شخصيات «أومبا-لومباس» في فيلم «ونكا» تفتح جدلاً قديماً

محاولات لتفادي تهمة العنصرية التي وُصم بها كاتب الرواية روالد دال

هيو غرانت في شخصية «أومبا لومباس» في مشهد من فيلم «ونكا» (أ.ب)
هيو غرانت في شخصية «أومبا لومباس» في مشهد من فيلم «ونكا» (أ.ب)
TT

شخصيات «أومبا-لومباس» في فيلم «ونكا» تفتح جدلاً قديماً

هيو غرانت في شخصية «أومبا لومباس» في مشهد من فيلم «ونكا» (أ.ب)
هيو غرانت في شخصية «أومبا لومباس» في مشهد من فيلم «ونكا» (أ.ب)

نيويورك: روبرت إيتو*

ماذا نفعل مع «أومبا لومباس»؟

هذا هو السؤال الذي تشابك معه صناع الأفلام والكتاب منذ عام 1964 لأول مرة منذ ظهور العمال الصغار الذين لا يحصلون على أجر إلى حد كبير في كتاب أطفال روالد دال المحبوب «تشارلي ومصنع الشوكولاته».

في رواية دال الأصلية، كان «أومبا-لومباس» من الأقزام الأفارقة الذين يتضورون جوعاً، حيث كانوا يعيشون إلى حد كبير على مجموعة من اليرقات الخضراء ولحاء الأشجار حتى «أنقذهم» ويلي ونكا. وقام بتهريب القبيلة بأكملها من أفريقيا في صناديق التعبئة للعيش والعمل، والغناء والرقص، في مصنع الشوكولاته.

قال دال في مقابلة أجريت معه عام 1988: «لم يخطر ببالي أن تصويري لقبيلة (أومبا-لومباس) كان عنصرياً».

في العقود الخمسة التي تلت الظهور الأدبي، خاضت «أومبا-لومباس» سلسلة من التحولات لزعزعة قصتهم من جذورها الاستعمارية. كانت بعض الإصلاحات تجميلية بصورة واضحة (في الطبعات اللاحقة من الكتاب، جعل الرسامون رجال القبائل ببساطة من أصحاب البشرة البيضاء). أما المحاولات الأخرى فلم يمكن عدّها إصلاحات على الإطلاق: ففي فيلم «تشارلي ومصنع الشوكولاته» لعام 2005، قام المخرج تيم بيرتون بتحويل القارات، ونقل قبيلة «أومبا-لومباس» من أفريقيا إلى مكان يشبه أميركا الجنوبية بشكل غامض، كما تصوره مخرج أفلام مغامرات من خمسينات القرن الماضي.

ملصق فيلم «ونكا» الصادر هذا الشهر

وفي فيلم «ونكا» من وارنر برذرز، التي افتتح هذا الشهر، يتناول صناع الفيلم الجوانب الاستعمارية بشكل مباشر.

ومن نواحٍ عديدة، سمحت النسخة التمهيدية - التي تصور نضال ونكا (تيموثي شالاميت) للنهوض بمشروع الشوكولاته وتشغيله - لصانعي الأفلام بتجنب العناصر الأكثر إثارة للاشمئزاز في الكتاب. وبدلاً من الخدم المبتسمين، هناك فرد واحد من «أومبا لومبا»، وهو أشبه بذئب منفرد، وهو عدو أكثر غرابةً ومعلم في نهاية المطاف أكثر من كونه خادماً خاضعاً مطيعاً. ببساطة، إنه هيو غرانت. أما بالنسبة لظروف العمل السطحية لـ«أومبا-لومباس» (هل يدفع لهم فقط بالشوكولاته؟) والأسئلة حول كيف وأين يحصل ونكا على كل حبوب الكاكاو هذه لصنع الشوكولاته اللذيذة، إنه يسرقها عن غير قصد - من «أومبا-لومباس»! - وهو يصنع الحلوى بنفسه (في هذه المرحلة من القصة، لا يزال صانع حلوى بكميات صغيرة).

