الثقافة السعودية... 2023 عام الشعر بامتياز

عشرات الفعاليات من معارض للكتب ومهرجانات المسرح والسينما

لقطة من فعاليات مهرجان «امرؤ القيس - شاعر الغزل» في الدرعية، ضمن مبادرات «عام الشعر العربي 2023» (واس)
لقطة من فعاليات مهرجان «امرؤ القيس - شاعر الغزل» في الدرعية، ضمن مبادرات «عام الشعر العربي 2023» (واس)
TT

الثقافة السعودية... 2023 عام الشعر بامتياز

لقطة من فعاليات مهرجان «امرؤ القيس - شاعر الغزل» في الدرعية، ضمن مبادرات «عام الشعر العربي 2023» (واس)
لقطة من فعاليات مهرجان «امرؤ القيس - شاعر الغزل» في الدرعية، ضمن مبادرات «عام الشعر العربي 2023» (واس)

شهدت السعودية في عام 2023 زخماً ثقافياً، تشكّل عبر باقة متنوعة من الفعاليات الكبيرة والنوعية، من معارض للكتب، ومهرجانات للمسرح، والسينما، لكن عام 2023 كان عام الشعر بامتياز، مع إطلاق مبادرة «عام الشعر العربي 2023» التي تهدف إلى تعزيز مكانة الشعر العربي في ثقافة الفرد والمجتمع، فشهد هذا العام انبعاثاً جديداً لروح الشعر العربي ومفرداته وتراثه وتراتيله التي توزعت في أرجاء البلاد، تعيد مضامين القصائد وصورها ولغتها الشعرية، وتحتفي برموزها التاريخية وبالشعراء العرب المعاصرين.

شاعر الغزل

بداية الفعاليات الكبيرة كانت مع مهرجان امرؤ القيس «شاعر الغزل» الذي أقيم في أكتوبر (تشرين الأول) 2023 في محافظة الدرعية بالرياض، ومثّل تجربةً فريدةً، لاستلهام الروح الأدبية التي عبّر عنها امرؤ القيس، والانخراط في فعاليات مستوحاةً من حياة الشاعر وترمز إلى عصره، حيث يأخذ المهرجان زوّارَه في رحلةٍ ثقافية تفاعلية على مدى 9 أيامٍ متتالية، مُسلّطاً الضوء على سيرة وحياة الشاعر، وإعادة إحياء قصائده بقالبٍ إبداعي. مع تقديم عروض بصرية مخصصة للتوثيق البصري، تركز على الشعراء وأشعارهم والمحيطِ الذي عاشوا فيه عبر موادَّ مرئيةٍ وتفاعلية، وأعمال فنية مرتبطة بالمعلقات السبع، وأشكال مختلفة للتعبير والإبداع.

شعار «عام الشعر العربي»

مهرجان «طَرْفَة بن العبد»

كما أطلقت وزارة الثقافة السعودية ضمن مبادرة «عام الشعر العربي 2023» مهرجان «طَرْفَة بن العبد» في الأحساء، خلال الفترة من 16 إلى 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، ليمثل هو الآخر تجربةً فريدةً من نوعها، عبر فعالياتٍ مستوحاةً من حياة الشاعر في عصره، تُعرف بحياته، وشخصيته، وسيرته الشعرية، وأعماله التي خلدتها ذاكرة الشعر العربي. وشهد المهرجان إقامة 4 ندواتٍ علميةٍ مرتبطةٍ بموضوعاتٍ حول حياة الشاعر، و5 أمسياتٍ شعريةٍ شارك فيها نخبة من شعراء المنطقة الشرقية؛ لإيصال مضامين الشعر العربي القديم إلى الجمهور، وتحديداً قصائد طَرْفَة بن العبد. ومسرحية تتناول في محاورها سيرة الشاعر وشعره، وتقوم فكرتها حول حياة الشاعر، وشخصيته، وقصائده، وتُراعي الجو العام لطبيعة الحياة في عصر ما قبل الإسلام، والأزياء، وعنصري اللغة والدراما، وآليات الاستثمار الثقافي والإبداعي في الشعر العربي القديم وشعراء جزيرة العرب.

