قراءات مثقفين مصريين في 2023

تراوحت ما بين الرواية والتاريخ والفلسفة

أماني فؤاد
أماني فؤاد
TT

قراءات مثقفين مصريين في 2023

أماني فؤاد
أماني فؤاد

بين الرواية والتاريخ والفكر الفلسفي، تراوح حصاد القراءة في عام 2023 لدى أدباء ونقاد وأكاديميين مصريين. هناك ما وجد ضالته فيما يطلق عليه «الرواية المعرفية»، وهناك من ارتاح على شواطئ الفلسفة الطبيعية، بينما أعاد البعض اكتشاف أعمال قديمة وجد أنها لا تزال صالحة لإثارة الدهشة، بينما آثر البعض الآخر أن يقرأ السيرة الذاتية لرجال صنعوا التاريخ.

«عاشوا ألف عام»

البداية مع الكاتب والروائي إبراهيم عبد المجيد الذي يتوقف عند كتاب «رجال عاشوا ألف عام - 9 شخصيات غيرت مسار العلم والفكر والأدب» للكاتب جلال الشايب الذي يتضمن قراءة في مسيرة كل من: جون ستيوارت مل، وتشارلز داروين، وكارل ماركس، وفيودور دوستويفسكي، وليف تولستوي، وفريدريش نيتشه، وسيغموند فرويد، وبرتراند راسل، وألبرت آينشتاين. ويشير عبد المجيد إلى أن العمل يتناول بلغة تجمع بين الجاذبية والسلاسة والدقة أبرز المحطات في حياة هؤلاء، لا سيما الميلاد وملابسات الرحيل، مع تركيز خاص على ما واجهته الشخصية من أفراح وآلام. ويكشف الكتاب عن كثير من المفارقات في هذا السياق، فعلى سبيل المثال استطاع جون ستيوارت إتقان كل من اليونانية واللاتينية، مع معرفة واسعة بالمنطق والفلسفة والاقتصاد والرياضيات، وهو في الـ14 من العمر.

إبراهيم عبد المجيد

ويورد المؤلف عدداً من المقولات التي توضح فكر صاحبها، مثل مقولة: «الفقر لا يصنع الثورة، إنما وعي الفقير هو الذي يصنع الثورة. الطاغية مهمته أن يجعل وعيك غائباً»، لكارل ماركس الذي ولد عام 1818 في عصر مضطرب يموج بصراع عنيف بين الإقطاع والبرجوازية الجديدة. وكذلك مقولة دوستويفسكي: «إن الواقعية التي لا ترى ما هو أبعد من الأنف، أشد خطراً من الخيال الجامح المجنون؛ لأنها عمياء»، عبارة توضح حجم الخيال في أعمال الكاتب الروائي الفذ الذي وجد نفسه متهماً في قضايا ضد القيصر، حُكم عليه فيها وعلى من معه بالإعدام، ثم كان هناك من توسط لدى القيصر ليجعل الحكم مؤبداً. تفاصيل درامية مذهلة للحظة تنفيذ الحكم، ثم الرجوع عنه.

«خبيئة حارسة المعبد»

أما الكاتب أحمد صبري أبو الفتوح، فيتوقف في حصاد قراءاته لهذا العام عند رواية «مصير خبيئة حارسة المعبد»، وهي آخر إصدارات الكاتب الدكتور أحمد جمال الدين موسى، وزير التربية والتعليم ورئيس جامعة المنصورة الأسبق.

أحمد صبري أبو الفتوح

الرواية يمكن تصنيفها بأنها «رواية معرفية»، أي تتضمن كثيراً من المعارف عن موضوع أو عدة موضوعات، وهي مكتوبة بشروط هذا النوع من الروايات، شأنها في ذلك شأن الرواية المعرفية الأشهر «عالم صوفي»، التي كتبها الكاتب النرويجي جوستاين جاردنر في بداية تسعينات القرن الماضي حول تاريخ الفلسفة. هنا تتولى الجنية «ساتا» الطواف بالشاب الصغير «خوتو» ربوع مصر القديمة، في عصور الأسرات المختلفة، وبخاصة العصر الحديث الذي حاربت فيه مصر كل أنواع التدخل الخارجي في شؤونها والاعتداء عليها؛ بل احتلالها، وما استتبع ذلك من مقاومة قادها حكام مصر وشعبها في مواجهة المحتلين، وكذلك أطلعته على مجريات واحدة من الثورات المنسية في التاريخ المصري، وهي الثورة المنديسية التي اندلعت في منديس التي كانت إحدى عواصم مصر. وتقوم الرواية على سر كبير هو أن «ساتا» الجنية الطيبة كانت في قديم العهد كاهنة كبيرة في المعبد، وعهد إليها الفرعون أحمس الثاني بخبيئة، هي موجز لمعارف مصر وكنوزها المعرفية، مسطورة في أوراق البردي، ومحفوظة في صندوق عجيب ثمين، لتسلمها لمن تلمس فيه وطنية صادقة وقدرة على تحمل الأمانة.

