انضم اللبناني طارق (19 عامًا) إلى قافلة ركاب «قوارب الموت» إلى أوروبا، بحثًا عن مستقبل أفضل. فالشاب اللبناني، العامل في مجال البناء، استغلّ موجة الهجرة غير الشرعية الكثيفة من تركيا إلى أوروبا، والتحق بها، أملاً بالحصول على امتيازات يلقاها لاجئون سوريون في ألمانيا والسويد وغيرهما. اختار طريق الجو إلى تركيا، ليلتحق هناك بمهرّبين، أعدوا خطة النقل إلى اليونان بحرًا، ثم إلى عمق أوروبا، عبر طرق غير شرعية.
وطارق هو واحد من مئات اللبنانيين الذين يختبرون الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، بعد أن نشطت هذه الظاهرة إثر تسهيلات قدمتها حكومات أوروبية للاجئين السوريين الفارين من الموت في بلادهم. يختار بعضهم الانتقال إلى تركيا جوًا، بصفة سياح، مستغلّين القانون التركي الذي لا يفرض على المواطن اللبناني الحصول على تأشيرة دخول مسبقة إلى البلاد. أما آخرون، فينتقلون بحرًا، انطلاقًا من شواطئ مدينة طرابلس في شمال لبنان، بحسب ما يقول مصدر ميداني في المدينة لـ«الشرق الأوسط». وقد سلط الضوء على هذه الظاهرة من جديد أمس، إثر الإعلان عن غرق عائلة لبنانية بأكملها في قارب كان ينقل أفرادها من تركيا إلى اليونان.
وغادرت العائلة المؤلفة من 12 شخصًا، الأحد الماضي، من لبنان إلى تركيا عبر المعبر الجوي، بصفة سائحين، قبل أن ينتقل أفرادها إلى مدينة أزمير التركية، سعيًا للهجرة بحرًا إلى اليونان. إلا أن الزورق المطاطي الذي كان يقلهم، غرق، وتم العثور على 3 جثث تعود لحورية الخطيب وابنها مصطفى وجثة الفتاة مايا (11 عامًا)، فيما بقي مفقودًا كل من: موسى، وماهر، ومايز (60 عامًا)، وزوجته مريم (40 عامًا) وابنتهما، ميلان وولداها وائل، (20 عامًا)، ومالك (9 أعوام). بينما يخضع إياد للعلاج في أحد المستشفيات داخل الأراضي التركية. وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية اللبنانية، في وقت لاحق، أنه نتيجة عمليات البحث تمكنت السلطات التركية من العثور على جثتي مريم كايد صفوان (46 عامًا) وميلاني كايد صفوان (42 عامًا) على الشاطئ التركي.
ونشطت الهجرة غير الشرعية بشكل كثيف خلال الصيف، حيث تعد الرحلة أقل خطرًا من رحلات الشتاء.. «نظرًا إلى الطقس العاصف الذي يشكل خطرًا إضافيًا على الهاربين بحرًا»، كما يقول مصدر لبناني مواكب لعمليات التهريب، مشيرًا إلى أن تكلفة العبور من تركيا إلى اليونان «تتراوح بين 800 وألف دولار للشخص الواحد»، بينما تصل تكلفة الرحلة من تركيا إلى ألمانيا نحو 3500 دولار للشخص الواحد.
ويقول مصدر ميداني في طرابلس لـ«الشرق الأوسط»، إن لبنانيين وفلسطينيين وسوريين يعبرون في تلك الرحلات، كاشفًا عن أن هذا العمل «تنشط فيه مافيات هجرة غير شرعية، غالبًا ما تكون مجموعات كاملة، تنسق عمليات التهريب في تركيا». وأشار إلى محاولات سابقة لتهريب الراغبين بالوصول إلى أوروبا بحرًا انطلاقًا من ساحل شمال لبنان.. «باء معظمها بالفشل بسبب ملاحقة الأجهزة الأمنية اللبنانية لتلك المحاولات».
وتتعقب الأجهزة الأمنية اللبنانية تلك الشبكات، حيث أعلن جهاز الأمن العام اللبناني في وقت سابق، توقيف مجموعة أشخاص ينشطون على خط التهريب، مؤكدًا أنه يواصل ملاحقة ومتابعة المتورطين في نشاطات مشابهة، بينما أعلنت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي أواخر شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، أنه ضمن إطار مكافحة جريمة الاتجار بالأشخاص عن طريق الهجرة غير الشرعية وعمليات التهريب إلى بلدان أخرى بطرق غير شرعية، وبعد توافر معلومات عن التحضير لعملية تهريب عبر البحر من خلال شاطئ طرابلس، تمكنت شعبة المعلومات، نتيجةً للتحريات والاستقصاءات والرصد، من ضبط حافلة وعلى متنها 44 شخصًا من الرجال والنساء والأطفال من جنسيات سورية وفلسطينية وإثيوبية وبنغلاديشية، وقد ضُبط بحوزتهم 45 سترة نجاة بحرية.
ويكشف مهرب في شمال لبنان، رفض الكشف عن اسمه، عن أن معظم الراغبين بالهجرة غير الشرعية «هم من اللبنانيين»، متحدثًا لـ«الشرق الأوسط» عن «أكثر من 1800 شخص من طرابلس وحدها، وصلوا بالفعل إلى أوروبا، وما زالوا ينتظرون الحصول على إقامات في أوروبا».