كما تمّ تنظيم معرض مخصص للشاعر، فيه مجسّم طرفة بن العبد، وشجرة عائلة الشاعر، ورسمة وجغرافية الشاعر، كما يُعرّف بأغرب الألفاظ في شعر طرفة بطريقة تفاعلية.

«معلّقة 45»

وضمن الاحتفاء بالشعر العربي، وبرعاية هيئة الأدب والنشر والترجمة في وزارة الثقافة السعودية، انطلق في 11 ديسمبر (كانون الأول) الموسم الأول من أكبر مسابقة تلفزيونية للشعر العربي باسم «معلّقة 45»، تجتذب نخبة من الشعراء في المملكة والعالم العربي، في خطوةٍ تُعيد إحياء المعلقات الشعرية من أرض جزيرة العرب التي احتضنت خيال شعرائها وشكّلت قرائحهم، وهي أول مسابقةٍ شعريةٍ سنويةٍ من نوعها تجمع كبرى المؤسسات الثقافية في العالم العربي، وتأتي كمنصةٍ تجمع الشعر الفصيح، والشعبي، والحر، للاحتفاء بالشعر والشُعراء، وتتيح هذه الفرصة للمتنافسين الانضمام لنادي الشعراء الذي سيتم تأسيسه لاحقاً.

شعار برنامج مسابقة «معلقة 45»

وركزت المسابقة على 3 فئات رئيسية، هي الشعر الموزون (العمودي - التفعيلة)، والشعر الشعبي، والشعر الحر، وستُقدَّم جوائز مالية لـ3 فائزين، سيحصل الأول منهم على مبلغ مليون ريال، وتُعلّق قصيدته بأحد المواقع المميزة بالرياض، وصاحب المركز الثاني على نصف مليون ريال، وصاحب المركز الثالث على مبلغ 250 ألف ريال، كما سينال كل متسابقٍ ترشَّح للمشاركة في المسابقة على مكافأة مالية قدرها 50 ألف ريال، إضافةً إلى دعوةٍ خاصة لحضور عشاء الشعراء السنوي الذي يُقام على شرف وزير الثقافة.

وتألفت لجنة تحكيم البرنامج من 6 محكمين، 3 منهم يصوتون لاختيار الأفضل في الشعر الحر والفصيح. وهم؛ فوزية أبو خالد، ومحمد إبراهيم يعقوب، وعارف الساعدي. أما المحكمون الثلاثة الآخرون فيصوتون لاختيار الأفضل في الشعر النبطي. وهم؛ فهد عافت، وسفر الدغيلبي، ومدغم أبو شيبة.

القناة الثقافية

في ذكرى اليوم الوطني السعودي 23 سبتمبر (أيلول)، انطلقت هذا العام القناة «الثقافية» السعودية التي تبث فضائياً ضمن باقة قنوات «إم بي سي» (MBC)، ورقمياً عبر منصة «شاهد»، وتم إعادة إحياء القناة مع حزمة برامجية تضم محتوى ثقافياً وأدبياً متنوعاً في مزيجٍ إبداعي من البرامج والأعمال والعروض الثقافية، واهتمت القناة في الدورة البرامجية الأولى بمبادرة «عام الشعر العربي 2023» مع التركيز على دور الجزيرة العربية وشعرائها في بناء التاريخ الأدبي والفكري للتراث العربي.

ويشتمل محتوى القناة على البرامج الوثائقية، والمسرحيات، والحفلات الغنائية، والتغطيات الموسعة للفعاليات الثقافية، وذلك من خلال تشكيلة واسعة من البرامج الثقافية والفنيّة التي تغطي مختلف القطاعات الثقافية، ويُقدّمها عدد من المثقفين والكُتاب والشعراء والأكاديميين.

