معهد الدراسات الاستراتيجية: استهداف موسكو المعارضة المعتدلة «أسوأ سيناريو في سوريا»

إميل حكيم أكد لـ («الشرق الأوسط») أن الأسد خلق الظروف المواتية لصعود «داعش» وغيرها من المنظمات الإرهابية

في الاطار إميل حكيم خبير معهد  الدراسات الاستراتيجية
في الاطار إميل حكيم خبير معهد الدراسات الاستراتيجية
TT

معهد الدراسات الاستراتيجية: استهداف موسكو المعارضة المعتدلة «أسوأ سيناريو في سوريا»

في الاطار إميل حكيم خبير معهد  الدراسات الاستراتيجية
في الاطار إميل حكيم خبير معهد الدراسات الاستراتيجية

تحولت روسيا فجأة من دولة كانت تدعي تبنيها للحل السياسي للأزمة السورية، وترحب باستضافة اللقاءات بين المعارضة السورية والنظام إلى طرف متحيز للنظام في الحرب، وفجأة أيضًا شطبت روسيا المعارضة السورية والجيش السوري الحر من الوجود، وصار الصراع المسلح الدائر في سوريا بالنسبة إليها صراعا بين النظام السوري والإرهاب، وصارت تقصف قصفا مدمرا بسلاح طيرانها الشعب السوري برمته بذريعة محاربة «داعش». ولقد صار لـ«داعش» مدلول عندها أوسع من المدلول المتداول لدى الدول الغربية، حيث صار كل من يحمل السلاح ضد النظام السوري داعشيا. «الشرق الأوسط» أجرت حوارا مع د. إميل حكيم، أبرز خبراء معهد الدراسات الاستراتيجية بلندن، الذي انفرد بأكثر من مقال عن «داعش» والوضع الاستراتيجي على الأرض في سوريا في التقرير السنوي الذي نشرته «الشرق الأوسط» منذ أسابيع قليلة. يقول حكيم: «استثمرت إيران كثيرا في بقاء نظام الرئيس الأسد، لكن هذا لا يعني أن إيران تقاتل في دمشق. وفي الواقع، تفضل إيران تطوير وتعزيز الحلفاء والوكلاء المحليين بدلا من التدخل المباشر المكلف. وقد أرسلت طهران مستشارين وأفرادا بدرجة عالية من التخصص لمساعدة قوات الأسد في التأقلم مع الحرب الدائرة».
وجاء الحوار على النحو التالي:
* ما التكوين الفعلي لتنظيم داعش من حيث الخلفية القومية والعرقية؟
- «داعش» عبارة عن مجموعة متنوعة للغاية، لديه عناصر عراقية وسورية قوية، بجانب 30 ألف مقاتل أجنبي (بينهم عرب وآسيويون وقوقاز وغربيون). ويعد هذا التنوع مصدر قوة وضعف في نفس الوقت. ويمتلك «داعش» استراتيجية اتصالات مجزأة للتجنيد والتعبئة: يخبر الجماهير المتنوعة بأشياء مختلفة.
* تفيد تقارير عدة بوجود علاقات وثيقة بين «داعش» وحكومة الرئيس الأسد تعود إلى عام 2012، فما تقييمك لذلك؟
- لا توجد أية علاقات وثيقة بين نظام الرئيس السوري بشار الأسد وتنظيم داعش. ولم ينشئ الأسد تنظيم داعش، لكنه خلق الظروف المواتية لصعود التطرف ممثلا في «داعش» وغيرها من المنظمات الإرهابية في الداخل السوري،، من خلال إطلاق المتشددين، كذلك أساليب القمع الوحشي الذي اتخذته السلطات السورية بحق الانتفاضة، فقد ارتأى الأسد أن نمو التنظيمات المتطرفة يؤكد صحة روايته، ويعقد الأمور أمام المعارضين، ويضع عراقيل أمام الغرب. ومن الممكن أن تكون المخابرات السورية تسللت عبر «داعش».
ويتشارك «داعش» والأسد هدف تقويض المعارضة المعتدلة، وهذا يفسر التفاهم غير المعلن الذي حكم علاقاتهما لبضع سنوات، ويمنع قتال بعضهما لبعض بشكل مباشر. وقد تفكك هذا التفاهم الآن.