ويقول: «تسهل مافيات التهريب التركية لبعض اللبنانيين أو الفلسطينيين الحصول على إقامة في أوروبا، عبر تزوير وثيقة هوية سورية، مقابل 100 دولار»، كاشفًا عن أن لبنانيين من أصل سوري كانوا حصلوا على الجنسية اللبنانية في عام 1994.. «يسترجعون الآن هويتهم السورية ويستصدرون إخراج قيد أفرادي ودفتر العائلة السورية من السلطات السورية، ويحتفظون بها ريثما يصلون إلى أوروبا، حيث يستخدمونها»، مشيرًا إلى أن أنهم «يسافرون من هنا عبر جواز السفر اللبناني».
ويرفض المهرب القول إن العمليات تتم بطريقة غير شرعية، مؤكدًا أن طريقة الانتقال إلى تركيا «قانونية مائة في المائة، حيث تتم عن طريق مطار بيروت الدولي إلى تركيا بصفة سياح، قبل أن ينتقلوا من إسطنبول إلى أزمير، حيث يتفقون مع مهرب تركي، يوصلهم إلى اليونان». وقال: «حصلت في السابق محاولات تهريب غير شرعي عبر البحر في لبنان، ضبطتها القوى الأمنية والجيش اللبناني»، مشيرًا إلى أن التهريب إلى تركيا من لبنان «مستحيل بسبب سهولة الانتقال الشرعي بتأشيرة سياحية، وكون الجيش اللبناني فرض إجراءات مشددة تمنع عبور قوارب التهريب».
ويشرح المهرب أن المهاجرين «ينتقلون إلى اليونان بالمركب المطاطي في مسافة لا تتعدى العشرين دقيقة، قبل أن يقطعوا 3 دول سيرًا على الأقدام أو في وسائل النقل المشترك، وصولاً إلى ألمانيا». ويقول إن التسهيلات التركية للهجرة «ساهمت في زيادة العدد»، مشيرًا إلى أن هذه العمليات «خلقت دورة اقتصادية في تركيا، تشجعها على عدم توقيف عمليات الهجرة غير الشرعية منها إلى أوروبا»، إضافة إلى المعابر الجوية، يقصد المئات من الركاب يوميًا مرفأ طرابلس في شمال لبنان، حيث تنتظرهم سفن سياحية تتجه إلى الشاطئ التركي، لكن رحلات الاستجمام هذه تشكل بالنسبة إلى الكثير من السوريين الذين يشاركون فيها وسيلة للهروب من الحرب المستمرة في بلادهم.
وانطلقت الرحلات السياحية من مرفأ طرابلس إلى تركيا عام 2010، أي قبل عام من بدء الأزمة السورية، وفيما كان جدول الرحلات يقتصر على اثنتين أسبوعيًا، ارتفع العدد خلال العام الحالي إلى أربع رحلات يوميًا، وفق الأمن العام اللبناني.
ويقول مدير مرفأ طرابلس أحمد تامر لوكالة «الصحافة الفرنسية»: «في شهر أغسطس (آب) وحده، كان لدينا 28 ألف مسافر، غالبيتهم من السوريين، مقابل 54 ألف مسافر طوال عام 2014». وساهم إغلاق معبر كسب عند الحدود التركية السورية عام 2014 في زيادة عدد المسافرين عبر مرفأ طرابلس، إذ يختار سكان الساحل السوري لبنان ممرًا لهم بين بلدهم وتركيا».
وبحسب إحصاءات المديرية العامة للأمن العام اللبناني.. «يغادر إلى تركيا يوميًا ما يقارب الألف راكب غالبيتهم من الجنسية السورية، وهم يشكلون أكثر من تسعين في المائة من حركة السفر عبر المرفأ ويكونون قادمين مباشرة من الحدود اللبنانية - السورية». ومع تشديد القوى الأمنية اللبنانية إجراءاتها إثر مصادرتها عددًا من جوازات السفر المزورة، يمضي الركاب ساعات طويلة في انتظار ركوب السفينة المغادرة.
وتكلف الرحلة من طرابلس إلى تاشوجو في جنوب تركيا، ومدتها 13 ساعة، 170 دولارًا للشخص الواحد، مقابل 270 دولارًا للراغب بالذهاب إلى مرفأ مرسين في سبع ساعات فقط.
ويوضح أحد الركاب العائدين من تركيا، أن السفينة تضم أربعين غرفة يشغلها السياح اللبنانيون، فيما «ينام السوريون على سطح السفينة وعلى كراسي بلاستيكية» موزعة في أنحائها. ويضيف: «كل ما يفعله السوريون هو تبادل الحديث حول مستقبلهم والحياة في ألمانيا».
لبنانيون يسترجعون جنسيتهم السورية لحصولهم على حق اللجوء في أوروبا
غرق عائلة لبنانية أثناء عبورها من تركيا إلى أوروبا
مجموعة مهاجرين يقطعون الحدود النمساوية - الألمانية أمس (أ.ب)
لبنانيون يسترجعون جنسيتهم السورية لحصولهم على حق اللجوء في أوروبا
مجموعة مهاجرين يقطعون الحدود النمساوية - الألمانية أمس (أ.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