منتدى الأفلام السعودي

«الفن والثقافة يمثلان روح المجتمع السعودي، كما أنهما ركيزتان أساسيتان في مسيرة التنمية»، بهذه العبارة استهلّ نائب وزير الثقافة حامد بن محمد فايز كلمته في افتتاح النسخة الأولى لـ«منتدى الأفلام السعودي»، الذي أقيم في «واجهة الرياض»، خلال الفترة من الأول حتى 4 أكتوبر 2023، بحضور نخبة من صانعي الأفلام العرب والعالميين، وعدد من المخرجين والمنتجين والمستثمرين والممثلين الوطنيين والإقليميين والعالميين، وخبراء الصناعة في السعودية.

المنتدى وفرّ الفرصة للسينمائيين لمناقشة صناعة السينما والبحث عن الفرص الاستثمارية، ومستقبل ريادة الأعمال، ودور الاستثمار في تطوير قطاع الأفلام، مع التأكيد على أن صناعة السينما في السعودية تشهد تطوراً كبيراً وتتجه نحو العالمية، وأنها مرشحة للمنافسة قريباً على الجوائز العالمية.

وعلى هامش المنتدى أطلقت السعودية صندوقاً للأفلام بقيمة 200 مليون دولار، بالتعاون مع شركتين دوليتين لدعم قطاع الأفلام وتشجيع توجهات السعودية لتطوير هذه الصناعة والارتقاء بالإنتاج وبناء مستقبل مشرق لصناعة الأفلام والفنون.

مهرجان المسرح

في 14 ديسمبر 2023، أطلقت هيئة المسرح والفنون الأدائية، في وزارة الثقافة السعودية، مهرجان الرياض للمسرح، بهدف تعزيز الحراك المسرحي ودعم الإنتاج المحلي للمسرح السعودي بجانب إيجاد تظاهرة مسرحية تعزز من حضور المسرحيين السعوديين واكتشاف المواهب وصقلها، واستهدف المهرجان دعم إنتاج 20 عملاً مسرحياً في مرحلته الأولى ليتم تقديمها في مناطق إنتاجها، وفرز وترشيح 10 عروض مسرحية للمشاركة في المسابقة الرسمية للمهرجان الذي ستنظمه «الهيئة».

وشهد المهرجان عرض مسرحيات الفرق المتأهلة في مسابقة المهرجان والقادمة من 8 مدن، بالإضافة إلى مجموعة من الفعاليات الثقافية. منها ندوات، وقراءات نقدية، وورشة عمل عن فنون المسرح وتطوير مهارات المسرحيين وصقلها، وعرض مسرحية عالمية، كما يُحيي ذكرى الفنان السعودي الراحل محمد العثيم، نظير إسهاماته المسرحية الرائدة، من خلال عرض مسرحية من تأليفه، وإقامة معرض فني خاص بمسيرته الفنية.

4 معارض للكتاب

ضمن مبادرات معارض الكتب، أقيم عدد من معارض الكتب في السعودية، من بينها النسخة الأولى من مهرجان «الكُتّاب والقُرّاء» في المنطقة الشرقية من المملكة. وأقيم في 5 مواقع بالمنطقة الشرقية، ليعزز بدوره إبراز الأدب والأدباء المحليين، والخليجيين، والعالميين، عبر فعاليات وأنشطة مجتمعية، بمعايير عالمية ومحلية، وتضمن فعاليات أدبية وشعرية وندوات ومسرحاً وفنوناً أدائية وبصرية وعروضاً سينمائية، وورش عمل، وأزياء، ومطبخاً.

كما دشّنت هيئة الأدب والنشر والترجمة في الفترة من 18 إلى 28 مايو (أيار) 2023 معرض المدينة المنورة للكتاب 2023، بحضور نحو 300 دار نشر محلية وعربية ودولية، ونخبة من الكُتّاب والأدباء والشعراء والمثقفين من داخل المملكة وخارجها.

كما أقيم «معرض الرياض الدولي للكتاب 2023»، الذي احتضنته هذا العام جامعة الملك سعود، بمشاركة أكثر من 1800 دار نشر على امتداد 800 جناح، إضافة إلى دور بالوكالة، كما يشارك أيضاً ما يزيد على 70 دار نشر فرنسية عبر مبادرة «الرياض تقرأ الفرنسية». وعرض خاص لمخطوطات ومقتنيات نادرة يفوق عددها 25 قطعة، ولوحات فنية.