قال بول كينغ، مخرج الفيلم والكاتب المشارك: «لقد كنت مهتماً حقاً بفكرة حكم (أومبا-لومباس) على (ونكا) لسرقته حبوب الكاكاو الخاصة بهم، وفرض العقوبات عليه».

وأخيراً يقدم الفيلم الجديد جانب «أومبا-لومباس» من هذه القصة التي كانت غير متكافئة. رغم ذلك، كانت هناك شكاوى حول «أومبا-لومباس» حتى قبل افتتاح هذا الفيلم الأخير، مع بعض الممثلين الذين انتقدوا قرار تقديم غرانت في دور يلعبه تقليدياً الممثلون الأقزام.

انتقد الباحثون كتب دال للأطفال على مدى عقود، مشددين على حالات من القوالب النمطية العنصرية والجنسية. هذا العام، أشعلت دار «كتب بوفين» عاصفة نارية عندما أصدرت نسخاً جديدة منقحة من كلاسيكيات دال، بما في ذلك «تشارلي ومصنع الشوكولاته» و«ماتيلدا»، التي أزالت، من بين أمور أخرى، إشارات إلى لون البشرة وحجم الجسم والعبودية. ولأعوام عديدة، ظل كُتاب السيرة الذاتية يهجمون دال ذاته، ويصفونه بمعاداته للسامية وبمعاملته القاسية إلى حد مذهل لزوجته الأولى، الممثلة باتريشيا نيل الحائزة على جائزة «الأوسكار».

أومبا لومباس في نسخة عام 1971 من فيلم «تشارلي ومصنع الشوكولاته» (imdb)

لذا، ليس من المستغرب أنه عندما قام مبدعو فيلم «ويلي ونكا ومصنع الشوكولاته» في عام 1971، من بطولة جين وايلدر، بتكييف قصة دال»لأول مرة، كانوا يبتعدون بأقصى سرعة ممكنة وأبعد ما يستطيعون عن رواية «العبد السعيد» في الكتاب.

بعد أعمال الشغب العرقية في بريطانيا في خمسينات القرن العشرين وحركة الحقوق المدنية الأميركية في ستينات القرن نفسه، قالت كاثرين كيزر، أستاذة اللغة الإنجليزية بجامعة ساوث كارولينا ومؤلفة مقالة «أطفال الحلوى ومصانع الشوكولاته: روالد دال، والعنصرية، والصناعة العالمية»: «ليست هناك طريقة للمبالغة في تقدير أن ذلك لم يكن مؤاتياً لتلك اللحظة».

في نسخة وايلدر، تحولت شخصيات «أومبا-لومباس» من السكان الأصليين الجائعين من «أعمق وأظلم جزء في أفريقيا» إلى رجال برتقاليي الوجوه، ذوي شعر أخضر في أزياء أوروبية غريبة. وقد تغير موطنهم الأفريقي إلى دولة لومبالاند الخيالية؛ وبدلاً من تهريبهم من الأدغال في صناديق، جرى نقلهم كبشر محترمين.

في عام 1971 وظف صانعو الفيلم فنانين يعانون من التقزم ولوّنوهم باللون الأخضر، وهو قرار أزعج دال. قال ماثيو دينيسون، مؤلف كتاب السيرة الذاتية الذي نال استحساناً النقاد بعنوان «روالد دال: راوية اللامتوقع». (قال: كره دال نسخة الفيلم، جزئياً، لأنه لم يستطع تحمل جين وايلدر، لأسباب لا أفهمها).

كما تعرض دال للضغط لإعادة صياغة «أومبا-لومباس» في طبعات لاحقة من كتبه. أعاد رسامون مختلفون تخيل صور الرسام جوزيف شيندلمان للسكان الأصليين السود المبتسمين على أنهم عفاريت ذوو بشرة فاتحة مع شعر أشقر، أو هِيبِيز ملتحون.

بالنسبة لكيزر، فإن محاولات الروائي «نزع الزنجية» (كلمات دال) عن شخصياته الخاصة، تحت الضغط المعروف، جعلتهم، من بعض النواحي، أقل إنسانية.

