شعيب حليفي: أسوأ سيناريو للرواية أن يُنظر إليها بوصفها وثيقة

الكاتب المغربي «يدنو من الخيال الوحشي للبشر دون ترويضه»

شعيب حليفي: أسوأ سيناريو للرواية أن يُنظر إليها بوصفها وثيقة
TT

شعيب حليفي: أسوأ سيناريو للرواية أن يُنظر إليها بوصفها وثيقة

شعيب حليفي: أسوأ سيناريو للرواية أن يُنظر إليها بوصفها وثيقة

بين الإبداع الروائي والتنظير الأكاديمي والنقد الأدبي، تتعدد وجوه التجربة الثقافية للكاتب المغربي شعيب حليفي الذي صدر له في مجال الرواية  عدد من الأعمال منها «زمن الشاوية»، «رائحة الجنة»، «لا تنس ما تقول»، «مساء الشوق»، «مجازفات البيزنطي»، «تخمينات مهملة»؛ ومؤخرا صدرت له راوية جديدة  بعنوان «خط الزناتي». وفي مجال الدراسات والتأملات وأدب الرحلة والنقد، صدر له «لا أحد يستطيع القفز فوق ظله»، «أسفار لا تخشى الخيال»، «سبع رسائل إلى صالح بن طريف»، «شعرية الرواية الفانتستكية»، «الرحلة في الأدب العربي». كما تولى عددا من المناصب الأدبية من أبرزها رئاسة «مختبر السرديات»... هنا حوار معه، حول هموم الكتاب وروايته الجديدة.

> في روايتك «خط الزناتي»، التي صدرت مؤخراً ثمة احتفاء بالطبيعة وبهجة الكائنات وثنائية الليل والنهار بعيداً عن الزحام وصخب المدينة. هل أردت التحرر من الأجواء المكررة التي باتت تحكم فضاء الرواية العربية؟

- الرواية مثل السحر. بل هي السحر بمفهومه الفلسفي والثقافي العام. لذلك فكتابة نص سردي ليس مجرد اختلاق للحكاية أو محاكاة باهتة ومصطنعة لأحداث وشخصيات، وإنما هي خلق حقيقي للمحتمل في صوره اللامتناهية في الحياة. والحياة ليست هي الأنا والأحداث المكرورة، ولكنها هذا العالم الساحر والعجيب الذي نراه ولا نُبصره، نعيشه ولا نتذوقه؛ وربما كان شعراء العصور القديمة ورواتها أكثر إدراكاً منا لجوهر الثقافة والحياة وهم يحتفون بالكائنات التي نحيا معها. قد نسمي هذا وعياً بيئياً وحبّاً للطبيعة، ولكن الحقيقة أن صخب المدن وأوهامها فصَلنا عن عوالمنا الأصلية التي نحيا فوقها ونتنفس ونتغذى بها، وأفقدَنا رؤية ذواتنا بالوضوح الذي يجعل خيالنا وتخيلنا رائقاً وسلساً ومستمراً. في روايتي «خط الزناتي»، عودة إلى الزمن في صيرورته والحكاية في تعالقاتها الإنسانية، فالكلب والقنفذ والحجر والتراب والسنابل والماء والظلام والحمار والطائر باسمه وصفاته إلى جانبهم الإنسان وغيرهم من الكائنات، جميعهم شخصيات تفكر وتتأمل مشدودة إلى ذاكرة المكان وطاحونة الزمن. وقد شعرتُ في هذه الرواية أنني استعدتُ بصري وبصيرتي التي كنت أبحث عنهما في رواياتي السابقة.

> تدور الرواية في يوم واحد من أيام الحصاد في حياة «موسى الزناتي» وبقية الشخصيات مع تقسيم الفصول إلى «جزء نهاري» و«جزء ليلي». هل يشغلك هاجس التجريب أم تضع التواصل البسيط والحميم مع المتلقي في مرتبة تسبق إشكاليات السرد وألاعيبه؟