* ما الذي نعرفه عن الهياكل الإدارية والمالية والسياسية لـ«داعش»؟
- «داعش» هو تنظيم لا مركزي إلى حد كبير. وفي حين أن الشورى تجمع كبار قادته، إلا أن الأمراء الإقليميين مخولون بالحكم والتقدم على النحو الذي يرونه مناسبا.
* ما مدى صحة تقارير الانشقاقات في صفوف «داعش» بين «المواطنين» من أصل سوري وعراقي و«المهاجرين» من أراض أخرى؟
- تواردت التقارير حول وجود توتر بين صفوف «داعش». وباعتباره تنظيما متنوعا، هناك بالفعل فجوات ثقافية وتطلعات متفاوتة. ويمتلك المقاتلون العراقيون والسوريون دوافع مختلفة عن المقاتلين الغربيين، الذين لديهم رغبة قصوى في الحكم الإسلامي. وغالبا ما يشتكي أعضاء «داعش» العرب من معاملة المقاتلين الغربيين بشكل أفضل، بينما يشعر الجهاديون الغربيون في كثير من الأحيان بالتلاعب بهم من قبل المقاتلين العرب.
* ما حجم الوجود العسكري الإيراني في سوريا؟
- استثمرت إيران كثيرا في بقاء نظام الرئيس الأسد، لكن هذا لا يعني أن إيران تقاتل في دمشق. وفي الواقع، تفضل إيران تطوير وتعزيز الحلفاء والوكلاء المحليين بدلا من التدخل المباشر المكلف. وقد أرسلت طهران مستشارين وأفرادا بدرجة عالية من التخصص لمساعدة قوات الأسد في التأقلم مع التمرد. وتقول بعض المصادر إن ما يصل إلى 7000 عنصر إيراني في سوريا. وما لا يمكن إنكاره أن إيران فقدت عددا من كبار الضباط في سوريا.
* هل هناك آلية للتنسيق بين روسيا وإيران والنظام السوري؟
- مما لا شك فيه أن هناك تنسيقا على مستوى عالٍ بين الأطراف الثلاثة، لكننا لا نعرف حتى الآن الآليات بالتحديد.
* يكتنف الغموض العلاقات بين «داعش» وتركيا، هل يمكن أن تلقي بعض الضوء على ذلك؟
- بعد إدراك حدود قوتها الخاصة في 2011 – 2012، قدمت تركيا عملية حسابية محفوفة بالمخاطر بأن الحركات الإسلامية المتشددة التي تنمو في سوريا قد تضعف الأسد، ويمكن إدارتها والسيطرة عليها لاحقا. وأصبحت تركيا متراخية إزاء صعود الجهادية، التي ساهمت في الوضع الحالي.
* تزعم التقارير الاستخباراتية الغربية أن نظام الأسد ليس متحدا في مسألة قبول الرعاية الروسية والإيرانية. كيف تقيم التقارير عن وجود فصيل موال للغرب داخل النظام؟
- هناك بالتأكيد جدل داخل النظام حول الاستراتيجية المقبلة، لكن لا توجد أية دلائل على خلافات كبيرة بشأن التحالف مع إيران وروسيا، الذي يعد ضروريا لبقاء نظام الأسد. ولا أرى فصيلا مواليا للغرب هناك الآن، لكن أعضاء النظام الذين يرغبون في الحصول على الإذعان الغربي للنظام ما زالوا في السلطة.
* من وجهة نظرك ما أسوأ سيناريو لسوريا؟
- يستمر الوضع في التفاقم، لذلك من الصعب تحديد سيناريو واحد. لكن أحد هذه السيناريوهات سيكون: مواصلة روسيا ونظام الأسد في التركيز على مهاجمة المعارضة المعتدلة، بينما يغتنم «داعش» هذه الفرصة لمهاجمة نفس المعارضة، وانسحاب الغرب بقيادة الولايات المتحدة من الصراع.