شخصية أومبا لومباس كما ظهرت في فيلم «تشارلي ومصنع الشوكولاته» من إخراج تيم بيرتون عام 2005 (imdb)

على مر السنين، استمرت «أومبا-لومباس» في التحول. في عام 2005 أعاد تيم بيرتون صنع فيلم «تشارلي ومصنع الشوكولاته»، تم اختيار ممثل واحد، ديب روي، ليلعب كل أفراد «أومبا-لومباس»، حيث استخدمت التقنية الرقمية لخلق نسخ طبق الأصل من العمال الذين يغنون ويرقصون ويسبحون في ملابس زاهية ومتطابقة (استخدمت الروبوتات أيضاً في بعض المشاهد). على خشبة المسرح في عدد لا يحصى من إنتاجات المدارس، كان الأداء من قبل الأطفال يرتدون الشعر المستعار باللون الأخضر، مع أو بدون وجه برتقالي، وفي ويست آند لندن من قبل هجين من نصف إنسان ونصف دمية.

من الواضح أنه كان هناك الكثير من المواد البصرية لدى كينغ ليختار منها. ومع ذلك، فإن شخصيات دال الأصلية، الأقزام الأفارقة، لم تكن أبداً موضع اعتبار.

وقال كينغ: «لقد كان اختياراً جيداً لتغيير ذلك. شعرت بالارتياح الشديد لقرار دال».

هيو غرانت في شخصية «أومبا لومباس» في مشهد من فيلم «ونكا» (وارنر بروذارز)

إنه دور صغير نسبياً لهيو غرانت، ولكنه دور يلعب في رؤية كيزر لقصة من شأنها أن تعوض قبيلة «أومبا-لومباس»، وهو دور يُروى من وجهة نظرهم. وقالت: «أعتقد أن أومبا-لومباس كانت طريقة لجعل العولمة ذات الإطار الاستعماري تبدو مريحة وممتعة وجذابة. ولكن ربما لو كان بوسعك الحصول على (رواية التشكيل) من منظور فرد واحد يدعى أومبا لومبا، مما يمنح أومبا لومبا طابعاً داخلياً ومسمى، مما من شأنه أن يصلح هذه المعضلة».

في النهاية، يقدم غرانت دور أومبا-لومبا تحية إجلال لذكرى الرواية الأصلية التي يعود إلى عام 1971، حتى عندما مُنح نوعاً من السلطة والاستقلال لم يكن بوسع أولئك الخدم الأصليين إلا أن يحلموا به.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

يوميات الشرق وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

قال المخرج السويسري، مارسيل فايس، إن فيلمه الوثائقي «أفتح عقلي» كان محاولة لرصد تجارب العلاج النفسي من الخارج.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المعهد العالي للسينما في مصر (فيسبوك)

أزمة في «أكاديمية الفنون» المصرية فجّرها قسم التصوير بمعهد السينما

أصدرت أكاديمية الفنون المصرية، التابعة لوزارة الثقافة، بياناً حول الأزمة التي أثيرت بخصوص إلحاق طالب بالدراسات العليا في قسم التصوير بمعهد السينما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
سينما «ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)

أفلام ستانلي كوبريك العسكرية تقاوم منطق الحرب

أنجز المخرج الأميركي ستانلي كوبريك (1928 - 1999) 13 فيلماً طويلاً، من بينها 5 أفلام تدور حول حروب مختلفة. بدأ مصوراً صحافياً لمجلة «لايف»، ثم أخرج فيلمين قصيرين

محمد رُضا (لندن)
سينما «الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)

شاشة الناقد- من الانقلاب إلى الطوفان: 3 أفلام بين السياسة والكارثة

ما زالت بعض أهم الأفلام السياسية تأتي من دول أميركا اللاتينية التي عايشت أوضاعاً وتقلبات عنيفة مع انتقال سلطة قائمة إلى أخرى، غالباً بالعنف وحملات الاعتقال.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق شكري سرحان في لقطة من فيلم «اللص والكلاب» (الشركة المُنتجة)

اعتراض من أسرة نجيب محفوظ يُعقّد مشروع عمرو سعد لإعادة «اللص والكلاب»

اعترضت أم كلثوم، ابنة الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ، على إعلان الفنان عمرو سعد عزمه إعادة تقديم رواية «اللص والكلاب» سينمائياً.

