى لو بدت قاسية، أو جامدة ظاهرياً، فهي قادرة على استبصار الهشاشة في كل ما حولها، حتى لو كان جبلاً شامخاً، كما في قصيدة «صندوق الرمل»، حيث نرى هذه الذات المدربة على الهشاشة، وقادرة على النفاذ إلى أعماق جبل، وتعريته من صلادته، وجموده الظاهري، وإحساسه بالتيه، والارتعاش، والضآلة، وترويضه، وبنزع رداء القسوة عن حجارته، ورماله، ليتبدى جوهره الهش، يقول:

«نظرتُ فجأةً

فلمحتُ جبلاً

كأنهُ لصٌّ يرتعشُ

وسطَ السوق...

ربَتُّ عليهِ

فنام جواري كالجثة...».

في خضم هذا الحوار الجدلي بين الذات والعالم تتوصل الذات إلى ما يشبه الحكمة الفلسفية التي تعتنقها، بعد أن عاينت جراحها، وندوبها، وتأكدت من عدم قدرتها، بوصفها ذاتاً فردانية هشة، وممزقة، على إيقاف قسوة العالم، أو التصدي لما به من عوار، والاكتفاء بالابتعاد عن الأفكار الكبرى، والأحلام الإنسانية العريضة، ليكون الانغماس في تفاصيل العالم، ومتعه المحسوسة هو الملاذ لإنقاذ ما تبقى من هذه الذات، وأن تتذوق طعم الحياة ببساطة، ودون أن ترنو لما هو أبعد من حدودها المتناهية، والقريبة، فأقصى ما يمكن أن تفعله ذات ممزقة، ومهمشة كهذه هو أن تستعيد حواسها، وتسترجع قدرتها على الإحساس بالطعم، واللون، والرائحة، وتعود إنساناً ممتلكاً جسده، وبصيرته، وقدرته على التذوق، ولو كان محدوداً بحدود فيزيقية ضيقة، يقول في قصيدة «صندوق الحيّة»:

«الأفكارُ مؤلمةٌ

والأحلامُ حيرة ومتاهة

لهذا فالأجدى في هذه الحياة

أن نسعى فقط

لما نلمسهُ ونُحِسُّهُ...

للصوت والطعمِ

والرائحة...».


«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا

«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا
TT

«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا

«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا

تقوم رواية «جريمة في دار المسنين»، الصادرة عن دار «العربي» في القاهرة للكاتبة الفنلندية ليندجرين، على حبكة درامية تجمع بين لغز وفاة غامضة والكوميديا السوداء لتكشف الأحداث تدريجياً عن شبكة صادمة من المصالح الاقتصادية والقرارات البيروقراطية التي تحكم مؤسسات رعاية المسنين حيث تُختزل حياة الإنسان لتصبح مجرد رقم.

بأسلوب ساخر ولاذع، لا يكتفي النص، الذي ترجمته نهى مصطفى، بتقديم لغز بوليسي بل يطرح نقداً اجتماعياً حاداً يعري الطريقة التي يتعامل بها المجتمع الحديث مع فئة أصحب الشيخوخة ممن هم الأكثر هشاشة ليبرهن على أن الوعي والرغبة في العدالة والقدرة على المقاومة سمات لا تزول بتقدم العمر.

تجري أحداث الرواية في دار رعاية خاصة وفاخرة للمسنين تعرف باسم «سان صت جروف» وتُسوّق بوصفها مكاناً مثالياً لقضاء سنوات الشيخوخة الأخيرة في رفاهية وطمأنينة وتعيش فيه الصديقتان سيري وإرما اللتان ينقلب فجأة عالمهما المريح بسبب واقعة موت مشبوهة.

هنا تعقد الصديقتان العزم على معرفة ما حدث بالضبط ولماذا، فتبدآن تحقيقاتهما الخاصة وتشكلان جمعية «سيدات اللافندر للتحقيقات» لتكتشفا أنه خلف واجهة «سانست جروف» الهادئة تختبئ الكثير من الأسرار الخطيرة التي لا تخطر ببال.

وُلدت مينا ليندجرين عام 1963 وهي صحافية وكاتبة، حققت روايتها «جريمة في دار المسنين»، التي نُشرت تحت عنوان «الموت في سان صت جروف» نجاحاً باهراً في فنلندا خصوصاً بعد أن تبعها الجزء الثاني منها «الهروب من صان ست جروف» والجزء الثالث «النهاية في سان صت جروف». استوحت المؤلفة فكرة هذه السلسلة بعد بحثها في موضوع معاملة كبار السن في فنلندا لصالح إحدى المجلات.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«كل صباح تستيقظ سيري كيتونين لتدرك أنها لا تزال على قيد الحياة، تنهض من سريرها ببطء ثم تغتسل وترتدي ملابسها وبعدها تتناول إفطاراً خفيفاً. يستغرق ذلك بعض الوقت لكنها لا تكترث، فالوقت كله ملكها، تقرأ الصحيفة بتركيز وتصغي للبرامج الإذاعية الصباحية فهذا يمنحها شعوراً بأنها ما زالت تنتمي إلى هذا العالم. غالباً ما تذهب في جولة قصيرة بالترام في حوالي الساعة الحادية عشرة صباحاً لكنها لم تشعر اليوم برغبة في الخروج.

كانت الإضاءة الساطعة للغرف المشتركة في دار التقاعد (صن ست جروف) تعطي المكان أجواء أشبه بغرف الانتظار في عيادة طبيب الأسنان. استلقى عدد من النزلاء على الأرائك في انتظار موعد تناول طعام الغداء.

فجأة شعرت سيري بالحزن ستفتقد تيرو كثيراً لدرجة أن معدتها بدأت تؤلمها، كيف يموت مثل هذا الشاب المعافى في حين لا يموت من يبلغ من العمر أربعة وتسعين عاماً؟ كانت سيري قد قرأت في الجريدة أنه بمجرد أن تبلغ التسعين من العمر تتوقف عملية الشيخوخة، هذا فظيع لأنه يعني أن الأشخاص المسنين مثلها قد تأخروا حتى على موعد وفاتهم.

في البداية كان الجميع يموتون، الأصدقاء والأزواج ثم لم يعد أحد يموت. كان اثنان من أبناء سيري قد ماتا بالفعل، ابنها الأكبر بسبب الإفراط في شرب الكحول والأصغر بسب الإفراط في تناول الطعام. كان الصغير طفل العائلة المدلل، فتى وسيماً ورياضياً، لكنه أخذ يأكل بكثرة ولا يفعل شيئاً سوى العمل. يقود السيارة إلى كل مكان يذهب إليه، يأكل البيتزا ورقائق البطاطس ويدخن السجائر. هذا ما يطلق عليه انعدام الحافز، وهو عبارة عن اضطراب نفسي يؤثر على الشخص عندما يصل إلى مستوى معيشي مرتفع لدرجة أنه يموت بسببه في الخامسة والستين، بحد أقصى».