دعا إلى تخلي الناس عن أفكارهم والبدء في التعارف مع الأشياء وجهًا لوجه

فرنسيس بيكون ومحاكمة العقل وتطهيره من أوهامه

فرنسيس بيكون و غلاف «الأورجانون الجديد»
فرنسيس بيكون و غلاف «الأورجانون الجديد»
TT

دعا إلى تخلي الناس عن أفكارهم والبدء في التعارف مع الأشياء وجهًا لوجه

فرنسيس بيكون و غلاف «الأورجانون الجديد»
فرنسيس بيكون و غلاف «الأورجانون الجديد»

يعد فرنسيس بيكون (1561-1626)، أحد الكبار الذين برزوا خلال القرن السابع عشر، حيث عمل على مهاجمة سلطة القدماء، حين اعتبر معظم الأفكار التي كانت سائدة آنذاك، قيدا يمنع الانطلاق نحو المستقبل، فهي لا تسمح بالسيطرة على الطبيعة وجعلنا أسيادا عليها. ولأجل ذلك، ألف كتابا اسمه: «الأورجانون الجديد، إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة»، وترجمه إلى العربية، الدكتور عادل مصطفى، وهو من إصدار دار رؤية للنشر والتوزيع عام 2013، وتعني كلمة الأرغانون حرفيا، الأداة الجديدة، عوضا عن الأداة الأرسطية القديمة. فبيكون يعبر عن الروح الجديدة التي بدأت تدب في أوروبا، ويمكن القول عن كتابه إنه بمجمله، حديث عن العوائق المكبلة للفهم البشري السليم، وضرورة أن نبدأ العمل العقلي كله من جديد، ولا نترك العقل لحاله وطبيعته، بل نرشده في كل خطوة، إذا ما كنا نريد اختراق الطبيعة وقهرها. إن الكتاب مكتوب على شكل شذرات، وبحماسة كبيرة، وبطريقة بيداغوجية يغلب عليها المثال والحجة البلاغية، وربما هذا ما جعله ذائع الصيت ويكتب بحروف بارزة في التاريخ، فلنلق نظرة على بعض مضامينه.
انتقد بيكون، مثله مثل مجايليه، أرسطو، وبالضبط في جانبه المنطقي. فقد أكد على أن المنطق يسهم في تثبيت الأخطاء لا في كشف الحقيقة، فهو مجرد تحصيل حاصل. فقد نبرهن على صدق نتيجة معينة ببراعة منطقية، لكن عندما نعود للمقدمات المنطلق منها، نجدها فاسدة وكاذبة. فما يبنى على الباطل فهو باطل. فكون الاستدلال المنطقي سليما، لا يعني البتة أننا أمام الحقيقة، فمنطق بلوغ الحقيقة مختلف تماما. يقول بيكون إن الناس تستدرج بسهولة إلى الخلط بين الاستدلال الصحيح وبين الصدق أو الحقيقة، ومن ثم تتدعم أخطاؤهم بفعل ذكائهم نفسه، وتترسخ أوهامهم بقدر مهارتهم المنطقية ذاتها. فلا جدوى من المنطق القياسي الذي بحوزتنا في اكتشاف العلوم، لأنه تحصيل حاصل، ودوران في الذهن لا يكشف جديدا في العلوم. فهو مفيد في الاستدلال نعم، ولكن غير مفيد في اختراق الطبيعة وهتك أسرارها. فلا أمل للإنسان سوى الاستقراء الصحيح الذي هو إنصات للطبيعة في أجزائها. أما نسق المنطق، فهو لا يفعل غير ترسيخ الأخطاء المبنية على مقدمات سائدة ومتوارثة، أكثر ما يفيد في البحث عن الحقيقة، ومن تم فإن ضرره أكبر من نفعه.
يؤكد بيكون أن الحقائق المستخلصة بالجدل، هيهات أن تعين على كشف نتائج جديدة. فالطبيعة أدق وأحذق من الجدل أضعافا مضاعفة. ومنطق اختراقها ليس هو منطق الجدل أبدا. فالجدل لا يغني ولا يسمن من جوع، إنه مجرد تثبيت للأوهام. فعوضا عن أن ينتج ثمارا من العنب والزيتون، فهو ينتج قتادا وأشواكا من الفذلكة والمماحكة.