وحلّت سلطنة عُمان ضيف شرف هذا العام في إطار الروابط التاريخية والعلاقات الأخوية المتينة التي تجمع الشعبين، وتعكس التبادل والتعاون الثقافي بين المملكة وسلطنة عُمان، حيث تتضمن مشاركتها بجناح في قلب المعرض يحتضن كُتباً ومخطوطات، وتمثيلاً لمكنونات ثقافتها الوطنية، إضافة إلى حضور عدد من رموز الثقافة العمانية، ومشاركة المواهب والمبدعين العُمانيين، وحضور دُورِ نشرٍ عُمانية تستعرض آخر نتاجها أمام أكثر من مليون زائر للمعرض.

وعلى هامش المعرض أقيم «مؤتمر الناشرين الدولي»، يوم 4 أكتوبر، وهو المؤتمر الذي بحث في دورته الأخيرة مستقبل نمو صناعة الكتاب، والتحديات التي تواجه سوق النشر.

وفي النصف الأول من ديسمبر 2023، أقيمت فعاليات معرض جدة للكتاب 2023، بمشاركة أكثر من 1000 دار نشر محليةٍ، وعربية، ودولية موزعة على 400 جناح.

وبحسب الدكتور محمد حسن علوان الرئيس التنفيذي لهيئة الأدب والنشر والترجمة فقد كان معرض جدة للكتاب رابع معارض الكتب في المملكة، وآخرها لهذا العام (2023) ضمن مبادرة «معارض الكتاب»، على أن يكون «معرض الشرقية للكتاب» أول معارض الكتاب لعام 2024.

مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي

شهدت مدينة جدة على الساحل الغربي للمملكة بداية ديسمبر إقامة مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، وهو أول مهرجانٍ سينمائي دولي في السعودية، ويُقدِّم بالتوازي مع فعالياته سوقَ البحر الأحمر، وهو منصة مخصصة لاكتشاف إنتاجات ومشاريع السوق العربية والأفريقية، ويمثّل الوجهةَ الأولى للموزعين، ووكلاء البيع، ومُبرمجي المهرجانات والمنتجين لاكتشاف المواهب الواعدة، كما يتضمن المهرجان فعالية أيام المواهب التي تقدم جلسات حوارية تخصصية، وورش عمل مصممة، وتوجيهية لصُنّاع الأفلام الشغوفين بتعلم الصنعة، وتعزيز مهاراتهم، وأدواتهم الفنية فيها.

جانب من «منتدى أفلام السعودية»

وقد شهد هذا المهرجان انطلاق أول جمعيةٍ مهنية متخصصة في قطاع الأفلام، وهي جمعية الأفلام التي تُسهم في تعزيز دور القطاع غير الربحي السينمائي في المملكة، وتستهدف المهتمين، والمتخصصين في صناعة الأفلام للانضمام إلى عضوية جمعيتها العمومية، وتأتي بصفتها أحد مستهدفات استراتيجية وزارة الثقافة للقطاع غير الربحي الثقافي، المتمثّل في تأسيس 16 جمعية مهنية في مختلف القطاعات الثقافية.

وأكد الصندوق الثقافي الراعي الرسمي للدورة الثالثة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي في جدة التزامه بدعم تطوير صناعة الأفلام في المملكة سعياً لجعلها مركزاً رئيسياً لصناعة الأفلام في المنطقة. ومثلّت مشاركة الصندوق المشاركة جزءاً من استراتيجيته لبناء شراكات مع المؤسسات غير الربحية، تعزز التنمية المستدامة لقطاع الأفلام السعودي.

وفي ختام المهرجان، تم تتويج الفائزين بجوائز اليُسر، بحضور صناع السينما في العالم.

واختار المهرجان فيلم السيرة الذاتية «فيراري» للمخرج مايكل مان ليكون فيلم حفل إعلان وتوزيع الجوائز في الدورة الثالثة للمهرجان، وهو أحد المشاريع السينمائية المدعومة من صندوق البحر الأحمر.