* ماذا كانت أبرز النيات الروسية وراء لجوء موسكو إلى التدخل المباشر في سوريا؟ متى يمكن أن نتوقع بدءها في الهجوم البري؟
- تسعى روسيا أولاً وأخيرًا إلى تأمين بقاء الأسد. وقد خلصت من التقييمات التي أجرتها على مدار الربيع والصيف إلى أن الأسد يتهاوى بسرعة، لذا رغبت في وقف هذا التداعي وتعزيز قوته. وتدرك روسيا أنه حال سقوط الأسد فإنه لن يتبقى نظام حاكم داخل سوريا. وعليه، لن يبقى أمامها سوى التعامل مع مجموعة من لوردات الحرب العلويين وأذناب النظام السابق. وليس لدى موسكو استعداد أو قدرة للقيام بذلك. وباعتبارها قوة عالمية، ترغب روسيا في التعامل مع حكومة، مهما كانت ضعيفة، لأن وجود حكومة يضفي شرعية على مشاركة موسكو ويمكنها من الاستشهاد بالقانون الدولي، حتى وإن كان على نحو مراوغ، في إطار ألاعيبها السياسية.
ولا أعتقد أن روسيا ستبدأ عمليات برية خاصة بها. قد تنشر مستشارين إلى جانب قوات الأسد، لكن تبقى الميزة الكبرى التي تحملها معها روسيا كامنة في القدرات الاستخباراتية وقدرات المراقبة والاستطلاع، بجانب القوة الجوية. يذكر أن نقطة تفوق الأسد في السنوات الأخيرة على المعارضة تمثلت في القوة الجوية، لكنها لم تبلغ درجة كافية من التقدم تمكنها من توفير دعم تكتيكي للقوات على الأرض (وإنما كانت متقدمة بما يكفي لأن تدمر مدنًا وتقتل مدنيين وتحول كثير من أرجاء سوريا إلى جحيم). من المقرر أن تسد الطائرات والمروحيات الروسية هذه الفجوة، وتوفر الدعم للعمليات البرية لنظام الأسد ضد المسلحين الإسلاميين وغير الإسلاميين، وكذلك ضد «داعش» عند لحظة معينة.
في غضون شهور قليلة، سيتداعى التيار الرئيسي من المعارضة المسلحة الذي تحاربه روسيا وإيران والأسد، ما سيدفعه نحو الراديكالية، بينما سيبقى «داعش» قائمًا. وأعتقد أن روسيا حينها ستطرح خطة على الولايات المتحدة ودول أخرى تقضي ببقاء الأسد في السلطة وتقديم حد أدنى من التنازلات (بعض السلطات الإضافية لرئيس الوزراء، وعقد انتخابات تنطوي على إشكاليات جمة، والسماح للمعارضة «الصحية» فحسب بالانضمام إلى المشهد السياسي، وما إلى غير ذلك). في ذلك الوقت، ستقدم موسكو نفسها كقوة نبيلة وبناءة وستخبر العالم بأنه: «لقد أحضرنا الأسد، فمن تستطيعون إحضاره؟»، هذا الوضع لن يكون مقبولاً لدى المسلحين والمعارضة، لكن الأولى ستكون قد استنزفت وتحولت إلى الراديكالية، بينما الثانية ستكون منقسمة على نفسها. هذه هي خارطة الطريق الروسية، على الأقل كما أفهمها.
* كيف يمكن أن نرسم خطًا فاصلاً بين أين تبدأ المصالح الروسية وأين تنتهي المصالح الإيرانية؟ هل هناك أية نقاط اختلاف خفية؟
- على المدى القصير، ليس هناك خلاف استراتيجي بين روسيا وإيران، فكلاهما يتفق على الحاجة إلى ضمان بقاء الأسد، وحريص على ملء الفجوة التي خلقها تراجع الولايات المتحدة عبر خلق تحالفات جديدة في المنطقة. حتى الآن، يحالف هذه الاستراتيجية النجاح، وطالما أنها تنجح سيبقى في الإمكان تسوية الخلافات بين الدولتين. إلا أنه على المدى المتوسط ربما لا تتوافق الاستراتيجيات الروسية والإيرانية تمامًا.