إضافة إلى ذلك، يرفض بيكون بحدة، الفيزياء القديمة لأنها تقوم على الكيفيات. فعندما نقول: الجوهر، والكيف، والفعل، والقوة، والعاطفة، والوجود، أو نقول ثقيلا، خفيفا، رقيقا، رطبا، يابسا، كونا، فسادا، جذبا، طردا، عنصرا، مادة، صورة... فهي كلها أفكار وهمية غير محددة وتنقصها الدقة، وهي كما نرى، ألفاظ تنتمي للمعجم الأرسطي الذي هاجمه الكل في القرن السابع عشر.
إن ما اكتشف حسب بيكون من علوم، هي، في حقيقتها، مجرد نقل لسطح الطبيعة وليس اختراقا لأعماقها الباطنية والقصية، التي تحتاج، كما قلنا، إلى نهج استقرائي أكثر وثوقا وحذرا. هذه الطريقة، كما يراها بيكون، تستمد منطلقها من الطبيعة مباشرة، أي من الحواس والجزئيات، ثم الارتقاء بها في صعود تدريجي غير منقطع، حتى تصل، في النهاية، إلى أكثر المبادئ عمومية، وهذه هي الطريقة المثلى عنده.
محاكمة العقل وتطهيره من أوهامه
يقر بيكون، أن العقل البشري مغرم بالقفز إلى العموميات لكي يتجنب العناء، لذا سرعان ما يضيق ذرعا بالتجربة. فاختراق الطبيعة وفض ألغازها، لا يمكن أن يكون مجرد فذلكة لغوية منطقية، بل هو جهد جهيد. إنه يتطلب اليقظة والحصافة، والتحرك من دون عوائق المذاهب السائدة. حقا، إن الإنسان البسيط يبدأ، هو أيضا، بالملاحظة، لكن ملاحظته تكون غفلا وساذجة تمر مرور الكرام على الجزئيات. أما الملاحظة التي ينشدها بيكون، فهي الملاحظة التي فيها التمحيص والتدقيق كي يكون التعميم أكثر صدقا، فليس كل ملاحظة هي ملاحظة علمية.
وفي لمسة ابستمولوجية رائعة، يقول الرجل، إنه، في الغالب، عندما يجد المرء مثالا مضادا يكذب مبدأه، فإنه يسارع إلى إنقاذه والإبقاء عليه بكل التخريجات الممكنة، في حين أن الأصوب، هو تقويم المبدأ نفسه. فأسوأ شيء في التفكير هو الاستهانة والاستخفاف بالمكذبات المحرجة لمبادئ التفكير، فيبدو أن الذهن البشري، وبحكم تكوينه، يجد صعوبة في التقاط الإشارات السالبة أكثر مما يجده في التقاط الإشارات الموجبة. وهذا ما يوضحه في الشذرة 46. بمثال النذور الشهير. يقول بيكون: «كان جوابا وجيها ذلك الذي بدر من رجل أطلعوه على صورة معلقة بالمعبد لأناس دفعوا نذورهم، ومن ثم نجوا من حطام سفينة، عساه أن يعترف بقدرة الآلهة، فما كان جوابه إلا أن قال: (حسنا، ولكن أين صور أولئك الذين غرقوا بعد دفع النذور؟!). وهكذا سبيل الخرافة، سواء في التنجيم أو في تفسير الأحلام أو الفأل أو ما شابه، حيث تجد الناس، وقد استهوتهم هذه الضلالات، يلتفتون إلى الأحداث التي تتفق معها، أما الأحداث التي لا تتفق، رغم أنها الأكثر والأغلب، فيغفلونها ويغضون عنها الطرف. على أن الأذى يتسلل بطريقة أشد خفاء ودقة إلى داخل الفلسفة والعلوم». إن بيكون يشيد بالشواهد السلبية من أجل سلامة الذهن وحمايته من الزلل والأحكام الطائشة، لكنه يذكرنا في كل مرة، أن التقاط الشواهد السلبية عمل قاس ويحتاج إلى صبر وتضحية بالإيجاب. فأن أقول لك مثلا: إن رؤية بومة تحدث بالسوء، فلا يمكن أبدا جعلها قاعدة معممة، لأنه، باختصار، كم من مرة نشاهد البومة ولا يحدث السوء. فالتكذيب يجب أن يجعلنا نغادر قناعاتنا بهدوء.