- التخييل السردي ليس وصفة جاهزة؛ والإبداع خلق يحمل من روح ورؤية وهواجس مؤلفه شيئاً، وشيئاً من الأثر المشترك في المجتمع كما نحياه أو كما نتخيله ونقرأه، والباقي من كيمياء الكتابة والجنس الأدبي والتلقي وعناصر أخرى. في كل رواياتي، منذ «زمن الشاوية»، تعودتُ اللجوء إلى طريقة أراها متممة للرواية، وهي أنني حينما أنتهي من كتابتها ومراجعتها، أسلمها لخمسة قراء بحد أقصى لقراءتها وإبداء ملاحظاتهم العفوية، وكنتُ أحرص على سؤالهم: هل هي مفهومة وسلسة؟ لكن الأهم في هؤلاء القراء هو تنوعهم، منهم المثقف المتخصص والمثقف بشكل عام ثم قراء من العامة ومنهم من البادية ممن لهم مستوى دراسي بسيط. وما وقع لي مع رواية «خط الزناتي» على سبيل المثال أني استمتعتُ كثيراً بملاحظات قارئ من البادية، ومن قارئة من تخصص علمي بعيد عن العلوم الإنسانية. وهذا يعني أن الرواية بالنسبة لي لا بد أن تحقق تواصلاً أفقياً وتأثيراً أيضاً، فالكاتب ليس كائناً مجنحاً يخاطب نخبة تحيا في عوالم معزولة، بالإضافة إلى أن الكتابة فن يطمح إلى العيش أطول ما يمكن، وفي أزمنة أخرى مع أجيال وخطابات أخرى، وهذا لن يتحقق ما لم يكن تخييلاً أصيلاً وليس مستعاراً ومنسوخاً.

> يتضمن العمل إشارة منك بصفتك المؤلف إلى أن «الأحداث بكل تفاصيلها حقائق وقعت بالفعل»، وأنك «نقلت ما جرى بأقصى درجة من الأمانة والمسئولية». هل وظيفة الفن نقل الواقع بأمانة، وأين دور الخيال في هذه الحالة، وهل تنظر للفن الروائي تحديداً بوصفه وثيقة اجتماعية وتاريخية؟

- الكاتب هو الأسلوب والشكل والخيال، كما أن قدرة التخييل تكمن في مدى خلق توقعات ونقضها في الآن نفسه. الرواية ليست كاميرا أو عين كائن محايد. والأمانة الحقيقية هي في إبداع تخييل تحيا بداخله جينات المعارف والخبرات الإنسانية، ولعل أسوأ السيناريوهات بالنسبة لأي رواية أن تُقرأ بوصفها وثيقة. يمكن للعمل الروائي أن يساعد المؤرخ والسوسيولوجي الذكي في إضاءة رؤية وليس تأكيد أحداث ووقائع.

في الإشارة التمهيدية التي جاءت أسفل صفحة بأسماء «كائنات الرواية»، تقول: (الأحداث بكل تفاصيلها... حقائق وقعت بالفعل. ويشهد المؤلف أنه نقل كل ما جرى بأقصى ما يمكن من الأمانة والمسؤولية، وحينما أطْلعَ كائنات هذه الرواية على ما كتبه... أذهلهم لمعانُ التطابق، فقرروا الخروج من الواقع، بشكل جماعي، والهروب إلى الرواية لمواصلة العيش فيها). الأهم في هذا التذييل هو الجملة الأخيرة التي تهدم الجملة الأولى، ذلك أن شخوص الرواية حينما اطلعت على المكتوب أذهلها، وقررت الهروب من عالم الواقع إلى عالم الرواية، مما يعني أن الرواية هي عالم قائم بذاته بوصفه تخييلاً يجابه الواقعي والحقيقي في لمعانه. وإذا شئت الدنو أكثر من هذه الفكرة، أقول إن الأمر أشبه بكائن ينظر في المرآة فيرى كائنات وأحداث وهو بينها عنصر في حالات محتملة أكثر مما هي واقعية.

> كيف تصنّف «خط الزناتي» في سياق مشروعك الروائي؟

- الإجابة عن هذا السؤال تأخذنا إلى سياق مشروع الكتابة في علاقتها بكل ما أفعله وأفكر فيه. بالنسبة لي، رواية «خط الزناتي» هي فصل آخر من مشروع ثقافي أنا جزء منه، فيه الإبداعي والأكاديمي؛ بل الرواية مسار إلى جانب مسارات أخرى أحياها مرتبطة ومتصلة ومتفاعلة. إنها نص أعتقد أن فيه جدّة، بالنسبة لما كتبت، في الدنو من الخيال الوحشي دون ترويضه، وإنما مجاورته والإنصات إليه ثم التعلم منه. الخيال الوحشي للرعاة والفلاحين والحصّادين والحيوانات والطيور.

> من واقع خبرتك كيف تنظر للرواية المغربية في أفقها العربي؟ وما رأيك في الانطباع السائد لدى كثيرين في بلدان «المشرق» من أن التنظير والشعر يتألقان في المغرب بينما لا تبدو الرواية بالألق نفسه؟

- ربما في سبعينات القرن الماضي كان يمكن القول بهذا مع التحفظ، لكن اليوم الرواية المغربية مثل نظيرتها في المشرق وبعض الدول الأوربية المتوسطية وغيرها. صحيح أن ظهور الرواية في المغرب العربي، جاء متأخراً عن مثيلتها في المشرق، لكن الرواية المغربية اليوم تحظى بحضور لافت وتترجم العديد من النصوص منها سنوياً إلى لغات كثيرة، كما تفوز بجوائز، وحاضرة في كل المعارض العربية والدولية. لقد استطاعت الرواية المغربية أن تحقق وجوداً فنياً إلى جانب الأجناس الأدبية والفنية الأخرى، بموازاة الاهتمام النقدي بها.