داليا ماهر (القاهرة)

«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)
مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)
TT

«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)
مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)

«جدارية غزة» هو اسم العمل الرئيسي الذي يمتدُّ لنحو 30 متراً، للفنان التشكيلي المصري عبد الرازق عكاشة، ضمن معرضه الأحدث «غزة في القلب» الذي افتُتح، الخميس، في مركز الهناجر بدار الأوبرا المصرية، بحضور عدد كبير من الكُتَّاب والفنانين المصريِّين والعرب، خصوصاً من فلسطين.

الجدارية الأولى، وهي عبارة عن 30 متراً متصلة، تشغل مساحة حائطين بمركز الهناجر، أما الجدارية الثانية فتصل مساحتها إلى 16 متراً وتضم 8 قطع، طول كل قطعة متران، وفق الفنان عبد الرازق عكاشة، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: «الجدارية الصغيرة تعبِّر عن يوميات منفصلة، كل لوحة تحكي عن حدث أو حالة معينة. هناك مشهد لشاب وشابة يتزوجان، وفي النشرة التالية وجدتهما قد استُشهدا، وهي لوحة مؤثرة جداً؛ لذلك اخترتها لغلاف كتاب المعرض».

«جدارية غزة» تضمنت مشاهد إنسانية (الشرق الأوسط)

ويضيف: «اللوحة الثانية مشهد لجنازة الشهيد التي تتكرَّر كل يوم، وفي هذه الجنازة هناك نور يخرج من داخل اللوحة، وهناك كثير من المشاهد التي تؤكد أنَّ غزة قضية إنسانية مهمة جداً في ضمير العالم اليوم».

أمام لوحة «على باب مستشفى المعمدان» وقف الروائي المصري الكبير إبراهيم عبد المجيد يتأمل العمل، وكتب معلقاً عليه: «هل تتذكر ما يوحي به اسم المعمدان، هو الملاك المُرسَل قبل المسيح ليمهِّد له الأرض، هو رمز الطهارة والنقاء، مهما نزل به من كوارث»، مضيفاً على صفحته بـ«فيسبوك»: «لوحة تجسِّد جلوس الحزانى، بألوان بين الأسود والأزرق والأحمر، والمزج بين الأزرق والأحمر في لون البنفسج، ونظرات الأعين الصغيرة البارزة وسط الظلام، مؤكدة الأمل».

الروائي إبراهيم عبد المجيد أمام لوحة «مستشفى المعمدان» (صفحته على «فيسبوك»)

وحول الدفقة الشعورية في الأعمال التي اتسمت بالتلقائية الشديدة والحرية والانطلاقة، يؤكد الفنان أنَّ هذه الأعمال جاءت متأثرة بشكل مباشر بالأحداث التي وقعت في غزة وتابعها بحزن شديد، موضحاً: «كنت أشاهد الأخبار المحزنة والمأساوية في غزة وأنا أرسم، ولا أستطيع منع دموعي من النزول على علب الألوان التي أعمل بها».

حالة من المشاعر المتدفقة التي ترصد مأساة غزة، وآثار الحرب، وقصص الناجين من هذه الحرب بطريقة فنية مفعمة بالشجن تُجسِّدها لوحات المعرض، التي تنتقل بين التفاصيل المختلفة للبيوت والوجوه، وحتى الصور الشخصية الخاصة بحياة البسطاء في غزة.

جانب من افتتاح المعرض (صفحة الفنان على «فيسبوك»)

ويلفت الفنان إلى أنَّ غزة بالنسبة له حالة إنسانية، مطالباً بتصحيح المفاهيم والخطاب الذي يُروِّجه البعض عن غزة بوصفها قضيةً لها علاقة بالدين، قائلاً: «أتعامل مع قضية غزة بوصفها قضيةً إنسانيةً، خصوصاً وأنا أوجِّه خطابي للغرب، فمنذ 1993 وأنا أعيش في فرنسا، وأكرس جزءاً كبيراً من أعمالي للتعبير عن القضية الفلسطينية».

