«حرب غزة»: اتصالات مصرية لتقريب مواقف الفصائل الفلسطينية

تحركات نشطة لوفود الأطراف المعنية باتجاه القاهرة

مسعفون ينقلون الجرحى الفلسطينيين عند معبر رفح الحدودي في مصر (أ.ف.ب)
مسعفون ينقلون الجرحى الفلسطينيين عند معبر رفح الحدودي في مصر (أ.ف.ب)
TT

«حرب غزة»: اتصالات مصرية لتقريب مواقف الفصائل الفلسطينية

مسعفون ينقلون الجرحى الفلسطينيين عند معبر رفح الحدودي في مصر (أ.ف.ب)
مسعفون ينقلون الجرحى الفلسطينيين عند معبر رفح الحدودي في مصر (أ.ف.ب)

لا تزال جهود الوساطة المصرية القطرية من أجل وقف القتال في قطاع غزة تترقب إعلان موقف إسرائيلي محدد بشأن المضي قدماً في صفقة لتبادل الأسرى ووقف القتال، ورغم عقد حكومة الحرب في تل أبيب اجتماعين على الأقل إلى الآن لمناقشة «مقترحين» مصري وقطري، فإنه لم تظهر إلى الآن أي مواقف رسمية بشأن التجاوب مع أي منهما.

وفي الوقت نفسه، كثفت القاهرة اتصالاتها على محور الفصائل الفلسطينية، لتقريب وجهات النظر بينها، خصوصاً فيما يتعلق بإجراءات ما بعد إبرام اتفاق لتبادل الأسرى، في مسعى منها لإعادة ترتيب الموقف الفلسطيني، وتهيئة الأجواء لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وفق تأكيدات مراقبين فلسطينيين.

وكانت مصادر فلسطينية مطلعة قد أفادت، الأحد، بوجود ترتيبات واتصالات مصرية مكثفة، لعقد جلسة حوار مكثفة ومغلقة بين حركتي «فتح» و«حماس» في القاهرة، وفق ما نقلت «وكالة أنباء العالم العربي». وأضافت المصادر أن الاجتماع المرتقب يسبقه اتصال ثنائي بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس وهو رئيس حركة «فتح»، مع رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» إسماعيل هنية، واتصالات أخرى بين الأطراف المكلفة بعمل المصالحة الفلسطينية في التنظيمين.

وصرحت المصادر بأنه إذا نجحت الاتصالات فسيُعقد الاجتماع بالقاهرة خلال النصف الأول من يناير (كانون الثاني) الحالي.

وتسعى مصر لتقريب وجهات النظر بين الفلسطينيين داخلياً؛ لتسهيل تشكيل حكومة موحدة لقطاع غزة والضفة الغربية بموافقة حركتي «فتح» و«حماس»، والاتفاق على استراتيجيات العمل الفلسطيني الداخلي في المرحلة المقبلة.

تهيئة الأجواء

واستبعد الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، أن تكون هناك لقاءات مباشرة بين «فتح» وحماس» في المرحلة الحالية، وأرجع ذلك لـ«اتساع الهوة في المواقف على خلفية الأزمة في قطاع غزة»، مرجحاً أن تقوم القاهرة باتصالات منفردة مع كل فصيل لتهيئة الأجواء قبل الانتقال لمرحلة اللقاءات المباشرة بين قادة الفصائل الفلسطينية.

وأضاف الرقب لـ«الشرق الأوسط» أن نهج الاتصالات المصرية المباشرة والمنفردة جرى استخدامه بفاعلية مع كل من «حماس» و«الجهاد» رغم أنهما من أكثر الفصائل تقارباً واتساقاً في المواقف السياسية والتنسيقات الميدانية، مشيراً إلى أن الاتصالات التي تقوم بها مصر «لا تقتصر فقط على (فتح) و(حماس)، بل تتضمن طيفاً واسعاً من الفصائل»، سواء لترتيب عملية تبادل الأسرى عند إقرارها لأن كثيراً من الأسرى الإسرائيليين بحوزة فصائل في غزة غير «حماس»، أو بهدف التمهيد لما بعد وقف القتال، خصوصاً ما يتعلق بتشكيل حكومة كفاءات وطنية تضم مختلف ألوان الطيف الفلسطيني.

مواقف متباينة

وتسبب طرح تشكيل حكومة «تكنوقراط» فلسطينية ضمن الصيغة الأولى للإطار المصري المقترح لإنهاء الحرب في غزة، في إثارة مواقف متباينة من جانب القوى الفلسطينية، إذ رفضت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية منتصف الأسبوع الماضي، برئاسة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ومن دون الإشارة إلى مصر، «تشكيل حكومة فلسطينية لإدارة الضفة وغزة بعيداً عن مسؤولية المنظمة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني»، ولاحقاً زار مدير المخابرات الفلسطينية ماجد فرج القاهرة لمناقشة هذا البند من المقترح مع مسؤولين مصريين.