«أطفال منتصف الليل»

ويشير الشاعر صبحي موسى إلى أنه عادة ما يعود إلى كتب سبق أن قرأها منذ سنوات طويلة، وعادة ما تكون قراءته لها مختلفة عن القراءة الأولى؛ سواء بإعادة اكتشافها كأنه لم يقرأها من قبل، أو بوضعها في إطارها الحقيقي والخلاص من الفتنة التي أصابته بها في مقتبل العمر. من بين الكتب التي أعاد موسى اكتشافها من جديد، رواية الكاتب الهندي الإنجليزي سلمان رشدي «أطفال منتصف الليل»، ففي القراءة الأولى -وكانت منذ سنوات طويلة- لم يستطع استساغتها، ولم يتمكن من إكمالها، وبدا له رشدي كاتباً غير مفهوم، ويحلق في كثير من البلاغة وكثير من الإفراط في السرد، لكنه بعد نقاش مع بعض الأصدقاء أكدوا فيه أهمية الرواية قرر العودة لها من جديد، ليجد أن العالم على غير ما رآه سابقاً، وراح يكتشف النص كمن عثر على خبيئة كانت مدفونة بين الكتب.

صبحي موسى

ويوضح صبحي أن الرواية تدور حول الجيل الذي ولد مع استقلال الهند عن بريطانيا، والذي شهد استقلال باكستان عن الهند، ونشوب الصراع بينهما على إقليم كشمير، وتفتت شبه القارة الهندية إلى أكثر من دولة، بالتزامن مع قدرة المؤلف المذهلة على السخرية من كل شيء، وانعدام المقدسات في السرد، فليس هناك أقدس من الكتابة، وكل شيء مباح من أجل نص فاتن، حتى لو سخر من تاريخه وجنسه وعائلته وأفرادها، وهو ما كان يفعله بامتياز شديد، حيث يؤسس لبناء المواقف سردياً بشكل عظيم، ثم سرعان ما يفاجئنا بالموقف الجديد، ليضعنا أمام مفارقة ساخرة بين الرؤيتين.

«هندباء برية»

وتوضح الكاتبة الروائية والصحافية زينب عفيفي، أن قراءتها لهذا العام شملت رواية «هندباء برية» للروائي الياباني ياسوناري كاواباتا، وهي رواية مذهلة عن الحب والجنون بجمال رشيق وغرابة بالغة، فهي روايته الأخيرة التي تركها غير مكتملة عند انتحاره في عام 1972.

زينب عفيفي

كما قرأت أيضاً كتاب «المدينة الوحيدة» للكاتبة أوليفيا لاينج الذي تروي فيه المؤلفة تجربة مرت بها، حيث انتقلت إلى نيويورك لتلحق بالشخص الذي أحبته، تاركة مدينتها لندن، وفجأة بعد أن صارت هناك في ذلك البلد الغريبة عنه، والذي لا تعرف فيه أحداً، تُغيِّر رأيها تماماً، وترى أنهما لا يصلحان معاً، لتجد أوليفيا نفسها وحيدة، في مكان لا تعرفه. تقرر بعد ذلك أن تعيش في المدينة نفسها، وتتمسك بها بيأس، بعد أن تتعرف على أبرز المؤلفين الذين تحدثوا عن الوحدة، وتعكف على أعمالهم، ومنهم إدوارد هوبر، وآندي وارهول، وهنري دارجر، وديفيد ووننار، وفيتش.