> يشكو بعض المبدعين المغاربة من تهميش نقدي وقع عليهم بسبب المسافة الجغرافية التي أبعدتهم عن مراكز الثقل التاريخية في الثقافة العربية مثل القاهرة وبيروت وبغداد. كيف ترى الأمر؟ وبأي عين تنظر إلى ما يشاع حول ثنائية «المركز والهامش» في هذا السياق؟

- الفكرة بهذه الصيغة ربما كانت قبل مائة سنة، أما الآن فيمكن القول بأننا نحن - العرب - هامش بالنسبة للمركزية الأوربية. وأعتقد أن ما يقوم به النقاد والباحثون في الملتقيات والمؤتمرات والمعارض قد ألغى المسافات وباتت كل العواصم العربية مراكز لوجود نخبة مثقفة وصناعة ثقافية وجامعات وأنشطة ولقاءات. وإذا جاز الحديث عن نفسي أو من أعرفهم، أقول إننا لا نشعر بأي حيف أو نقص، فنحن على اتصال دائم بالمبدعين في الوطن العربي وكتبنا موجودة في طبعات متعددة.

> لك اهتمام خاص بأدب الرحلة تجلى في كتابك «الرحلة في الأدب العربي»... كيف ترى واقع هذا الجنس الأدبي وحاضره مقارنة بماضيه؟

- جنس الرحلة من الإبداع العربي يتقاسمه الأدب والتاريخ والاجتماع والأنثروبولوجيا والثقافة عموماً، والاهتمام به تزايد لأنه ملأ فراغاً مهماً على مستوى الخيال والتوثيق الذي كان التاريخ يستفرد به، ولدينا في العالم العربي تراث كبير من سرود الرحلة، وقد عدت إليها من أجل قراءتها في ضوء مناهج جديدة تستجلي صور الأنا والآخر في مراحل تاريخية سابقة، كما تعكس مدى ثراء الحوار الثقافي والحضاري بين الشعوب.

> أنت روائي وناقد وأكاديمي. هذا التنوع يشتت تجربتك أم يحدث بينها نوع من التكامل؟

- كل إنسان يحتاج إلى سكتين ليسير عليهما ليحقق التوازن، وبالنسبة لي العمل النقدي يندرج ضمن انخراطي الأكاديمي ونشاطي الثقافي بوصفهما ضرورة لدور المثقف في مجتمع يتطلع إلى حياة أفضل في سياق متلاطم وتحولات عنيفة تُطيح يومياً بكل القيم وتشكك في الذاكرة وتُبخس الثقافة. كما أن أي كاتب له القدرة خلق جسور بين اهتمامات متنوعة دون الخلط بينها، وهو حالي بين كتابة الرواية التي هي طقس يختلف عن الكتابة النقدية والبحث الأدبي.

> هل الخلفية النقدية الأكاديمية بما تتضمنه من حذر وأطر تنظيرية يمكن أن تتحول إلى عبء على خيال الروائي وجموحه الأدبي؟

- يمكن أن تكون عاملاً مدمراً إذا كان الإبداع شأناً ميكانيكياً، وأرى بأننا في حياتنا - دائماً - نستطيع أن تكون لنا مسافات بين الاهتمامات، كما أن خصوصيات كل مجال تقتضي أدواته ومزاجه؛ وأعتقد أن التخييل الذي أشتغل بداخله مثل فرن عالي الحرارة يذيب ويصهر كل شيء من خارج جنسه. بين الإبداع الروائي والتنظير الأكاديمي والنقد الأدبي، تتعدد وجوه التجربة الثقافية للكاتب المغربي شعيب حليفي. ففي مجال الرواية صدر له عدد من الأعمال منها «زمن الشاوية»، «رائحة الجنة»، «لا تنس ما تقول»، «مساء الشوق»، «مجازفات البيزنطي»، «تخمينات مهملة»؛ ومؤخراً صدرت له رواية جديدة بعنوان «خط الزناتي». وفي مجال الدراسات والتأملات وأدب الرحلة والنقد، صدر له «لا أحد يستطيع القفز فوق ظله»، «أسفار لا تخشى الخيال»، «سبع رسائل إلى صالح بن طريف»، «شعرية الرواية الفانتستيكية»، «الرحلة في الأدب العربي». كما تولى عدداً من المناصب الأدبية من أبرزها رئاسة «مختبر السرديات». هنا حوار معه، حول هموم الكتاب وروايته الجديدة.

 



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».