يبشر بيكون بمنهج جديد يقوم على محاسبة العقل، إذ لو اجتمعت كل عقول العصور وتآزرت جهودها جميعا، فلن تحقق تقدما كبيرا في العلم من دون منهج يزيح أغلاط العقل المتجذرة في جبلته. فالعقل مطالب بالبدء من جديد، وترك كل الأوهام العالقة به عبر التاريخ، وإلا فسيظل يدور في حلقة مفرغة. لهذا فمشروع بيكون، شبيه بمشروع الفيلسوف ديكارت، الداعي إلى ضرورة الخروج من سلطة القدماء وما كرسوه من دروب أصبحت غير مجدية، وذلك لن يتم إلا بمسح الطاولة وبداية العمل بحثا عن الحقيقة من جديد، بحيث يجب ألا يترك العقل لحاله وطبيعته، بل وجب إرشاده في كل خطوة. وبكلمة واحدة، يحتاج العقل إلى قيود وضوابط يتحرك من خلالها، وألا يترك هائما.
لقد أعلن بيكون في تحفته «الأرغانون الجديد» وكاستباق للمستقبل، أنه علينا البدء في تشكيل فريق من الباحثين لا يركنون إلى المعرفة الجاهزة كما تم بلوغها من عند القدماء، بل يأملون في مزيد من اختراق الطبيعة، لا ليقهروا خصما في جدال، بل ليقهروا الطبيعة في عمل. إذن فدعوة بيكون تتضح باعتبارها وجوب التسلح بالمنهج الملائم لاختراق الطبيعة. فالذي يتخذ الطريق الخطأ يزداد ضلالا وبعدا عن المقصد كلما كان أمهر وأسرع. لهذا، وجب قبل كل انطلاق، بداية تصحيح العقل من عاداته الفاسدة ومن أوهامه المتجذرة، وذلك كله بتؤدة ومهل كبيرين. فكل ما يطلبه بيكون، هو أن يتخلى الناس برهة عن أفكارهم والبدء في التعارف مع الأشياء وجها لوجه، وذلك باستبعاد الأوهام المستحوذة على عقولهم. وهذه الأوهام مشهورة عند الدارسين، لكن لا بأس من ذكرها، وكان بيكون بدأ الحديث عنها بدءا من الشذرة 38، وحصرها في أربعة، هي:
- أوهام القبيلة، أو أوهام الجنس: خاصة بالطبيعة الإنسانية (خداع الحواس مثلا).
- أوهام الكهف: وهي مرتبطة بكل ذات، من حيث طبيعته، وتربيته، وصلاته الخاصة، وقراءاته.
- أوهام السوق: وهي خاصة باللغة، باعتبارها عائقا يشوش على العقل.
- أوهام المسرح: خاصة بتقليد أنساق التفكير والمذاهب، فهي بمثابة مسرحيات تخلق عوالم زائفة ووهمية وتوجه التفكير وتعطل إمكاناته.
ولقد أدرك بيكون جيدا، أن الإنسان بحاجة إلى جهد شاق حتى يستطيع قراءة العالم على ما هو عليه، وليس كما يريد. وذلك لن يتم إلا بتنقية العقل وتطهيره من أغلاطه. فعلى الذهن أن يقبل على دراسة العلوم وهو أشبه بالطفل الصغير المبرأ من الأفكار المسبقة وتعاليم التراث الفاسدة. إذ ليس كل ما هو قادم من الماضي صالحا، فالزمن عند بيكون، يشبهه بالنهر الذي يجلب لنا ما هو خفيف منتفخ ويغرق ما هو ثقيل صلب.



روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».


رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»