ومُنحت جائزة اليُسر الفخرية الذهبية لممثل هوليود الأيقوني الحائز على جائزة الأوسكار نيكولاس كيج، وذلك تقديراً لمواهبه الاستثنائية ومساهمته في صناعة السينما.

وقدمت مسابقة البحر الأحمر 14 جائزة وفقاً لاختيار لجنة التحكيم، التي منحت فيلم «الأستاذ» جائزتين، أولاهما، أحسن ممثل وفاز بها الممثل صالح بكري، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة، وذهبت للمخرجة فرح النابلسي، في حين حصلت الممثلة منى حوا على جائزة أحسن ممثلة عن دورها في فيلم «إن شاء الله ولد».

كما فاز فيلم «بنات ألفة» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية بجائزة الشرق لأفضل فيلم وثائقي، وذهبت جائزة اليُسر الذهبية للفيلم القصير لفيلم «بتتذكري» للمخرجة داليا نمليش، وحصل فيلم «ما فوق الضريح» للكاتبين كريم بن صالح وجمال بلماهي على جائزة أفضل سيناريو، وفازت الممثلة نور الخضراء بجائزة النجم الصاعد مِن شوبارد.

وفي الجوائز المقدمة من فيلم العُلا، حصل فيلم «فاقد الأمل» من كوريا للمخرج كيم تشانغ على جائزة الجمهور، وفاز فيلم «نورة» بجائزة أفضل فيلم سعودي.

وتضمنت قائمة الجوائز أيضاً جائزة اليُسر الذهبي لأفضل فيلم طويل، وفاز بها فيلم «في ألسنة اللهب» من إخراج زارّار كان، وجائزة أفضل إخراج، وفاز بها شوكير خوليكوف، عن فيلم الأحد، كما مُنح فيلم «حقيبة سفر» للمخرجين سمان حسينبيور وأكو زندكاريمي، جائزة «اليُسر» الفضية للفيلم القصير، في حين فاز فيلم «نذير شؤم» على جائزة أفضل مساهمة سينمائية، و«عزيزتي جيسي» للمخرج تارسم سينج داندوار على الجائزة الفضية للفيلم الطويل.

وقالت رئيسة مؤسسة البحر الأحمر السينمائي جمانا الراشد: «احتفلنا معاً بمجتمع السينما العالمي النابض بالحياة، هدفنا من وراء ذلك مد الجسور بين الثقافات وتأسيسنا لعلاقات جديدة، عبر استضافتنا لأكثر من 125 فيلماً من مختلف دول العالم، إلى جانب برامج سوق البحر الأحمر التي ضمت 348 مشروعاً مقدماً، و44 عملاً قيد التنفيذ من أكثر من 26 دولة».

تقرير الحالة الثقافية: «الاستثمار في القطاع الثقافي»

في 24 أكتوبر 2023، أصدرت وزارة الثقافة النسخة الرابعة من تقرير «الحالة الثقافية في المملكة العربية السعودية 2022» تحت عنوان «الاستثمار في القطاع الثقافي»، الذي ترصد من خلاله الحِراك الثقافي السعودي خلال العام المنصرم، مع حصرٍ لأهم وأبرز تطوراته، ومنجزاته، وتحدياته، كما يُلقي الضوء على الحراك الثقافي المحلي ويوثق أبرز توجهاته، ويرصد مؤشراته في قرابة «266» صفحة، عبر 6 فصول، هي: الإدارة والصون، والإبداع والإنتاج الثقافي، والمعارف والمهارات، والمشاركة الثقافية، والاقتصاد الإبداعي، والاستثمار في القطاع الثقافي.