من جانبها، تشعر إيران بالسعادة لعملها من خلال حلفاء ووكلاء داخل سوريا مثلما فعلت في دول أخرى. أما روسيا فتفضل دعم الحكومة وإعادة بناء قوتها العسكرية بمرور الوقت. وهنا تكمن المفارقة، فإيران اليوم قد تضمن مصالحها داخل سوريا من دون الأسد، بينما يتعذر على روسيا ذلك (رغم أن كليهما يفضل بوضوح بقاء الأسد - إننا هنا نتحدث عن خطط طارئة).
وقد تكون موسكو وطهران قد اتفقتا بالفعل على تقسيم العمل بينهما، من حيث المهام والمناطق. وسوف نعاين ذلك خلال الأسابيع المقبلة، لكن تبقى الحقيقة أن لكل منهما قدراته الخاصة وموارده التي يوجهها نحو القتال.
بمرور الوقت، ستنبع التوترات من الرغبة الروسية في إصلاح وكبح جماح الميليشيات المتنوعة التابعة للنظام، خصوصا قوات الدفاع الوطني. وقد استثمرت إيران بصورة هائلة في بناء بعض من هذه الميليشيات كسياسة تأمينية ضد سقوط نظام الأسد.
* بالنظر إلى عدم الفعل الأميركي، إلى أي مدى ستتحرك روسيا؟ هل ستقبل واشنطن تداعيات ظهور نظام إقليمي تهيمن عليه روسيا في الشرق الأدنى؟
- يتمثل هدف أوباما في عدم التورط على نحو يصعب الفكاك منه داخل سوريا، مهما كانت تكاليف ذلك بالنسبة للمصداقية والنفوذ الأميركيين. وبغض النظر عن مدى الحرج الذي يسببه له ذلك، فإن التصعيد الروسي يخدم على الأقل هذا الغرض، حيث يمكن لأوباما التوجه إلى الرأي العام والنخبة داخل أميركا وقول: «هل تودون حقًا المخاطرة بالتصعيد في مواجهة روسيا حول سوريا، حيث ليس هناك ما يمكن الفوز به بتكلفة معقولة؟».
من جهته، لا يبدي أوباما اهتماما بالحفاظ على النظام الأميركي المتداعي أو تصميم آخر جديد، وإنما وضع نصب عينيه مصالح أميركية أكثر ضيقًا، ويتفق معه في ذلك كثير من الأميركيين. يعتقد أوباما أن الولايات المتحدة لا يمكن ولا ينبغي أن تكون المصمم الرئيسي والضامن الأساسي لأمن الشرق الأوسط. وعليه فإنه مع تمترس الولايات المتحدة إقليميًا، تظهر فجوة أمام إيران، والآن تسارع روسيا لسدها ومحاولة إعادة تصميم التحالفات بالمنطقة. وقد تمنى هذه الجهود بالفشل وتأتي على حساب تكلفة باهظة لكلا البلدين (وهو الاعتقاد السائد داخل معسكر أوباما)، لكن على المدى القصير يبدو البلدان انتهازيين وبلا هوادة في مساعيهما وراء جني مكاسب.
* هل تعتقد أن واشنطن تأمل في - وتعمل من أجل - هزيمة إردوغان في تركيا، على أمل أن يضعف هذا من شوكة الإسلاميين؟
- ليست لدي أدنى فكرة، فأنا لست متخصصًا في الشأن التركي، لكن أشك في أن واشنطن تتدخل في الانتخابات التركية.
* هل بإمكان المعارضة السورية البقاء حال تعرضها لضربات جوية روسية بالتزامن مع هجوم إيراني بري، ولا مبالاة أميركية واضحة؟
- ستواجه المعارضة السورية المسلحة شهورًا عصيبة للغاية، ذلك أن اتحاد جهود طهران وموسكو و«حزب الله» والأسد من المحتمل أن يسفر عن انتكاسات حقيقية على الأرض. وعليه، وبالنظر إلى الشعور بأن الغرب قد تخلى عنهم، فإن المعارضة المسلحة من المحتمل أن تتحول إلى الراديكالية وترفض أي مسار سياسي، بل إن المعارضة السياسية، في ظل ما تعانيه من ضعف وانقسام، ستواجه معضلة: رفض الحوار برعاية روسية ورعاية الأمم المتحدة والظهور بمظهر الرافض للتعاون مع المجتمع الدولي أم قبوله ومواجهة غضب المسلحين ورفضهم.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.