«10 أساطير عن إسرائيل»

وبعيداً عن الرواية، تتوقف الناقدة الدكتورة أماني فؤاد عند كتاب «عشر أساطير عن إسرائيل» للمؤرخ والأكاديمي الإسرائيلي إيلان بابي، ترجمة سارة عبد ‏الحليم. ويفند المؤلف في هذا الكتاب جملة من الأفكار الشائعة المتعلقة بأصول وهوية ‏الدولة العبرية، منها أن فلسطين كانت أرضاً خالية قاحلة شبه صحراوية، وتمت زراعتها ‏وتأهيلها من قبل المستوطنين الجدد. ويؤكد المؤلف أن فلسطين كانت بلداً معترفاً به منذ ‏العصر الروماني، وبالعودة إلى السجلات العثمانية للتعداد السكاني لفلسطين عام ‏‏1878، فإن غالبية السكان كانوا من المسلمين، وقد شكل اليهود حينها نسبة 3 في المائة ‏فقط من السكان، بينما شكل المسيحيون 10 في المائة من السكان. ‏كما يتناول المؤلف خرافة مساواة ‏الصهيونية باليهودية، حيث أصبحت معاداة الصهيونية معاداة للسامية، فيحلل ‏تلاعب الصهيونية بالديانة اليهودية لأسباب استعمارية بالأساس، مشيراً إلى كذب ادعاء الحركة الصهيونية بأنها حركة تحرر قومي للشعب اليهودي.

«نحو فلسفة طبيعية»

وتشير الأكاديمية والمترجمة الدكتورة سلوى جودة، أستاذة الأدب الإنجليزي بجامعة عين شمس، إلى كتاب «كلير كريك - نحو فلسفة طبيعية» للكاتب الأميركي إريك ريس، الصادر مؤخراً عن مطبعة جامعة وست فيرجينيا، بعدّه من أكثر المؤلفات التي قرأتها تميزاً في عام 2023.

سلوى جودة

يرصد الكتاب جوانب من حياة المؤلف الريفية الرعوية التي عاشها في مقاطعة «كلير كريك» بولاية كولورادو الأميركية. وتطرح رؤيته الخاصة للعيش في أحضان الطبيعة، فلقد انتقل ريس إلى الغابة بأسلوب هنري ديفيد ثورو في روايته «والدن» 1854، ولكنه رفض أيضاً مبادئ ثورة البيوريتانية، وما أطلق عليه «التفوق الأخلاقي المتعسف والمتطرف»، والجهود المبذولة لتحويل الآخرين إلى أسلوب حياته، فلم يكن هدف إريك ريس مهاجمة نمط الحياة التي يعيشها سكان المدينة، هؤلاء الذين يقودون حياة يائسة هادئة؛ بل كان هدفه هو العودة إلى الأصالة وسيرة الإنسان الأولى في علاقته الحميمة بالطبيعة، وكان يأمل في أن يعيش البشر حياة حقيقية وفطرية. وهكذا، انغمس في تصويره لروعة كرمة العنب البرية، والزنجبيل البري، والمياه المتدفقة البرية حول منزل في كلير كريك، هناك، حيث جلس مع مخاوفه بشأن التدهور البيئي، على خلفية ما يحيط بالغابات البكر والحظائر القديمة من مخاطر.


مقالات ذات صلة

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

ثقافة وفنون جبران خليل جبران

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

لعل أحداً من الذين أطلقت عليهم تسمية «أدباء المهجر»، لم يكن موضع سجال دائم بين النقاد، منذ رحيله قبل نيف وتسعين عاماً حتى يومنا هذا، كما كان جبران خليل جبران.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

تحوي الأراضي الأردنية مجموعة هائلة من المواقع الأثرية تتميّز بحللها الفسيفسائية المتعددة الأشكال، وتعود إلى الحقبة البيزنطية، وتشهد لتقليد فني ازدهر وراج بشكل..

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون مبارك العامري

مبارك العامري... صوت الحب في القصيدة العُمانية

«أشعر أن القطار السريع شارف على الوصول إلى محطته الأخيرة / وأن رحلة الآلام المريرة حان لها أن تنتهي / دون إخلال بسيرها المتعرج / وما دام الأمر كذلك

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟

كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟

ينطلق الباحث العراقي الدكتور سعد التميمي في كتابه «بنية الحكي وتحولاته في سرديات سعيد بن محمد السيابي»، من أن الحكاية ليست شكلاً ثابتاً،

«الشرق الأوسط» (عمّان)
ثقافة وفنون غوركي

ذكريات مكسيم غوركي عن معاصريه من الأدباء الروس

يمثل الروائي والكاتب المسرحي الروسي مكسيم غوركي (1868- 1936) حلقة وصل بين عهدين من تاريخ الأدب الروسي: العهد القيصري والعهد السوفياتي

د. ماهر شفيق فريد

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران
TT

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران

لعل أحداً من الذين أطلقت عليهم تسمية «أدباء المهجر» أو «رواد النهضة العربية»، لم يكن موضع سجال دائم بين النقاد والدارسين، منذ رحيله قبل نيف وتسعين عاماً حتى يومنا هذا، كما كان جبران خليل جبران. واللافت في الأمر أن السجالات التي اتخذت أشكالاً حادة في كثير من الأحيان، لم تقتصر ساحتها حول الريادة الأدبية والفكرية لصاحب «العواصف»؛ بل إنها طالت كل نأمة في حياته وسلوكياته وسيرته الشخصية، وبخاصة تلك المتصلة بالشأن العاطفي وعلاقته بالمرأة.