وفي أعقاب ذلك أكد مصدر مصري مسؤول أن ما جرى تناوله بشأن مقترح مصري لوقف إطلاق النار بقطاع غزة، هو «مقترح أولي، وسيتبلور موقف متكامل عقب حصول القاهرة على موافقة كل الأطراف».

في السياق نفسه، قالت حركة «حماس» إنها اتفقت مع فصائل فلسطينية أخرى على «حل وطني» يقوم على تشكيل حكومة وحدة، وأضافت «حماس»، في بيان الأسبوع الماضي، أن تلك الفصائل شملت أيضاً حركة الجهاد والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية. وتضاربت الأنباء بشأن زيارة وفد من «حماس» إلى القاهرة خلال الأسبوع الحالي لمناقشة رؤية الحركة بشأن الطرح المصري.

ووفق تصريحات سابقة لضياء رشوان رئيس هيئة الاستعلامات المصرية طرحت مصر مقترحاً يتضمن 3 مراحل تنص على هدن قابلة للتمديد والإفراج التدريجي عن عشرات الأسرى الذين تحتجزهم «حماس» في مقابل الإفراج عن أسرى فلسطينيين في السجون الإسرائيلية، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى التوصل لوقف الأعمال القتالية.

واستضافت القاهرة قبل أسبوعين وفوداً من حركتي «حماس» و«الجهاد»، حيث أجرى رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» إسماعيل هنية، والأمين العام لـ«حركة الجهاد الإسلامي» زياد النخالة محادثات مع المسؤولين المصريين حول المقترح المصري لوقف الحرب.

إنهاء الانقسام

ومن جانبه، أشار الدكتور أسامة شعث أستاذ العلاقات الدولية والسياسي الفلسطيني، إلى أن هناك حالة من التكتم الشديد إزاء الاتصالات المصرية مع الفصائل الفلسطينية، مرجعاً ذلك إلى الرغبة في إنجاح المساعي المصرية بعيداً عن تأثيرات بعض التيارات التي قال إنها «لا تريد إنهاء الانقسام، وتريد بقاء الصراع بين قوى الشعب الفلسطيني لخدمة مصالح إقليمية».

وأضاف شعث لـ«الشرق الأوسط» أن تحركات القاهرة لتقريب الرؤى والمواقف بين الفصائل الفلسطينية تمثل جزءاً من الدور المصري الداعم لوحدة الشعب الفلسطيني ومساندة قضيته، وترتيباً ضمن إجراءات الإعداد لمرحلة إطلاق مسار سياسي يفضي إلى إعلان دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967، مشدداً على أهمية تشكيل حكومة «تكنوقراط» وطنية تشمل كل القوى الفلسطينية من بينها حركة «حماس» تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية.

رؤية «غير ناضجة»

على الجانب الآخر، لا تزال الرؤية الإسرائيلية بشأن التجاوب مع جهود الوساطة المصرية والقطرية «غير ناضجة»، وفق وصف الرقب، الذي أشار إلى أن الاجتماعين اللذين عقدتهما حكومة الحرب الإسرائيلية «فشلا في التوصل إلى مقاربة موحدة بشأن الاتفاق»، لافتاً إلى أن إسرائيل كلفت رئيس «الشاباك» (جهاز الأمن الداخلي في إسرائيل) بمتابعة الاتصالات مع مصر، ورئيس الموساد (الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية) بالتواصل مع الوسطاء القطريين.

وكانت صحيفة «يديعوت أحرنوت» الإسرائيلية قد ذكرت (الأحد) أن وفداً مصرياً زار تل أبيب، أواخر الأسبوع الماضي، لبحث سبل الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة، في إطار اتفاق شامل لما بعد الحرب الجارية منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وتقود مصر جهود الوساطة بمشاركة قطرية - أميركية، حيث تعد الدول الثلاث ضامنة لتنفيذ وقف إطلاق النار في حال التوصل إليه. ونجحت وساطة مصرية قطرية بدعم أميركي في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، في إقرار أول هدنة بالقطاع، وقد دامت أسبوعاً واحداً، وجرى خلالها إطلاق سراح 105 من المحتجزين في قطاع غزة مقابل 240 أسيراً فلسطينياً في السجون الإسرائيلية».


مقالات ذات صلة

«حماس» تكثف لقاء الوسطاء... وملادينوف يربط مشاركته بـ«تقدم إيجابي»

المشرق العربي فلسطينيون ينتظرون لتلقي الطعام من مطبخ خيري في مدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز) p-circle

«حماس» تكثف لقاء الوسطاء... وملادينوف يربط مشاركته بـ«تقدم إيجابي»

تكثف حركة «حماس» اللقاءات مع وسطاء اتفاق وقف إطلاق النار في غزة من مصر وقطر وتركيا، لإيجاد مقاربات بشأن القضايا العالقة باتفاق وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تبكي إلى جوار جثمان قريبها في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح وسط قطاع غزة (رويترز)

مقتل 3 فلسطينيين في غزة بنيران إسرائيلية

قال مسؤولون بقطاع الصحة في غزة إن نيراناً إسرائيلية قتلت ما لا يقل عن 3 فلسطينيين في وقائع منفصلة في أنحاء القطاع، اليوم (الثلاثاء).