ويكشف التقرير عن إشارات مشجعة لمستويات الإقبال على الخدمات والمنتجات الثقافية التي من الممكن أن تُحوِّل المشاريع الثقافية إلى أعمالٍ مستدامة ذات مردود مالي سريع النمو، حيث يتناول الفصل السادس «الاستثمار في القطاع الثقافي» الذي خُصص لموضوع التقرير، بعض التطورات التنظيمية المهمة للاستثمار في المجال، بدايةً من النمو والدعم في القطاع الثقافي خلال عام 2022، مروراً برصدٍ للاستثمارات القائمة في القطاع الثقافي، كما يُعرّج على النصوص التشريعية والقوانين المتعلقة بالاستثمار في القطاعات الثقافية، سواء من خلال حقوق الملكية الفكرية والاستراتيجيات الوطنية، أو اللوائح والتنظيمات السياحية، وينتهي الفصل إلى الدعم والتمكين في القطاع الثقافي، سواء عبر برامج الدعم التي يقدمها الصندوق الثقافي، أو عبر استعراض الفرص الواعدة استثمارياً في القطاع الثقافي.

ويأتي تقرير الحالة الثقافية بوصفه منتجاً معرفياً تقدمه وزارة الثقافة لجميع المهتمين برصد الحراك الثقافي المحلي داخل وخارج المملكة، ليُقدم لهم قراءةً منهجية لحالة الثقافة، تُبيّن التحديات وتوثّق المنجزات وفق هيكلةٍ موضوعية تعكس أبعاد الواقع الثقافي بقطاعاته المختلفة، وتعالج الثقافة بوصفها بنية واحدة لا تتجزأ، وذلك بهدف خلق نقطة أساس معرفية يجري تحديثها بشكلٍ دوري، وتستند على أبحاث ودراسات معتمدة.

مؤشر الثقافة

في 27 سبتمبر 2023، أطلقت وزارة الثقافة في السعودية، بالتعاون مع منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، مشروع مؤشر الثقافة في العالم الإسلامي، ويُعدُّ أحدَ المشاريع الرائدة التي تعمل الوزارة من خلاله على رصد تحول المشهد الثقافي وتطوره وتوثيق إنجازاته في الدول الإسلامية، وذلك ضمن 4 أبعادٍ ومحاورَ أساسية، تتمثل في: «الثقافة من أجل التنمية الاقتصادية، والثقافة من أجل البيئة والمناخ والقدرة على الصمود، والثقافة من أجل التنمية الاجتماعية، والثقافة من أجل الانفتاح والتنوع».

وسيُسهم المؤشر الثقافي في تحديد معلومات عن تموضع كل دولة وأدائها وإنجازها الثقافي في الوقت الحالي مقارنةً بالسابق، وتُنشَر بياناتها في تقرير دوري كلَّ 3 سنوات بمعدل دورتين (2023 - 2025) عبر صفحة مخصصة للمشروع في المنصة الرقمية الرسمية لمنظمة الإيسيسكو. وستتكفل المملكة العربية السعودية بتمويل الدورة الأولى لهذا المشروع الاستراتيجي، وقد بدأت المملكة في إصدار تقارير الحالة الثقافية كتقريرٍ وطني يصدر عن وزارة الثقافة السعودية بشكل سنوي منذ عام 2019م.

«بوابة الثقافة»

كما أطلقت وزارة الثقافة منصة «بوابة الثقافة» لدعم الثقافة السعودية ونشرها محليّاً ودوليّاً، وتُساعد على سهولة وصول الجمهور المحلي والدولي إلى قاعدة بيانات شاملة للقطاع الثقافي السعودي بأصوله وبُناه التحتية، ومؤسساته، وآثاره ومنجزاته، بحيث تُغطي الأصول الثقافية بمختلف القطاعات الثقافية، وتُشرك المجتمع في رصدها ورفع كل ما يتعلق بها، وتتيح المنصة للمستخدمين استعراض أنواع مختلفة من صور الأصول الثقافية ووصفها وموقعها، واستكشاف المواقع التاريخية والثقافية عبر خريطةٍ تفاعلية، إلى جانب التصفح والبحث في سجلٍ ثقافي يضم جميع المسارح، والمكتبات، والمتاحف، إلى جانب استكشاف مجموعات القطع الأثرية الثقافية، ومجموعات المخطوطات، والفن الصخري، والنقوش وغيرها من الأصول الثقافية التي خُزنت رقميّاً، فضلاً عن إمكانية مشاركة الأفراد أصولهم الثقافية مع المجتمع الثقافي عبر مدونة بوابة الثقافة.