ومع أن مسألة التطابق بين نتاج الكاتب الإبداعي وبين سلوكه، كانت على الدوام مثاراً للجدل وتباين وجهات النظر، فإن شيئاً من الحياة الحقيقية لا بد من أن يتسرب إلى الأدب والفن، وينعكس في مراياهما التعبيرية.

ففي «الأجنحة المتكسرة» تظهر لنا صورة جبران اليافع والحالم الرومانسي، الذي روى قصة حبه الفاشلة لسلمى كرامة، مستخدماً لغة عاطفية تفطر قلوب القراء، وتستدرُّ دموعهم على نحو ميلودرامي.

وفي «الأرواح المتمردة»، تتحول مريم التي لجأ إلى بيت أمها راحيل، والتي شعر «بتموجات روحها حول روحه»، إلى نسخة معدلة من المجدلية. وفي «عرائس المروج» تقع الفتاة اليتيمة مرتا البانية ضحية شاب ثري يغرر بها ويعدها بالزواج، حتى إذا حملت منه اضطرت لممارسة البغاء لإطعام ولدها وثمرة حملها الآثم، لتموت في نهاية الأمر مُهانة ومرذولة. وفي هذه القصة وغيرها يعري جبران الأسس الفاسدة لنظام القيم، ويكشف عن الجوهر الروحي للكائنات، الذي لا تملك خطايا الجسد أن تنال من براءته.

أما في كتاب «النبي» فنقف على النسخة الأكثر نضجاً من شخصية جبران ومواقفه الإنسانية. فهو حين يُسأل عن الحب، يجيب بلسان بطله المصطفى، بأن على البشر أن يتبعوا صوت الحب ونداءاته، حتى لو كانت الطريق إليه وعرة وشائكة. ومع أنه لا يُظهر موقفاً سلبياً من الزواج، فإنه يرفض تحويل العلاقة إلى قيد، مؤكداً على فكرة المسافة التي ينبغي أن تفصل بين الطرفين، إضافة إلى أنه يرفض فكرة التوحد، والحلول في الآخر، كما في قوله: «غنوا وارقصوا معاً وافرحوا، ولكن ليبق كلٌّ منكم وحيداً». وحين يُسأل عن اللذة، فهو لا يرفض نشدانها ولا يدين طالبيها، شرط ألا يفقدوا قلوبهم في غنائها، وألا يهملوا الروح ويسيئوا إليها.

على أن المواقف النظرية الواضحة التي أطلقها جبران بشأن المرأة والحب والزواج والجسد والروح، لم يكن لها أن تحجب البلبلة المتأتية عن الطبيعة الفعلية لعلاقته بنساء حياته الكثيرات. فميخائيل نعيمة في كتابه عن جبران، لم يكتفِ بإنزال صديقه من مكانه السماوي إلى أرض الواقع؛ بل راح ينزع عنه صفتَي الروحانية والزهد الجسدي اللتين طالما ادَّعاهما، مؤكداً على الجانب الشهواني من شخصيته، وبخاصة في علاقته بميشلين، التي عرَّفته بها ماري هاسكل، ليخلص إلى القول بأن صديقه كان موزَّعاً بين عقل هاسكل وجسد ميشلين.

أما توفيق صايغ الذي يتهم نعيمة بالإساءة إلى صديقه، راداً الأمر إلى غيرته منه، فلا ينفي في كتابه «أضواء جديدة على جبران» أن تكون لجبران علاقات متعددة مع النساء، وبينها علاقة انجذاب شهواني مع ميشلين، إلا أنه -وهو المنذور للكتابة والخلق الإبداعي- كان يعرف كيف يضع في الوقت المناسب حدوداً لها. ويشير صايغ إلى أن علاقة هاسكل بجبران لم تكن روحانية خالصة ولا جسدية خالصة؛ بل ظلت تتأرجح بين النزعتين؛ حيث كانا يكتفيان بتبادل القبلات، رغم ما كان يتسبب فيه الأمر من أذى نفسي وجسدي للطرفين.