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يقفون قرب موقع سقوط شظايا غارة إسرائيلية في ميناء مدينة غزة يوم الأحد (أ.ب)

إسرائيل تدمر مربعات سكنية نجت من ذروة الحرب على غزة

أظهرت غارات إسرائيلية متلاحقة في وسط غزة خلال الأسابيع الماضية، نمطاً متكرراً لتدمير مربعات سكنية نجت من الدمار الكبير خلال ذروة الحرب على القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ دمَّرتها غارات إسرائيلية في جنوب غزة (أ.ب) p-circle

مباحثات جديدة بين «حماس» والوسطاء في القاهرة لدفع مسار وقف النار بغزة

أفادت مصادر مطلعة على مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بأن وفداً مفاوضاً من حركة «حماس» سيعقد جولة مباحثات جديدة مع الوسطاء في مصر، الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون حول مقهى على شاطئ البحر في غزة تعرض لقصف إسرائيلي (رويترز) p-circle

مسعفون: مقتل 2 على الأقل في غارة إسرائيلية على مقهى بغزة

‌قال مسؤولون في مجال الصحة إن غارة جوية إسرائيلية أودت بحياة ​فلسطينيين اثنين على الأقل، وأصابت 12 آخرين في مقهى بغزة كان مكتظاً بالمواطنين.

«الشرق الأوسط» (غزة)

روسيا تعيد ترتيب وجودها العسكري طويل المدى في سوريا

القاعدة الروسية في طرطوس (أرشيفية - د.ب.أ)
القاعدة الروسية في طرطوس (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

روسيا تعيد ترتيب وجودها العسكري طويل المدى في سوريا

القاعدة الروسية في طرطوس (أرشيفية - د.ب.أ)
القاعدة الروسية في طرطوس (أرشيفية - د.ب.أ)

أعاد تقرير نشرته أخيراً صحيفة «وول ستريت جورنال» ملف الوجود العسكري الروسي في سوريا إلى الواجهة. وبدا أن التحركات الروسية في هذا المجال توجت بإعادة ترتيب وجود طويل المدى في قاعدتي «حميميم» الجوية و«طرطوس» البحرية وفقاً لتفاهمات مع السلطات السورية وبما يلبي مصالح الطرفين.

وعلى الرغم من التكتم الرسمي من جانب موسكو ودمشق على تفاصيل التفاهمات التي تم التوصل إليها، لكن تعزيزات كبيرة وصلت أخيراً إلى «حميميم» دلت على اتفاق الجانبين على سيناريوهات التنسيق المستقبلية في هذا المجال.

ووفقاً للمصادر الأميركية، أعادت روسيا تزويد قاعدة «حميميم» الجوية بالكامل هذا الربيع. فبعد أن قامت القوات الروسية سابقاً بإخراج المعدات والإمدادات «الفائضة» من سوريا، ها هي الآن تعيدها. وهذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك منذ سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024.

وذكرت الصحيفة أن سفينة الشحن «سبارتا» غادرت سان بطرسبرغ في مارس (آذار) ووصلت إلى طرطوس في مايو (أيار)، محملةً بكل ما يلزم لاستمرار تشغيل قاعدة «حميميم» الجوية. ولتجنب أي حوادث محتملة، رافقت السفينةَ سفنٌ حربية روسية طوال معظم الرحلة، بالتناوب في بعض النقاط.

وتعتقد واشنطن أن موسكو تمكنت من الحفاظ على قواعدها العسكرية في سوريا رغم وجود نقاط كثيرة عالقة لم يتم التوصل إلى حلول نهائية بشأنها بين موسكو ودمشق.

مصالح متبادلة

ورأت الصحافة الروسية المقربة من الكرملين، أن المعطيات الأميركية عكست «إقراراً من جانب واشنطن بأن موسكو نجحت في ترسيخ وجودها الدائم في سوريا».

وكان موضوع الوجود العسكري الروسي في سوريا على جدول أعمال الطرفين خلال كل اللقاءات الثنائية التي جرت خلال العام الماضي على مستويات عدة، بما في ذلك في إطار قمتين جمعتا الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع. ومهدت تلك اللقاءات، وخصوصاً على المستوى العسكري لوضع تصور مشترك لمستقبل الوجود العسكري الروسي، يقوم على ترتيب مهام جديدة تلبي مصالح متبادلة للطرفين.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستقبلاً الرئيس السوري أحمد الشرع في الكرملين 28 يناير الماضي (د.ب.أ)

وكانت السلطات السورية التي أطاحت حكم حليف روسيا بشار الأسد في نهاية 2024 أعلنت منذ البداية أنها تسعى إلى إعادة رسم ملامح العلاقة مع موسكو مع الأخذ في الاعتبار دروس الماضي القريب وإعلاء فكرة الفوائد المتبادلة.