جنازة الشهيد مشهد متكرِّر في غزة رصده الفنان (الشرق الأوسط)

ويتابع: «غزة قطعة صغيرة من فلسطين العظيمة بما تمثله من عمق حضاري آشوري وكنعاني تشبه الحضارة المصرية العريقة بالضبط، ففلسطين أرض الحضارة ومهد للديانات، ولكنها أيضاً وطن للإنسانية. الحضور الإنساني في فلسطين هو الجانب الأهم الذي أحب التركيز عليه دوماً».

اللوحات حملت كثيراً من المعاني المُعبِّرة عن مأساة غزة (فيسبوك)

وأشار الفنان إلى ردود فعل كثيرة لمسها من زائرين أجانب من أميركا وفرنسا، وأفراد من البعثة الدبلوماسية اليابانية بمصر، عبَّروا له عن شعورهم بمعنى اللوحات، وما تمثله من تعبير عن مأساة مفجعة للإنسانية، مؤكداً أنَّ الفنَّ قادرٌ على توصيل المعنى والشعور الحقيقي لما حدث ويحدث في غزة، وما يعانيه أهلها من آلام وأوجاع، في مقابل ما تقدمه وسائل الإعلام بشكل غير حقيقي أحياناً.

وهنا يشير الفنان إلى إشكالية مهمة مفادها بأن «الفن ليس قوى ناعمة كما يقولون عنه، ولكنه قوى موازية قادرة على التعبير عن الواقع ورصده، مُحمَّلاً بالمشاعر والأحاسيس الصادقة».


مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)
وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)
TT

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)
وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)

أكّد المخرج السويسري مارسيل فايس أنّ فيلمه الوثائقي «أفتح عقلي» كان محاولة لرصد تجارب العلاج النفسي من الخارج، عبر متابعة المعالجين والمرضى من مسافة آمنة، لكن صعوبة العثور على أشخاص مستعدّين للظهور في لحظات ضعف شديدة دفعته إلى إعادة صياغة الفكرة بالكامل.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنّ التحوّل الحقيقي جاء بالتوازي مع أزمة شخصية عميقة عاشها بعد وفاة شقيقه، حيث سيطر عليه خوف شديد من الموت وشعور مستمرّ بعدم الاستقرار النفسي، مؤكداً أنه بعد أكثر من 20 عاماً من العمل في الأفلام الوثائقية المليئة بمشاعر البوح، شعر أنّ الوقت حان ليضع نفسه في قلب التجربة.

يرصد فيلم «أفتح عقلي» رحلة شخصية عميقة يخوضها فايس بعد وفاة شقيقه، إذ يجد نفسه غارقاً في دائرة من الخوف والقلق، لا سيما الخوف من الموت، إلى جانب ضغوط متزايدة في حياته العائلية.

وتدفعه هذه الأزمة إلى البحث عن طرق غير تقليدية للعلاج، فيقرّر خوض تجربة العلاج باستخدام مواد مؤثّرة على الوعي في إطار علمي وروحي، ويوجّه الكاميرا نحو نفسه لتوثيق هذه الرحلة بكلّ ما تحمله من هشاشة وصدق.

مخرج الفيلم وبطله (الشركة المنتجة)

ويؤكد المخرج أنّ علاقته بفكرة الموت كانت في البداية قائمة على تصور قاسٍ ومجرَّد، وهو ما خلق لديه حالة من الهلع تكاد تشبه الاختناق، مشيراً إلى أنه أدرك لاحقاً أنّ هذا الخوف لم يكن نابعاً فقط من الفقد، بل من الصمت الذي أحاط بموضوع الموت داخل عائلته، حيث لم يكن يُناقش أو يُواجه بشكل مباشر.