ولعل من يتتبع سيرة جبران العاطفية لا يلحظ عنده إقبالاً على الجنس يصل إلى حدود التهالك، ولا نفوراً منه يلامس حدود التبتل؛ بل هو يُظهر قدراً من الاعتدال يجعله أقرب إلى الإنسان الطبيعي، منه إلى الانحراف واللاسوية. أما عزوفه عن الزواج فقد كان عائداً إلى رغبته في التفرغ لكتابته وفنه. ولم تكن أناه النرجسية المبدعة لتقبل التنازل عن نفسها لأي شأن عابر، وهو الذي تنقل عنه هاسكل قوله لها عام 1922: «إن حضور عقل آخر مهما كان هذا الحضور طفيفاً، يدمر الأشياء بالنسبة لي. إني أفعل أفضل ما أستطيع فعله وأنا وحيد، والمرء يكون قريباً إلى كل إنسان عندما لا يكون قريباً إلى أي إنسان».

والواقع أن جبران قد حرص أشد الحرص على ألا يُفرغ طاقاته الحيوية العالية في مجال الجنس والرغبات الشهوانية البحتة؛ بل أراد أن يدَّخر جانبها الأكبر لشحن أعماله الفنية والإبداعية بأسباب القوة والتفجر. ولعل أكثر ما يؤكد ذلك قوله لهاسكل، في معرض تبرير اقتصار علاقتهما الجسدية على بعض القبلات والعناقات المتقشفة: «إن فيَّ رغم ضعفي الجسماني دفئاً وفيراً من الناحية الجنسية، وأعتقد أن فيَّ دون شك شيئاً حيوياً أيضاً؛ لأني أعتقد أن جزءاً كبيراً من الناحية الجنسية يتحول وينصبُّ في نتاجي».

ولعلنا نستطيع -في ضوء ما تقدم- أن نفهم السبب الحقيقي الذي أبقى علاقته بمي زيادة في إطارٍ لغوي وجداني، تكفلت بحمله عشرات الرسائل المحمولة عبر المحيطات. فالواضح أن جبران كان يبحث عبر مي عن وقود إضافي لمنع جذوة الإبداع في داخله من الضمور، وهو ما لم يكن ليتوفر إلا عبر رفع مي إلى خانة المتخيل الطيفي الذي يؤلفه من عندياته. وجبران الذي يقول في كتابه «رمل وزبد» ما حرفيته: «كل رجل يحب امرأتين: واحدة يخلقها خياله، والثانية لم تولَد بعد»، كان يدرك في قرارته أن هذه الجذوة الإبداعية التي ولدتها علاقته الأفلاطونية بامرأة التخيل، كانت مرشحة للانطفاء السريع لو التقى بامرأة اللحم والدم.

المواقف النظرية التي أطلقها جبران بشأن المرأة والحب والزواج والجسد والروح لم تحجب البلبلة المتأتية عن الطبيعة الفعلية لعلاقته بالنساء

أما الذين رأوا في رسوم جبران العارية، والخالية من أي دلالة شهوانية، ما يدل على نقص في ذكورته، أو على تبرمه من النوازع الجسدية، فهم يخلطون عن عمد -أو عن غير عمد- بين الفن والحياة؛ لأن تلك الرسوم كانت تعكس توق صاحبها إلى التسامي الروحي والتجرد من حاجات الجسد الترابي، دون أن يعني أنه كان يعاني من الوهن الجنسي، أو من ارتفاع في منسوب الأنوثة، كما ذهب بعض الدارسين.

وقد لا يكون الباحث اللبناني خريستو نجم بعيداً عن الحقيقة حين أشار في كتابه «المرأة في حياة جبران»، إلى أن علاقة الحدب والحنو المفرط التي ربطت الأخير بأمه كاملة رحمة، قد جعلته يبحث عن صورها في ملامح نسائه الكثيرات، بما يفسر أن معظم اللواتي ارتبط بهن كنَّ يكبرنه سناً. فحلا الضاهر كانت تكبره بعامين، وماري هاسكل تكبره بعشر سنوات، وسلطانة ثابت تكبره بخمس سنوات، وجوزيفين بيبودي تكبره بست سنوات، وحتى ميشلين عشيقته الأثيرة، كانت تكبره ببضعة أشهر.