وفي هذا الإطار طالبت دمشق بمساعدة روسية في ترسيخ مبدأ العدالة الانتقالية، في إشارة إلى مطلب تسليم الأسد ورموز نظامه الموجودين في روسيا، كما نوهت بمطلب التعويضات عن الخسائر التي تسبب فيها التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا نهاية سبتمبر (أيلول) 2015 على الصعيدين البشري والاقتصادي.

وبرغم أن المصادر الروسية أكدت في مرات عدة أن مطلب تسليم الأسد شخصياً، الذي يحظى بحماية مباشرة من الرئيس الروسي لم يطرح بشكل رسمي في اللقاءات، لكن ظل ملف تسليم عشرات الضباط المتورطين بانتهاكات فادحة مطروحاً على طاولة الطرفين.

في المقابل، بدا أن موسكو تولي اهتماماً خاصاً لمصير القاعدتين العسكريتين في طرطوس وحميميم، وأنها تضع هذا الأمر ضمن أولويات أي تفاهمات مستقبلية. ولتسهيل هذه التفاهمات حرصت موسكو على تأكيد استعدادها لمساعدة السلطات السورية على تجاوز الكثير من المشكلات القائمة، بما في ذلك على صعيد مشاركة الشركات الروسية في إعادة تأهيل بعض البنى التحتية الأساسية مثل الطرق وشبكات الكهرباء وبعض المنشآت الحيوية التي كانت موسكو أصلاً ساعدت في تشييدها في السابق.

ناقلة نفط روسية قرب ميناء بانياس السوري في البحر المتوسط (رويترز)

بالإضافة إلى ذلك، قدمت موسكو دعماً واسعاً لحل مشكلة الطاقة في سوريا، وبات معلوماً أن دمشق حصلت خلال النصف الأول من العام الحالي وحده على أكثر من ثلث حاجتها من الوقود من روسيا في شحنات متواصلة سدت جزءاً كبيراً من النقص في هذا المجال.

وبدا أن التحركات المتبادلة ساهمت في وضع ملامح جديدة للعلاقة تقوم على المصالح المتبادلة وتلبي حاجات الطرفين.

انسحاب أميركي وغض نظر أوروبي

اللافت أن هذه التطورات جاءت في سياق تبدل واسع في المواقف الغربية، ومع انسحاب الجيش الأميركي من قواعده في سوريا مطلع العام الحالي، منهياً وجوداً عسكرياً استمر أكثر من عقد بدأ ضمن الحرب ضد تنظيم «داعش»، بدا أن موسكو تعمل بهدوء لترسيخ وجودها مع إجراء عملية واسعة لإعادة التموضع على الأرض السورية بما يلبي أهداف التفاهمات الجديدة.

في هذا الإطار جاء الانسحاب الروسي من شمال شرقي سوريا وتسليم مطار القامشلي الذي كانت موسكو قد حولته لقاعدة عسكرية واسعة ومجهزة بقدرات كبيرة. وتم الانسحاب من المنطقة في إطار تفاهمات روسية سورية وبدعم من جانب تركيا وصمت أميركي بدا أنه يشكل أيضاً موافقة ضمنية على التفاهمات القائمة.

في المقابل، تراجعت حدة التصريحات الأوروبية التي أعقبت سقوط النظام السابق حول ضرورة أن تقطع دمشق علاقاتها مع روسيا وأن تطرد القواعد العسكرية الروسية. إذ لم يعد هذا الأمر شرطاً مطروحاً أمام القيادة السورية لتطبيع العلاقات ودفع آليات التعاون المستقبلية.

مدخل قاعدة حميميم الجوية الروسية في اللاذقية بسوريا يوم 19 فبراير 2025 (رويترز)

أهمية حميميم وطرطوس

تعد قاعدتا حميميم الجوية وطرطوس البحرية من أهم ركائز الانتشار العسكري الروسي خارج أراضيه، إذ تستخدمهما موسكو كنقاط انطلاق لعملياتها العسكرية في مناطق أخرى، إضافة إلى تأمين وصولها العسكري إلى البحر المتوسط.

وأصبح الحفاظ على القاعدتين أولوية بالنسبة لروسيا بعد سقوط النظام المخلوع، وكانت موسكو قد أعلنت منذ عام 2017 انتهاء «الجزء النشط» من عملياتها العسكرية في سوريا، وسحبت جزءاً مهماً من قدراتها العسكرية المستخدمة للعمليات المباشرة، ووجهت اهتمامها لتحويل الوجود العسكري لأهداف طويلة الأمد، بينها تعزيز تحركات سفنها الحربية في البحر المتوسط والمحيطات القريبة، وجعل الشواطئ السورية نقطة انطلاق وتمركز وصيانة بالغة الأهمية لهذه التحركات. فضلاً عن تحويل طرطوس إلى نقطة استراتيجية لتنظيم الإمدادات إلى القارة الأفريقية حيث تولي موسكو أهمية كبرى لنفوذها المتنامي في هذه المنطقة.