«التوظيف في الثقافة»

من أجل تعزيز الاستدامة المهنية في القطاعات الثقافية، وتحقيق مستهدفات «رؤية السعودية 2030»، التي تتضمن تنمية المساهمة السعودية في الفنون والثقافة، أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي عن زيادة نسبة «دعم التوظيف» من 30 بالمائة إلى 50 بالمائة لـ160 مهنة ثقافية في 286 نشاطاً، ضمن اتفاقية التعاون بين وزارة الثقافة وصندوق تنمية الموارد البشرية «هدف».

وشملت المهن الثقافية المدعومة قائمة واسعة من المهن في قطاعات التراث، واللغة، والكتب والنشر، والمكتبات، وفنون الأزياء، والمسرح والفنون الأدائية، وفنون الطهي، والأفلام، والمتاحف، والفنون البصرية، والمهرجانات والفعاليات الثقافية، وفنون العمارة والتصميم، إضافة إلى مهن في مسارات التطوير التعليمي للقطاع الثقافي وتصميم الوسائط المتعددة. ومن هذه المهن؛ مخرج أفلام، وناقد فني، ومدرب فنون، ومنتج مسرحي، ومخرج مسرحي، ومدير مسرح، وشاعر، ومؤلف، وناقد أدبي، ومحرر أدبي، وناشر أدبي، ومصمم نسيج، ومصمم أزياء، وإخصائي تنقيب آثار، وطاهٍ، وعامل تطريز، ومرشد موضة، وصائغ، وعارض أزياء، وخطاط، وإخصائي آثار، وفني ترميم وثائق ومخطوطات، ومصمم أثاث، ومدير متحف، ومرشد متحف، ومدير معرض فني، ورسام تشكيلي، ومغنٍ، وقائد فرقة موسيقية، ومدرب أداء صوتي، وغيرها من المهن الثقافية الأساسية.

الجوائز الثقافية الوطنية

في 11 سبتمبر 2023، كرّم وزير الثقافة السعودي الفائزين بجوائز مبادرة «الجوائز الثقافية الوطنية» في دورتها الثالثة 2023، حيث نال جائزة «شخصية العام الثقافية» الأديب أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري نظير إسهاماته الأدبية والثقافية الكبيرة التي بذلها على مدى سنواتٍ طويلة في الميدان الثقافي، والتي أصدر خلالها مجموعةً من المؤلفات الأدبية والثقافية الثريّة في مختلف المجالات كاللغة والأدب والفلسفة والفن وعلوم الشريعة والتاريخ.

فيما نال رجل الأعمال عبد الرحمن بن محفوظ جائزة سيدات ورجال الأعمال الداعمين للنشاط الثقافي، ونالت مؤسسة التحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع «ألِف» جائزة التميز الثقافي الدولي. أما جائزة «الثقافة للشباب» فقد فازت بها لبنى الخميس، وعلى مستوى جائزة المؤسسات الثقافية فقد ذهبت الجائزة بمسار القطاع الخاص للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام، وفي مسار القطاع غير الربحي فاز بها مركز عبد الرحمن السديري الثقافي.

وشهد الحفل تكريم الفائزين في بقية مسارات الجوائز الثقافية الوطنية بمختلف القطاعات الثقافية، حيث فاز بجائزة الأدب الشاعر محمد إبراهيم يعقوب، وفي جائزة النشر فازت دارُ «أدب» للنشر والتوزيع، وفي جائزة الترجمة فازت المترجمة مها الفالح، وفي جائزة الأزياء شارملينا للمجوهرات، وفي جائزة التراث الوطني المؤرخ الدكتور عبد الله المصري، وفي جائزة فنون الطهي شركة بتيل المحدودة، وفي جائزة الفنون البصرية الفنانة منال الضويان، فيما نالت فرقة الرياض جائزة المسرح والفنون الأدائية، وفاز بجائزة الموسيقى الفنان عبد الرحمن محمد، وفي جائزة الأفلام الفنان إبراهيم الحساوي، وأخيراً نالت خلود عطار جائزة فنون العمارة والتصميم.


مقالات ذات صلة

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

ثقافة وفنون إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».