إلا أن ما توصل إليه نجم من خلاصات حاسمة حول «أنثوية» جبران ونفوره من الجنس، وصولاً إلى رميه بالعجز الجنسي، ليس في مكانه أبداً؛ إذ ليس يكفي أن يستشهد نجم بكتابَي «دمعة وابتسامة» و«الأجنحة المتكسرة» المفرطين في لغتهما الوجدانية وانكسارهما الحزين، لكي يرى فيهما «نمط جبران الأنثوي الذي يخلو من كل أثر للاقتحام الرجولي»؛ لأنه في هذه الحالة سيضع في دائرة الأنوثة عشرات من الكتاب والفنانين والشعراء الرومانسيين. ثم لماذا لم يدر في خلد نجم أن يستشهد بأعمال مغايرة تظهر فيها «ذكورية» جبران وفحولته الغاضبة على نحو واضح، كما هي الحال في «الأرواح المتمردة» و«العواصف» وغيرها؟

صحيح أن جبران قد قال لماري هاسكل: «إن المرأة في نفس الفنان هي مصدر قوته»، وأنه شبَّه نفسه بالمرأة الحامل، مضيفاً ما حرفيته: «أشعر أني كنت أُمًّا غير مرة»، إلا أنه لم يكن يقصد بالتأكيد المعنى الفيسيولوجي للكلمة؛ بل المعنى الرمزي الذي يُكسب الكاتب صفات الرقة والصبر، والإصغاء المرهف إلى الأشياء والكائنات، ويجعل من الكتابة بحد ذاتها حالة من أحوال الأنوثة.

 


ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له
فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له
TT

ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له
فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له

تحوي الأراضي الأردنية مجموعة هائلة من المواقع الأثرية تتميّز بحللها الفسيفسائية المتعددة الأشكال، وتعود إلى الحقبة البيزنطية، وتشهد لتقليد فني ازدهر وراج بشكل واسع في هذه البقاع. ظلّ هذا التقليد كما يبدو حياً في الحقبة الأموية؛ حيث اعتمد في تزيين العمائر المدنية التي شُيّدت في نواح عديدة من البادية الأردنية. يحضر هذا الفن بشكل محدود في قصير عمرة، في شمال هذه البادية، ويحضر بشكل واسع في قصر الحلابات، في الناحية الشمالية من الطريق المعبدة التي تربط مدينة الزرقاء بواحة الأزرق.

تعود أسس قصر الحلابات إلى حصن دفاعي محلّي، شيّده الغساسنة خلال الحقبة البيزنطية. تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي في الحقبة الأموية؛ إذ أعيد تشييده مع تعديلات كبيرة في تكوينه، إلا أن أسسه الهندسية الأولى بقيت ثابتة، وتمثّلت في مسقط مربع الشكل، تحد زواياه أربعة أبراج. يبلغ طول كل ضلع من أضلاع هذا المسقط الأربعة 44 متراً، ويبلغ عرض واجهة كل برج من أبراجه نحو 6 أمتار. يقع مدخل القصر الرئيسي وسط الواجهة الخارجية الشرقية، وينفتح على ردهة كبيرة مستطيلة تؤدي مباشرة إلى الفناء الرئيسي الذي يحتل وسط البناء.

يتألف القصر من مجموعة غرف وقاعات مستطيلة، تتوزع على جهات البناء الأربع. من جهة الشرق، وعلى يمين ردهة المدخل ويسارها، قاعتان واسعتان. ومن جهة الجنوب، ست قاعات وغرف مختلفة المساحات. في الزاوية الشمالية الغربية للقصر، جناح سكني كبير منفصل عن باقي أجزاء القصر، ندخل إليه عبر باب في واجهته الجنوبية المطلة على الفناء الرئيسي الواسع. يحوي هذا الجناح المستقل ثلاثة أجنحة تحيط بفناء صغير. يحوي كل من الجناحين الغربي والشمالي قاعتين واسعتين، ويحوي الجناح الشرقي ثلاث غرف. في الطرف المقابل، في موازاة الضلع الشمالية للفناء الرئيسي للقصر، ثلاث قاعات، أكبرها الوسطى، وتنقسم عبر عقدين نصف دائريَّين إلى ثلاثة أجزاء. في أسفل أرض الفناء الرئيسي، بُني خزان كبير كان يتلقّى مياه الأمطار عبر قنوات متصلة بقسطل القاعات التي تحتل ضلع القصر الشرقية. وفي فناء الجناح الشرقي الذي يحتل زاوية القصر الشمالية الغربية، بُنيَ خزان مشابه.