ومع التحولات السورية عملت موسكو على التكيف مع الوضع الجديد وأعلنت استعدادها لتحويل وجودها في القاعدتين لخدمة مصالح دمشق، خصوصاً في إطار الحاجة إلى إعادة تأهيل الجيش السوري وتزويده بالمعدات اللازمة وإصلاح المعدات الآليات المتوفرة لديه خصوصاً أن الجزء الأعظم منها هو أصلاً من صناعة روسية.

ولبى هذا المدخل المصالح السورية المباشرة وجاء منسجماً مع توجه الرئيس أحمد الشرع بتطوير علاقات مع موسكو والدول الغربية في آن واحد.

اجتماع وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة - وسط الصورة - مع وزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف في موسكو بروسيا يوم 28 أكتوبر 2025 (رويترز)

ويرى خبراء أن روسيا قد تشكل ورقة توازن للإدارة السورية الجديدة في مواجهة الولايات المتحدة، خصوصاً أن دعم واشنطن في عهد الرئيس دونالد ترمب «لا يمكن اعتباره مضموناً»، فضلاً عن أن توازن العلاقات مع موسكو العضو الدائم في مجلس الأمن والوحيد (إلى جانب الصين) الذي يطالب بشكل علني وقوي بوقف الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على سوريا ويرفض الاعتراف بمبدأ ضم الجولان يشكل عنصر توازن مهماً لدمشق لمواجهة الضغوط الإسرائيلية المتفاقمة.

اطمئنان روسي

اللافت أيضاً أن التحركات الروسية أخيراً لتعزيز تسليح قاعدة حميميم جاءت في سياق اطمئنان روسي كامل للتفاهمات القائمة مع دمشق. وقبل يومين أعلن نائب وزير الخارجية الروسي، جورجي بوريسينكو، خلال كلمته في المنتدى الدولي السادس للخبراء «روسيا - الشرق الأوسط» أن «وجود القوات الروسية في سوريا، قائم بدعوة من السلطات السورية. كانت هذه هي دعوة السلطات السابقة، لكن السلطات الجديدة لم تسحبها، بل أكدت رغبتها في استمرار وجود العسكريين الروس».

ووفقاً لبوريسينكو، فإن العسكريين الروس لا يقومون بأي أنشطة ضد دول أخرى أثناء وجودهم في سوريا.

تبدل مهام القواعد

اكتسبت التحركات الروسية الحالية أهمية خاصة على خلفية أن الصراع في إيران والاضطرابات التي يشهدها مضيق هرمز منح سوريا فرصاً مهمة لإعادة توجيه مسارها نحو ممر الطاقة والخدمات اللوجستية والتجارة الذي يربط الشرق الأوسط بأوروبا.

ووفقاً لخبراء فإنه «مع التهديد المستمر باضطرابات مضيق هرمز، تبرز سوريا كبديل لشبكات النقل والطاقة في المنطقة. وبفضل موقعها الاستراتيجي الذي يربط الخليج العربي وآسيا الوسطى والبحر الأبيض المتوسط، تأمل دمشق في جذب الاستثمارات في مشروعات الخدمات اللوجستية وسكك الحديد وخطوط الأنابيب العابرة للحدود. وعلى الرغم من التحديات العديدة المتعلقة بالبنية التحتية والأمن وتمويل إعادة الإعمار، فإن سوريا تمتلك فرصة فريدة لتحويل مزاياها الجغرافية إلى محركات نمو اقتصادي طويلة الأجل».

قاعدة طرطوس البحرية الروسية (سبوتنيك)

في هذه الأجواء الإقليمية والدولية، يطرح خبراء روس تحدثت معهم «الشرق الأوسط» سيناريوهات للمهام الجديدة لقاعدتي «حميميم» و«طرطوس»، بينها تحويل القاعدة الجوية إلى مركز عمليات وتدريب مشترك. تعمل على إعادة تأهيل الجيش السوري وتطوير قدراته، فضلاً عن إضافة عناصر فنية لازمة لإطلاق ورشة صيانة ضخمة للآليات والمعدات السورية الروسية الصنع.

في المقابل فإن قاعدة طرطوس تواصل عملها كرمز لوجستي مهم لروسيا يرعى حركة سفنها في البحار ويعزز قدرات الإمدادات إلى القارة الأفريقية.

وقال خبراء إن هذا التفاهم يطرح فكرة لجوء الطرفين إلى إبرام اتفاقيات جديدة تعيد تنظيم الوجود الروسي، وفقاً للمبادئ المتفق عليها وتضع أطراً زمنية جديدة لهذا الوجود، وتحدد مهام كل قاعدة في إطار اتفاقية منفصلة. مثلاً يستند الوجود الروسي في قاعدة طرطوس إلى اتفاقية قديمة تم إبرامها في 1972 لإنشاء «نقطة لوجستية» لرعاية وإصلاح السفن الروسية في البحر المتوسط، بينما يمكن وضع إطار جديد لتنظيم الوجود «المشترك» في قاعدة «حميميم الجوية».