وأوضح: «إحدى التجارب التي خضتها في مدينة بازل شكّلت لحظة مفصلية، إذ شعرت خلالها أنّ كلّ الحواس تتجمَّع في نقطة واحدة، في إحساس يُشبه ضوءاً أبيض كثيفاً. ورغم صعوبة وصفه بالكلمات، فإنه منحني شعوراً بالاكتمال والهدوء، وجعلني أنظر إلى الموت بصورة مختلفة».

وقال مارسيل فايس إن «العلاج باستخدام هذه المواد ليس تجربة سهلة أو خالية من المخاطر، إذ يتطلَّب تقييماً دقيقاً قبل الدخول فيه، خصوصاً فيما يتعلّق بالتاريخ النفسي للفرد، مثل وجود حالات ذهان أو فصام، سواء لدى الشخص نفسه أو في العائلة».

ولفت إلى أنّ «الخطّ الفاصل بين الشفاء والخطر يظلُّ هشاً للغاية، وهذه المواد لا تُقدّم حلولاً مباشرة، بل تفتح أبواباً، وما يُفتَح ليس دائماً مريحاً، فقد يكون مخيفاً ومربكاً»، مؤكداً أنّ العامل الحاسم يكمن في السياق، لجهة الإعداد المسبق، وطبيعة البيئة، والدعم المقدَّم، وما يحدث بعد التجربة من عملية استيعاب ودمج.

وأشار إلى أنّ شقيقه الراحل كان حاضراً في كلّ تفاصيل الفيلم، ليس فقط على شكل ذكرى، بل جزء من رؤيته للعالم، وفي مخاوفه وتساؤلاته، موضحاً أنّ هذه المواد كانت بالنسبة إليه مرتبطة بالفقد والدمار، خصوصاً بعد تجربته السابقة في تصوير فيلم عن إدمان شقيقه خلال دراستهما، وهو ما ترك أثراً عميقاً داخله.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأوضح المخرج السويسري أنه واجه خلال رحلته لحظات شعر فيها بأنه قد يفقد السيطرة تماماً، خصوصاً خلال تجربة العلاج في الأمازون، إذ عَلِقَ في دائرة من الأفكار المتكرّرة التي لم يستطع الخروج منها، وهو ما بدأ بشكل عابر ثم تحوَّل إلى شعور بالتهديد والذعر، حتى راوده خوف حقيقي من ألا يعود كما كان، أو أن يفقد قدرته على رعاية أطفاله، لافتاً إلى أنّ التجربة الداخلية كانت شديدة القسوة.

وأكد أن استخدام الرسوم المتحرّكة في الفيلم جاء من الحاجة إلى التعبير عن حالات داخلية لا يمكن تصويرها بالكاميرا التقليدية، موضحاً أنه لم يكن يرغب في تصوير التجربة بشكل مباشر، بل في نقل الإحساس بها، ولذلك عمل مع فريق الرسوم على تحويل مشاعر مثل الخوف والقلق والتوتّر إلى أشكال بصرية محسوسة، بحيث يصبح ما هو غير مرئي قابلاً للإدراك.

وأشار إلى أن «الكاميرا كانت في بعض الأحيان عنصراً مزعجاً، خصوصاً في التجارب الأولى، حيث كنت أشعر بأنها تعوق اندماجي الكامل في التجربة، لكنها في مراحل لاحقة أصبحت أقل حضوراً، بل وأحياناً مصدراً للإحساس بالثبات».

وختم المخرج السويسري بالتأكيد أنه واجه تساؤلات أخلاقية عميقة خلال صناعة الفيلم، لا سيما بما يتعلق بحدود الكشف عن الحياة الشخصية، موضحاً أنه صوَّر كثيراً من المواد التي لم تُستخدم لاحقاً، مثل تلك المتعلّقة بأطفاله، في محاولة لإيجاد توازن بين الصدق والحماية.