تطلّ معظم قاعات القصر على الفناء الرئيسي الكبير من خلال أبواب تعلوها سواكف حجرية مستقيمة، ونوافذ تحدها أطر مزينة بشبكات من النقوش المصنوعة بتقنية الجص، ضاع القسم الأكبر منها للأسف. على الصعيد الفني، يتميّز قصر الحلابات في المقام الأول بمجموعة الألواح الفسيفسائية التي تزين قاعاته، غير أن القسم الأكبر من هذه الألواح تصدّع واندثر، وما بقي منها يتمثّل في أجزاء سمحت للمختصين بإعادة تخطيط شبكاتها الهندسية الأصلية. نُقل بعض هذه البقايا إلى متحف خاص بهذا الموقع افتتح في عام 2008، وبقيت في الموقع الأجزاء الأكثر اكتمالاً، ومنها فسيفساء الفناء الداخلي الصغير، وفسيفساء الرواق المجاور له.

تُعتبر فسيفساء الفناء الداخلي أكبر هذه الأرضيات، وهي على شكل لوحة هندسية مستطيلة، رُصفت بخطوط محورية مزدوجة، تتقاطع وتكوّن شبكة تعتمد عنصراً هندسياً واحداً يُعرف بالمُعين، وهو على شكل مربع مائل، أضلاعه متساوية الطول، وقطراه متعامدان ومتناصفان. تتألف هذه الشبكة من 375 معيناً، رُصفت بشكل متواز، مع سلسلة من 17 معيناً عرضاً، تقابلها سلسلة من 21 معيناً طولاً. تتساوى هذه التقاسيم في الحجم، وهي بيضاء، وتحدّها خطوط تجمع بين الرمادي والعسلي والزهري، ويبلغ عرض ضلع كلّ منها 20 سنتيمتراً. وسط كل معين، معين منمنم صيغ بهذه الألوان. وحول هذه الشبكة المستطيلة، يمتد إطار على شكل شريط بسيط، تزينه سلسلة زخرفية، تعتمد كذلك هذا المعين المنمنم.

في المقابل، تجمع أرضية الرواق المجاورة بين التأليف الهندسي المحكم والعناصر التصويرية المحوّرة. يتألف هذا الرواق من ردهتين متلاصقتين، يغطي كلاً منهما لوح فسيفسائي مستقل. يزين الردهة العليا لوح زخرفي يتكون من أربع خانات متماثلة، تشكّل معا شبكة زخرفية مربعة، يغلب عليها الطابع التجريدي. تأتي كل خانة على شكل أربع دوائر، تتقاطع فيما بينها، مشكّلة إطاراً يحتضن في وسطه زهرة محوّرة هندسياً، تحدها أربع بتلات متساوية صيغت على شكل نجم. اعتُمد اللون الأحمر الخمري بشكل أساسي في صوغ الحلّة التشكيلية الخاصة بهذه الخانات، إلى جانب مساحات حلّ فيها الأبيض الناصع والأزرق السماوي. أُحيط هذا اللوح بإطار مزخرف، قوامه سلسلة من مثلثات مسنّنة، رُصفت كأسنان المشط، واعتُمدت الصياغة اللونية الخاصة بهذا الإطار على الأحمر الخمري والأبيض الناصع.

تتميّز لوحة الردهة السفلى بعناصرها التصويرية، وتتكوّن من ثماني دوائر كبيرة الحجم، وثمانية مربعات أصغر حجماً، تترابط بشرائط مجدولة، وتشكّل معاً شبكة متناسقة متقنة. في القسم الأعلى، تحضر إوزتان متواجهتان في وضعية جانبية، تستقرّ كل منهما في دائرة مستقلّة. وفي القسم الأدنى، تحضر إوزة ثالثة في وضعية مماثلة، وتستقرّ كذلك في دائرة خاصة بها. يتكرّر هذا التأليف في وسط اللوح، وتحلّ سلّتان متواجهتان، منهما سلة تعلوها عروة عريضة. في المقابل، تحلّ سمكة وسط إناء كبير يستقرّ في وسط الدائرة الثالثة. في القسم الأسفل من اللوح، يحلّ طائران متواجهان في تأليف مماثل، وهما من عائلات الدجاجيات، والأرجح أنهما من صنف الحجل الذي يحضر بقوة في الميراث الفني الأموي.

يتبنّى هذا اللوح طرازاً راج في الكنائس المحلية، ويعكس هذا الأثر حضور السمكة التي تعلو الإناء، وتستقرّ وسط سلّتين كبيرتين، في تأليف يعيد إلى الذهن صورة من أشهر الصور الفسيفسائية الفلسطينية. تعود هذه اللوحة إلى كنيسة تقع في قرية الطابغة، على الشاطئ الشمالي الغربي لبحيرة طبريا، وتختزل بحسب التقليد معجزة تكثير الخبز والسمك التي ورد ذكرها في الأناجيل الأربعة بشكل متقارب. ونقع على لوح آخر مشابه، كشفت عنه أعمال التنقيب في كنيسة تقع في مدينة هيبوس الأثرية في الجولان، وتُعرف باسم «الكنيسة المحروقة».


رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر
TT

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

تنطلق رواية «الفراديس الملغومة» -الصادرة في 400 صفحة عن دار «طباق» برام الله، للكاتبة نسب أديب حسين- من مفارقة العنوان الذي يُبرز التناقض بين الجمال الفطري الأبدي في أرض فلسطين كملاذ للحب والمشاعر من ناحية، وبين الخطر والخوف من ناحية أخرى، عبر بنية فنية تضع الشخصيات في مواجهة أسئلة المكان والهوية والذاكرة والحب والخوف.

تدور الأحداث في عام 2017؛ حيث تتسع خريطة السرد لتشمل مدناً وقرى فلسطينية متعددة داخل الضفة الغربية وغزة؛ لا سيما طولكرم ونابلس، بحيث لا يبدو المكان مجرد خلفية للأحداث، وإنما يتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل الشخصيات ومصائرها.

تجمع الرواية 14 شخصية فلسطينية في إطار مشروع بحثي ميداني، إلى جانب صحافي من غزة، ودليل سياحي مقدسي، في تركيبة تحمل تناقضات نفسية وإنسانية؛ فالمقدسي يعيش مأزقاً مختلفاً عن الغزِّي، وابن الداخل يواجه أسئلة غير تلك التي يواجهها ابن الخليل أو رفح.

ومن هنا يتحول سؤال الهوية إلى سؤال يومي: من أنا؟ وإلى أي مكان أنتمي؟ وما الذي يبقى من هوية الإنسان حين يتغير المكان من حوله أو يُنتزع منه؟ كما تتحول العلاقات الإنسانية البسيطة إلى مدخل مختلف لفهم الواقع الفلسطيني المعقد، فالحب -على سبيل المثال- لا يظهر بوصفه مساحة منفصلة عن السياسة والجغرافيا؛ إذ يمكن للحاجز أو التصنيف القانوني أو الانتماء الجغرافي أن يتدخل في علاقة عاطفية ويغير مصيرها.

ومن القضايا اللافتة كذلك حضور الأسرى بعد التحرر، وآثار الحرب والاستشهاد، والصدمة النفسية، إضافة إلى تجربة غزة والحواجز والجدار؛ حيث يتعامل النص مع هذه التفاصيل من زاوية الإنسان الذي يعيش نتائجها في حياته اليومية، ما يجعل العمل يخرج من الحدود الضيقة المباشرة للرواية السياسية، ليصبح نصاً إنسانياً مفتوحاً على أفق بيئة اجتماعية شديدة التعقيد.

فنياً، لا تنتمي «الفراديس الملغومة» إلى البناء الروائي التقليدي الصارم ذي البطل المركزي والحبكة الواحدة، وإنما تقوم على تعدد الأصوات والشخصيات وتداخل الأزمنة والأمكنة، بينما تستخدم المؤلفة ضمائر سرد متعددة، فتنتقل بين المتكلم والغائب، وتستدعي الماضي داخل الحاضر، ما يمنح العمل طبيعة متشعبة تتناسب مع تعدد التجارب داخل الحبكة الدرامية. كما حرصت على منح كل شخصية مساحة خاصة بها في التعبير والسرد.

من أجواء الرواية:

«كلما شرد ذهني وجدتني أنظر إلى النقش المحفور في الجدار المقابل وأجده على حاله. لا أعلم هل يثير هذا الألم في نفسي أم يبعث الطمأنينة؟

منذ كنت في الخامسة عشرة من عمري وأنا أساعد أبي في هذه المكتبة، وها قد مر من عمري مثلها، وكلما غاب رواد المكتبة والزبائن وسئمتُ القراءة، أنتبه أني في الجلسة هنا وأمام ذات النقش. صحيح أني درست خلال هذه الفترة في الجامعة، وتزوجت وصرت أباً، ولكن كأن الزمن لم يمر، لا على النقش في الخارج ولا على هذه المكتبة.

أغمض عيني وأصغي إلى حديث الجيران في السوق، هديل الحمام في النافذة، ومرور شاب بعربته فجأة صارخاً (أوعا أوعا). أرفع نظري إلى الرف فوق الباب، الكتب التي ترقد عليه هي نفسها منذ وضعها أبي فوقه، كي يضمن عدم بيعها».