الجيش الإسرائيلي يحاول فرض «حرية الحركة» في لبنان

عناصر من الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي في موقع استهداف إسرائيلي في خلدة جنوب بيروت (إ.ب.أ)
عناصر من الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي في موقع استهداف إسرائيلي في خلدة جنوب بيروت (إ.ب.أ)
TT

الجيش الإسرائيلي يحاول فرض «حرية الحركة» في لبنان

عناصر من الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي في موقع استهداف إسرائيلي في خلدة جنوب بيروت (إ.ب.أ)
عناصر من الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي في موقع استهداف إسرائيلي في خلدة جنوب بيروت (إ.ب.أ)

يحاول الجيش الإسرائيلي فرض «حرية الحركة» لقواته في لبنان كأمر واقع، بالتزامن مع محادثات مع لبنان برعاية واشنطن، واستهل لبنان جولتها الثانية يوم الثلاثاء بالمطالبة بوقف إطلاق النار، ويؤيد «حزب الله» هذا المطلب، على أن يترافق مع تقييد للحركة الإسرائيلية، ووقف الاستهدافات، وأعمال التجريف والتفجير في المناطق التي احتلتها إسرائيل، إضافة إلى مطالبته بوضع جدول للانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.

وردّ الجيش الإسرائيلي ميدانياً على شروط الدولة اللبنانية و«حزب الله» بتنفيذ «إطباق جوي» بالمسيّرات على معظم أجواء الجنوب، وتنفيذ استهداف في منطقة خلدة، الواقعة جنوب العاصمة اللبنانية، فضلاً عن غارات كثيفة تمهيداً لتمدد عسكري من بلدة دبين باتجاه بلدة بلاط في قضاء مرجعيون بالجنوب.

جنود لبنانيون يتقصون موقع انفجار صاروخ أطلقته مسيرة إسرائيلية في خلدة بجنوب بيروت (أ.ف.ب)

وتكثفت الاتصالات اللبنانية مع الولايات المتحدة منذ يوم الأحد، للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، ونجحت في مرحلة أولى في تعليق ضربات كانت تستعد إسرائيل لتنفيذها في ضاحية بيروت الجنوبية. وأفادت وسائل إعلام محلية بأن المقترح يتضمن وقف إطلاق النار في الضاحية وشمال إسرائيل، على أن يكون ذلك مقدمة لوقف إطلاق نار شامل خلال 48 ساعة، أو 72 ساعة، أي بحلول الخميس.

ولم يحمل الأربعاء أي مؤشرات على التزام بالتهدئة. وبينما أعلن الجيش الإسرائيلي اعتراض «هدف جوي مشبوه» في كريات شمونة، ثم اعتراض قذيفتين في مسكاف عام شمال إسرائيل، استهدفت مسيرة إسرائيلية سيارة على طريق خلدة الواقعة جنوب بيروت، ولم تسفر عن سقوط إصابات، بموازاة عدة استهدافات في الجنوب. كما حلقت مسيرات إسرائيلية فوق بيروت، والضاحية الجنوبية.

حرية الحركة

وقالت مصادر محلية في جنوب لبنان إن مناطق واسعة في الجنوب «تشهد إطباقاً جوياً بالمسيرات، حيث رصد عدد من المسيرات الإسرائيلية في أنحاء جنوب لبنان»، مشيرة إلى أن ذلك «ترافق مع استهدافات في مناطق حبوش، ودير الزهراني، وعربصاليم، وزبدين» في قضاء النبطية، وصديقين، وتبنين في قضاء بنت جبيل، ومنطقة الحوش قرب مدينة صور. وأسفرت غارة منها على بلدة دير الزهراني عن إصابة ضابط وعسكري لبناني بجروح، حسبما أعلنت قيادة الجيش اللبناني، مشيرة إلى أن ذلك يأتي «في سياق الاستهداف المتعمّد لعناصر الجيش، وآلياته، ومراكزه».

مراسم تشييع جندي إسرائيلي قُتل بنيران «حزب الله» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن تكثيف الاستهدافات، وتوسيعها باتجاه جنوب بيروت «يعنيان أن الجيش الإسرائيلي يحاول فرض حرية الحركة لقواته ومسيّراته كأمر واقع، واستكمال خطته بالتمدد إلى القرى، وتنفيذ عمليات نسف فيها، كي يفرضها كأمر واقع في أي خطوة سياسية لاحقة تسفر عنها المفاوضات».