دواء جديد يتفوق على العلاج الكيميائي في سرطان الثدي

سرطان الثدي من السرطانات الأكثر شيوعاً عند النساء (جامعة سنترال فلوريدا)
سرطان الثدي من السرطانات الأكثر شيوعاً عند النساء (جامعة سنترال فلوريدا)
TT

دواء جديد يتفوق على العلاج الكيميائي في سرطان الثدي

سرطان الثدي من السرطانات الأكثر شيوعاً عند النساء (جامعة سنترال فلوريدا)
سرطان الثدي من السرطانات الأكثر شيوعاً عند النساء (جامعة سنترال فلوريدا)

أظهرت تجربة سريرية عالمية نتائج واعدة لدواء جديد مبتكر لعلاج سرطان الثدي ثلاثي السلبية، أحد أكثر أنواع سرطان الثدي عدوانية وصعوبة في العلاج.

وأوضح الباحثون، بقيادة «المركز الوطني للسرطان» في سنغافورة، أن الدواء الجديد تفوَّق بشكل ملحوظ على العلاج الكيميائي التقليدي في تحسين معدلات البقاء على قيد الحياة وإبطاء تقدُّم المرض، ونُشرت النتائج، الخميس بدورية «Annals of Oncology».

ويُطلق على سرطان الثدي ثلاثي السلبية هذا الاسم؛ لأنَّه يفتقر إلى 3 مستقبلات رئيسية توجد عادة في أنواع أخرى من سرطان الثدي، وهي مستقبلات هرمون الإستروجين، ومستقبلات هرمون البروجستيرون، وبروتين «HER2». ويجعل هذا الغياب المرض غير مستجيب للعلاجات الهرمونية أو العلاجات الموجهة، ما يحدُّ من خيارات العلاج المتاحة ويجعل العلاج الكيميائي الخيار التقليدي الأساسي. ويتميَّز هذا النوع بسرعة النمو والانتشار، وبارتفاع احتمالية عودته بعد العلاج.

وأُجريت الدراسة ضمن تجربة سريرية دولية متعددة المراكز شملت 644 مريضاً من دول عدة حول العالم، من بينها الولايات المتحدة وكندا وأوروبا وآسيا؛ بهدف تقييم فاعلية الدواء الجديد الذي يحمل اسم «داتوبوتاماب ديروكستيكان» (Dato-DXd).

ويعمل الدواء عبر استهداف بروتين يُعرف باسم «TROP2»، وهو موجود بكثرة على سطح كثير من الخلايا السرطانية. ويرتبط الدواء بهذا البروتين ثم يدخل إلى الخلية السرطانية، حاملاً مادة كيميائية قوية تقتلها من الداخل، مما يتيح توجيه العلاج مباشرة إلى الورم وتقليل الضرر على الخلايا السليمة في الجسم، وبالتالي تحسين الفاعلية، والحد من بعض الآثار الجانبية مقارنة بالعلاج الكيميائي التقليدي.

وأظهرت النتائج أنَّ الدواء الجديد حقَّق تفوقاً واضحاً على العلاج الكيميائي، حيث بلغ متوسط البقاء دون تطوُّر المرض 10.8 شهر مقارنة بـ5.6 شهر مع العلاج الكيميائي. وارتفع متوسط البقاء الكلي إلى 23.7 شهر مقابل 18.7 شهر في مجموعة العلاج التقليدي.

كما سجَّل الدواء معدل استجابة للعلاج بلغ 63 في المائة مقارنة بـ29 في المائة فقط مع العلاج الكيميائي، بينما استمرَّت الاستجابة لمدة أطول بلغت 12.3 شهر مقابل 7.1 شهر.

ومن حيث الأمان، كانت الآثار الجانبية الأكثر شيوعاً مع الدواء الجديد تشمل التهاب الفم، والغثيان، وتساقط الشعر، وانخفاض خلايا الدم البيضاء، إلا أنَّ نسبة المرضى الذين اضطروا إلى إيقاف العلاج كانت أقل بنسبة 4 في المائة مقارنة بالعلاج الكيميائي 7 في المائة.

ويشير الباحثون إلى أنَّ هذه النتائج تُمثِّل تقدماً مهماً في علاج سرطان الثدي ثلاثي السلبية، وهو نوع يرتبط بمعدلات انتكاس مرتفعة واستجابة محدودة للعلاجات التقليدية، خصوصاً لدى المرضى غير المؤهلين للعلاج المناعي أو العلاجات الموجهة.