وتعد «حرية الحركة» أبرز بند يعارضه «حزب الله»، ويقول نوابه وقياديوه إن هذا الأمر «يعني العودة إلى ما قبل 2 مارس (آذار) الماضي»، وهو تاريخ انخراط الحزب في الحرب بالتزامن مع الحرب في إيران، ويقول هؤلاء إن الرجوع إلى ما قبل هذا التاريخ «يعني استهدافات، واغتيالات، وحرباً من طرف واحد، وهو ما لا نقبل به».

استكمال التوغل خارج الخط الأصفر

وبمعزل عن موقف الحزب، والمطالب اللبنانية بوقف إطلاق النار بشكل كامل، يمضي الجيش الإسرائيلي بالتوغل في مناطق جديدة في جنوب لبنان خارج الخط الأصفر الذي كان قد رسمه في السابق. وأفادت مصادر ميدانية في مرجعيون بأن الجيش الإسرائيلي يندفع باتجاه بلدة بلاط الاستراتيجية، بعد تقدمه نحو بلدة دبين قبل أربعة أيام، وتنفيذ تفجيرات في البلدة، مشيرة إلى أن دباباته «تحاول التقدم من دبين باتجاه بلاط على وقع غارات جوية مكثفة».

دمار هائل ناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت منطقة البرج الشمالي في مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأفادت وسائل إعلام محلية بأن الجيش الإسرائيلي نفذ 12 غارة جوية استهدفت بلدتي بلاط، ودبين، فضلاً عن قصف مدفعي استهدف بلاط. وقالت المصادر إن ذلك «يحمل مؤشرات على محاولات تأمين القوات المتقدمة على الأرض»، ولفتت إلى أن الآليات الإسرائيلية «تحاول التقدم باتجاه مقام حزقايل الديني بين بلاد ودبين».

وتسعى القوات الإسرائيلية للوصول إلى الوديان، والتلال الاستراتيجية في المنطقة، والتي يُعتقد أنها تتضمن منصات الصواريخ، والطائرات المسيرة التي تنطلق باتجاه القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، وباتجاه المستعمرات الشمالية. وتتزامن هذه الاندفاعة مع محاولة مماثلة في القطاع الغربي للتقدم من البياضة باتجاه بلدة بيوت السياد، ولم تنجح حتى الآن في اختراق الخط الأصفر الذي كان الجيش الإسرائيلي رسّم حدوده.

غارات استهدفت 20 بلدة

في غضون ذلك، أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية بوقوع ضربات على نحو عشرين موقعاً في جنوب البلاد الأربعاء، فيما أنذر الجيش الإسرائيلي سكان قرى بإخلائها تمهيداً لمهاجمتها بذريعة استخدامها من قبل «حزب الله».

وقال مصدر طبي في صور لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن ضربتين إسرائيليتين على منطقة الحوش قرب المدينة الساحلية الأربعاء أسفرتا عن مقتل ستة أشخاص، هم أربعة سوريين، وفلسطينيان. والثلاثاء أصدر الجيش الإسرائيلي بياناً اتهم فيه عناصر من «حزب الله» بالعمل في حارة المسيحيين في صور، محذراً من أنه سيطلب من السكان المغادرة إذا بقي الحزب هناك. وبقي هذا الحي البحري في صور، والمعروف بطابعه السياحي، إلى الآن في منأى عن إنذارات الإخلاء الإسرائيلية، والضربات العنيفة المدمّرة التي طالت مختلف أنحاء المدينة، ومحيطها.

وكان الوضع في صور هادئاً نسبياً صباح الأربعاء، وقد غادر بعض الأشخاص الذين كانوا ينامون في سيارات أو خيم عند أطراف الحي المسيحي إلى مناطق قريبة أخرى داخل المدينة بعد بيان الجيش الإسرائيلي.


دمشق: قائمة قريبة بألف شخص مطلوبين للعدالة من نظام الأسد

أصدرت محكمة سويدية حكماً بالسجن المؤبد مايو الماضي بحق سوري لارتكابه جريمتين خطيرتين ضد القانون الدولي في سوريا خلال عامي 2012 و2013 (أرشيفية - الشرق الأوسط)

 دمار في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين بدمشق (أرشيفية - الشرق الأوسط)
أصدرت محكمة سويدية حكماً بالسجن المؤبد مايو الماضي بحق سوري لارتكابه جريمتين خطيرتين ضد القانون الدولي في سوريا خلال عامي 2012 و2013 (أرشيفية - الشرق الأوسط) دمار في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين بدمشق (أرشيفية - الشرق الأوسط)
TT

دمشق: قائمة قريبة بألف شخص مطلوبين للعدالة من نظام الأسد

أصدرت محكمة سويدية حكماً بالسجن المؤبد مايو الماضي بحق سوري لارتكابه جريمتين خطيرتين ضد القانون الدولي في سوريا خلال عامي 2012 و2013 (أرشيفية - الشرق الأوسط)

 دمار في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين بدمشق (أرشيفية - الشرق الأوسط)
أصدرت محكمة سويدية حكماً بالسجن المؤبد مايو الماضي بحق سوري لارتكابه جريمتين خطيرتين ضد القانون الدولي في سوريا خلال عامي 2012 و2013 (أرشيفية - الشرق الأوسط) دمار في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين بدمشق (أرشيفية - الشرق الأوسط)

قال المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، إن السلطات السورية مستعدة لتقديم التسهيلات اللازمة للمحققين الأوروبيين الراغبين في جمع الأدلة داخل سوريا. مشيراً إلى أنها ستنشر قريباً قائمة تضم نحو ألف شخص مطلوبين للعدالة، بينهم ضباط ومسؤولون سابقون في مؤسسات النظام المخلوع.

وأضاف في حديث لإذاعة السويد الرسمية أن دمشق مستعدة لإتاحة الوصول إلى الوثائق والشهود ومواقع الجرائم وغيرها من المعلومات التي قد تساعد في ملاحقة الأشخاص المتهمين بارتكاب انتهاكات خلال سنوات الثورة السورية.

وأوضح المتحدث باسم وزارة الداخلية أن جزءاً كبيراً من أرشيف أجهزة الأمن والوحدات العسكرية التابعة للنظام البائد لا يزال موجوداً ومحفوظاً،

ويكتسب هذا الأرشيف، حسب وكالة (سانا)، أهمية كبيرة بالنسبة للمحققين ومنظمات حقوق الإنسان، نظراً لما يحتويه من وثائق وأوامر وسجلات قد تساعد في توثيق الانتهاكات وتحديد المسؤوليات الفردية والمؤسساتية، وإتاحة الوصول إلى الأرشيف الأمني والعسكري. وقد يشكل خطوة مهمة في مسار العدالة الانتقالية في سوريا، خصوصاً في ظل الصعوبات التي فرضها نظام الأسد على المحققين الدوليين طوال السنوات الماضية، بسبب محدودية الوصول إلى مسارح الأحداث والوثائق الرسمية.

وكانت تقارير إعلامية سويدية قد تحدثت عن وجود عدد من الأشخاص المرتبطين سابقاً بالأجهزة العسكرية أو المجموعات المسلحة التابعة للنظام المخلوع داخل السويد.

وحسب ما أوردته إذاعة السويد الرسمية، فإن تحقيقات صحافية كشفت عن وجود 15 شخصاً كانوا جزءاً من المنظومة العسكرية أو الأمنية التابعة لنظام الأسد المخلوع يقيمون حالياً في البلاد.

من محاكمة ضابطَي المخابرات في نظام الأسد إياد الغريب وأنور رسلان في كوبلنز بألمانيا (أرشيفية - أ.ف.ب)

وتعمل السلطات السويدية منذ سنوات على جمع الأدلة المتعلقة بالجرائم المرتكبة في سوريا، في إطار جهود أوسع تبذلها دول أوروبية عدة لمحاسبة المتورطين في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

وقالت المدعية العامة السويدية المتخصصة في جرائم الحرب، رينا ديفغون، إن بعض الجرائم تُعد من الخطورة بمكان يجعلها خاضعة للملاحقة القضائية أينما ارتُكبت. وأوضحت أن الهدف من هذه الملاحقات هو ضمان عدم تحول الدول الأوروبية إلى ملاذ آمن للأشخاص المتهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة، إضافة إلى حماية الضحايا والناجين الذين اضطروا إلى الفرار من مناطق النزاع.

وتُعد جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية من أكثر القضايا التي حظيت باهتمام الهيئات القضائية الأوروبية خلال السنوات الأخيرة، حيث شهدت دول مثل ألمانيا وفرنسا والسويد محاكمات لعدد من المتهمين بارتكاب جرائم ضد الشعب السوري في عهد النظام البائد.

جنرال سوري سابق يدخل قاعة محكمة فيينا الإقليمية في النمسا الاثنين حيث يحاكَم وضابط شرطة سوري كبير بتهمة تعذيب معارضي نظام الأسد (أ.ف.ب)

وكان رئيس المخابرات السورية السابق في مدينة الرقة قد مثل أمام محكمة في النمسا، الاثنين، ليحاكم بتهمتي التعذيب والاعتداء الجنسي، وذلك على خلفية إساءة معاملة معارضي الرئيس المخلوع بشار الأسد قبل أكثر من عشر سنوات. وستتضمن المحاكمة، التي من المقرر أن تستمر شهراً، شهادات من الضحايا. وقال الادعاء إن المتهم الثاني كان ضابط شرطة كبيراً في الرقة. ووجهت اتهامات للرجلين بالتسبب في أذى جسدي جسيم والإكراه المقترن بظروف مشددة للعقوبة والاعتداء الجنسي.

ويأمل حقوقيون أن يسهم التعاون المحتمل بين السلطات السورية الجديدة والدول الأوروبية في تسريع وتيرة التحقيقات، وتعزيز فرص الوصول إلى الأدلة والشهود، بما يدعم جهود كشف الحقيقة وتحقيق العدالة للضحايا.